دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > دورات برنامج إعداد المفسّر > أصول التفسير البياني

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #14  
قديم 10 رمضان 1441هـ/2-05-2020م, 12:51 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,458
افتراضي الدرس الخامس: دلالات الصيغ الصرفية للمفردات القرآنية

الصنف الخامس: معاني صيغ الجموع
ما يدلّ على الجمع في اللغة على أنواع:
النوع الأول: جمع المذكر السالم وما يلحق به، ومنه: المسلمون، والقاسطون، والمصطفون، والأعلون.
ومما يلحق به: ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين، والعالَمين، والبنين، والأهلين، وأولي، وعليين، وعِزين، وعِضِين.

والنوع الثاني: جمع المؤنث السالم وما يلحق به، كالمسلمات، والمؤمنات، والحجرات.
ومنه: مفتريات، وخطوات، وحسرات.
ومنه: محذوف اللام كبناتٍ، وثُبات.
وما يلحق بجمع المؤنث السالم كأولات، وعرفات.
ولجمع المؤنث السالم صيغ كثيرة.

وجمع المذكر السالم والمؤنث السالم يقال لهما جمعا السلامة وجمعا التصحيح، وهما صالحان للقلة والكثرة، وذهب ابن مالك إلى أنّ الأصل فيهما الدلالة على القلّة ما لم تقترن بهما الألف واللام الدالة على الاستغراق، أو يضافا إلى ما يدل على الكثرة.

والنوع الثالث: جمع التكسير، سمّي بذلك لاختلاف بنائه بعد الجمع عن بناء مفرده.
ومنه جموع قلّة، وجموع كثرة.
فأمّا جموع القلة: فلها أوزان مشتهرة جمعها ابن مالك في ألفيته بقوله:
أفْعِلَةٌ أفْعُلٌ ثمَّ فِعْلَةٌ ... ثمَّتَ أفعالٌ جموع قلّة
1. أَفْعِلَة، مثل: أفئدة، وألسنة، وأسلحة، وأمتعة، وأسورة، وأوعية، وأودية.
ومنه: أجنّة وأشحّة لأن الأصل أَجْنِنَة وأَشْحِحَة، وكذلك أعزة وأذلة وأئمة وأهلة وأكنة.
ومنه آنية لأن أصلها أَأْنية.
2. وأَفْعُل، مثل: أنفس، وأبحر، وأشهر.
3. وفعْلة، مثل: إخوة، وفتية.
4. وأفعال مثل: أيام، وأزواج، وأسماء، وأجسام، وأفواه، وأسماع، وأبصار، وأثقال، وأوزار، وأحزاب، وأهواء، وآلاء، وآذان، وأجداث، وأبكار، وأتراب، وهي كثيرة في القرآن.

وهذه الصيغ مشتهرة في القلة، وهي تدلّ عليها بشروط يأتي ذكرها إن شاء الله.
وقد عُدّ من جموع القلة صيغ أخرى مثل: فُعَل، وفِعَل، وفِعَلة، وفَعَلة، وأفْعِلاء، والصحيح أنها جموع كثرة.
- قال ابن أمّ قاسم المرادي: (وليس من أبنية القِلَّة فُعَل نحو ظُلَم، ولا فِعَل نحو نِعَم، ولا فِعَلة نحو قِرَدة خلافا للفراء، ولا فَعَلة نحو بَرَرة، خلافا لبعضهم، نقله عنه ابن الدهان، ولا أفعِلاء نحو أصدقاء خلافا لأبي زيد الأنصاري، نقله عنه أبو زكريا التبريزي، والصحيح أن هذه كلها من جموع الكثرة).

وأمّا جموع الكثرة؛ فلها صيغ كثيرة، تزيد على ثلاثين صيغة منها:
1. أفعلاء: كأنبياء وأولياء، وأغنياء، وأدعياء، وأخلاء، وأحبّاء، وأشداء.
2. وفُعَلاء: كعُلَماء، وحنفاء، ورحماء، وخلفاء، وشهداء، وضعفاء، وفقراء، وشركاء، وخُلَطاء، وقرناء، وكبراء، وشعَراء، وسفهاء، وبرآء.
3. وفُعْل:كخُضر وحُمْر، وسود، وبيض، وعُمْيٌ وصمّ، وبكم.
4. وفُعَل:كغُرَف، وعُقَد، وشُعَب، وزُمر، وزُلَف، ونُهَى، وجُدَد، وأمم، وسُنن، وظُلَل، وقُوَى، وسُوَر، وصُوَر، وكُبَر، وعُلَى، وقُرى.
5. وفُعُل: كرُسُل، وصُحُف، وسُقُف، وجُدُر، وسُرُر،
6. وفِعَل: كَقِطَع، وكِسَف، ولِبَد، ونِعَم، وشِيَع، وحِجَج، وقِدَد.
7. وفَعَلَ، كحَرَس، ورَصَد.
8. وفَعَلة: كحفَظة، وخَزَنَة، وبَرَرَة، وسَفَرَة، وحَفَدَة، وورثة، وسحرة، وفجرة، وكفرة.
9. وفِعَلة: كقِرَدة وليس في القرآن غيرها على مثالها.
10: وفُعَلة: كسُقاة في قراءة تُروى عن أبي جعفر [ سُقَاة الحاج ]
11. وفِعَال: كجِبَال، وبحار، وجِفان، وصحاف، ورماح، ورجال، وعِشار، وبغال، وحبال، ورحال، ورهان، وعظام، وسياط، وفجاج، وجباه، وديار، ورقاب، دماء، وإماء، ورعاء، وقيام، وثقال، وخِفاف، وسراع، وكفات، وحِداد، وإناث، وعِجاف، وغيرها.
12. وفُعُول: كنُفُوس، ورُؤوس، وصُدُور، وقُلُوب، وَوُجُوه، وعُيُون، وظُهور، وبُطون، ولُحُوم، وفُرُوج، وَقُصُور، وعُرُوش، وكُنوز، وزُروع، وسُهول، وفُطور، وقُبُور، ووُحُوش، وأُجُور، وذُنُوب، ورُجُوم، وأُمُور، ونُذور، وعُقُود، وأُلُوف، وقُرون، وأصول، وحُدود، وظُنُون، وجُيوب، بُيوت، شيوخ، وبروج، وجروح، وجنود، وقروء، وُحليّ، وعُصيّ، وبُكيّ، وغُدوّ، وغيرها كثير.
13. وفَعِيل: كعَبيد ونَخيل، وحمير.
14. وفُعَّل:كرُكَّع، وخُشَّع، وسجَّد، وخُنَّس، وكنَّس، وشُرَّع، وقمَّل، وغُزَّى.
15. وفُعَّال: كحُكَّام، وزُرَّاع، وفجَّار، وكفار.
16. وفُعْلان:كرُكبان ورُهبان وذُكران، وعُميان.
17. وفِعْلان: كفِتيان وغِلْمان، وولدان، وإخوان، وصنوان، قنوان، وحيتان.
18. وفَعْلى: كأَسْرَى، ومَرْضَى، وصَرْعَى، وقَتْلَى، وَمَوْتَى.
19- 50: صيغ منتهى الجموع، وهي كلّ جمع ثالثُه ألِف بعدها حرفان كدراهم، أو بعدها ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كدنانير.
وما يجري هذا المجرى له صيغ كثيرة يتعسّر حصرها، لكن مما وقفت على ذكره منها في كتب شتّى:
19. فَوَاعِل: كجوارج، وخوالف، وكوافر، وكواعب، وصوامع، وصواعق، وفواحش، وجوابٍ، وغواش، ورواسي، ورواكد، ولواقح، وجَوَارٍ، وصوافّ، وفي قراءة ابن مسعود: "صوافن"
20. وفواعيل، كقوارير.
21. ومفاعل، كمساجد، ومناسك، ومجالس، ومواطن، ومواضع، ومواقع، ومنازل، ومساكن، ومضاجع، ومقابر، ومصانع، ومناكب، ومشارق، ومغارب، ومشارب، ومفاتح، ومقامع، ومعارج، ومراضع، ومآرب، ومنافع، ومعايش، ومثاني، ومرافق، ومغانم، وموالي.
22. ومفاعيل، كمحاريب، ومصابيح، ومعاذير، وموازين، ومواقيت، ومقاليد، ومساكين.
23. أفاعل، كأكابر، وأنامل، وأصابع، وأراذل.
24. وأفاعيل، كأقاويل، وأحاديث، وأباريق، وأبابيل، وأساطير، وأمانيّ.
25. وَفَعَالِل كدراهم، وسلاسل، وحناجر، وضفادع، ونمارق، وصياصي.
26. وفَعَالِيل كجلابيب، وغرابيب، وقراطيس، وسرابيل.
27. وفَعَالِن، كفراسِنْ.
28. وفعالين، كقرابين، وثعابين، وسلاطين.
29. وفعاعل، كسلالم.
30. وفعاعيل، كسلاليم، ودكاكين، وخفافيش.
31. وتفاعِل كتجارب.
32. وتفاعيل، كتماثيل، وتجاريب.
33. ويفاعل كيحامد.
34. ويفاعيل، كينابيع.
35. وَفَعَائل: كخزائن، ومدائن، وشعائر، وقلائد، وبصائر، وحدائق، وحلائل، وخلائف، وخبائث، وربائب، وسرائر، وطرائق، وقبائل، وكبائر، وأرائك، وبطائن، وترائب.
36. وفياعل، كقياصر، وصيارف، وحيايا، وسبايا.
37. وفياعيل، كشياطين، ودياجير.
38. وفعايل، كعثاير وحثايل.
39. وفعاييل، ككراييس.
40. وفعاول، كجداول وقساور.
41. وفعاويل، كقراويح.
42. وفناعل، كجنادب، وعناكب، وخنافس.
43. وفناعيل، كسنانير، وخنازير، وقناطير.
44. وفَعالَى: كيتامى، وأيامى، وخطايا، ونصارى.
45.وفُعَالَى: كأُسارى، وسُكارى، وفُرادى، وكُسالى.
46. وفَعَالِي،كتَراقي، وليال، وأهالي في قراءة شاذة.
47. وفَعَاليّ: كأناسيّ، وزرابيّ، وكراسيّ، وعند الوقف عليه يشبه ما قبله.
48: وفعاليت، كعفاريت، وسباريت.
49. وفعاويت، كطواغيت؛ لأن أصلها طغاويت.

وهذه الصيغ غير حاصرة لجموع الكثرة، فتقصّيها متعسّر أو متعذّر، والغرض من ذكرها والتوسّع في التمثيل لها من القرآن تقريب الفائدة بجمع الأمثلة، وبيان أنَّ الأصل فيها الدلالة على الكثرة أو تكثير القليل لغرض بلاغي.

ومما يدلّ على أنّ الأصل في جموع الكثرة الدلالة على الكثرة أنها لا تُصغَّر.
- قال ابن مالك: (ولا يصغَّر جمعٌ على مثال من أمثلة الكثرة؛ لأنَّ بُنْيَتَه تدلّ على الكثرة، وتصغيره يدل على القلَّة؛ فتنافيا).
وذكر قولاً للكوفيين في جواز تصغير ما له نظير من أمثلة الآحاد وردّه ثم قال: (والحاصل أن من قصدَ تصغيرَ جمع من جموع الكثرة ردَّه إلى واحدِه وصغَّره ثم جمعه بالواو والنون إن كان لمذكرٍ يعقل كقولك في "غلمان" "غليّمون"، وبالألف والتاء إن كان لمؤنثٍ، أو لمذكر لا يعقل، كقولك في "جوار" و"دراهم": "جويريات" و"دريهمات".
وإن كان لما قصد تصغيره جمع قلةٍ جاز أن يردّ إليه مصغرًا كقولك في "فتيان": "فُتَيَّة")ا.هـ.

والنوع الرابع: اسم الجمع
وهو الاسم الدالّ على جماعة لا واحد لهم من لفظه، مثل: قوم، ونساء، وأهل، وذرية، وبشر، وبدو، وحزب، وجَمْع، وأمة، وثُلَّة، وشيعة، وطائفة، ورهط، ومعشر، وفئة، وفوج، وفصيلة، والأنام، والبرية، وخيل، وعَمَد، وغيرها.
والنوع الخامس: اسم الجنس الجمعي
وهو الذي يُفرّق بينه وبين واحده بالتاء أو الياء.
فالتاء مثل: سحاب جمع سحابة، وشجر جمع شجرة، ونخل جمع نخلة، وسدر جمع سدرة، وثمر جمع ثمرة، وعنب جمع عنبة، وبقر جمع بقرة، ذباب جمع ذبابة، وحَبّ جمع حَبَّة.
والياء مثل: عرب جمع عربي، وروم جمع رومي، وزنج جمع زنجي، وقبط جمع قبطي.

والنوع السادس: اسم الجنس الإفرادي
وهو الاسم الذي يدل على الجنس فيصدق على قليله وكثيره كالماء، والتراب، والهواء، والحليب، والعسل، والضوء، والدم.

والنوع السابع: جمع الجمع
ويُسمى: جمع الجميع، وجمع الجماعة، وجماعة الجماعة، وهو سماعي ليس له قياس مطّرد.
ويأتي جمع الجمع على أنواع من الصيغ تأتلف في صورتها مع أنواع الجموع الأخرى فمنها:
- جمع المذكر السالم كأهلين، جمع أهل، وأهل اسم جمع.
- وجمع المؤنث السالم، كذريات جمع ذرية، ونفاثات جمع نفاثة، وعاديات جمع عادية.
- وقد تأتي على بعض صيغ منتهى الجموع، كما في أقاويل، وأُسارى، وأساور.
- وقد تأتي على بعض صيغ جمع القلة كأنعم، وأنصاب.
وجمع الجمع دالّ على الكثرة الكاثرة وإن أتى في صيغة تأتلف مع صيغ جموع القلة.

ومما جاء في القرآن الكريم من صيغ جمع الجمع:
1. فاعلات جمع فاعلة، كالعاديات جمع عادية، وهو اسم جمع لجماعة الخيل التي تعدو، ونافثات - في قراءة - جمع نافثة، والنافثة: اسم جمع لجماعةٍ تنفُث.
2. وفَعَّالات جمع فعّالة، كالنفّاثات جمع نفَّاثة، كرجَّالة وخيَّالة وسيَّارة للجماعة.
3. وفِعَالات جمع فِعَالة، كجمالاتٌ جمع جِمَالة، والجِمَالة اسم جمع لطائفة من الإبل.
4. ومُفَعِّلات جمع مُفَعّلَة، كمعقّبات جمع معقّبة، وهو اسم جمع.
5. وأَفْعِلات جمع أَفْعِلة، كأمتعات - في قراءة - جمع أمتعة.
6. وفَعْلات جمع فَعْلَة، كسادات - في قراءة - جمع سادة.
7. وأفاعل جمع أفْعُل، كالأيادي جمع أيدٍ، وفي قراءة: [أولي الأيادي والأبصار].
8. وأفاعل جمع أفْعِلَة، كأساور جمع أسورة، وأسورة جمع سِوَار.
9. وأفاعيل جمع أفعال، كأقاويل جمع أقوال.
10. وأَفْعُل جمع فِعَل، كأنْعُم جمع نِعَم.
11. وأفعال جمع فُعُل، كآصال جمع أُصُل، وأنصاب جمع نُصُب.
12. وأفعال جمع فِعَل، كأشياع جمع شِيَع.
13. وفُعُل جمع فِعَال، ومنه: [فرُهُن مقبوضة] في قراءة، جمع رِهان، والرّهان جمع رَهْن.
14. وفُعُل جمع فَعِيل، ومنه: [عُبُدُ الطاغوت] في قراءة، جمع عَبِيد.
15. وفُعَل جمع فُعْلَة، كأمم جمع أمّة، والأمّة اسم جمع.
16. وفُعَالَى جمع فَعْلَى، كأُسارى جمع أَسْرَى.

مسائل الجموع في التفسير البياني
مسائل الجموع التي تُبحث في التفسير البياني على أنواع، أذكر منها ثلاثةً لغرض التعريف بتلك المسائل وطرق بحثها.

النوع الأول: دلالة الجموع على القلة والكثرة
من المسائل المهمة المتعلقة بصيغ الجموع دلالتها على القلة والكثرة، والأصلُ أنَّ جُموع الكثرة دالّة على الكثرة، وجُموع القلّة دالة على القلّة بما يحتمله السياق، ومن علماء اللغة كسيبويه وغيره من يعتبر القلّة ما بين الثلاثة إلى العشرة، والأظهر أنها على ما يناسب المعدود.

وجموع القلّة تدلّ على القلّة ما لم تقترن بما يدلّ على الكثرة، ولذلك فإنّ ما يأتي على مثال من أمثلة جمع القلّة قد يفيد الكثرة في أحوال منها:
1. دخول تعريف الجنس الدالّ على الاستغراق كما في قول الله تعالى: {الله يتوفَّى الأنفس حين موتها}، وقوله تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث}، وقوله تعالى: {ويعلم ما في الأرحام} فهذه الأمثلة وما جرى مجراها تفيد الكثرة لا القلّة.
وأما تعريف العهد الذهني والذكري والحضوري فلا يفيد الكثرة، وهذا كما تقول: خذ هذه الأثواب، وانسخ هذه الأسطر؛ فهي باقية على معنى القلّة؛ لم تستفد بتعريف العهد دلالةً على الكثرة.
2. أن تضاف إلى ما يفيد الكثرة، كما في قول الله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} ، وقوله تعالى: {وتحمل أثقالكم} ، وقوله تعالى: {فبأيّ آلاء ربكما تكذبان}، وقوله تعالى: {وذكّرهم بأيّام الله}، وقوله تعالى: [وقال لفتيته] في قراءة.
فالنكرة المضافة تفيد العموم، فتخرج بذلك عن وصف القلّة إلى الكثرة.
3. أن تكون جَمْع جمْع أو جمع اسم مصدر مفيد للكثرة أو جمع اسم جمع، فإنّها تكون جمعاً لكثرة فلا ترجع إلى القلّة، بل تدلّ على الكثرة الكاثرة، كما في "أنعم" في قول الله تعالى: {شاكراً لأنعمه} وقوله تعالى: {فكفرت بأنعم الله} فإنّها ليست جمع نعمة على الصحيح، وإنما هي جمع نِعَم، أو جمع نُعْمٍ على قولين؛ فهي دالة على الكثرة، وإضافتها دالّة على العموم.
وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} الأحقاب جمع حُقُب، والحُقُب جمع حِقْبة؛ فالأحقاب جمع الجمع؛ فتفيد الكثرة.
وقوله: {بالغدّو والآصال} فالآصال جمع أُصُل، والأصُل جمع أصيل؛ فالآصال جمع الجمع.
4. أن تنوَّن تنوين التفخيم المشعر بالتكثير، كما في قول الله تعالى: {فجعلناهنّ أبكاراً عرباً أتراباً لأصحاب اليمين} ، وقوله تعالى: {ولهم فيها أزواجٌ مطهّرة}، وقوله تعالى: {ويطاف عليهم بآنية من فضة}
بخلاف التنوين الذي لا يُشعر بالتكثير كما في قول الله تعالى: {وقال نسوة} ، وقوله تعالى: {فلولا ألقي عليه أسورة}.
5. أن تؤكّد بما يدلّ على الكثرة، كما في قول الله تعالى: {فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}.

وقد ترد بمعنى الكثرة لأسباب منها ما يتعلق بالأغراض البلاغية كما في قول الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوةٌ} فالتنوين في إخوة محتمل للتكثير، ويُحتمل أن تكون صيغت بصيغة التقليل لتكون أقرب إلى الائتلاف والتقريب، والله تعالى أعلم.

وقد اختلف العلماء فيما وضعت له جموع القلة وجموع الكثرة على قولين:
القول الأول: جموع القلة موضوعة لما بين الثلاثة إلى العشرة، وجموع الكثرة فيما زاد على ذلك إلى ما لا نهاية له من العدد.
والقول الثاني: جموع القلة موضوعة لما بين الثلاثة إلى العشرة، وجموع الكثرة لما بين الثلاثة إلى ما لا نهاية له من العدد.
فتكون الجموع التي بين الثلاثة إلى العشرة مشتركة بين جموع القلة وجموع الكثرة.

وقد سبق التنبيه إلى أنّ الأظهر اعتبار ذلك بحال المراد جمعه؛ فإنك إذا أردت جمع عشرين حبّة شعير ساغ لك أن تجمعها جمع قلّة.


ثم اختلفوا أيضاً فيما إذا وردت جمُوع القلة في سياق يراد به الكثرة، ووردت جموع الكثرة في سياق يراد به القلّة على أقوال:
القول الأول: التعاقب، وهو أنّ جموع القلة تنوب عن الكثرة، والعكس صحيح، وهذا جواب ابن مالك وجماعة من العلماء.
- قال ابن مالك في شرح الكافية: (وقد يستغنى ببعض أبنية القلة عن بعض أبنية الكثرة، وببعض أبنية الكثرة عن بعض أبنية القلة).
- وقال أبو البقاء العكبري: (وجموعُ القلَّة جمعُ التَّصْحِيح وَأَرْبَعَة من التكسير وَهِي (أفْعُل وأفعال وأفْعِلَة وفِعْلة) وَمَا جَاءَ فِيهِ من جموع الْكَثْرَة فعلى خلاف الأَصْل).

والقول الثاني: أن ذلك لإفادة غرض بلاغي، كتعظيم القليل، وتحقير الكثير.
والأقرب أن ما يرد من ذلك في كلام العرب فقد يصحّ القول في بعضه بالتعاقب لاتساع لسان العرب وتجوّزهم في العبارة، وكذلك ما يرد في الشعر قد يصحّ القول في بعضه بضرورة الوزن، لكن ما كان من ذلك في القرآن الكريم وفي صحيح كلام النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن تُلتمس فيه الأغراض البلاغية.
وقد تشتبه صيغة جمع القلة ببعض صيغ جمع الجمع، وجمع الجمع دالّ على الكثرة.
ولكل ذلك أمثلة ذكرت بعضها لغرض البيان والتطبيق على مسائل التفسير.

النوع الثاني: دلالات تنوع صيغ الجمع
من دلائل سعة اللسان العربي تنوّع دلالات صيغ الجمع، فتجد لكثير من المفردات أنواعاً من الجموع تتفاوت في أداء المعنى، فيختار البليغ في كلّ موضع ما يناسبه من الجموع.
وما ورد في القرآن الكريم من اختيار بعض الجموع على بعض له دلالات بلاغية عُني بها أصحاب التفسير البياني، واجتهدوا في تعرّف حكم ذلك الاختيار، وما وراءها من أسرار البيان.
وتنوّع الجموع أمر ظاهر في القرآن الكريم؛ إذ نجد جمع راسية على رواسي في تسعة مواضع في القرآن الكريم كلها في وصف الجبال، وجاء في موضع: {وقدور راسيات} ولم يقل: رواسي.
وقال تعالى: {وإنّ عليكم لحافظين} وقال تعالى: {ويرسل عليكم حفظة}
وتنوّع جَمْع كافر على كفار وكفرة وكافرين، وجمع ميّت على موتى وأموات وميتين، وجمع ساحر على سحرة وساحرين، وجمع خازن على خزنة وخازنين.
وقال تعالى: {وله ذرية ضعفاء} وقال في موضع آخر: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم}.
ومثل هذا التنوّع أيضاً في شيع وأشياع، وخلفاء وخلائف، وفتية وفتيان، وإخوة وإخوان، وعباد وعبيد، وبحار وأبحر، وشهور وأشهر، ونفوس وأنفس، وخطايا وخطيئات، وسنابل وسنبلات، وغيرها كثير.

والذي تلخّص لي مما اطّلعت عليه من أقوال العلماء في مسائل التفسير ومحاولة جمع الأشباه والنظائر والموازنة بينهما أنّ هذا التنوّع له أسباب منها ما هو ظاهر بيّن، ومنها ما هو لطيف المأخذ.

فمن ذلك: التفريق بين القلّة والكثرة؛ كما في قول الله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} وقوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله}
فالأربعة أقل من العشرة ولذلك جمعت جمع قلة.
ومثله قول الله تعالى: {ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} وقوله تعالى: {وإذا البحار فجّرت}
فالبحار لما كانت تفجّر كلّها بحيث لا يبقى منها بحر صغير ولا كبير إلا فجّر جُمعت جمع كثرة.
والأبحر لما كانت سبعة في العدد جمعت جمع قلة، وهي وإن كانت جمع قلة إلا أنّها لما كانت مداداً كانت كثيرة جداً؛ فإن المداد اسم لما يستمدّ منه القلم ما يكتب به، والقارورة الصغيرة يكتب بها كلام كثير جداً؛ فكيف إذا كان المداد بحراً ؟!!
ثم كيف يكون الحال إذا كان هذا البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر !!
فاستغني بسعة دلالة المعدود عن الإتيان بجمع الكثرة.
على أنّ لفظ السبعة ليس بنصّ على الحصر؛ فإنّه قد يرد بمعنى التكثير أيضاً.

ومن ذلك: التفريق باعتبار الاستعمال القرآني، وهذا مسلك سلكه جماعة من أهل العلم؛ فقد نظروا في جمع عين في القرآن الكريم فوجدوا أنها جمعت على عيون في عشر مواضع كلها في عيون الماء الجارية.
وجُمعت على أعين في واحد وعشرين موضعاً كلها في العيون التي يُرى بها.
وهذا القول لا يستقلّ بالجواب لأنه لا يعدو أن يكون رصداً للاستعمال القرآني، وما يحصل به الجواب هو التعليل الصحيح لذلك، ولصعوبة ذلك أحجم عنه بعض أهل العلم، كما قال الألوسي في تفسيره: (أنا أظن أنه اختير الأعين جمعاً للعين الباصرة، والعيون جمعاً للعين الجارية في جميع القرآن الكريم، ويخطر لي في وجه ذلك شيء لا أظنه وجيها، ولعلك تفوز بما يغنيك عن ذكره).

والكلام في هذه المسائل يستدعي لطافة ذهن، وجودة نظر، ومعرفة بالأصول التي يُرجع إليها في بحث تلك المسائل، ولا يُنال ذلك كله إلا بتوفيق من الله تعالى وفتح من عنده، فنسأل الله أن يهب لنا من ذلك خير ما وهب لصالحي عباده.

والذي يظهر لي في جواب هذه المسألة أنّ مرجعها إلى ما يقتضيه السياق؛ فإنا إذا تأمّلنا المواضع التي فيها ذكر العيون الجارية وجدناها سيقت مساق الامتنان؛ فكان جمعها جمعَ كثرة على فُعول هو الأحسن في الدلالة على الكثرة، مع ما يفيده جرس اللفظ وتوالي المضمومات فيه ومدّ الواو بعدها من حكاية معنى الكثرة.
وأما جمع العين المبصرة على أعين فله في كلّ موضع سبب اقتضى اختيار جمع القلة حقيقة أو لغرض البلاغي.

ومن ذلك: أن جمع السلامة أقرب للمح الفعل وحكاية معناه وتصويره في نفس السامع من جمع التكسير، ثمّ جموع التكسير على درجات متفاوتة في ذلك؛ فمنها ما هو أقرب إلى جمع الصحة ومنها ما هو أغرق في الاسمية.
ولتوضيح هذا المعنى انظر الفرق بين قَتَلَة وقَاتِلين، وأكلة وآكلين، وقرأة وقارئين، ونظائرها.
تجد أن قَتَلَة وأَكَلَة وقَرَأَة أسماء لأصناف من الناس تَكْثُر منهم هذه الأفعال.
وأنّ قاتلين وآكلين وقارئين وإن كانت أسماء إلا أنّ فيها إلماحاً إلى الفعل وحكاية له في نفس السامع.
ثم أمعن النظر في قول الله تعالى: {وإنّ عليكم لحافظين} تجده يبعث في نفسك شهود فعل الحفظ منهم، وملازمتهم له، ومداومتهم عليه.
بينما إذا نظرت في قول الله تعالى: {ويرسل عليكم حفظة} وجدت هذا الاسم يدلّ على فئة حافظة تختص بهذا الفعل ويكثر منها.
فإذا جيء بجمع التكسير على فَعَلة أفاد اسم صنف أو طائفة مختصة بهذا الوصف.
وإذا جيء بجمع السلامة أفاد لمح وقوع الفعل منهم وإشعاراً بمداومتهم عليه.
وتأمّل على هذا النحو قول الله تعالى: {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون} ولم يقل السحرة؛ فهذا مع ما فيه من موافقة فواصل الآي، فإنه يفيد تبكيتهم بتسميتهم بما يفيد لمح فعلهم ويشعر بمداومتهم عليه.
وتأمّل قول الله تعالى: {وألقي السحرة ساجدين} فإنّ فيه نوعين من الجمع؛ فأما السحرة فذكرهم باسم الطائفة لأن المقصود هنا ليس التشنيع عليهم ولا تبكيتهم، وإنما ذكرهم بالاسم الجامع الذي يجمع طائفتهم لإسناد الفعل إليهم، ولما ذكر السجود في موضع الحال قال: {ساجدين} وهذا فيه تصوير لمشهد سجودهم ظاهراً وباطناً.

وجمع التكسير على وزن فُعُول أقرب لِلَمْحِ الفعل من فُعَّل كما بيّن ذلك أبو القاسم السهيلي رحمه الله في كتابه "نتائج الفكر" عند حديثه عن التفريق بين السُّجَّد والسجود؛ فقال: (فإن قيل: فلم قال: (السجود) على وزن فُعُول، ولم يقل السُّجَّد كما قال الرُّكَّع، وكما قال في آية أخرى: (رُكَّعًا سُجَّدًا)؟
وما الحكمة في جمع ساجد على سجود، ولم يجمع راكع على ركوع؟
فالجواب: أن السجود - في أصل موضوعه - عبارة عن الفعل، وهو في معنى الخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: " السُّجَّد " جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر.
وكذلك الرُّكَّع، ألا تراه يقول: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا): يعني رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هاهنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر، وأما الخشوع والخضوع الدي يتناوله لفظ الركوع، دون لفظ الركَّع فليس مشروطاً بالتوجه إلى البيت.
وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جعل وصفاً للركع ومتمماً لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضاً السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت، حسن انتظامه أيضاً بما قبله، مما هو معطوف على الطائفين الدين ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلُبِّه، ترفَّع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد).
- قال ابن القيم رحمه الله معلّقاً: (وقد تولَّج رحمه الله مضائق تضايق عنها أن تولَّجها الإِبَر، وأتى بأشياء حسنة، وبأشياء غيرُها أحسنُ منها).

ومن أجمع من وجدتُه تكلّم في هذا الباب الدكتور فاضل السامرائي في كتابه القيّم "معاني الأبنية" فقد ذكر أمثلة كثير للجموع المختلفة في القرآن الكريم واجتهد في توجيهها ولولا خشية الإطالة لأكثرت من ذكر الأمثلة التي أوردها واجتهاده في توجيهها.

والنوع الثالث: الإسناد إلى مثنى اسم الجمع، ووقوع الجمع موقع المثنى.
من المسائل المتعلقة بالجموع أنّ اسم الجمع إذا ثُنّي جاز الإسناد إليه بالجمع كما في قول الله تعالى: {هذان خصمان اختصموا} فالخصمان مثنى الخصم، وهو اسم جمع، فلذلك صحّ أن يقال: اختصموا.
ويجوز أن يُجمع الخصمان اسم جمع على الخصم كما قال تعالى: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ}
وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا}.
وقال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}
ويجوز أن يسند إلى المجموعين بضمير المثنى كما في قول الله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ، وقد قرئ [وليّهم].

وقد يقع الجمع في موقع المثنّى، ومن ذلك تثنية آحاد ما في الجسد.
- قال ابن الشجري في أماليه: (تثنية آحاد ما في الجسد كالأنف والوجه والبطن والظهر، تقول: ضربت رؤوس الرجلين، وشققت بطون الحَمَلين، ورأيت ظهوركما، وحيّا الله وجوهكما، فتجمع وأنت تريد: رأسين وبطنين وظهرين ووجهين، ومن ذلك في التنزيل قوله جل ثناؤه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما} وجروا على هذا السّنن في المنفصل عن الجسد، فقالوا: مدّ الله في أعماركما، ونسأ الله في آجالكما).
- وقال أيضاً: (ما في الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنّيت المضاف إليه واجبة، تقول: فقأت عينيهما، وقطعت أذنيهما، لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع.
فإن قيل: فقد جاء في القرآن: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} فجمع اليد، وفى الجسد يدان، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع.
الجواب: أن المراد: فاقطعوا أيمانهما، وكذلك هي في مصحف عبد الله؛ فلما علم بالدليل الشرعىّ أن القطع محلّه اليمين، وليس في الجسد إلاّ يمين واحدة جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب).


رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الخامس, الدرس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:57 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir