المثال الثالث: معنى الصريم في قول الله تعالى: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)}
وقد اختلف فيها المفسرون على أقوال:
القول الأول: الليل، وهو قول الفراء، وروي عن ابن عباس ولا يصحّ عنه.
والقول الثاني: الصبح، ذكره الأصمعي وقطرب وغيرهما.
وتوجيه هذين القولين أنّ الصريم من الأضداد فيطلق على الليل وعلى النهار، فكل واحد منهما يتصرّم من الآخر، ولكل واحد من الوصفين مناسبة؛ فالليل دالّ على سواد الجنّة بعد احتراقها، والصبح المتصرم دالٌّ على الفوات، كما تقول العرب فيما فات: كأنه أمس الذاهب، أي فات ولا يُرجى عوده.
والقول الثالث:كالزرع إذا حُصد، أي هشيماً يابساً، وهو قول الثوري والسدي فيما حكاه ابن كثير.
وتوجيهه أنّ الصريم بمعنى المصروم، وصَرْم الزرع حصاده؛ فكأنّ جنَّتهم مصرومة لخلوّها من الثمار.
والقول الرابع: الرمل المتصرّم من معظم الرمل، ذكره أبو عبيدة وغيره.
وهو دالٌّ على الفوات أيضاً.
والقول الخامس: أرض باليمن تُدعى الصريم، قيل إنها لا تنبت شيئاً، وهو قول سعيد بن جبير.
وهذه الأرض إن كانت معروفة عند العرب وقت النزول فهي مما يحتمله معنى الآية.
وهذه المعاني ذكر أكثرها البخاري في صحيحه فقال: (قال ابن عباس: {لضالون} «أضللنا مكان جنتنا» وقال غيره: {كالصريم}: " كالصبح انصرم من الليل، والليل انصرم من النهار، وهو أيضا: كل رملة انصرمت من معظم الرمل، والصريم أيضا: المصروم، مثل قتيل ومقتول)ا.هـ.
فهذه المفردة الواحدة دلّت على معانٍ كثيرة صالحة للتشبيه، وهذا قدر معجزٌ في التشبيه، وهو من أوجه إعجاز القرآن، لا يُعرف له نظير بهذه الكثرة في كلام العرب.
- قال ابن عاشور : (وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية).