حذف ألف الاستفهام
قد يأتي الاستفهام في الكلام بغير أداة ظاهرة، فيُفهم معنى الاستفهام بدلالة السياق، والغالب أن تُقدّر الأداة المحذوفة بالألف.
وهذه مسألة تنازع فيها أهل اللغة فسرى تنازعهم إلى أهل التفسير، ولذلك فإنّ الأمثلة التي تُذكر لهذا النوع من القرآن مما يُنازع فيه.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما قيل في قول الله تعالى فيما حكاه عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون: {وتلك نعمة تمنّها علي أن عبّدت بني إسرائيل}.
- قال قتادة، في قوله: ({وتلك نعمةٌ تمنّها عليّ} قال: (يقول موسى لفرعون: أتمنّ عليّ أن اتّخذت أنت بني إسرائيل عبيدًا). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقي معمر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
ففي هذا دليل على أنّ قتادة رحمه الله فهم من هذا التركيب معنى الاستفهام.
وقتادة بن دعامة السدوسي(ت:117هـ) من تابعي البصرة، وهو من أهل عصر الاحتجاج اللغوي، وقد وافقه على هذا القول بعض نحاة البصرة.
واستُشهد له بشواهد كثيرة مبثوثة في كتب النحو، منها قول امرئ القيس:
تروح من الحيّ أم تبتكر ... وماذا يضرّك لو تنتظر؟
والتقدير: أتروح من الحيّ أم تبتكر؟
وقول الخنساء:
قذى بعينيكِ أم بالعين عوّار ... أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار
أي: أقذى بعينيك؟
وقول عمر بن أبي ربيعة:
بدا لي منها معصم يوم جمَّرت ... وكفٌّ خضيب زيّنت ببنان
فوالله ما أدري وإني لحاسب ... بسبع رميت الجمر أم بثمان
يريد: أبسبع رميت الجمر أم بثمان؟
وقول العرجي:
بالله يا ظبيات القاع قُلنَ لنا ... ليلايَ منكنَّ أم ليلى من البشر
يريد: أليلاي منكنّ؟
وقد خالف في ذلك بعض نحاة الكوفة، لما يلزم منه عندهم من التباس الخبر بالاستفهام، وتأوّل بعضهم قول امرئ القيس: تروح من الحيّ أم تبتكر
بأن همزة الاستفهام مدلول عليها بأم؛ فحذف الاستفهام الأوّل اكتفاءً بـ "أم".
وقال بعضهم: بل الأوّل خبرٌ، والثّاني استفهامٌ.
وأنكروا على القولين أن تحذف ألف الاستفهام من غير "أم"، وهو ما رجّحه ابن جرير.
وهذا القول يردّه ما ورد من الشواهد في حذف ألف الاستفهام من غير أم، كما في قول عمر بن ربيعة:
ثم قالوا: تحبها، قلت: بهرا ... عدد النجم والحصى والتراب
أي: أتحبها؟
وبهراً أي فخراً أجاهر به ولا أخفيه.
وقول الكميت:
طربتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطربُ ... ولا لعباً مني وذو الشيبِ يلعبُ
أي: أذو الشيب يلعب؟
وقول امرئ القيس:
أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّل
أي: أترى برقاً؟
والشواهد على حذف أداة الاستفهام وإرادة معناه كثيرة في اللغة، ومنها ما هو صريح غاية الصراحة في الأحاديث النبوية.
-
ومن ذلك ما في الصحيحين من حديث شعبة، عن واصل الأحدب عن المعرور بن سويد، قال: سمعت أبا ذر يحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة))
قلت: وإن سرق، وإن زنى؟
قال: (( وإن سرق، وإن زنى)).
وهذا الحديث احتجّ به ابن مالك على جواز حذف ألف الاستفهام وإرادة معناه.
ومن ذلك أيضاً: حديث المجامع في نهار رمضان لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذها فتصدّق بها)) قال: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي.
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك»، والحديث في صحيح البخاري من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأما ما ذكروه من خشية التباس الخبر بالاستفهام فهذا مما يدفعه السياق.
ومما قيل فيه بحذف أداة الاستفهام مع إرادة معناه:
1: قول الله تعالى: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)}
فالجواب بنعم دليل على معنى الاستفهام في الكلام، وقد صرح بذلك في قول الله تعالى في سورة الأعراف: { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)}.
2: قول الله تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}
- قال ابن فارس: تأويله: أفتنقلبون على أعقابكم إنّ مات؟
3: قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)}
- قال محمد الأمين الشنقيطي: (ومن حذف الاستفهام في القرآن قوله تعالى: {أفإن مت فهم الخالدون} لأن المعنى: أفئن مت أفهم الخالدون بعد موتك؟).
4: قول الله تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)}
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالوصل: اتخذناهم ، وقد اختلف في معناه فقيل: خبر، وقيل: استفهام حذفت أداته.
5: وقول الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75)}
قرأ ابن كثير في رواية عنه [ استكبرت ] بهمزة وصل ، وهي على حذف ألف الاستفهام مع إرادة معنى الاستفهام.
6: قول الله تعالى: { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)}
قرأ نافع في رواية عنه وأبو جعفر بالوصل، وهو على حذف ألف الاستفهام.
7: قول الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} على قراءة ضم اللام "قتالٌ فيه" وهي رواية أبي الفتح النحوي عن يعقوب، وهي على تقدير ألف الاستفهام: أقتالٌ فيه؟
8: قول الله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي}
قال قطرب وغيره: هو على حذف ألف الاستفهام، والمعنى: أهذا ربي؟
وهذا القول ضعّفه ابن جرير، ونصره محمد الأمين الشنقيطي كما في العذب النمير، وبالغ في نصر هذا القول والردّ على ابن جرير.
ومسألة حذف ألف الاستفهام من مسائل الخلاف عند النحاة، ولهم فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: منع ذلك مطلقاً، وهو قول نحاة الكوفة، وتأوّلوا ما قيل فيه بحذف ألف الاستفهام بتأويلات مختلفة فراراً من التباس الخبر بالاستفهام، نصّ عليه الفراء، واختاره ابن جرير في تفسيره.
والقول الثاني: جواز حذف ألف الاستفهام في ضرورة الشعر إذا كان في الكلام ما يدلّ عليه، وهذا قول سيبويه والمبرّد، وغيرهما.
قالوا: وأكثر ما يكون الحذف مع أم لأنّ فيها دلالة عليه، وذكروا لذلك شواهد تقدّم ذكر بعضها.
وممن قال بهذا القول: ابن الأنباري، وابن السرّاج، وابن عصفور.
والقول الثالث: جواز حذف ألف الاستفهام في الاختيار من غير ضرورة، وإن لم يكن بعدها "أم" إذا كان في الكلام ما يدلّ على معنى الاستفهام، وهو قول الأخفش، وابن فارس، وابن الشجري، وغيرهم.
وهو الصواب الذي تدلّ عليه الشواهد اللغوية الكثيرة.
- قال ابن مالك: (وأقوى الاحتجاج على ما ذهب إليه الأخفش قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: "وإن زنى، وإن سرق"؟ فقال: "وإن زنى وإن سرق"
أراد: أَوَإن زنى وإن سرق؟ لأنه من هذا التقدير)ا.هـ.
وهو ما رجّحه ابن هشام في مغني اللبيب.