المعاني البيانية للاستفهام في القرآن
معاني الاستفهام في القرآن منها ما هو ظاهر بيّن يُعرف بدلالة السياق، ومنها ما يُحتاج في معرفته إلى نظر واجتهاد، ولذلك قد يقع بين المفسرين خلاف في بعض معاني الاستفهام في القرآن.
ومن المتعسّر على الناظر حصر معاني الاستفهام في القرآن وفي اللغة؛ لكثرتها وتنوّعها وتداخلها، ولم يزل العلماء يزيد بعضهم على بعض في تفصيل معاني الاستفهام، فتختلف عباراتهم وتتنوّع.
لكن مما يحسن تقديمه التعريف بهذه المعاني على وجه الإجمال والتمثيل لها بما يحصل به تصوّر حسن كافٍ إن شاء الله ثم يعقب ببعض المباحث التي تدعو حاجة المفسّر إلى تبيّنها في هذا الباب.
فما تلخّص لي من معاني الاستفهام في القرآن نحو عشرين معنى، ولا أزعم أنها حاصرة، لكن هذا ما توصّلت إليه بعد تأمّل أمثلة كثيرة للاستفهام في القرآن، والاطلاع على أقوال جماعة من العلماء في معاني الاستفهام على اختلاف مناهجهم في محاولة حصرها وسردها.
فمن هذه المعاني:
1: استفهام التقرير، وهو كثير في القرآن ومن أمثلته: قول الله تعالى: {ألست بربّكم} وقوله تعالى: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} وقوله: {أليس الله بكاف عبده} وقوله: {ألم تعلم أن الله على كلّ شيء قدير}.
ولتسمية هذا المعنى بالتقرير أصل في السنة النبوية كما في الصحيحين من حديث قتادة عن صفوان بن محرز عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟
فيقول: نعم.
ويقول: عملت كذا وكذا؟
فيقول: نعم.
فيقرره، ثم يقول: ((إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)).
والشاهد قوله: (فيقرّره) فسمّى هذا الاستفهام تقريراً.
- وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في تفسير قول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} أنه قال: (نِعَم من الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره). رواه ابن جرير.
- قال محمد الأمين الشنقيطي: (والمقصود من استفهام التقرير ليس السؤال عن شيء يفهمه السائل، بل المراد به: حمل المخاطب على أن يُقِرَّ فيقول: «بلى» ولا يكون استفهام التقرير إلا في شيء لا يمكن أن يُنازع فيه)ا.هـ.
ثمّ إنّ استفهام التقرير قد تدخله معانٍ أخر بحسب السياق ومقصد التقرير، ومن ذلك:
أ- إظهار المنّة، كما في قول الله تعالى: {ألم نشرح صدرك} ، وقوله تعالى: {أولم نمكّن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كلّ شيء رزقاً من لدنا}.
ب- وإقامة الحجة، كما في قول الله تعالى: {أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النذير} ، وقوله تعالى: {ألست بربّكم} ، وقوله تعالى: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة}.
ج- والتبكيت، كما في قول الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)}.
د- والتوبيخ، كما في قول الله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}.
هـ- والتخويف والتشنيع، كما في قول الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا} وقوله تعالى: {ألم يعلم بأنّ الله يرى}.
و- والافتخار، كما في قول الله تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)} فهذا استفهام تقرير أراد به فرعون الافتخار وصرف الأنظار إليه عن موسى ودعوته.
2: استفهام الإنكار، كما في قول الله تعالى: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، وقوله تعالى: {أفغير دين الله يبغون}، وقوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} ، وقوله: {أكذّبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما}.
واستفهام الإنكار قد يكون وارداً على خبر يراد نفيُه والإنكارُ على من زعمه، وقد يكون وارداً على عمل أو قول فيراد به الإنكار على صاحبه ونهيه عنه، ثم قد يقتضي ذمّه، وقد يقتضي معاتبته، أو بيان خطئه بحسب السياق؛ فيكون هذا من اللازم الزائد على معنى الإنكار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (استفهام الإنكار إما بمعنى النفي إذا قابل الإخبار، وإما بمعنى الذم والنهي إذا قابل الإنشاء).
وقال في موضع آخر: (وهذا شأن استفهام الإنكار فإنه يتضمن نفي المستفهم عنه، والإنكار على من أثبته).
ولذلك فإنّ استفهام الإنكار غالباً ما يتضمّن معنى آخر، ومن ذلك:
أ: العتاب، كما في قول الله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ، فهذا استفهام إنكاري يراد به العتاب.
- قال قتادة: (عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل الله التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ}). رواه ابن جرير.
- وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: (سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟! بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم}). رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}.
- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية:{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلا أربع سنين). رواه مسلم.
ففهم السلف من هذا النوع من الاستفهام معنى المعاتبة.
ب: والتوبيخ، ومنه قول الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ، وقوله تعالى: {ياأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71)}
ج: والتبكيت، ومنه قول الله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)}.
د: والتشنيع، ومنه قول الله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40)}، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)} ، وقوله تعالى: {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)}، وقوله تعالى: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)}.
هـ: والنهي، كما في قول الله تعالى: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)} وفيه أيضاً معنى التشنيع على من يأخذ شيئاً من صداق امرأته.
3: واستفهام التعجّب، كما في قول الله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} فهذا نص على معنى الاستفهام.
ومنه قوله تعالى: {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيا} ، وقوله تعالى فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون: { وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)} ، وقوله تعالى: {وتفقّد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}، والتعجب قد يكون مشوباً بإنكار أو استغراب أو اندهاش.
4: واستفهام النفي، كما في قول الله تعالى: {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون}، وقوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله}، وقوله تعالى: {هل يهلك إلا القوم الظالمون}، وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}.
واستفهام النفي له مقاصد تفسّر في كلّ موضع بحسبه.
5: والأمر، كما في قول الله تعالى: {فهل أنتم منتهون} فهو في معنى الأمر بالانتهاء.
وقد يشتدّ معنى الأمر في الاستفهام حتى يفهم منه التوعّد والتهديد للمخالف كما في قول الله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)}.
6: والتعظيم، كما في قول الله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، وقوله: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين}.
7: والتهويل، كما في قول الله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين}، وقوله تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية}، وقوله تعالى: {القارعة ما القارعة}.
والتهويل فيه معنى التعظيم للمستفهم عنه، لكنه تعظيم بتخويف.
8: والتخويف والتقريع، كما في قول الله تعالى: {لمن الملك اليوم} ، وقوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه}، وقوله تعالى: {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة}، وقوله تعالى: {لأيّ يوم أجلّت}.
9: والتشنيع، كما في قول الله تعالى: {قل أتعلّمون الله بدينكم}.
10: والتوبيخ، ويأتي كثيراً مع استفهام الإنكار كما في قول الله تعالى: {أفلا تعقلون} وقوله تعالى: {أتعبدون ما تنحتون}.
أو التقرير كما في قول الله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}.
11: والتبكيت، وهو تأنيب المخاطَب بتقبيح فعله بما يستوجب ندمه وإكباره ما أتى من الذنب.
وقد يأتي مع استفهام الإنكار كما في قول الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون}.
وقد يأتي مع استفهام التقرير كما في قول الله تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا}.
وتسمية هذا النوع من الاستفهام بالتبكيت له أصل في السنة، ففي مسند الشافعي وسنن أبي داوود والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بشارب خمر؛ فقال: اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «بكّتوه» فبكّتوه، ثم أرسلوه.
وقد ورد تفسير هذا التبكيت في رواية عند أبي داوود أنهم أقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله؟! ما خشيت الله؟! وما استحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
12: والتهكّم، كما في قول الله تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (139)}
وقوله تعالى فيما حكاه عن اليهود: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ، وقوله تعالى: { وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} ، وقوله تعالى: { وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71)}.
13: والتحقير، كما في قول الله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)}.
وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا}، وكثيراً ما يكون استفهام التحقير مصحوباً بالتهكّم.
14: والتشويق، كما في قول الله تعالى: {هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} وقوله تعالى: {قل أؤنبّئكم بخير من ذلكم للذين اتّقوا عند ربّهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}.
15: والتحضيض، كما في قول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}، وقوله تعالى: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم}.
16: والتنبيه، كما في قول الله تعالى: {ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظلّ} ، وقوله تعالى: {فاستفتهم أهم أشدّ خلقاً أم من خلقنا}.
17: والاسترحام، كما في قول الله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}.
18: والتمنّي، كما في قول الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}.
وقوله تعالى: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مردّ من سبيل}.
19: والاستبعاد، كما في قول الله تعالى: {وأنّى له الذكرى} ، وقوله تعالى: {قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها} ، وقوله تعالى: {قال ربّ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر} ، وقوله فيما حكى عن منكري البعث: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)}، وقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} الآية.
20: والاستغراب، كما في قول الله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}، وقوله تعالى: {إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن}.
والاستغراب قد يكون مشوباً بتعجّب، وقد يكون مشوباً بإنكار.
21: واستظهار الجواب، كما في قول الله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله} ، وقوله تعالى: {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء}.
وهذه المعاني ليست على سبيل الحصر، وبين بعضها تقارب، وقد يحمل الاستفهام معنيين أو أكثر.
وقد حاول بعض العلماء حصر معاني الاستفهام، ومن ذلك قول ابن خالويه: (وكل لفظ استفهام ورد في كتاب الله عز وجل فلا يخلو من أحد ستة أوجه: إما أن يكون توبيخا أو تقريرا أو تعجبا أو تسوية أو إيجابا أو أمرا؛ فأما استفهام صريح فلا يقع من الله تعالى في القرآن لأن المستفهم مستعلم ما ليس عنده، والله عالم بالأشياء قبل كونها).
ومثّل للتسوية بقول الله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} ، والتسوية فيها عائدة إلى معنى الهمزة، ولا يظهر في الآية استفهام.
ولا أعلم وجهاً لهذا الحصر؛ وقد تقدّم ذكر معانٍ كثيرة غير هذه الستة بأمثلتها، ولو أنه أتى بمعانٍ كليّة ترجع إليها هذه المعاني لكان للحصر وجهاً مقبولاً.
وذكر جلال الدين السيوطي في الإتقان أن شمس الدين ابن الصائغ(ت:720هـ) ألّف كتاباً في الاستفهام سمّاه "روض الأفهام في أقسام الاستفهام" ، وقد لخّصه السيوطي في كتابيه الإتقان ومعترك الأقران؛ فذكر للاستفهام اثنين وثلاثين معنى، وفي بعضها نظر.
وعقد ابن الشجري في أماليه باباً لمعاني الاستفهام ذكر فيه جملة حسنة من معاني الاستفهام، وسمّاه ابن فارس في الصاحبي الاستخبار، وذكر له خمسة عشر معنى نحا في بعضها إلى التفسير بلازم المعنى.