دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > المستوى السابع > منتدى المستوى السابع (المجموعة الثانية)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29 جمادى الأولى 1442هـ/12-01-2021م, 12:17 AM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 6,766
افتراضي التطبيق الثاني من تطبيقات أصول القراءة العلمية (المرحلة الثانية)

التطبيق الثاني من تطبيقات أصول القراءة العلمية
(المرحلة الثانية)



لخّص مقاصد إحدى الرسالتين التاليتين:
1: "الرسالة التبوكية" لابن القيم.
2: رسالة "قاعدة في المحبة" لشيخ الإسلام ابن تيمية.



إرشادات حلّ التطبيق:

المطلوب في أداء هذا التطبيق:
أولا: وضع قائمة بالمسائل والمقاصد الفرعية مع المقصد الكلّي للرسالة.
وهي القائمة التي قدّمت في المرحلة الأولى لهذا التطبيق.
ثانيا: تلخيص المقاصد.
وذلك بتلخيص كلام صاحب الرسالة في كل مقصد فرعي.

مع الانتباه أنه ليس المقصود بالتلخيص عنونة بعض فقرات الرسالة ونسخها بالكامل، كما أن تلخيص المقاصد ليس شرحا تفصيليّا مستطردا، وإنما المطلوب شرح مركّز يدور حول بيان العماد والسناد، ويوصى بمراجعة نماذج التلخيص المذكورة في الدروس جيدا لفهم طريقة التلخيص.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 9 شعبان 1442هـ/22-03-2021م, 11:40 AM
إنشاد راجح إنشاد راجح غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
المشاركات: 642
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
تلخيص مقاصد الرسالة التبوكية


أولا تلخيص المقاصد - المرحلة الأولى:

أولا: استخلاص مسائل الرسالة.
المقصد الأول: جماع الدين في التعاون على البر والتقوى:
*
مقدمات في الأمر بالتعاون على البر والتقوى.
* أعظم ما يتعاون فيه على البر والتقوى.

* معنى البر ومعنى التقوى.
* معنى البر وحقيقته.
* معنى التقوى وحقيقتها.


*
دلالة إفراد كل من اسمي البر والتقوى واقترانهما.
*دلالة إفراد كل من اسمي البر والتقوى.
* اشتمال البر على الإيمان.
* اشتمال التقوى على الإيمان.
* خصال البر والتقوى هى حقائق الإيمان.
*دلالة اقتران كل من اسمي البر والتقوى.

*قاعدة في فهم دلالات المسميات حال الإفراد وحال الاقتران.
* أمثلة لأسماء تتحد مسمياتها عند الإفراد، وتفترق عن الاقتران.
* أهمية فهم دلالات الألفاظ.
* أمثلة لدلالات الألفاظ.

*
النهي عن التعاون على الإثم والعدوان.
* معنى الإثم.
* معنى العدوان.
* الفرق بين الإثم والعدوان.
* الحكمة من النهي عن التعدي تارة وعن القرب تارة أخرى.


المقصد الثاني: الهجرة إلى الله :
* مقدمات في الهجرة وأصلها وحكمها.
* نوعا الهجرة.
*
أصل الهجرة والداعي لها.
* حكم الهجرة.
* علاقة الهجرة بالإيمان.

* المراد بالهجرة إلى الله عز وجل.
* معنى الفرار من الله إليه.

*المقصد الثالث: الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
* المراد بالهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
* أقسام الناس في الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

* الخلق في قبول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على صنفين:
* صنف قبل هذه الدعوة، وهم السعداء.
* صنف خالف هذه الدعوة، وهم الأشقياء.

* أقسام الخلائق في الانتفاع بالعلم والهدي النبوي.
* أحكام الأتباع والمتبوعين.
* السعداء من الأتباع.
* الأشقياء من الأتباع والمتبوعين.
* الأتباع والمتبوعون المشتركون في الضلالة.
* الأتباع المخالفون لمتبوعيهم.

* حدّ الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
* أدلة وجوب تحقيق الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
* استقامة سفر الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.


المقصد الرابع: لوازم طريق الهجرة واستقامة المهاجر:
* لوازام طريق الهجرة.
* زاد المهاجر.
* طريق الهجرة.
* مركب المهاجر.

* حاجة المهاجر إلى الرفقة.
* أنواع الرفقاء.
* التحذير من الرفقة الضارة.
* الإرشاد إلى الرفقة النافعة للمهاجر.

* استقامة سير المهاجر في طريق هجرته.
* حال المهاجر في طريق هجرته.
* خلاصة في بيان صحة الهجرة.


ثانيا المقاصد الفرعية:
المقصد الأول: جماع الدين في التعاون على البر والتقوى.
المقصد الثاني: الهجرة إلى الله عز وجل.
المقصد الثالث: الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
المقصد الرابع: لوازم طريق الهجرة واستقامة المهاجر.


ثانيا المقصد الرئيس من الرسالة:
الإرشاد إلى أهمية الهجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وارتباطها بالإيمان وأن سعادة العبد متوقفة على تحقيق تلك الهجرة، والدلالة على أنها أعظم ما يحصل فيه التعاون على البر والتقوى.



المرحلة الثانية:

المقصد الأول: جماع الدين في التعاون على البر والتقوى:
* مقدمات في الأمر بالتعاون على البر والتقوى:
- قال الله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا اللّه إنّ اللّه شديد العقاب}
.
- اشتملت الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فبينت الواجب بين العبد وبين الخلق، والواجب بين العبد وبين ربه.
- الواجب بين العبد وبين الخلق: التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعداون.
- تحقيق التعاون على البر والتقوى عمل جماعي، لا يستقل العبد بمفرده به ولا يقدر عليه وحده.
- وتمام هذا الواجب يكون بإرادة الله وحده، وعزل العبد لنفسه من الوسط، فيقوم بهذ الواجب لمحض النصيحة والإحسان.
- الواجب بين العبد وبين ربه قائم على التقوى بإيثار طاعته، وتجنب معصيته، لقوله تعالى: (واتقوا الله).
- وتمام هذا الواجب يكون بالإخلاص لله ومحبته والقيام بعبوديته.
- ويجمع معنى تمام الواجبين قول الشيخ عبد القادر: "كن مع الحقّ بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فرطا
".

* أعظم ما يتعاون فيه على البر والتقوى:
- التعاون على سفر الهجرة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
- ويكون ذلك التعاون بكل السبل فباليد، واللسان، والقلب، ببذل المساعدة والنصيحة، والتعليم والإرشاد، والمودة.
- ومن كان هكذا مع عباد الله كان الله بكل خير إليه أسرع، وأقبل الله إليه بقلوب عباده.

* معنى البر ومعنى التقوى:
* معنى البر:
- منه "البرّ" بالضم؛ لكثرة منافعه وخيره بالإضافة إلى سائر الحبوب.
- ومنه رجل بارٌ، وبرٌّ، و{كرام بررة}، والأبرار
.
- دل اشتقاق لفظة البر على حقيقة البر.

*البر:هى كلمة جامعة لأنواع الخير والكمال المطلوب من العبد.
* وحقيقة البر:الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه والخير.

* معنى التقوى:
* اشتقاق لفظة التقوى ودلالته على أصلها:
- تقوى مثل فعلى من وقى يقي، وكان أصلها وقوى، فقلبوا الواو تاء.
- فلفظها دالٌ على أنها من الوقاية، فإن المتّقي قد جعل بينه وبين النار وقاية.

* حقيقة التقوى: هى العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا.
- إيمانا بأمر الله، وتصديقا بموعده، وترك ما نهى الله عنه إيمانا بنهيه، وخوفا من وعيده
.
- قال طلق بن حبيب: "إذا وقعت الفتنة فادفعوها بالتقوى"، قالوا: وما التقوى؟ قال: "أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله
".
- وقوله: (على نور من الله)، دال على الإيمان بأمر الله ونهيه.
- وقوله: ( ترجو ثواب الله)، دال على الاحتساب رجاء ثواب الله وابتغاء مرضاته.
- ومن أمثلة اقتران الإيمان والاحتساب قوله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابًا" و"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا)، ونظائره.
- وينافي التقوى أن يكون العمل على سبيل العادة أو فيه هوى، أو لطلب محمدة وجاه وغير ذلك.

* دلالة إفراد كل من اسمي البر والتقوى واقترانهما:
*دلالة إفراد كل من اسمي البر والتقوى:
- إذا أفرد كلّ واحد من الاسمين دخل فيه المسمّى الآخر تضمنا أو لزوما.
- دلالة التضمن أظهر من دلالة اللزوم لأن البرّ جزء مسمّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه جزء مسمّى البر.
- وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند الانفراد
.

* اشتمال البر على الإيمان:
- أكثر ما يعبر بالبرّ عن برّ القلب.
- وبر القلب هو وجود طعم الإيمان فيه، ولوازم ذلك من الطمأنينة والسلامة والانشراح والقوة والفرح بالإيمان.
- من لم يجد طعم الإيمان فهو فاقد للإيمان أو ناقصه.
- وأولئك الذين قال الله تعالى فيهم:{قالت
الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم}.
- فهم مسلمون غير منافقين، وليسوا بمؤمنين، لعدم مباشرة الإيمان قلوبهم.
- فينتفي عنهم الإيمان لعدم قيامهم بأعمال البر، ولا ينتفي عنهم الإسلام.

* اشتمال التقوى على الإيمان:
- كي يعد طاعة لابد أن يكونمبدؤه محض الإيمان، وغايته ثواب الله تعالى ومرضاته وهو الاحتساب.
- وقد تقدم في تعريف التقوى أنها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا.

* خصال البر والتقوى هى حقائق الإيمان:
- قال الله تعالى: {ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنّبيّين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسّائلين وفي الرّقاب وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصّابرين في البأساء والضّرّاء وحين البأس أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون}.
- فجمعت الآية: أصول الإيمان الخمسة، والشرائع الظاهرة وهى أعمال الجوارح، وحقائق الدين وهى أعمال القلوب.
- أما أصول الإيمان فهى: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
-وأما الشرائع الظاهرة فهى: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة.
- وأما الأعمال القلبية فهى: الصبر والوفاء بالعهد، وهى حقائق الإيمان.
-
فيدخل في مسمى البرّ الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة.
- وقوله تعالى: (وأولئك هم المتقون)، دل على أن من حقق خصال البر تلك فقد حقق التقوى.
- وتقدم في تعريف التقوى أنها جمعت جميع أصول الدين وفروعه، والبر يدخل في هذا المسمى.

*دلالة اقتران كل من اسمي البر والتقوى:
- عند اقتران البر والتقوى، فالفرق بينهما فرق بين الغاية المقصودة لذاتها، والسبب المقصود لغيره.
- فإن البرّ هو الغاية، وهو مطلوب لذاته، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه.

- وأما التقوى فهى مقصودة لغيرها، فهي الطريق الموصلة إلى البرّ، والوسيلة إليه.
- فالبر من باب تحصيل النفع ، والتقوى من باب دفع الضرر.
- والبر كالعافية والصحة، والتقوى كالحمية.

*قاعدة في فهم دلالات المسميات حال الإفراد وحال الاقتران:
- وهذه قاعدة عظيمة تفيد في إزالة إشكالات فهم الألفاظ.
- وتعرف باسم (إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت).
- أي: إذا اجتمعت الأسماء افترقت في المعنى، إذا افترقت اجتمعت في المعنى.

* أمثلة لأسماء تتحد مسمياتها عند الإفراد، وتفترق عن الاقتران:
- الإيمان والإسلام.
- الإيمان والعمل الصالح.
- الفقير والمسكين.
- الفسوق والعصيان.
- المنكر والفاحشة.
- البر والتقوى.

* أهمية فهم دلالات الألفاظ:
- باب فهم الألفاظ ودلالاتها، باب شريف ينتفع به في:
أ. فهم ألفاظ القرآن ودلالته.
ب. ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله.
- وقد ذمّ سبحانه في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله على رسوله.
- وعدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين
:

إحداهما: أن يدخل في مسمّى اللفظ ما ليس منه؛ فيحكم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيسوّى بين ما فرق الله بينهما.
والثانية: أن يخرج من مسمّاه بعض أفراده الداخلة تحته؛ فيسلب عنه حكمه؛ فيفرّق بين ما جمع الله بينهما.

* أمثلة لدلالات الألفاظ:

- لفظ "الخمر"؛ فإنه اسم شامل لكل مسكر، فلا يجوز إخراج بعض المسكرات منه، وينفى عنها حكمه.
- لفظ "الميسر"، وإخراج بعض أنواع القمار منه.
- لفظ "النكاح"، وإدخال ما ليس بنكاح في مسمّاه.
- لفظ "الربا"، وإخراج بعض أنواعه منه، وإدخال ما ليس بربًا فيه.
- لفظ "الظلم والعدل".
- ولفظ "المعروف والمنكر".


*النهي عن التعاون على الإثم والعدوان:
- نهى الله عز وجل عن التعاون على الإثم والعداون، قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
.
- والإثم والعدوان في جانب النهي نظير البرّ والتّقوى في جانب الأمر.

* معنى الإثم:
- هو كلمة جامعة للشر والعيوب التي يذم العبد عليها.
- الإثم يقابله البر، ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان: (جئت تسأل عن البر والإثم).

* معنى العدوان:
-
هو تعدّي حدود الله، وحدوده هى النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام.
* الفرق بين الإثم والعدوان:
- الإثم ما كان محرما لجنسه، ومثاله: الزنا، وشرب الخمر، والسرقة.
-
والعدوان: ما حرّم الزيادة في قدره، وتعدي ما أباح الله منه، ومثاله: نكاح الخامسة، واستيفاء المجنيّ عليه أكثر من حقه، ونحوه.

* الحكمة من النهي عن التعدي تارة وعن القرب تارة أخرى:
- ونهايات الأشياء قد تدخل في الأشياء نفسها، لذا جاء نهى الله عن تعديها، كما في قوله تعالى: {تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظّالمون }.
- وقد لا تدخل نهايات الأشياء فيها، لذا نهى الله عن قربانها، كما في قوله تعالى: {تلك حدود اللّه فلا تقربوها}.


المقصد الثاني: الهجرة إلى الله عز وجل:
* مقدمات في الهجرة وأصلها وحكمها:
* نوعا الهجرة:
- الهجرة نوعان: هجرة البدن، وهجرة القلب.

أ. هجرة البدن:
- وهى هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، من دار الكفر إلى دار الإسلام.
- وقد توسع الناس في الكلام عنها، وتفريع المسائل فيها.
- وهذه الهجرة انقطعت بالفتح، وأحكامها معلومة، فهى هجرة عارضة، ربما لا تتعلق بالعبد في العمر.

ب. هجرة القلب:

-هجرة بالقلب إلى الله ورسوله،- وهي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعةٌ لها.
- وهذه الهجرة لا يحصل فيه علما ولا إرادة، بسبب إعراض الناس عما خلقوا له، واشتغالهم عما ينجيهم.
- وهى المرادة بالكلام في الرسالة.



* أصل الهجرة والداعي لها:
- ولما كان المقصد بالهجرة هو هجرة القلب، فإن أصل الهجرة الحب والبغض.
- والمهاجر من شيء إلى شيء لابد أن يكون ما يهاجر إليه أحبّ إليه مما يهاجر منه.
- الهجرة تقوى وتضعف بحسب قوة داعي المحبة وضعفه.

- فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة أقوى وأتمّ وأكمل.
- وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علما، ولا يتحرك بها إرادة.

* حكم الهجرة:
- الهجرة هي مطلوب الله ومراده من العباد.
- فهى فرض عين على كل أحد في كل وقت، ولا انفكاك لأحد من وجوبها.

* علاقة الهجرة بالإيمان:
- الهجرة والإيمان متلازمان، ويقتضي أحدهما الآخر، ولذا قرن الله بينهما في آياته.
- والهجرة إلى الله عز وجل هى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.
- والهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هى مقتضى أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
- وعنهما يُسأل العبد، وهو مطالب بهما في الدور الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.
- قال قتادة: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟"، وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين.

- والعبد له ثلاثة أعداء يدعونه إلى ما يناقض هذه الهجرة هى: النفس والهوى والشيطان، فوجب عليه أن يكون مهاجرا حتى الممات.


* الهجرة إلى الله عز وجل:
* المراد بالهجرة إلى الله عز وجل:
* أن يهاجر العبد بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.
* ومن عبودية غيره إلى عبوديته.
* ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه.
* ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع والذّلّ والاستكانة له إلى دعاء ربّه وسؤاله والخضوع والذلّ والاستكانة له
.
- فالهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه.
- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه).

* معنى الفرار من الله إليه:
* والهجرة تتضمن "من" و"إلى": أي : الفرار من الله إليه. قال تعالى: {ففرّوا إلى اللّه}.
- والفرار إلى الله يتضمن توحيد الإلهية، وهو إفراده بالعبودية ومنازلها، ولوزامها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل.
- والفرار من الله يتضمن توحيد الربوبية وإثبات القدر، فكل مكروه يفر منه العبد، أوجبته مشيئة الله وحده.

- فالفار والمستعيذ هو فار من قدر الله ومشيئته إلى ما تقتضيه رحمة الله ولطفه وإحسانه، فهو هارب من الله إليه، ومستعيذ بالله منه.
- وهو ما تضمنه قوله صلى الله عليه وسلم: (وأعوذ بك منك)، وقوله: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك).
- وإدراك العبد لمعنى الفرار من الله إليه يوجب انقطاع تعلق القلب بالكلية مما سوى الله، وإفراد الله وحده بالخوف والرجاء والحب.

المقصد الثالث: الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:

* المراد بالهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المراد بها الهجرة إلى سنته وهديه.
- وهذه الهجرة شأنها شديد على المخالفين، وطريقها على غير المشتاق بعيد.

*أقسام الناس في الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- الناس قسمان في الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
- قسم مهاجر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم متبعا لسنته، مُحَكِّما لهديه.
- وقسم هاجر لسنته، مفارق لها، مقدم غيرها عليها، كالمقيم على المألوفات والعوائد لا يرضى بها بديلا، فالمستمسك بها لا يُعد مهاجراً.

*الخلق في قبول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على صنفين:
*صنف قبل هذه الدعوة، وهم السعداء.
فحصلت لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
* وسبب حصول السعادة متمثل في:
- العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
- العمل به.
- دعوة الخلق إليه ونشره فيهم.
- الصبر والجهاد في أدائه وتنفيذه.

* صنف خالف هذه الدعوة، وهم الأشقياء:
- فترتب على ذلك شقاءهم في الدنيا والآخرة، ووقوعهم في الشرور وحصول العذاب والألم.
- ومنشأ المخالفة الجهل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

* أقسام الخلائق في الانتفاع بالعلم والهدي النبوي:
-قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل غيثٍ أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء؛
فسقى الناس وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا, ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).


* وجه تشبيه العلم (والهدي النبوي) بالغيث:
- لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.

* أحوال القلوب في الانتفاع بالعلم:
فالقلوب كالأرض التي ينزل عليها الغيث على ثلاثة أصناف:
* الصنف الأول:
- قلب قابل للعلم، وهو القلب الزكي الذكي، مثمر للحكمة والحق، كالأرض التي تقبل الغيث فتنب وتثمر.
- قال الله تعالى: {أنزل من السّماء ماءً فسالت أوديةٌ بقدرها}
.
- وهذا القلب كالغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب، فيكسب بماله ما شاء.
- وصاحب هذا القلب عالمٌ معلّمٌ، داعٍ إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرّسل
.


* الصنف الثاني:
- قلب سمع العلم فحفظه، لكن لا تصرف له فيه ولا استنباط، فهو كالأرض الصلبة القابلة للماء تمسكه فينتفع الناس بورودها والسقي منها.
- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه غير فقيه).
- وهذا القلب كالغني الذي لا خبرة له ولكنه يحفظ ماله ول يحسن التصرف فيه.
- وصاحب هذا القلب حافظٌ مؤدٍّ لما سمعه، فهذا يحمل إلى غيره ما يتّجر به المحمول إليه ويستثمر.

* القسم الثالث:
-
قلب لا يقبل العلم ولا الفقه، وهو كالأرض التي لا تمسك الماء ولا تنبت الزرع، فلا انتفاع لها بما يصيبها من مطر.
- وهذا القلب كالرجل الفقير الذي لا مال له، ولا يحسن يمسك مالا.
- وصاحب هذا القلب لم يقبل هدي الله ولا رفع به رأسا، {الّذين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها}
.
*صنف خالف هذه الدعوة، وهم الأشقياء.

* أحكام الأتباع والمتبوعين:
* الأتباع السعداء نوعان:

* النوع الأول: أتباعٌ لهم حكم الاستقلال:
- وهم الصحابة وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، {والسّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسانٍ رضي اللّه عنهم ورضوا عنه}.
- وشرط التبعية أن تكون تبعية بإحسان، الذي هو شرط في حصول رضا الله عنهم.
- وليست تبعية نسب أو اتباع في شيء دون آخر.
- والصحابة اختصوا بفضل المصاحبة والرتبة، ومن دونهم لم يحلقوا بهم لا في الفضل ولا في الرتبة.
- قال الله تعالى: {هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبينٍ وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم }.

* النوع الثاني: ذرية المؤمنين الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في الدنيا:
- قال الله تعالى: {والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ كلّ امرئٍ بما كسب رهينٌ}.
- والذرية مع آبائهم في الجنة كما كانوا تبع لهم في الإيمان، وإن لم يكن لهم عمل يستحقون به درجات الآباء.
- ووجود الذرية مع الآباء في نفس الدرجات لا ينقص من أعمال الآباء وأجورهم شيئا.
- وهذا الأمر لا يكون إلا في الثواب والفضل كرامة من الله ومنة من فضله، ولا يكون في العدل والعقاب.

* الأشقياء من الأتباع والمتبوعين:
- والأتباع على أصناف:
الأول: الأتباع والمتبوعون المشتركون في الضلالة:
1. حصول العداوة واللعنة:
- فمن اتخذ وليا غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنما يتخذ له عدوا يوم القيامة،{الأخلّاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلّا المتّقين}.
2. الندم والحسرة على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم:
{يوم تقلّب وجوههم في النّار يقولون ياليتنا أطعنا اللّه وأطعنا الرّسولا * وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السّبيلا *ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا }.

الثاني: أتباع مخالفون لمتبوعيهم:
- فالمتبوعون كانوا على الهدى، والأتباع مخالفون لهم، عادلون عن طريقتهم.
- ادعى الأتباع أنهم على طريقة المتبوعين، وأنهم يحبونهم، وأن المحبة تنفعهم وإن خالفوهم.
-
قال الله تعالى: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب * وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار }
- فيتبرأ السادة والمتبوعون من هؤلاء الأتباع.
- ويوم القيامة تنقطع كل سبب وسيلة ومودة موالاة كانت لغير الله.

- الاعتذار بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة غيره، والاعتراف بأنهم لا عذر لهم في ذلك.
- قال تعالى: {فمن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو كذّب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتّى إذا جاءتهم رسلنا يتوفّونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون اللّه قالوا ضلّوا عنّا وشهدوا على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين (37)
قال ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجنّ والإنس في النّار كلّما دخلت أمّةٌ لعنت أختها حتّى إذا ادّاركوا فيها جميعًا قالت أخراهم لأولاهم ربّنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النّار قال لكلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون (38)
وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضلٍ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39)}.


تضمنت الآية:
- ذكر الصنفين المبطلين:
الصنف الأول: منشئ الباطل والفرية، ودعوة الناس إليها، وكفره بالافتراء وإنشاء الباطل.
الصنف الثاني: المكذب بالحق، وكفره بجحود الحق.

عقاب الصنفين :
فأما الصنف الأول:
- الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، فمتوعدون بتضعيف العذاب، لتضاعف الكفر والشر وهو الصد عن سبيله، {الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل اللّه زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون}.

وأما الصنف الثاني:
- وهم الذين كفروا فإنهم متوعدون بالعذاب دون مضاعفة، قال تعالى: {وللكافرين عذابٌ أليمٌ}.
- ولهم في لدنيا ما كتب لهم من الحياة والرزق،
{أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب}.
- يسألون لمن ضلهم مضاعفة العذاب.


* حدّ الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- رد كل مسائل الإيمان ونوازل القلوب وحوادث الأحكام إلى سنته وهديه صلى الله عليه وسلم.
- طرح كل ما خالف ذلك مما يتقول به أهل الريب والتهمات المخالفين له.

* أدلة وجوب تحقيق الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
الدليل الأول: قال الله تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا}.
- ففي الآية:
- نفي الإيمان الواجب عن كل من لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع.
- وجوب تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.
- وجوب تلقي الحكم بانشراح الصدر، وبالقبول والرضا.
- وجوب الخضوع لهذا الحكم والانقياد له طوعا ورضا، وتسليما لا قهرا ومصابرة.

- ما تضمنته الآية من مؤكدات وألفاظ لبيان المعنى وتوكيده:
* تصدير لا النافية للقسم، فهى إيذان بتضمن المقسم عليه للنفي، وهو قوله: (لا يؤمنون)، وهذا يقتضي تقوية المقسم عليه وتأكيده وشدة انتفائه
.
* تأكيده بنفس القسم
.
* إقسام الله بنفسه الكريمة لا بشيء من مخلوقاته.
* تأكيده بانتفاء الحرج، ووجود التسليم.
* تأكيد الفعل بالمصدر
.
* ولفظة (ما) أفادت العموم، وهى موصولة، فيها دلالة على عدم ثبوت الإيمان لمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل موارد النزاع.

- الأسباب المعينة على حسن التسليم والانقياد لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم:
- تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على محبة العبد لنفسه.
- علم العبد ويقينه أن سعادته في التسليم لحكمه صلى الله عليه وسلم.
- علم العبد أنه أولى وأبر وأرحم به من نفسه، وأنصح له منها، وأعلم بمصالحه منها، وأقدر على تحصيلها.

- والأمر ليس بالدعاوي ولا الأماني، إنما هو إيمان وقر في القلب، فهناك فرق بين علم الحب وحال الحب، وهما مما يشتبهان على العبد كثيرا.


الدليل الثاني: قال الله تعالى: {النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.
ففي الآية:
- ثبوت الأولوية للرسول صلى الله عليه وسلم، أي أنه أولى بالعبد من نفسه.

- نفي الإيمان عمن لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به من نفسه.

- تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة العبد لنفسه، وبذلك يحصل للعبد اسم الإيمان.
- كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة، وإيثاره على كل ما سواه.

-أن يكون حكم العبد على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم.

- انتفاء الأولوية عن المدعين لها المخالفين لهديه صلى الله عليه وسلم:
- لا تحصل الأولوية لمن رد حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي بحكم غيره.
- ولا تحصل لمن زعم أن الهدى يتلقى من دلالات العقول لا من هديه صلى الله عليه وسلم.
- ولا تحصل لمن التمس الحيل عند مخالفة أقواله صلى الله عليه وسلم أقوال غيره، وبالغ في رده وإعراضه.
- ومن فعل ذلك لم يكن ممن قام بالقسط الذي أمر الله به.


- أمر الله بإقامة العدل، ونهي عن اتباع لأهواء:
- ادعى المخالفون لسنته صلى لله عليه وسلم الأولوية والمحبة، وهذه دعاوى باطلة.
- وقد أمر الله بإقامة العدل، والنهي عن اتباع لأهواء، {ياأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللّه أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا}.
- أمر الله بالقيام بالعدل في حق العدو والولي، قال تعالى: {ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين}.
* فيقوم العبد بالعدل على النفس، والوالدين، والأقارب، وهو من كمال محبة العبد لله ولرسوله.
* يقوم بالعدل في حق أعدائه، متجنبا البغضاء لهم.
* كما قال بعض السلف: "العادل هو الذي إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحقّ
".
- أمر الله بالقيام بالعدل في حق من كان غنيا أو فقيرا، قال تعالى: {إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللّه أولى بهما}.
* فيقوم العبد بالعدل على الغني وإن كان مما يؤمل الانتفاع بغناه أو حتى خوفا على ماله.
* ويقوم العبد بالعدل على الفقير وإن كان مما يُطمع فيه لفقره أو حتى لإعدامه، فيتساهل في إقامة العدل عليه.
- ونهى الله عز وجل عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل.

- أحق ما قام له العبد بالقسط:
الأقوال والآراء والمذاهب لتعلقها بأمر الله وخبره.
- اتباع الهوى والعصبية فيها مضاد لأمر الله، ومناف لما جاء به الرسل.

- السببان الموجبان لكتم الشهادة:
* قال الله تعالى: و{إن تلووا أو تعرضوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا}.
* فاللي والتحريف ، والإعراض والإمساك عن ذكرها سببان موجبان لكتمان الشهادة.
* معنى اللي:التحريف، واللي مثل الفتل.
^^ واللي نوعان:
1. لي في اللفظ: وهو التلفظ بالزيادة أو النقصان أو التبديل أو كيفية الأداء لتظهر الحجة على غير وجه الحق المراد، وهو من فعل اليهود.
2. لي في المعنى: وهو تحريفه، وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم به، وتحميله غير المراد، أو إسقاط بعضه.


الدليل الثالث: قال تعالى: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللّه ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}:
تضمنت الآية:
- ليس لأحد أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله ورسوله في كل المسائل التي ثبت فيها الحكم سواء حكم طلبي أو حكم خبري.
- نفي الإيمان عمن ترك حكم الله ورسوله وذهب يتخير لنفسه.

- أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة الاتباع:
- حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
- فالحجة الواجب اتباعها على الخلق قول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
- أما أقوال غيره فهى سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع، فضلا عن أن تعارض بها النصوص.



الدليل الرابع: قال تعالى: {قل أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول فإن تولّوا فإنّما عليه ما حمّل وعليكم ما حمّلتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرّسول إلّا البلاغ المبين }.
تضمنت الآية:
- الهداية في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا في غيرها.
- الهداية حكم معلق على شرط وهو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فمتى عدم الشرط عدم الحكم.
- وفي قوله تعالى: {فإنّما عليه ما حمّل وعليكم ما حمّلتم} :

* حُمّل الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة والتبليغ.
* حُمّل المخاطبون ( المكلفون) الطاعة والانقياد له والتسليم.
* عن الزهري قال: "من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم
". ذكره البخاري في صحيحه.

الدليل الخامس: قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}.
تضمنت الآية:
- الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
- من موجبات الإيمان وتمامه طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
- وفي قوله تعالى:{أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم}.
* فرق الله عز وجل بين طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
* والسر في ذلك إثبات وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يرد المأمور به في القرآن.
* وهذا يدفع التوهم بأن تكون طاعته محصورة فيما أمر به القرآن.
* قال صلى الله عليه وسلم -: "يوشك رجلٌ شبعان متكئٌ على أريكته يأتيه الأمر من أمري؛ فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه، ألا وإنّي أوتيت الكتاب ومثله معه
".

* وقرن بين طاعة الرسول وطاعة أولي الأمر.
* لأن طاعة أولى الأمر يجب أن تكون مندرجة تحت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
* كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "على المرء السّمع والطاعة [فيما أحبّ وكره] ما لم يؤمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله، فلا سمع ولا طاعة
".

- المراد بأولي الأمر:
* ورد عن الصحابة قولان، وعن الإمام أحمد اختلفت الرواية ففيهم روايتان: العلماء أو الأمراء.
* والصحيح تناول الآية للصنفان، فهما ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله
* فالعلماء ولاة الأمر حفظًا، وبيانًا، وبلاغًا، وذبًّا عنه، وردًّا على من ألحد فيه وزاغ عنه، قال تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين}.
* والأمراء ولاته قيامًا، ورعايةً، وجهادًا، وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه
.

وهذان الصنفان هم الناس، وسائر النوع الإنساني تبعٌ لهم ورعيةٌ.

- وفي قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر}
.
* وجوب رد جميع موارد النزاع في كل أمور الدين إلى الله ورسوله.
* وأن دخول العبد في الإيمان مستلزم لرده كل موارد النزاع إلى الله ورسوله.
* وأن إحالة الرد على غيرهما مضاد لأمر الله عز وجل.

* ومن دعا عند النزاع إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية.
* دليل على أن الردّ إلى القرآن ردٌّ إلى الله والرسول، والردّ إلى السنة ردٌّ إلى الله والرسول.
* وأن ما يحكم به الله هو بعينه حكم رسوله،
وما يحكم به الرسول هو بعينه حكم الله.

- معنى الرد إلى الله ورسوله:
* اتفق السّلف والخلف على أن الردّ إلى الله هو الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله هو الردّ إليه في حياته والردّ إلى سنّته بعد وفاته
.

وفي قوله تعالى: {ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}:
* أن حصول السعادة في الدنيا والآخرة، متعلق بطاعة الله وطاعة الرسول وتحكيم الله ورسوله.


الدليل السادس: قال الله تعالى لرسوله: {قل إن ضللت فإنّما أضلّ على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربّي إنّه سميعٌ قريبٌ }.
تضمنت الآية:
- أن هدى الرسول صلى الله عليه وسلم حصل بالوحي.
- وفيه دليل على انتفاء الهدى عن غيره من الآراء والأقوال المختلفة،
{من يهد اللّه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا}.

الدليل السابع: قال الله تعالى:{المص * كتابٌ أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرجٌ منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتّبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكّرون}
تضمنت الآية:
- الأمر باتباع ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم والنهي عن اتباع غيره.
- وأن من لم يتبع الوحي فلابد أن يتبع الباطل.

* استقامة سفر الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- ولا يستقيم سفر المهاجر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بتحقيق أمرين:
* عزل كل ما سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوليته في كل شيء.
* عرض أقوال كل أحد سواه على ما جاء به، وقبول ما وافق هديه وسنته وحكمه، ورد ما لم يوافق ذلك، وما اشتبه عليه توقف فيه حتى يتبين لأي الأمرين يتجه.


المقصد الرابع: لوازم طريق الهجرة واستقامة المهاجر:
* لوازام طريق الهجرة:

- فإن المهاجر في طريق هجرته يلزمه أمور:
* زاد المهاجر:
- العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زاد سواه.

- ومن لم يحصل هذا الزاد فلا يتعنى الخروج، وليقعد مع الخالفين وليتأسى بهم.
- وهذا التأسي إن نفع في الدنيا، كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلّي النّفس عنهم بالتأسّي
-فإنه-أي: التأسي- لن ينفعه في الآخرة، {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنّكم في العذاب مشتركون}.

* طريق الهجرة:
-فهو بذل الجهد، واستفراغ الوسع، ومجاهدة النفس.
فخض غمرات الموت واسم إلى العلا ... لكي تدرك العزّ الرفيع الدعائم

فلا خير في نفسٍ تخاف من الرّدى ... ولا همّةٍ تصبو إلى لوم لائم
- وليحذر المهاجر من أمرين:
- التنازل عن الحق، والخضوع للوم اللائمين.
- الخوف مما يلاقي من أهوال، والإحجام عن معالي الأمور.
فزاده للتغلب على هذين الأمرين: الصبر، وهو نافع نفع عظيم علمه من جربه ودخل فيه.


* مركب المهاجر:
- صدق اللجأ إلى الله عز وجل، والانقطاع إليه بكليته والافتقار إليه من كل وجه.
- تحقيق العبادات القلبية بإحسان كالافتقار لله والتضرع والتوكل والاستعانة، وغيرها.

* حاجة المهاجر إلى الرفقة:
- تحول القلب لسفر الهجرة جعله يطلب رفيقا يأنسه به في سفره.
- خلو الطريق من الرفقاء ليس مدعاة لتوقف العبد في سفره.
- انفراد العبد في طريق الطلب دليل على صدق المحبة.

* أنواع الرفقاء:
1. معارض لرفيقه مناقض له.
2. لائم بالتأنيب تصريحا وتعريضا.
3. معرض عن القول، وهو أحسنهم حالا، كما قيل:
إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال

* التحذير من الرفقة الضارة:
- الحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات، فهم يقطعون عليه الطريق.
- المرافقة الضارة مرافقة المرء لعشرائه وأبناء جنسه، فهذا مدعاة للتشبه بهم وعدم تعدي همتهم.
- وقد قيل: "شتّان بين أقوامٍ موتى تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوامٍ أحياء تموت القلوب بمخالطتهم
".

* الإرشاد إلى الرفقة النافعة للمهاجر:
- والرفيق المطلوب رفيقا معرضا عن هفوات رفيقه، تاركا للملامة والاعتراض.
- فأنفع مرافقة وأوفقها للمهاجر مرافقة الأموات، الذين هم في العالم أحياء، وهم أهل العلم.
- وبصحبة تلك الرفقة يتستحدث المهاجر همة وعملا أعلى من همته وعمله.

* استقامة سير المهاجر في طريق هجرته:
- تحصل للمهاجر الاستقامة في سيره إلى الله وطريق هجرته بتمكن الإيمان من قلبه.
- وسبيل تمكن الإيمان من القلب، اشتغال القلب بالتفكر في معاني القرآن وغلبة ذلك عليه.
- فإن رأس مال الأمر وعموده التفكر والتدبر للآيات القرآن الكريم، وهو فضل من الله عز وجل.
- والناس تتفاوت أفهامهم في معرفة القرآن واستنباط أسراره، لذلك يختلف سيرهم.

* ذكر المصنف رحمه الله مثالا لكيفية تدبر القرآن وحصول الاهتداء بهداياته:
- قول الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلامٌ قومٌ منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمينٍ (26) فقرّبه إليهم قال ألا تأكلون (27)} إلى قوله: {الحكيم العليم (30)}.
- ما تضمنته الآيات من هدايات وفوائد:
- من الثتاء على إبراهيم عليه السلام.
-آداب الضيافة وحقوقها، ومراعاة حق الضيف.
- الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة
.
- تضمنت جميع صفات الكمال، التي مردّها إلى العلم والحكمة
.

- والإشارة إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحت بوقوعه.
- الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذّبة.
- وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما
.

- وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده، وصدق رسله، وعلى اليوم الآخر.
- وتضمنت حصر المنتفع في من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة.


* حال المهاجر في طريق هجرته:
- من سلك طريق الهجرة فإنه يمشي بين الخلق متبعا قول الله تعالى:
{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.
- ( خذ العفو) فيحسن معاشرة الناس، ويأخذ ما سمحت به طبائعهم فيرحمهم ويلتمس لهم الأعذار دون إخلال بأمر أونهي.

- ( وأمر بالعرف) فيأمر الناس وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم حقوقهم، وهو ما أمر الله به.
- ( وأعرض عن الجاهلين)، فيتقي أذى الجاهلين له بالإعراض وترك الانتقام لنفس والانتصار لها، وإن كانت الإساءة في حق الله أو حق رسوله، فيستغفر لهم ويستجلب قلوبهم للطاعة وبذل النصح.
- وسبب ما يلحق المرء من أذى هو الإخلال بالأمور الثلاثة أو بعضها.

*كيفية تحقيق الأمور الثلاثة التي أرشدت إليها الآية:
- أن يكون العود طيبا، والطبيعة لينة سهلة منقادة، فإنها يسهل عليها العلم والإرادة والعمل.
- أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواي البطالة والغي والهوى.
- حصول العلم الشافي بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها.


* خلاصة في بيان صحة الهجرة:
- أول الأمر وآخره هو معاملة الله وحده، والانقطاع إليه بكلية القلب، ودوام الافتقار إليه.
- ومن أخلص رأى العجب من لطف ربه وبره وإحسانه وحفظه، وأقبل بقلوب عباده إليه بالرحمة والمحبة.
- ( من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله مؤونة دنياه).
- فالهجرة إلى الله بالإخلاص والعبودية.
- والهجرة إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالانقياد والمتابعة.

الحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17 شعبان 1442هـ/30-03-2021م, 09:18 PM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 7,945
افتراضي

إنشاد راجح أ+
أحسنت بارك الله فيك وسددك
وقد قدّمتِ مقصد أقسام الخلائق بالنسبة لدعوته صلى الله عليه والسلام، والأولى المحافظة على ترتيب المؤلف لمقاصد الكتاب ما لم تقتضِ الضرورة غير ذلك.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 5 رمضان 1442هـ/16-04-2021م, 01:31 AM
آسية أحمد آسية أحمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2017
المشاركات: 404
افتراضي

]الرسالة التبوكية لابن القيم
الهجرة القلبية من أعظم التعاون على البر والتقوى

مدخل :
- مقدمة في بيان المقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم من خلال قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا اللّه إنّ اللّه شديد العقاب (2)} وبيان أحوال العبد.
اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم:
فيما بينهم في بعضهم بعضا،
وفيما بينهم وبين ربهم،
فإن كلّ عبد لا ينفكّ من هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق.
فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصّحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم
تعاونا على مرضاة الله وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي "البرّ والتقوى" اللذان هما جماع الدين كله.

معنى البر والتقوى والعلاقة بينهما:
- معنى البر وحقيقته وخصاله.
معنى البر:

حقيقته: الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه والخير،ومنه "البرّ" بالضم؛ لكثرة منافعه وخيره بالإضافة إلى سائر الحبوب، فاشتقاقه في الكلام يدل على كثرة المنافع والخير، ومنه رجل بارٌ، وبرٌّ، و{كرام بررة}، والأبرار.
فالبرّ في الشرع: كلمة لجميع أنواع الخير والكمال المطلوب من العبد
خصاله:
يتناول جميع أقسام الدين: حقائقه وشرائعه، ، والأعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب، وأصول الإيمان الخمس، وهذا يشمل الأعمال القلبية، والأعمال الظاهرة، وقد جمعها الله تعالى في قوله: {ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنّبيّين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسّائلين وفي الرّقاب وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصّابرين في البأساء والضّرّاء وحين البأس أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون (177)}.

- التقوى وحقيقتها وخصالها:
التقوى لفظة من الوقاية
والمراد بها في الشرع: كما قال طلق بن حبيب: "أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
حقيقتها:
العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا فيفعل ما أمره الله به إيمانا بالأمر، وتصديقا بموعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي، وخوفا من وعيده.
خصالها:
خصال التقوى هي خصال البر بعينها كما قال بين الله تعالى في الآية السابقة لأنه تعالى في ختامها قال: {أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون}

- العلاقة بين البر والتقوى.
- البرّ جزء مسمّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه جزء مسمّى البر،
وخصال البر هي بعينها خصال التقوى.
وذلك أن التقوى جامع لجميع أصول الإيمان وفروعه، والبرّ داخل فى هذا المسمى.
وهذا في حال افتراقهما.
- وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى} فالفرق بينهما فرق بين السّبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها؛
- فالبرّ مطلوب لذاته، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه.
- التقوى فهي الطريق الموصلة إلى البرّ، والوسيلة إليه.
وذلك أن لفظ التقوى يدل على أنها من الوقاية، فإن المتّقي قد جعل بينه وبين النار وقاية،
-فالوقاية من باب دفع الضرر،
-والبرّ من باب تحصيل النفع،
- فالتقوى كالحمية، والبرّ كالعافية والصحة.

- دلالتهما عند الاقتران وعند الانفراد.
- عند الإفراد: إذا أفرد كلّ واحد من الاسمين دخل فيه المسمّى الآخر، إما تضمنا وإمّا لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر؛ لأن البرّ جزء مسمّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه جزء مسمّى البر،
عند الاقتران: لا يدخل أحدهما في الآخر، لكن كون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند الانفراد.
ونظير هذا لفظ "الإيمان والإسلام"، "والإيمان والعمل الصالح"، و"الفقير والمسكين"، و"الفسوق والعصيان"، و"المنكر والفاحشة"،

- أهمية فهم دلالة الألفاظ الشرعية:
هذا بابٌ شريف ينتفع به انتفاع عظيم في
فهم ألفاظ القرآن ودلالته،
ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ فإنه هو العلم النافع،
وقد ذمّ سبحانه في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله على رسوله.
فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين:
إحداهما: أن يدخل في مسمّى اللفظ ما ليس منه؛ فيحكم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيسوّى بين ما فرق الله بينهما.
والثانية: أن يخرج من مسمّاه بعض أفراده الداخلة تحته؛ فيسلب عنه حكمه؛ فيفرّق بين ما جمع الله بينهما.
والذّكيّ الفطن يتفطّن لأفراد هذه القاعدة وأمثلتها، فيرى أن كثيرا من الاختلاف أو أكثره إنما نشأ عن هذا الموضع،

معنى الإثم والعدوان والفرق بينهما:
الإثم والعدوان في جانب النهي نظير البرّ والتّقوى في جانب الأمر.
- معنى الإثم.
الإثم يقابل البر،وهو كلمة جامعة للشرّ والعيوب التي يذمّ العبد عليها.
- معنى العدوان.
ما حرّم الزيادة في قدره، وتعدي ما أباح الله منه.فالعدوان هو تعدّي حدود الله التي قال فيها: {تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظّالمون }، وقال في موضع آخر: {تلك حدود اللّه فلا تقربوها}.
- الفرق بين الإثم والعدوان.
والفرق ما بين الإثم والعدوان أن الإثم ما كان حراما لجنسه، والعدوان ما حرّم الزيادة في قدره، وتعدي ما أباح الله منه.

ثانياَ:الهجرة إلى الله ورسوله.
بيان أهميتها ومنزلتها:
هي الأصل في الهجرة وهي الهجرة الحقيقية وهي مطلوب الله ومراده من العباد.
بيان ارتباطها بالشهادتين:
أن الهجرة إلى الله هي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.والهجرة الى الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضى شهادة أن محمد رسول الله.
والشهادتين يسأل عنهما كل عبد يوم القيامة وقبل ذلك في البرزخ وهو مضمون الهجرة المطالب بها العبدة في الدنيا.
قال قتادة: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين،
علاقة الهجرة بالإيمان:
يقرن الله عز وجل بين الهجرة والإيمان في القرآن لأنهما متلازمان وأحدهما يقتضي الآخر وبيان ذلك كما يلي:
أن الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، لأن المهاجر من شيء إلى شيء لابد أن يكون ما يهاجر إليه أحبّ إليه مما يهاجر منه؛ فيؤثر أحبّ الأمرين إليه على الآخر،
وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوه إلى خلاف ما يحبه الله ويرضاه وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه، فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله، ولا ينفكّ في هجرة حتى الممات.
بيان حكمها:
فرض عين على كلّ أحد في كلّ وقت، وأنه لا انفكاك لأحد من وجوبها.
بيان أصلها وأسباب قوتها وضعفها:
أصلها: الحب والبغض
والهجرة تقوى وتضعف حسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة أقوى و أتمّ وأكمل، وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علما، ولا يتحرك بها إرادة.
وما ذاك إلا للإعراض عما خلق العبد له، والاشتغال بغيره، وهذا من نتائج ضعف البصيرة، وضعف المعرفة بمراتب العلوم والأعمال،
بيان لوازمها:
الحبّ والبغض.
والعطاء والمنع،
والموالاة والمعاداة،
التقريب والإبعاد،
وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله، وترك كل ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد به، وتجريد متابعته تجريدًا محضًا.

- الهجرة إلى الله تعالى
- معنى الهجرة إلى الله تعالى:
هو أن يهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذّلّ له والاستكانة له إلى دعاء ربّه وسؤاله والخضوع له والذلّ والاستكانة له.
- بيان ارتباطها بالتوحيد:
إن التوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه، قال تعالى: {ففرّوا إلى اللّه}.
ارتباطه بتوحيد الألوهية:
الفرار إليه سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية، ولوازمها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل وسائر منازل العبودية، فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
ارتباطه بتوحيد الربوبية: الفرار من الله إليه.
أما الفرار منه إليه؛ فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر، وأن كلّ ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفرّ منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله وحده؛ فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته، فإذا فرّ العبد إلى الله فإنما يفرّ من شيء وجد بمشيئة الله وقدره؛ فهو في الحقيقة فارّ من الله إليه.
وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"

- الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- حدها:
اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل مسألة من مسائل الإيمان و نازلة من النوازل، والتسليم لها تسليما تاما والإعراض عن كل ما يخالفها، فهذا هو حدّ هذه الهجرة.
- عوائقها :
الكسل والبطالة وتقليد الأباء والأجداد والركون على ما يمليه الطبع والعادة.
-مقتضياتها:
- التسليم:
قال تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا (65)}
هذه الآية تبين بيانا واضحا على وجوب التسليم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته وتؤكد لزوم هذا الأمر وذلك من خلال عدد من الأغراض كالتالي:
الصيغ البلاغية كالقسم على نفي الإيمان، عن من لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وما الموصولة التي تقتضي نفي الإيمان إذا لم يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم.
شرط فيه انشراح صدورهم بحكمه، وعدم وجود الحرج والضّيق من حكمه، فلا بد معه من القبول برضى وانشراح صدر.
ضمّ إليه قوله: {ويسلّموا تسليمًا}؛ فذكر الفعل مؤكدًا له بمصدره، فلا بد من الخضوع له، والانقياد لما حكم به طوعا ورضى، وتسليمًا لا قهرا ومصابرةً.
- المقصود بالأولوية في قوله تعالى: {النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}، ولوازمها:
- المقصود بها: أن يكون أحبّ إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا فيجب أن يكون الرسول أولى به منها، وأحبّ إليه منها؛ فبذلك يحصل له اسم الإيمان
- لازمها: كمال الانقياد والطاعة والرضى والتسليم وسائر لوازم المحبة، من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على كل من سواه.
والأولوية تتضمن: أن لا يكون للعبد حكمٌ على نفسه أصلًا، بل الحكم على نفسه للرسول، يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده، والوالد على ولده؛ فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.
- سبيل ثبوت الأولوية تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وترك أقوال غيره لقوله:
لا سبيل إلى ثبوت هذه الأولوية إلّا بعزل كل ما سواه، وتوليته في كل شيء، وعرض ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به؛ فإن شهد له بالصحة قبله، وإن شهد له بالبطلان ردّه، وإن لم تتبين شهادته له بصحةٍ ولا بطلانٍ جعله بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، ووقفه حتى يتبيّن أي الأمرين أولى به.
- بيان حكم متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه، وعلاقة ذلك بالإيمان.
أن الواجب الذي لا يتمّ الإيمان بل لا يحصل مسمّى الإيمان إلا به :
مقابلة النصوص بالتّلقّي والقبول، والإظهار لها، ودعوة الخلق إليها, لا تقابل بالإعراض تارةً، وباللّيّ أخرى. قال تعالى: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللّه ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}؛
فدلّ هذا على أنه إذا ثبت لله ولرسوله في كل مسألة من المسائل حكمٌ طلبيٌّ أو خبريٌّ، فإنه ليس لأحد أن يتخيّر لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلًا، فدلّ على أن ذلك منافٍ للإيمان.

- بيان أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من القيام بالقسط والشهادة به:
قال تعالى: {ياأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللّه أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا (135)}.
- بيان أن ذلك من القيام بالقسط الذي أمر الله به:
أمر سبحانه وتعالى في الآية السالفة بالقيام بالقسط، وهو العدل، وهذا أمر بالقيام به في حقّ كل أحد عدوًّا كان أو وليًّا، وأحقّ ما قام له العبد بالقسط: الأقوال والآراء والمذاهب؛ إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره؛ فالقيام فيها بالهوى والعصبية مضادٌّ لأمر الله, منافٍ لما بعث به رسله، والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته، وأمنائه بين أتباعه، ولا يستحقّ اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض، نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولعباده.
- بيان ارتباط السعادة والشقاء، بالمتابعة والطاعة وعدمها.
قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}
فقوله تعالى: {ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}؛ أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي الأمر، وردّ ما تنازعتم فيه إليّ وإلى رسولي، خيرٌ لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خيرٌ لكم وأحسن عاقبةً، فدلّ هذا على أن طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا.
وإن الألم والغمّ الذي يصيب العبد في نفسه، فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، وإلّا فطاعته هي الحصن الذي من دخله فهو من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه فهو من الناجين.
و لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا باجتهاده في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا، والقيام به عملًا..

- ذكر أقسام الخلائق سعدائهم وأشقيائهم وأحكامهم متبوعين وأتباع، ومآل كل منهما، وبيان السبب الوحيد الذي لا ينقطع يوم القيامة.
- حكم الأتباع الأشقياء، ونوعيهم، ومآلهم:
-1- حكم الأتباع والمتبوعين المشتركين في الضلالة:
- أن مآلها إلى العداوة واللعنة؛ كما قال تعالى: {الأخلّاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلّا المتّقين}.
- تمنيهم طاعة الله وطاعة رسوله حين لا ينفعهم ذلك، وآلت طاعاتهم لبعضهم وموالاتهم إلى قولهم: {ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا).

2- -حكم الأتباع المخالفون لمتبوعيهم:
- العادلون عن طريقتهم، الذين يزعمون أنهم تبع لهم، وليسوا متّبعين لطريقتهم،
فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، وأتباعهم ادّعوا أنهم على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم، يزعمون أنّهم يحبونهم، وأن محبّتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم لهم،
- يتبرءون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم.ولكن أعمالهم كلها باطلة،
ويوم القيامة تكون عليهم حسراتٍ، إذ لم يجرّدو موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛
- فانقطعت بينهم الأسباب، وهي الوصل والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: {وتقطّعت بهم الأسباب).

- حكم الأتباع السعداء وبيان نوعيهم، مآلهم.
فأما الأتباع السّعداء فنوعان:
النوع الأول: أتباع لهم حكم الاستقلال:
وهم الصحابة وأتباعهم بشرط الاحسان في اتباعهم.
النوع الثاني: أتباع المؤمنين من ذريّتهم،
وهم الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تبعٌ لهم.الذين قال الله تعالى فيهم: {والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ)

- انقطاع الأسباب كلها يوم القيامة إلا سبب الهجرة إلى الله ورسوله.
السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهو السبب الذي ينفع العبد في الدور الثلاثة الدنيا، والبرزخ والآخرة، وهو السبب الواصل بين العبد وبين الله،
وكل الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا تنقطع في الآخرة
- سبب العبودية لا تتحقق إلا بتجريد المتابعة للرسل.
سبب العبودية المحضة لا وجود لها ولا تحقّق إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ أن هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عرفت إلا بهم, ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وما كان منها على غير سنتهم وطريقتهم فإنما هي هباء منثورا لا تنفع صاحبها.

ذكر أقسام الخلائق بالنسبة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلق بالنسبة لدعوته، وهم ثلاثة أقسام فقال :"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم:
(كمثل غيثٍ أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طبّبةٌ قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فهذا فهذا مثل القلب الزّكي الذكي ؛ الذي يقبل العلم بذكائه، ويثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه.
(وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فسقى الناس وزرعوا) وهذا مثل القلب الحافظ للعلم، الذي يحفظه كما سمعه، ولا تصرّف له فيه ولا استنباط، بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع.
(وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً) فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا الفقه والدراية فيه.
بيان وجه العلاقة بين الغيث والأرض وبين العلم والقلب.
شبّه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلًّا منهما سبب الحياة:
- فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.وشبّه القلوب القابلة للعلم بالأرض القابلة للغيث.

لوازم استقامة الهجرة:
بيان زاده وطريقه ومركبه ورأس الأمر وعموده فيه:
زاده: زاده العلم الموروث عن خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم .
طريقه : بذل الجهد, واستفراغ الوسع
مركبه: فصدق اللّجأ إلى الله, والانقطاع إليه بكلّيته, وتحقيق الافتقار إليه من كل وجه, والضراعة إليه, وصدق التوكل عليه، والاستعانة به، والانطراح بين يديه.
رأس الأمر وعموده في ذلك: دوام تدبر القرآن والتفكر فيه، بحيث يستولي على الفكر، ويشغل القلب، ومثاله التدبر في آيات حديث ضيف إبراهيم في قول الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) وما بعدها
تدبر آيات حديث ضيف إبراهيم
لو تدبر الإنسان هذه الجملة من الآيات التي تحكي قصة إبراهيم مع ضيفه لاستخرج منها أسراراً جمة، ومعاني بديعة، ومنها:
- تضمنها لأنواع الثناء على إبراهيم.
- جمعت آداب الضيافة وحقوقها.
- الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة.
- تضمنخا علمًا عظيمًا من أعلام النبوة.
- فيها جميع صفات الكمال، التي مردّها إلى العلم والحكمة.
-إشارتها إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحت بوقوعه.
- الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذّبة.
- فيها ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما.
- تضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده، وصدق رسله، وعلى اليوم الآخر.
- وأنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة.

- ما يجده طالب الرفقة المهاجر من الناس، والمطلوب منه تجاه ذلك:
إن المهاجر يطلب الرفقة الذي يأنس به أثناء سيره ولكن الغالب من الناس لا يخرج عن ثلاث :
إما معارضًا مناقضًا.
أو لائمًا بالتأنيب مصرّحًا ومعرّضًا،
أو فارغًا عن هذه الحركة معرضًا، وليت الكلّ كانوا هكذا، فلقد أحسن إليك من خلّاك وطريقك
المطلوب من المهاجر:
- فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا السفر بالإعراض، وترك اللائمة والاعتراض، إلا ما يقع نادراً.
- ينبغي أن لا يتوقف العبد في سيره، بل يسير ولو وحيدًا غريبًا، فانفراد العبد في طريق طلبه دليلٌ على صدق المحبة.
- أن يكون غريبا محبوباً يرى ما الناس فيه، وهم لا يرون ما هو فيه، يقيم لهم المعاذير ما استطاع، وينصحهم بجهده وطاقته، سائرًا فيهم بعينين:
عين ناظرة إلى الأمر والنهي؛ بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم الحقوق، ويستوفيها عليهم.
وعين ناظرة إلى القضاء والقدر، بها يرحمهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ويلتمس لهم وجوه المعاذير فيما لا يخلّ بأمرٍ ولا يعود بنقض شرعٍ،
فيكون بين حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حقّ الله فيهم، والسلامة من شرهم
وهذه لا تتمّ إلا بثلاثة أشياء:
أحدها: الطبيعة المنقادة اللّينة السّلسة القياد، فإنها مستعدّةٌ.
الثاني: أن تكون النفس قويةً غالبةً قاهرةً لدواعي البطالة والغيّ والهوى.
الثالث: علمٌ شافٍ بحقائق الأشياء، وتنزيلها منازلها.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاثة، وساعده التوفيق فهو من القسم الأوّل المذكورون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم" الحديث.

- أول الأمر وآخره في معاملة الله وحده:
أول الأمر وآخره هو في معاملة الله وحده، والانقطاع إليه بكلّيّه القلب، ودوام الافتقار إليه فلو وفّى العبد هذا المقام حقّه لرأى العجب العجيب من فضل ربّه وبرّه ولطفه ودفاعه عنه، والإقبال بقلوب عباده إليه.

أهـ

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 رمضان 1442هـ/24-04-2021م, 12:52 AM
محمد العبد اللطيف محمد العبد اللطيف غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2017
المشاركات: 533
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
التطبيق الثاني من تطبيقات دورة القراءة العلمية - المرحلة الثانية

تلخيص رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية : قاعدة في المحبة

المرحلة الأولى:

أولا: استخلاص مسائل الرسالة

المقصد الأول: التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص

- قواعد في الحب والبغض وأثرها السلوكي.
- التعريف بمحبة الله ومتعلقاتها.
- إثبات المحبة بين الرب وعبده, والعبد وربه.
- بيان الأقسام المذمومة والانواع المحمودة في المحبة.
- بيان فضل كلمة التوحيد وعلاقتها بالمحبة وأدلتها.
- بيان الأصول التي يقوم عليها الدين الحق.
- بيان أن التصديق بالمحبة أصل الإيمان.
- بيان أهمية إخلاص العيادة في تحصيل اللذة العقلية.

المقصد الثاني : بيان أنواع المحبوبات وأثارها

- بيان أقسام المحبوبات والتعظيم وعلاقته بالشرك.
- الفرق بين الحب في الله ولله وبين الحب لغير الله.
- بيان محبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة.
- بيان علاقة الذنوب بمحبة الله ورسوله.
- بيان أنواع المحبوبات لغير الله.
- بيان آثار المحبة الفاسدة.
- حكم إطلاق لفظ العشق على الله.

المقصد الثالث: بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية

- بيان معنى الجهاد في سبيل الله وأقسام الناس فيه.
- بيان سبب فعل المحرمات وأمثله منها وعلاقته بنقص المحبة.
- بيان أهمية العلم وأنه سبب للعمل.
- بيان تعلق الحياة بالعلم والإرادة والحركة.
- بيان معنى الولاية والطاعة وأنواعها وبعض أحكامها.
- بيان ألغضب المشروع والغيرة المحمودة.

المقصد الرابع: بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا

- بيان أن النعيم التام هو الدين الحق.
- بيان الكلام عن نعيم الكافر في الدنيا.
- بيان أهمية العلم والصبر في تحقيق النصر.
- بيان البلاء والنعيم ومتعلقاتها وموقف أهل السنة منها.
- بيان ما جاء في القضاء والقدر.
- بيان مسائل في المجئ للرسول صلى الله عليه وسلم واستغفاره.
- بيان أحكام الرضا بما أمر الله به ورسوله وما يصيب العبد مما يكره.
- بيان الولاء والعداء وعلاقتهما بالمحبة.

المقصد الخامس: بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحبة

- بيان ألرد على أقوال الطوائف المختلفة مثل الجهمية وأهل الكلام و المتفلسفة في المحبة وما يتعلق بها من أمور الاعتقاد.

ثانيا: المقاصد الفرعية للرسالة

1- التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص
2 بيان أنواع المحبوبات وآثارها
3- بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية
4- بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا
5- بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحية

ثالثا: المقصد العام للرسالة

بيان أن المحبة والارادة مصدر جميع حركات العالم وأن المحبوب هو السبب الفاعل للمحبة والإرادة والتعريف بمحبة الله ورسوله ومتعلقاتها وواجباتها: الجهاد والعلم والولاية وأهميتها في تحقيق الإيمان والنعيم في الدنيا والآخرة والتحذير من الشرك والرد على الطوائف المخالفة في أمور الاعتقاد المتعلقة بها.


المرحلة الثانية:

المقصد الأول: التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص

قواعد في الحب والبغض وأثرها السلوكي

أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك إذا فسر الترك بالأمر الوجودي كما يفسره بذلك أكثر أهل النظر، وإذا عني بالترك مجرد عدم الفعل فعدم الفعل تارة يكون لعدم مقتضيه من المحبة والإرادة ولوازمهما وقد يكون لوجود مانعه من البغض والكراهة وغيرهما.

المحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود، ودفع ما يطلب الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده، فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ولوازمهما.

الحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية، لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور: فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية.

أن ما في الأجسام من حركه طبعية فإنما أصلها السكون، فإنه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها تطلب مستقرها، وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فلم تبق حركة اختيارية إلا عن الإرادة.

بيان أهمية النية للمحبة والإرادة

كل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه، وليس للعامل إلا ما نواه وقصده وأحبه وأراده بعمله، ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد كما يظنه طوائف من الناس حيث يحسبون أن النية المراد به النية الشرعية المأمور بها فيحتاجون أن يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية، فإن النية موجودة لكل متحرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "أصدق الأسماء الحارث وهمام" فالحارث هو العامل الكاسب والهمام هو القاصد المريد وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام.

التعريف بمحبة الله ومتعلقاتها

إذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره، إذ لو كان كل شيء محبوبا لغيره لزم الدور أو التسلسل، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده.

لما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلا، فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة منهم من يعبد الله ومنهم من لا يعبده بل قد يجعل معه إلها آخر.

أصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل.

أهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقي منهم في العذاب أحد، والذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غيره هم أهل الشرك الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}.



- الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، وفي رواية في الصحيح: "لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقي في النار".

- في الصحيح عن أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"

- في صحيح البخاري أن عمر قال يا رسول الله: "والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فو الذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر".

ذم اتباع الهوى وأدلته

كل من اتبع هواه اتبعه بغير علم إذ لا علم بذلك إلا بهدي الله الذي بعث الله به رسله كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ولهذا ذم الله الهوى في مواضع من كتابه. واتباع الهوى يكون في الحب والبغض

قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ. وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} فذكر الذين أوتوا العلم وهم الذين يعلمون أن ما أنزل إليه من ربه الحق ويفقهون ما جاء به، وذكر المطبوع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا، الذين اتبعوا أهواءهم يسألونهم ماذا قال الرسول آنفا، وهذه حال من لم يفقه الكتاب والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين. ثم ذكر صفة المؤمنين فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ} زيادة الهدي وهو ضد الطبع على قلوب أولئك وآتاهم تقواهم وهو ضد اتباع أولئك الأهواء.

بيان الفرق بين العبادة العامة والعبادة الطوعية

عبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلاهيته سبحانه وتعالى وهو الغاية المقصودة منها ولها، وأما في الشرع فإن الله فصل بين هذا وبين هذا فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} فهذا السجود الذي فصل بين كثير من الناس الذي يفعلونه وكثير من الناس الذين لا يفعلونه طوعا وهم الذين حق عليهم العذاب ليس هو ما يشترك فيه جميع الناس من خلق الله وربوبيه الله تعالى إياهم وتدبيرهم.

بيان الأصول التي يقوم عليها الدين الحق

الدين هو الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعة الدائمة اللازمة التي قد صارت عادة وخلقا بخلاف الطاعة مرة واحدة، ولهذا فسر الدين بالعادة والخلق ويفسر الخلق بالدين أيضا كما في قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس على دين عظيم وذكره عنه سفيان بن عيينة وأخذه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة وبذلك فسراه.

إذا كان كل عمل عن محبة وإرادة والترك يكون عن بغض وكراهة وكل أحد همام حارث له حب وبغض لا يخلو الحي عنهما وعمله يتبع حبه وبغضه ثم قد يكون ذلك في أمور هي له عادة وخلق وقد يكون في أمور عارضة لازمة علم أن كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم، إذ لا غني لبعضهم عن بعض وأحدهم لا يستقل بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم. أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل، وهكذا الدين الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب والخضوع، بخلاف طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها قد تكون خضوعا ظاهرا فقط. الدين الحق هو طاعة الله وعبادته كما بينا أن الدين هو الطاعة المعتادة التي صارت خلقا وبذلك يكون المطاع محبوبا مرادا إذ أصل ذلك المحبة والإرادة. ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع على الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له، ورسله وأولو الأمر أُطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصي الله ومن عصي أميري فقد عصاني".

الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة والمعبود إله واحد، والعبادة طاعته وطاعة رسوله، فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} وهو دين المؤمنين من الأولين والآخرين وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد غيره لأنه دين فاسد باطل كمن عبد من لا تصلح عبادته أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به.

بيان أن التصديق بالمحبة أصل الإيمان

إذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل


المقصد الثاني : بيان أنواع المحبوبات وأثارها

إثبات المحبة بين الرب وعبده, والعبد وربه

محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات، وكذلك محبة الله لهم هي محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه".

- بيان علاقة المحبوبات لغير الله بالشرك

المحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد كقوله في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط".
فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة. فإذا كان الإنسان مشغوفا بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه.

الفرق بين الحب في الله ولله وبين الحب لغير الله

محبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم أو العبادة أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا يكون ثابتا وقد يعتقد في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله.

موجبات محبة الله لعباده

محبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده. وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالى: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه".
محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان يصلي بأصحابه فيقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ بها مع سورة أخري فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم فقال: "سلوه لم يفعل ذلك فقال لأني أحبها فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة".
محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول: اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلي ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين.
محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فإن اتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء بغضا لمن لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

- بيان علاقة الذنوب بمحبة الله ورسوله

الذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله" , وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات والمعاصي تنقض المحبة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"

بيان علاقة عشق الصور بالشرك

العشق مراتب مثل العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه. والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف عليه الصلاة والسلام {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء والفحشاء ويوسف عليه السلام كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل على الله واستعان به كما قال تعالى: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وهذا تحقيق قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}. فأخبر سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما سلطانه على المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}
وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين وأخبر الله أن سلطانه ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين
والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد وذلك هو الشرك قال الله تعالى فيه {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من هذا الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك فأصحاب العشق الذي يحبه الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما فاتهم من إخلاص المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه نصيب من اتخاذ الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون بأنا عبيد له فيوجد في هذا الحب والهوى واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال بالباطل إلى غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالى لأن أصله أن يكون حبه كحب الله وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره أو من جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو اتباع الهوى بغير هدي من الله
وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}
ولهذا لا يبتلي بهذا العشق إلا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد وهي سعادتهم وعشق الصور من أعظم الفتن وقد قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} ولهذا قال سبحانه وتعالى {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا}

بيان آثار المحبة الفاسدة

البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان. ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شارب الخمر كعابد وثن" ومر علي رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون وأظنه قلب الرقعة.

حكم إطلاق لفظ العشق في حق الله

ذهب طوائف من أهل العلم والدين إلى إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان:
أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر.
والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه" وهذا الوجه يقتضي الامتناع من الإطلاق إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع.

المأخذ الثاني أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في محبة جنس النكاح مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ودينه وشجاعته وكرمه وإحسانه ونحو ذلك، بل المشهور من لفظ العشق هو محبة النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه أو مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل بالوسيلة عن المقصود.


أما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد في الإدراك والمعرفة؟ قيل: إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا للقلب والجسم كما قال تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب والإفراط في الفرح وفي الحزن.

المقصد الثالث: بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية

بيان معنى الجهاد في سبيل الله وأقسام الناس فيه

الجهاد في سبيل الله تعالى من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال القدرة والطاقة فيتضمن شيئين أحدهما استفراغ الوسع والطاقة والثاني أن يكون ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته والقدرة والإرادة بهما يتم الأمر
وهنا انقسم الناس أربعة أقسام فقوم لهم قدرة ولهم إرادة ومحبة غير مأمور بها فهم يجاهدون ويستعملون جهدهم وطاقتهم لكن لا في سبيل الله بل في سبيل آخر إما محرمة كالفواحش ما ظهر منها وما وبطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم الحق.
وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه لكن الغالب أن مثل هذا كثيرا ما يقترن به من الشبه ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل الشيطان.

وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله ولهم أيضا قدرة كاملة فهؤلاء سادة المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة
والقسم الثالث قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية تامة لكن قدرتهم ناقصة فهم يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم ولا يتركون مما يقوون عليه شيئا لكن قدرتهم قاصرة ومحبتهم كاملة فهو مع القسم الذي قبله
وما زال في المؤمنين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من هؤلاء خلق كثير وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا سلكتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر" وقال له سعد بن أبي وقاص يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم يسهم له مثلما يسهم لأضعفهم فقال: "يا سعد وهل تنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم واستغفارهم".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال: "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" وهذا كثير.
والقسم الرابع من قدرته قاصرة وإرادته للحق قاصرة وفيه من إرادة الباطل ما الله به عليم فهؤلاء ضعفاء المجرمين ولكن قد يكون لهم من التأثير بقلوبهم نصيب وحظ مع أهل باطلهم كما يوجد في العلماء والعباد والزاهدين من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي هذه الأمة ما فيه مضاهاة لعلماء المؤمنين وعبادهم وذلك أن الشيطان جعل لكل شيء من الخلق نظيرا في الباطل فإن أصل الشر هو الإشراك بالله كما أن أصل الخير هو الإخلاص لله

-بيان سبب فعل المحرمات وأمثله منها وعلاقته بنقص المحبة

الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ضعف المحبة والبغض
لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو منافق. فكل سيئة يفعلها المؤمن لا بد أن تقترن بها حسنات له لكن قوة شهوته للسيئة وما زين له فيها حتى ظن أنها مصلحة له أوجب وقوعها وهو اتباع الظن وما تهوي الأنفس وهذا القدر عارض بعض إيمانه فترجح عليه حتى ما هو ضد لبعض الإيمان فلم يبق مؤمنا الإيمان الواجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وهو فيما يفعله متبع للشيطان فيما زينه له حتى رآه حسنا وفيما أمره به فأطاعه وهذا من الشرك بالشيطان كما قال تعالى: {فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}

أمثلة من المحرمات المرتبطة بالمحبة

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فلم تبح إلا المرأة التي هي زوج أو ملك يمين وقد ذكر ما اشترطه في الحلال بقوله {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} وقوله {غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}.
كما في الصحيح عن عائشة قالت: "كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء وذكرت أصحاب الرايات وهن المسافحات وأن إلحاق النسب في وطئهن كان بالقافة وذكرت التي يطأها جماعة محصورة وأن الإلحاق كان بتعيين المرأة وذكرت نكاح الاستبضاع وهو غير نكاح ذوات الأخدان وذكرت النكاح الرابع وهو النكاح المعروف الذي أحله الله.

فالشيطان جعل من الحرام ما فيه مضاهاة من للحلال وان سمي باسم آخر لكن المعني فيه اشتراك فالله أباح للرجل امرأته ومملوكته وكل من الرجل والمرأة زوج الآخر فذوات الأخدان بينهن وبين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كذلك ولهذا ميز الله بين هذا وهذا.
وأخفى من ذلك مؤاخاة كثير من الرجال لكثير من النساء أو لكثير من الصبيان وقولهم إن هذه مؤاخاة لله إذا لم تكن المؤاخاة على فعل الفاحشة كذوات الأخدان فهذا الذي يظهرونه للناس الذين يوافقونهم ويقرونهم على ذلك ويرون كلهم أن من أحب صبيا أو امرأة لصورته وحسنه من غير فعل فاحشة فإن هذا محبة لله، فهذا من الضلال والغي وتبديل الدين حيث جعل ما كرهه الله محبوبا لله وهو نوع من الشرك والمحبوب المعظم بذلك طاغوت
وذلك أن اعتقاد أن التمتع بالمحبة والنظر أو نوع من المباشرة إلى المرأة الأجنبية والصبيان هو لله وهو حب في الله كفر وشرك كاعتقاد أن محبة الأنداد حب لله وأن الاجتماع على الفاحشة تعاون على البر والتقوى وأن الإقامة على ذلك بالعبادة هي عبادة لله ونحو ذلك.
فاعتقاد أن هذه الأمور التي حرمها الله ورسوله تحريما ظاهرا أنها دين الله ومحبة الله نوع من الشرك والكفر.
ثم قد يكون منها من خفيها أشياء تروج على من لم يبلغه العلم كما اشتبه على كثير من العلماء والعباد أن استماع أصوات الملاهي تكون عبادة لله واشتبه على من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بمشاهدة هذه الصور يكون عبادة لله

ثم بعد هذا الضلال وما فيه من الغي هم أربعة أقسام:
قوم يعتقدون أن هذا لله ويقتصرون عليه كما يوجد مثل ذلك في كثير من الأجناد والمتنسكة والعامة.
وقوم يعلمون أن هذا ليس لله وإنما يظهرون هذا الكلام نفاقا وخداعا لئلا ينكر عليهم وهؤلاء من وجه أمثل لما يرجي لهم من التوبة ومن جهة أخبث لأنهم يعلمون التحريم ويأتون المحرم. وقوم مقصودهم ما وراء ذلك من الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك الظالمين الذين يعتقدون أن هذه المحبة التي لا وطء فيها لله فيفعلون شيئا لله ويفعلون هذا لغير الله وتارة يكونون من أولئك الغاوين المنافقين الذين يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أنها للشيطان فيجمع هؤلاء بين هذا الكذب وبين الفاحشة الكبرى وهؤلاء في هذه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النكاح فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ما يشبه اقتران الزوجين ويزيد عليه تارة وينقص عنه تارة وما يشبه اقتران المتحابين في الله والمتآخين في الله لكن الذين آمنوا أشد حبا لله
فالمتحابان في الله يعظم تحابهما ويقوي ويثبت بخلاف هذه المؤاخاة الشيطانية فإنه يترتب عليها أنواع من الفساد ثم هذا قد يظهر وينتشر حتى قد يسمونه زواجا ويقولون تزوج هذا بهذا كما يفعل ذلك بعض المستهزئين بآيات الله من فجار الفساق والمنافقين ويقره الحاضرون على ذلك ويضحكون وربما أعجبهم مثل هذا المزاح.

كما أن اعتقاد أن هذه المحبة لله أوجب لمن كان من فجار الفساق والمنافقين أن يقول لهم الأمرد حبيب الله والملتحي عدو الله وذلك يعجبهم ويضحكون منه وحتى اعتقد كثير من المردان أن هذا حق وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد نادي في السماء يا جبريل إني أحب فلانا". فيصير يعجبه أن يحب ويعتقد الغاوي أنه محبوب.

وكذلك النوع الثاني من الحلال وهو ملك اليمين فإن المرأة قد تملك الرجل والرجل قد يملك الصبي وقد يكون في هذا الملك نوع من ملك الرجل الأمة فربما استمتعت المرأة بمملوكها بمقدمات النكاح أو بالنكاح مضاهاة لاستمتاع الرجل بمملوكته وربما تأولت القرآن على ذلك واعتقدت أن ذلك داخل في قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} كما رفع إلى عمر ابن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت هذه الآية ففرق بينهما وأدبه وقال ويحك إنما هذه للرجال لا للنساء
وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ومن المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك أو غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.

بيان أهمية العلم وأنه سبب للعمل

المؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر خيرا وأقل شرا على ما هو دونه ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

وإذا عرف ذلك فلا بد أن يقترن بعلمه العمل الذي أصله محبته لما يحبه الله ورسوله وبغضه لما يبغضه الله ورسوله وما اجتمع فيه الحبيب والبغيض المأمور به والمنهي عنه أو الحلال والمحظور أعطي كل ذي حق حقه ليقوم الناس بالقسط فإن الله بذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل فالعلم بالعدل قبل فعل العدل
فإذا علم وأحب كان من تمامه الجهاد عليه كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} والعلم هو طريق إلى العمل وسبب كما قيل في قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} أي علما.

فالعلم بالخير سبب إلى فعله والعلم بالشر سبب إلى منعه هذا مع حسن النية وإلا فالنفس الأمارة بالسوء قد يكون علمها بالسوء سبب لفعله وبالخير سبب لمنعه وكذلك الإثم والبغي بغير الحق مثل الخمر الذي اتخذ منه أنواع من المسكرات وقيل إنها حلال وسميت بغير أسماء الخمر وهي من الخمر
وكذلك ظلم العباد في النفوس والأموال والأعراض فيه ما قد سمي حقا وعدلا وشرعا وسياسة وجهادا في سبيل الله وهو من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يحصيه إلا الله وكذلك الإشراك بالله بغير حق والقول بما لا يعلم مثل أنواع الغلو في الدين واتخاذ العلماء والعباد أربابا من دون الله والقول بتحريم الحلال وتحليل الحرام وأنواع الإشراك بالمخلوقات عبادة لها واستعانة بها وغلوا فيها وقولا على الله في أسمائه وصفاته وأحكامه ما قد دخل في ذلك من الباطل الذي سمي بأسماء محمودة أو غير مذمومة كالعبادة والزهادة والتحقيق وأصول الدين والفقه والعلم والتوحيد والكلام والفقر والتصوف ما لا يحصيه إلا الله

بيان تعلق الحياة بالعلم والإرادة والحركة

اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية و أن كل ما خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه استعمال هذه القوي على وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك. والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك على ألسن رسله بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد.

اللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها من اللذات بقدر ما يعين على الوصول إلى المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا على ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره بقدر ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله على عباده وكل ما يتنعمون به إذا استعملوه على وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلى ما هو أعظم نعمة منه.

ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالى فإن الله يقول كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقد قال الله تعالى في كتابه {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} وقال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.


بيان معنى الولاية والطاعة وأنواعها وبعض أحكامها

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وهؤلاء الذين تولوا الله فتولاهم الله والذين يدينون لغير الله هم ظالمون بتولى بعضهم بعضا كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق الله بينه وهذه حقيقة الموالاة والمعاداة التي مبناها على المحبة والبغضة.
فالموالاة تقتضى التحاب والجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق والله سبحانه قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وذكر العداوة بينهم وبين الكفار فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن الموالاة موجبها التعاون والتناصر
فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب والبلدان والتحالف على المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ولا يجمع بينهم وبين الكفار الذين قطع الله الموالاة بينهم وبينه فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبي والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والله سبحانه أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فيحتاج المؤمن إلى معرفة العدل وهو الصراط المستقيم وإلى العمل به وإلا وقع إما في جهل وإما في ظلم وذلك إنما وقع من التبديل والعقود الفاسدة كما ذكرنا من لبس الحق بالباطل حيث صارت المحرمات من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم قد لبس بها من الحق المأذون فيه ما صارت بسببه شبيهة للحق الحسن وإن كانت مشتملة مع ذلك على الباطل السيئ وإن صار أصحابها بين عمل صالح وآخر سيئ فقوم ينكرون ذلك كله لما علموا فيه من المنكر البغيض وأقوام يقرون ذلك كله لما فيه من المحبوب

بيان ألغضب المشروع والغيرة المحمودة

المؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"وفي بعض الأحاديث الصحاح: "لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته " وفي بعضها: "إن الله يغار وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه".

والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر الله أن لا تأخذنا بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب عنهما فضلا عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك أصلا فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب لا يحبه قال لوط عليه السلام: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} والقلي بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما يبغض
وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا يغار منه فالغيرة أحض وأقوي

المقصد الرابع: بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا

أتواع اللذات

اللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد.وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل والشرب الذي يضره.فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة والتعظيم كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم المظهر لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم.
والجنس الثالث أن يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي بالمضار أخرى.

بيان أن النعيم التام هو الدين الحق

إذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود منه التنعم بالمراد المحبوب فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو المقصود الأول من كل قصد كما أن التعذب والتألم هو المكروه أولا وهو سبب كل بغض وكل حركة امتناع لكن وقع الجهل والظلم في بني آدم فعمدوا إلى الدين الفاسد والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة فإنما فيهما ضده
وبيان ذلك أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم إما أن يتخذونها دينا أو لا يتخذونها دينا والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق أو دين باطل فنقول:النعيم التام هو في الدين الحق
فأهل الدين الحق هم الذين لهم النعيم الكامل كما أخبر الله بذلك في كتابه في غير موضع كقوله {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} .
وقوله عن المتقين المهتدين {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
وقوله تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}
ووعد أهل الإيمان والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعد الكفار بالعذاب التام في الدار الآخرة أعظم من أن يذكر هنا وهذا مما لم ينازع فيه أحد من أهل الإسلام.

بيان فساد الاعتقاد أن لا نعيم للمؤمن في الدنيا

تذكر هنا نكتة نافعة وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب وما يصيب كثيرا من الكفار والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلا وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين وأن العاقبة للتقوى وقول الله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وهو ممن يصدق بالقرآن حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط وقال أما الدنيا فما نري بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس ويعتمد على هذا فيما إذا أديل أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق فيقول أنا على الحق وأنا مغلوب وإذا ذكره إنسان بما وعده الله من حسن العاقبة للمتقين قال هذا في الآخرة فقط وإذا قيل له كيف يفعل الله بأوليائه مثل هذه الأمور قال يفعل ما يشاء وربما قال بقلبه أو لسانه أو كان حاله يقتضى أن هذا نوع من الظلم وربما ذكر قول بعضهم ما على الخلق أضر من الخالق لكن يقول يفعل الله ما يشاء وإذا ذكر برحمة الله وحكمته لم يقل إلا أنه يفعل ما يشاء فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور مؤيد بل يعتقدون أن الله يفعل ما يشاء
وهذه الأقوال مبنية على مقدمتين إحداهما حسن ظنه بدين نفسه نوعا أو شخصا واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهي عنه في الدين الحق واعتقاده في خصمه ونظيره خلاف ذلك أن دينه باطل نوعا أو شخصا لأنه ترك المأمور وفعل المحظور
والمقدمة الثانية أن الله قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا فلا ينبغي الاغترار بهذا
ومن المعلوم أن العبد وإن أقر بالآخرة فهو يطلب حسن عاقبة الدنيا فقد يطلب ما لا بد منه من دفع الضرر وجلب المنفعة وقد يطلب من زيادة النفع ودفع الضرر ما يظن أنه مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق قد ينافي ذلك لزم من ذلك إعراض القلب عن الرغبة في كمال الدين الحق وفي حال السابقين والمقربين بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين فيدخل مع الظالمين بل قد يكفر ويصير من المرتدين المنافقين أو المعلنين بالكفر وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من أصوله وفروعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " وذلك إذا اعتقد أن الدين لا يحصل إلا بفساد دنياه ولذلك فإنه يفرح بحصول الضرر له ويرجو ثواب ضياع ما لا بد له من المنفعة

- بيان الكلام عن نعيم الكافر في الدنيا

القرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} إلى قوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} إلى قوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وقال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه
فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يجب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}
وقد قال صالح عليه السلام لقومه {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً}
وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}
وقال الأولون قد قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى: في خطابه للمؤمنين {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا

بيان أهمية العلم والصبر في تحقيق النصر

أمر الله رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى وأمرهم بانتظار وعده وهى المقدمة الثانية وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لابد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار ولابد مع انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد إن كان هذا كله يدخل في مسمى الطاعة والإيمان
قال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}
وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ}
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}
وأمرهم أيضا بالصبر إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم مثل ظهور العدو وكما قال تعالى: في قصة أحد {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}

بيان البلاء والنعيم ومتعلقاتها وموقف أهل السنة منها

إن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
فأخبر أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في المستقبل ويكفر بما أنعم الله به عليه قبلها وعند النعماء بعد الضراء يأمن من عود الضراء في المستقبل وينسي ما كان فيه بقوله {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} على غيره يفخر عليهم بنعمة الله عليه
وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر عليه منوع عند الخير يبخل به
وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} وقال تعالى: {وَكَانَ الأِنْسَانُ قَتُوراً} وقال {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} وقال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً}
وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس والصابرون في النعماء أيضا بقوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} والصبر في السراء قد يكون أشد ولهذا قال من قال من الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من فتنة القبر وشر فتنة الغني وقال لأصحابه: " والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كم أهلكتهم".
فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز فإن كان قادرا أظهر ما في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله والقول عليه بغير علم ومن ترك القسط وترك إقامة الوجه عند كل مسجد ودعاء الله مخلصا له الدين ثم يكون شرهم بحسب كل منهم من حيث نفوسهم وقدرتهم فإن العبد لا يفعل إلا بقدرة وإرادة فمن كان أقدر وأفجر كان أمره أشد كفرعون وأمثاله من الجبارين المتكبرين لا يصبرون عن أهوائهم ولا يتقون الله
وأما المؤمن فإنه مع قدرته يفعل ما أمر الله به من البر والتقوى دون ما نهي عنه من الإثم والعدوان
ثم أولئك الذين لم يتصفوا بحقيقة الإيمان بل فيهم من الفجور كفر أو نفاق أو فسوق ما فيهم إذا كانوا عاجزين عن إرادتهم لا يقدرون على أهوائهم بنوع من أنواع القدرة تجدهم أذل الناس وأطوع الناس لمن يستعملهم في أغراضهم وأجزع الناس لما أصابهم ذلك أنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يعتاضون به وتستغني به نفوسهم ويصبرون به عما لا يصلح لهم
ولهذا كان المشروع في حق كل ذي إرادة فاسدة من الفواحش والظلم والشرك والقول بلا علم أحد أمرين إما إصلاح إرادته وإما منع قدرته فإنه إذا اجتمعت القدرة مع إرادته الفاسدة حصل الشر
وأما ذو الإرادة الصالحة فتؤيد قدرته حتى يتمكن من فعل الصالحات وذو القدرة الذي لا يمكن سلب قدرته يسعي في إصلاح إرادته بحسب الإمكان
فالمقصود تقوية الإرادة الصالحة والقدرة عليها بحسب الإمكان وتضعيف الإرادة الفاسدة والقدرة معها بحسب الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله
وهذا مما يظهر به حسن حال المؤمن وترجحه في النعيم واللذة على الكافر في الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر
فأما ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة إليه سجنا وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة إلى ذلك
وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما عاجز وإما قادر فإن كان عاجزا تعارضت إرادته وقدرته حتى لا يمكنه الجمع بينهما وإن كان قادرا أقبل على الشهوات وأسرف في التذاذه بها ولا يمكنه تركها.

ولهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون به أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك هذا فيما ينالونه من اللذة وأما ما يخافونه من الأعداء فهو أعظم الناس خوفا ولا عيشة لخائف وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم لا يزال في أسف على ما فاته وعلى ما أصابه.

وأما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه وهو مع عجزه أيضا له من أنواع الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه

بيان ما جاء في القضاء والقدر

أن الناس لما خاضوا في مسائل القدر ولم يخلق الله ويأمر ونحو ذلك بغير هدي من الله فرقوا دينهم وكانوا شيعا
فزعم فريق أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق ولا يأمره إلا لأن أمره مصلحة له أيضا وإنما العبد هو الذي صرف عن نفسه المصلحة وفعل المفسدة بغير قدرة الرب وبغير مشيئته وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب عن الظلم والعيب ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان لكن سلبوه علمه وقدرته وكتابته وخلقه ونفوا مشيئته وعمومهافقال قوم منهم إنه لا يعلم ولا يكتب ما يكون من العباد حتى يفعلوه وقال آخرون بل علم ذلك وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرهم ومع هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة فقال لهم الناس من علم أن مقصوده من الخير لا يكون وقد سعي في حصوله بمنتهى قدرته كان من أجهل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عن قليل من السفه بالتزام ما هو أكثر منه وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعل بهم فسلبوه قدرته فرد على هؤلاء من أهل الإثبات فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته وخلقه وعلمه القديم وكل هذا حسن موافق للكتاب والسنة وهو مع تمام الإيمان القدر بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه وقدرته على كل شيء لكن ضموا إلى ذلك أشياء ليست من السنة فإنه من السنة أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وألا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأنه يأمر العباد بطاعته ومع هذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم ولا لرحمته لهم بل قد يكون خلقهم ليضرهم كلهم وهذا عندهم حكمة فلم ينزهوه عما نزه عنه نفسه من الظلم حيث أخبر أنه إنما يجزي الناس بأعمالهم وأنه لا يزر وازرة وزر أخري وأنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما
بل زعما أن كل مقدور عليه فليس بظلم مثل تعذيب الأنبياء والمرسلين وتكريم الكفار والمنافقين وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه فلم يكن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه حقيقة عند هؤلاء إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم فقوله تعالى {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} عندهم لا يريد ما لا يكون ممكنا مقدورا عليه وهو عندهم لا يقدر على الظلم حتى يكون تاركا له وزعموا أنه قد يأمر العباد بما لا يكون مصلحة لهم ولا لواحد منهم لا يكون الأمر مصلحة ولا يكون فعل المأمور به مصلحة بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرة لهم وإن لم يفعلوه عاقبهم به فيكون العبد فيما يأمره به بين ضررين ضرر إن أطاع وضرر إن عصي ومن كان كذلك كان أمره للعباد مضرة لهم لا مصلحة لهم
وقالوا يأمر بما يشاء وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل المناسبة للأحكام من جلب المنافع ودفع المضار ما تبقي الأحكام الشرعية ممكنة به حتى كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية ومنهم من قال العلل مجرد علامات ودلالات على الحكم لأنها أمور تناسب الحكم وتلائمه وهو يجوزون مع هذا ألا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به لكن لما جاءت الشريعة بالوعد قالوا هو موعود بالثواب الذي وعد به وربما قالوا إنه في الآخرة فقط فإن الفعل المأمور به قد لا يكون فيه مصلحة للعباد ولا منفعة لهم بحال ولا يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال بل قد يكون مضرة لهم ومفسدة في حظهم ليس فيه ما ينفعهم ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء أن طاعة الله ورسوله فيها أمراه به قد لا يكون فيها مصلحة له ولا منفعة ولا فيها تنعم ولا لذة ولا راحة بل يكون فيها مفسدة له ومضرة عليه وليس فيها إلا ألمه وعذابه كان هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر الله به ورسوله ثم إن كان ضعيف الإيمان بالوعيد والوعد ترك الدين بالكلية وإن كان مؤمنا بالوعيد صارت دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب وإن كان مؤمنا بوعد الآخرة فقط اعتقد أنه لا تكون له في الدنيا مصلحة ولا منفعة بل لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر أو فسق وعصى
وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ورسوله ويبقي العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا وهو لا يخلو من أمرين إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ولا منفعة ولا لذة بل عذاب وألم بل مفسدة ومضرة وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد
وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته

ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره

وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس

ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

بيان مسائل في المجئ للرسول صلى الله عليه وسلم واستغفاره

قوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع إلى ما أمره به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا في طاعته راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ المعصية تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك.

أما مجيء الإنسان إلى الرسول عند قبره وقوله استغفر لي أو سل لي ربك أو ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي أو استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا فعله واحد من سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا بينهم ولو كان هذا مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم بل مشهورا بينهم ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله لا سيما فيمن كانوا أحرص الناس على الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا نقله أحد عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به، بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد.

وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا خير البرية إن الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وإني قد جئت وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر غيره من الصالحين فيقع مثلهما لمن في إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: " إني لأتألف رجالا بما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغني والخير" مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا مثل هذه الحاجات.

المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم شفعه في" وذلك أن الله يقول {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وقال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} ثم قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

- بيان أحكام الرضا بما أمر الله به ورسوله وما يصيب العبد مما يكره

لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضي ما رضيه الله من المأمور وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام احمد وغيرهم وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب
وقد قال تعالى: في الأول {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه.

وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله وأحبه كما أوجب الشكر على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له" وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة الذي فيه النعيم واللذة كما تقدم
فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين).

بيان الولاء والعداء وعلاقتهما بالمحبة

أصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه.

فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم


المقصد الخامس: بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحبة

بيان ألرد على أقوال الطوائف المختلفة مثل الجهمية وأهل الكلام و المتفلسفة في المحبة وما يتعلق بها من أمور الاعتقاد

- الرد على أهل الكلام في أن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية

الإلهية المذكورة في كتاب الله هي العبادة والتأله ومن لوازم ذلك أن يكون هو الرب الخالق وأما ما يظنه طوائف من أهل الكلام أن الألوهية هي نفس الربوبية وأن ما ذكر في القرآن من نفي إله آخر والأمثال المضروبة البينة فالمقصود به نفي رب يشركه في خلق العالم كما هو عادتهم في كتب الكلام فهذا قصور وتقصير منهم في فهم القرآن وما فيه من الحجج والأمثال أتوا فيه من جهة أن مبلغ علمهم هو ما سلكوه من الطريقة الكلامية فاعتقدوا أن المقصودين واحد وليس كذلك، بل القرآن ينفي أن يعبد غير الله أو أن يتخذه إلها فيحبه ويخضع له محبة الإله وخضوعه كما بينت ذلك عامة آيات القرآن مثل قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} ولهذا قال الخليل {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.

- بيان أهمية النصوص في تقرير المصالح المرسلة

أعلم الناس من كان رأيه واستصلاحه واستحسانه وقياسه موافقا للنصوص، كما قال مجاهد: "أفضل العبادة الرأي الحسن وهو اتباع السنة"، ولهذا قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}.

- بيان الرد على أهل النظر في تفسير عبادة الاشياء

جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده، وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات

وهذا الوجه هو الذي أدركه كثير من أهل النظر والكلام حتى فسروا ما في القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون في هذا التخصيص شرعا وعقلا أيضا، فإن المعقول الذي لهم يعرفهم أن كل شيء وكل متحرك وإن كان له مبدأ فلا بد له من غاية ومنتهى كما يقولون لها علتان فاعلية وغائية والذي ذكروه إنما هو من جهة العلة الفاعلية، وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة العلة الغائية وهذا غلط.
فلا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات علة فاعلية ولا غائية إذ لا يستقل مخلوق بأن يكون علة تامة قط، ولهذا لم يصدر عن مخلوق واحد شيء قط ولا يصدر شيء في الآثار إلا عن اثنين من المخلوقات كما قد بينا هذا في غير هذا الموضوع.
وكذلك لا يصلح شيء من المخلوقات أن يكون علة غائية تامة إذ ليس في شيء من المخلوقات كمال مقصود حتى من الأحياء، فالمخلوقات بأسرها يجتمع فيها هذان النقصان أحدهما أنه لا يصلح شيء منها أن تكون علة تامة لا فاعلية ولا غائية، والثاني أن ما كان فيها علة فله علة سواء كان علة فاعلية أو غائية.

أما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ويأخذون بظاهر من القول يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة أن ذلك هو العلة لها فاعلا وغاية كما يذكرونه في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته الباطنة والظاهرة وما يذكرونه من القوي التي في الأجسام التي هي تكون بها الحركة وما يذكرونه من كل شيء.
ومن ذلك ذكرهم الطبيعة التي في الإنسان والقوة الجاذبة والهاضمة الغاذية والدافعة والمولدة وغير ذلك وأن الرئة تروح على القلب لفرط حرارته وأن الدماغ أبرد من القلب إلى غير ذلك من الأسباب والحكم التي فيها من شهود ما في مخلوقات الله من الأسباب والحكم ما هو عبرة لأولي الأبصار.
لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم ولا يشهدون الحكمة الغائية من هذه المخلوقات وأن ذلك هو عبادة ربها سبحانه وتعالى

وقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوي والأسباب ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا كقوله {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} وقوله {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.

كلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وهذا هو المقصود الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب بل إنما يتنازعون في فاعل هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الربوبية كما قدمناه وأما شهادة غاية هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الإلهية فقد لا يهتدون له ولهذا كان في طرقهم من الضلالات والجهالات ما هو مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول.

- الرد على بعض طوائف المتفلسفة في أن مقصود الدين هو إقامة العدل بين الناس في الأمور الدنيوية

ليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود وجنكيزخان وغيرهم.
فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلى التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به على غيرهم من الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان.
فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق.

- الرد على الجهمية وغيرهم في محبة الله لعبده ومحبة العبد ربه

وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال.
وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان، وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه.
وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله.
وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين، بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه
كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} وقال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}

فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها.
وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين.
فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين.
ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى.
وقد أمرنا الله تعالى أن نقول {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}

- الرد على الصابئة والمشركين ممن صنف في أصناف اللذات

قد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة والعبادات والزهادات الفاسدة وإلي التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به على ألسن رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم في ذلك {إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} فجهلوا المقاصد والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين مقصودهم ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم.
والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة من اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ولهذا يغلب على عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من المطاعم والمشارب.
وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم.

ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية فقط، ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء على أن النفوس يمكن أن يحصل لها من إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية.

الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية وتكلموا في الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة.

- بيان الرد على أهل الكلام والمتفلسفة في صفة العلم

الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة انفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة فإن الصواب أنه ينقسم إلى النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير لنا في وجوده كالعلم بالخالق سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر مخلوقاته
ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما يترتب عليها من حصول منفعة ودفع مضرة
وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود.

والله أعلم

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24 شوال 1442هـ/4-06-2021م, 06:47 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,480
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد العبد اللطيف مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
التطبيق الثاني من تطبيقات دورة القراءة العلمية - المرحلة الثانية

تلخيص رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية : قاعدة في المحبة

المرحلة الأولى:

أولا: استخلاص مسائل الرسالة

المقصد الأول: التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص

- قواعد في الحب والبغض وأثرها السلوكي.
- التعريف بمحبة الله ومتعلقاتها.
- إثبات المحبة بين الرب وعبده, والعبد وربه.
- بيان الأقسام المذمومة والانواع المحمودة في المحبة.
- بيان فضل كلمة التوحيد وعلاقتها بالمحبة وأدلتها.
- بيان الأصول التي يقوم عليها الدين الحق.
- بيان أن التصديق بالمحبة أصل الإيمان.
- بيان أهمية إخلاص العيادة في تحصيل اللذة العقلية.

المقصد الثاني : بيان أنواع المحبوبات وأثارها

- بيان أقسام المحبوبات والتعظيم وعلاقته بالشرك.
- الفرق بين الحب في الله ولله وبين الحب لغير الله.
- بيان محبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة.
- بيان علاقة الذنوب بمحبة الله ورسوله.
- بيان أنواع المحبوبات لغير الله.
- بيان آثار المحبة الفاسدة.
- حكم إطلاق لفظ العشق على الله.

المقصد الثالث: بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية

- بيان معنى الجهاد في سبيل الله وأقسام الناس فيه.
- بيان سبب فعل المحرمات وأمثله منها وعلاقته بنقص المحبة.
- بيان أهمية العلم وأنه سبب للعمل.
- بيان تعلق الحياة بالعلم والإرادة والحركة.
- بيان معنى الولاية والطاعة وأنواعها وبعض أحكامها.
- بيان ألغضب المشروع والغيرة المحمودة.

المقصد الرابع: بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا

- بيان أن النعيم التام هو الدين الحق.
- بيان الكلام عن نعيم الكافر في الدنيا.
- بيان أهمية العلم والصبر في تحقيق النصر.
- بيان البلاء والنعيم ومتعلقاتها وموقف أهل السنة منها.
- بيان ما جاء في القضاء والقدر.
- بيان مسائل في المجئ للرسول صلى الله عليه وسلم واستغفاره.
- بيان أحكام الرضا بما أمر الله به ورسوله وما يصيب العبد مما يكره.
- بيان الولاء والعداء وعلاقتهما بالمحبة.

المقصد الخامس: بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحبة

- بيان ألرد على أقوال الطوائف المختلفة مثل الجهمية وأهل الكلام و المتفلسفة في المحبة وما يتعلق بها من أمور الاعتقاد.

ثانيا: المقاصد الفرعية للرسالة

1- التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص
2 بيان أنواع المحبوبات وآثارها
3- بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية
4- بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا
5- بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحية

ثالثا: المقصد العام للرسالة

بيان أن المحبة والارادة مصدر جميع حركات العالم وأن المحبوب هو السبب الفاعل للمحبة والإرادة والتعريف بمحبة الله ورسوله ومتعلقاتها وواجباتها: الجهاد والعلم والولاية وأهميتها في تحقيق الإيمان والنعيم في الدنيا والآخرة والتحذير من الشرك والرد على الطوائف المخالفة في أمور الاعتقاد المتعلقة بها.


المرحلة الثانية:

المقصد الأول: التعريف بمحبة الله وعلاقتها بالإيمان والإخلاص

قواعد في الحب والبغض وأثرها السلوكي

أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك إذا فسر الترك بالأمر الوجودي كما يفسره بذلك أكثر أهل النظر، وإذا عني بالترك مجرد عدم الفعل فعدم الفعل تارة يكون لعدم مقتضيه من المحبة والإرادة ولوازمهما وقد يكون لوجود مانعه من البغض والكراهة وغيرهما.

المحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود، ودفع ما يطلب الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده، فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ولوازمهما.

الحركات إما إرادية وإما طبعية وإما قسرية، لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور: فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية.

أن ما في الأجسام من حركه طبعية فإنما أصلها السكون، فإنه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها تطلب مستقرها، وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فلم تبق حركة اختيارية إلا عن الإرادة.

بيان أهمية النية للمحبة والإرادة

كل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه، وليس للعامل إلا ما نواه وقصده وأحبه وأراده بعمله، ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد كما يظنه طوائف من الناس حيث يحسبون أن النية المراد به النية الشرعية المأمور بها فيحتاجون أن يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية، فإن النية موجودة لكل متحرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "أصدق الأسماء الحارث وهمام" فالحارث هو العامل الكاسب والهمام هو القاصد المريد وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام.

التعريف بمحبة الله ومتعلقاتها

إذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره، إذ لو كان كل شيء محبوبا لغيره لزم الدور أو التسلسل، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده.

لما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلا، فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة منهم من يعبد الله ومنهم من لا يعبده بل قد يجعل معه إلها آخر.

أصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل.

أهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقي منهم في العذاب أحد، والذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غيره هم أهل الشرك الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}.



- الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، وفي رواية في الصحيح: "لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقي في النار".

- في الصحيح عن أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"

- في صحيح البخاري أن عمر قال يا رسول الله: "والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فو الذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر".

ذم اتباع الهوى وأدلته

كل من اتبع هواه اتبعه بغير علم إذ لا علم بذلك إلا بهدي الله الذي بعث الله به رسله كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ولهذا ذم الله الهوى في مواضع من كتابه. واتباع الهوى يكون في الحب والبغض

قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ. وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} فذكر الذين أوتوا العلم وهم الذين يعلمون أن ما أنزل إليه من ربه الحق ويفقهون ما جاء به، وذكر المطبوع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا، الذين اتبعوا أهواءهم يسألونهم ماذا قال الرسول آنفا، وهذه حال من لم يفقه الكتاب والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين. ثم ذكر صفة المؤمنين فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ} زيادة الهدي وهو ضد الطبع على قلوب أولئك وآتاهم تقواهم وهو ضد اتباع أولئك الأهواء.

بيان الفرق بين العبادة العامة والعبادة الطوعية

عبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلاهيته سبحانه وتعالى وهو الغاية المقصودة منها ولها، وأما في الشرع فإن الله فصل بين هذا وبين هذا فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} فهذا السجود الذي فصل بين كثير من الناس الذي يفعلونه وكثير من الناس الذين لا يفعلونه طوعا وهم الذين حق عليهم العذاب ليس هو ما يشترك فيه جميع الناس من خلق الله وربوبيه الله تعالى إياهم وتدبيرهم.

بيان الأصول التي يقوم عليها الدين الحق

الدين هو الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعة الدائمة اللازمة التي قد صارت عادة وخلقا بخلاف الطاعة مرة واحدة، ولهذا فسر الدين بالعادة والخلق ويفسر الخلق بالدين أيضا كما في قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس على دين عظيم وذكره عنه سفيان بن عيينة وأخذه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة وبذلك فسراه.

إذا كان كل عمل عن محبة وإرادة والترك يكون عن بغض وكراهة وكل أحد همام حارث له حب وبغض لا يخلو الحي عنهما وعمله يتبع حبه وبغضه ثم قد يكون ذلك في أمور هي له عادة وخلق وقد يكون في أمور عارضة لازمة علم أن كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم، إذ لا غني لبعضهم عن بعض وأحدهم لا يستقل بجلب منفعته ودفع مضرته فلا بد من اجتماعهم. أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل، وهكذا الدين الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب والخضوع، بخلاف طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها قد تكون خضوعا ظاهرا فقط. الدين الحق هو طاعة الله وعبادته كما بينا أن الدين هو الطاعة المعتادة التي صارت خلقا وبذلك يكون المطاع محبوبا مرادا إذ أصل ذلك المحبة والإرادة. ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع على الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له، ورسله وأولو الأمر أُطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصي الله ومن عصي أميري فقد عصاني".

الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة والمعبود إله واحد، والعبادة طاعته وطاعة رسوله، فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} وهو دين المؤمنين من الأولين والآخرين وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد غيره لأنه دين فاسد باطل كمن عبد من لا تصلح عبادته أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به.

بيان أن التصديق بالمحبة أصل الإيمان

إذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل


المقصد الثاني : بيان أنواع المحبوبات وأثارها

إثبات المحبة بين الرب وعبده, والعبد وربه

محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات، وكذلك محبة الله لهم هي محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه".

- بيان علاقة المحبوبات لغير الله بالشرك

المحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد كقوله في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط".
فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة. فإذا كان الإنسان مشغوفا بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه.

الفرق بين الحب في الله ولله وبين الحب لغير الله

محبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم أو العبادة أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا يكون ثابتا وقد يعتقد في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله.

موجبات محبة الله لعباده

محبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده. وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالى: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه".
محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان يصلي بأصحابه فيقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ بها مع سورة أخري فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم فقال: "سلوه لم يفعل ذلك فقال لأني أحبها فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة".
محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول: اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلي ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين.
محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فإن اتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء بغضا لمن لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

- بيان علاقة الذنوب بمحبة الله ورسوله

الذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله" , وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات والمعاصي تنقض المحبة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"

بيان علاقة عشق الصور بالشرك

العشق مراتب مثل العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه. والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف عليه الصلاة والسلام {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء والفحشاء ويوسف عليه السلام كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل على الله واستعان به كما قال تعالى: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وهذا تحقيق قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}. فأخبر سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما سلطانه على المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}
وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين وأخبر الله أن سلطانه ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين
والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد وذلك هو الشرك قال الله تعالى فيه {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من هذا الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك فأصحاب العشق الذي يحبه الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما فاتهم من إخلاص المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه نصيب من اتخاذ الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون بأنا عبيد له فيوجد في هذا الحب والهوى واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال بالباطل إلى غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالى لأن أصله أن يكون حبه كحب الله وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره أو من جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو اتباع الهوى بغير هدي من الله
وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}
ولهذا لا يبتلي بهذا العشق إلا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد وهي سعادتهم وعشق الصور من أعظم الفتن وقد قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} ولهذا قال سبحانه وتعالى {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا}

بيان آثار المحبة الفاسدة

البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان. ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شارب الخمر كعابد وثن" ومر علي رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون وأظنه قلب الرقعة.

حكم إطلاق لفظ العشق في حق الله

ذهب طوائف من أهل العلم والدين إلى إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان:
أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر.
والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه" وهذا الوجه يقتضي الامتناع من الإطلاق إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع.

المأخذ الثاني أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في محبة جنس النكاح مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ودينه وشجاعته وكرمه وإحسانه ونحو ذلك، بل المشهور من لفظ العشق هو محبة النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه أو مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل بالوسيلة عن المقصود.


أما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد في الإدراك والمعرفة؟ قيل: إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا للقلب والجسم كما قال تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب والإفراط في الفرح وفي الحزن.

المقصد الثالث: بيان واجبات محبة الله ورسوله: الجهاد والعلم والولاية

بيان معنى الجهاد في سبيل الله وأقسام الناس فيه

الجهاد في سبيل الله تعالى من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال القدرة والطاقة فيتضمن شيئين أحدهما استفراغ الوسع والطاقة والثاني أن يكون ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته والقدرة والإرادة بهما يتم الأمر
وهنا انقسم الناس أربعة أقسام فقوم لهم قدرة ولهم إرادة ومحبة غير مأمور بها فهم يجاهدون ويستعملون جهدهم وطاقتهم لكن لا في سبيل الله بل في سبيل آخر إما محرمة كالفواحش ما ظهر منها وما وبطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم الحق.
وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه لكن الغالب أن مثل هذا كثيرا ما يقترن به من الشبه ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل الشيطان.

وقوم لهم إرادة صالحة ومحبة كاملة لله ولهم أيضا قدرة كاملة فهؤلاء سادة المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة
والقسم الثالث قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله قوية تامة لكن قدرتهم ناقصة فهم يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم ولا يتركون مما يقوون عليه شيئا لكن قدرتهم قاصرة ومحبتهم كاملة فهو مع القسم الذي قبله
وما زال في المؤمنين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من هؤلاء خلق كثير وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا سلكتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر" وقال له سعد بن أبي وقاص يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم يسهم له مثلما يسهم لأضعفهم فقال: "يا سعد وهل تنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم واستغفارهم".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال: "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" وهذا كثير.
والقسم الرابع من قدرته قاصرة وإرادته للحق قاصرة وفيه من إرادة الباطل ما الله به عليم فهؤلاء ضعفاء المجرمين ولكن قد يكون لهم من التأثير بقلوبهم نصيب وحظ مع أهل باطلهم كما يوجد في العلماء والعباد والزاهدين من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي هذه الأمة ما فيه مضاهاة لعلماء المؤمنين وعبادهم وذلك أن الشيطان جعل لكل شيء من الخلق نظيرا في الباطل فإن أصل الشر هو الإشراك بالله كما أن أصل الخير هو الإخلاص لله

-بيان سبب فعل المحرمات وأمثله منها وعلاقته بنقص المحبة

الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ضعف المحبة والبغض
لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو منافق. فكل سيئة يفعلها المؤمن لا بد أن تقترن بها حسنات له لكن قوة شهوته للسيئة وما زين له فيها حتى ظن أنها مصلحة له أوجب وقوعها وهو اتباع الظن وما تهوي الأنفس وهذا القدر عارض بعض إيمانه فترجح عليه حتى ما هو ضد لبعض الإيمان فلم يبق مؤمنا الإيمان الواجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وهو فيما يفعله متبع للشيطان فيما زينه له حتى رآه حسنا وفيما أمره به فأطاعه وهذا من الشرك بالشيطان كما قال تعالى: {فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}

أمثلة من المحرمات المرتبطة بالمحبة

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فلم تبح إلا المرأة التي هي زوج أو ملك يمين وقد ذكر ما اشترطه في الحلال بقوله {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} وقوله {غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}.
كما في الصحيح عن عائشة قالت: "كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء وذكرت أصحاب الرايات وهن المسافحات وأن إلحاق النسب في وطئهن كان بالقافة وذكرت التي يطأها جماعة محصورة وأن الإلحاق كان بتعيين المرأة وذكرت نكاح الاستبضاع وهو غير نكاح ذوات الأخدان وذكرت النكاح الرابع وهو النكاح المعروف الذي أحله الله.

فالشيطان جعل من الحرام ما فيه مضاهاة من للحلال وان سمي باسم آخر لكن المعني فيه اشتراك فالله أباح للرجل امرأته ومملوكته وكل من الرجل والمرأة زوج الآخر فذوات الأخدان بينهن وبين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كذلك ولهذا ميز الله بين هذا وهذا.
وأخفى من ذلك مؤاخاة كثير من الرجال لكثير من النساء أو لكثير من الصبيان وقولهم إن هذه مؤاخاة لله إذا لم تكن المؤاخاة على فعل الفاحشة كذوات الأخدان فهذا الذي يظهرونه للناس الذين يوافقونهم ويقرونهم على ذلك ويرون كلهم أن من أحب صبيا أو امرأة لصورته وحسنه من غير فعل فاحشة فإن هذا محبة لله، فهذا من الضلال والغي وتبديل الدين حيث جعل ما كرهه الله محبوبا لله وهو نوع من الشرك والمحبوب المعظم بذلك طاغوت
وذلك أن اعتقاد أن التمتع بالمحبة والنظر أو نوع من المباشرة إلى المرأة الأجنبية والصبيان هو لله وهو حب في الله كفر وشرك كاعتقاد أن محبة الأنداد حب لله وأن الاجتماع على الفاحشة تعاون على البر والتقوى وأن الإقامة على ذلك بالعبادة هي عبادة لله ونحو ذلك.
فاعتقاد أن هذه الأمور التي حرمها الله ورسوله تحريما ظاهرا أنها دين الله ومحبة الله نوع من الشرك والكفر.
ثم قد يكون منها من خفيها أشياء تروج على من لم يبلغه العلم كما اشتبه على كثير من العلماء والعباد أن استماع أصوات الملاهي تكون عبادة لله واشتبه على من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بمشاهدة هذه الصور يكون عبادة لله

ثم بعد هذا الضلال وما فيه من الغي هم أربعة أقسام:
قوم يعتقدون أن هذا لله ويقتصرون عليه كما يوجد مثل ذلك في كثير من الأجناد والمتنسكة والعامة.
وقوم يعلمون أن هذا ليس لله وإنما يظهرون هذا الكلام نفاقا وخداعا لئلا ينكر عليهم وهؤلاء من وجه أمثل لما يرجي لهم من التوبة ومن جهة أخبث لأنهم يعلمون التحريم ويأتون المحرم. وقوم مقصودهم ما وراء ذلك من الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك الظالمين الذين يعتقدون أن هذه المحبة التي لا وطء فيها لله فيفعلون شيئا لله ويفعلون هذا لغير الله وتارة يكونون من أولئك الغاوين المنافقين الذين يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أنها للشيطان فيجمع هؤلاء بين هذا الكذب وبين الفاحشة الكبرى وهؤلاء في هذه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النكاح فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ما يشبه اقتران الزوجين ويزيد عليه تارة وينقص عنه تارة وما يشبه اقتران المتحابين في الله والمتآخين في الله لكن الذين آمنوا أشد حبا لله
فالمتحابان في الله يعظم تحابهما ويقوي ويثبت بخلاف هذه المؤاخاة الشيطانية فإنه يترتب عليها أنواع من الفساد ثم هذا قد يظهر وينتشر حتى قد يسمونه زواجا ويقولون تزوج هذا بهذا كما يفعل ذلك بعض المستهزئين بآيات الله من فجار الفساق والمنافقين ويقره الحاضرون على ذلك ويضحكون وربما أعجبهم مثل هذا المزاح.

كما أن اعتقاد أن هذه المحبة لله أوجب لمن كان من فجار الفساق والمنافقين أن يقول لهم الأمرد حبيب الله والملتحي عدو الله وذلك يعجبهم ويضحكون منه وحتى اعتقد كثير من المردان أن هذا حق وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد نادي في السماء يا جبريل إني أحب فلانا". فيصير يعجبه أن يحب ويعتقد الغاوي أنه محبوب.

وكذلك النوع الثاني من الحلال وهو ملك اليمين فإن المرأة قد تملك الرجل والرجل قد يملك الصبي وقد يكون في هذا الملك نوع من ملك الرجل الأمة فربما استمتعت المرأة بمملوكها بمقدمات النكاح أو بالنكاح مضاهاة لاستمتاع الرجل بمملوكته وربما تأولت القرآن على ذلك واعتقدت أن ذلك داخل في قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} كما رفع إلى عمر ابن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت هذه الآية ففرق بينهما وأدبه وقال ويحك إنما هذه للرجال لا للنساء
وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ومن المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك أو غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.

بيان أهمية العلم وأنه سبب للعمل

المؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر خيرا وأقل شرا على ما هو دونه ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

وإذا عرف ذلك فلا بد أن يقترن بعلمه العمل الذي أصله محبته لما يحبه الله ورسوله وبغضه لما يبغضه الله ورسوله وما اجتمع فيه الحبيب والبغيض المأمور به والمنهي عنه أو الحلال والمحظور أعطي كل ذي حق حقه ليقوم الناس بالقسط فإن الله بذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل فالعلم بالعدل قبل فعل العدل
فإذا علم وأحب كان من تمامه الجهاد عليه كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} والعلم هو طريق إلى العمل وسبب كما قيل في قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} أي علما.

فالعلم بالخير سبب إلى فعله والعلم بالشر سبب إلى منعه هذا مع حسن النية وإلا فالنفس الأمارة بالسوء قد يكون علمها بالسوء سبب لفعله وبالخير سبب لمنعه وكذلك الإثم والبغي بغير الحق مثل الخمر الذي اتخذ منه أنواع من المسكرات وقيل إنها حلال وسميت بغير أسماء الخمر وهي من الخمر
وكذلك ظلم العباد في النفوس والأموال والأعراض فيه ما قد سمي حقا وعدلا وشرعا وسياسة وجهادا في سبيل الله وهو من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يحصيه إلا الله وكذلك الإشراك بالله بغير حق والقول بما لا يعلم مثل أنواع الغلو في الدين واتخاذ العلماء والعباد أربابا من دون الله والقول بتحريم الحلال وتحليل الحرام وأنواع الإشراك بالمخلوقات عبادة لها واستعانة بها وغلوا فيها وقولا على الله في أسمائه وصفاته وأحكامه ما قد دخل في ذلك من الباطل الذي سمي بأسماء محمودة أو غير مذمومة كالعبادة والزهادة والتحقيق وأصول الدين والفقه والعلم والتوحيد والكلام والفقر والتصوف ما لا يحصيه إلا الله

بيان تعلق الحياة بالعلم والإرادة والحركة

اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية و أن كل ما خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه استعمال هذه القوي على وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك. والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك على ألسن رسله بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد.

اللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها من اللذات بقدر ما يعين على الوصول إلى المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا على ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره بقدر ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله على عباده وكل ما يتنعمون به إذا استعملوه على وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلى ما هو أعظم نعمة منه.

ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالى فإن الله يقول كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقد قال الله تعالى في كتابه {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} وقال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.


بيان معنى الولاية والطاعة وأنواعها وبعض أحكامها

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وهؤلاء الذين تولوا الله فتولاهم الله والذين يدينون لغير الله هم ظالمون بتولى بعضهم بعضا كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق الله بينه وهذه حقيقة الموالاة والمعاداة التي مبناها على المحبة والبغضة.
فالموالاة تقتضى التحاب والجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق والله سبحانه قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} وذكر العداوة بينهم وبين الكفار فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن الموالاة موجبها التعاون والتناصر
فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب والبلدان والتحالف على المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ولا يجمع بينهم وبين الكفار الذين قطع الله الموالاة بينهم وبينه فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبي والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والله سبحانه أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فيحتاج المؤمن إلى معرفة العدل وهو الصراط المستقيم وإلى العمل به وإلا وقع إما في جهل وإما في ظلم وذلك إنما وقع من التبديل والعقود الفاسدة كما ذكرنا من لبس الحق بالباطل حيث صارت المحرمات من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم قد لبس بها من الحق المأذون فيه ما صارت بسببه شبيهة للحق الحسن وإن كانت مشتملة مع ذلك على الباطل السيئ وإن صار أصحابها بين عمل صالح وآخر سيئ فقوم ينكرون ذلك كله لما علموا فيه من المنكر البغيض وأقوام يقرون ذلك كله لما فيه من المحبوب

بيان ألغضب المشروع والغيرة المحمودة

المؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"وفي بعض الأحاديث الصحاح: "لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته " وفي بعضها: "إن الله يغار وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه".

والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر الله أن لا تأخذنا بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب عنهما فضلا عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك أصلا فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب لا يحبه قال لوط عليه السلام: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} والقلي بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما يبغض
وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا يغار منه فالغيرة أحض وأقوي

المقصد الرابع: بيان علاقة النعيم بالبلاء والمحبة والرضا

أتواع اللذات

اللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد.وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل والشرب الذي يضره.فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة والتعظيم كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم المظهر لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم.
والجنس الثالث أن يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي بالمضار أخرى.

بيان أن النعيم التام هو الدين الحق

إذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود منه التنعم بالمراد المحبوب فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو المقصود الأول من كل قصد كما أن التعذب والتألم هو المكروه أولا وهو سبب كل بغض وكل حركة امتناع لكن وقع الجهل والظلم في بني آدم فعمدوا إلى الدين الفاسد والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة فإنما فيهما ضده
وبيان ذلك أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم إما أن يتخذونها دينا أو لا يتخذونها دينا والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق أو دين باطل فنقول:النعيم التام هو في الدين الحق
فأهل الدين الحق هم الذين لهم النعيم الكامل كما أخبر الله بذلك في كتابه في غير موضع كقوله {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} .
وقوله عن المتقين المهتدين {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
وقوله تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}
ووعد أهل الإيمان والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعد الكفار بالعذاب التام في الدار الآخرة أعظم من أن يذكر هنا وهذا مما لم ينازع فيه أحد من أهل الإسلام.

بيان فساد الاعتقاد أن لا نعيم للمؤمن في الدنيا

تذكر هنا نكتة نافعة وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب وما يصيب كثيرا من الكفار والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلا وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين وأن العاقبة للتقوى وقول الله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وهو ممن يصدق بالقرآن حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط وقال أما الدنيا فما نري بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس ويعتمد على هذا فيما إذا أديل أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق فيقول أنا على الحق وأنا مغلوب وإذا ذكره إنسان بما وعده الله من حسن العاقبة للمتقين قال هذا في الآخرة فقط وإذا قيل له كيف يفعل الله بأوليائه مثل هذه الأمور قال يفعل ما يشاء وربما قال بقلبه أو لسانه أو كان حاله يقتضى أن هذا نوع من الظلم وربما ذكر قول بعضهم ما على الخلق أضر من الخالق لكن يقول يفعل الله ما يشاء وإذا ذكر برحمة الله وحكمته لم يقل إلا أنه يفعل ما يشاء فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور مؤيد بل يعتقدون أن الله يفعل ما يشاء
وهذه الأقوال مبنية على مقدمتين إحداهما حسن ظنه بدين نفسه نوعا أو شخصا واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهي عنه في الدين الحق واعتقاده في خصمه ونظيره خلاف ذلك أن دينه باطل نوعا أو شخصا لأنه ترك المأمور وفعل المحظور
والمقدمة الثانية أن الله قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا فلا ينبغي الاغترار بهذا
ومن المعلوم أن العبد وإن أقر بالآخرة فهو يطلب حسن عاقبة الدنيا فقد يطلب ما لا بد منه من دفع الضرر وجلب المنفعة وقد يطلب من زيادة النفع ودفع الضرر ما يظن أنه مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق قد ينافي ذلك لزم من ذلك إعراض القلب عن الرغبة في كمال الدين الحق وفي حال السابقين والمقربين بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين فيدخل مع الظالمين بل قد يكفر ويصير من المرتدين المنافقين أو المعلنين بالكفر وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من أصوله وفروعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " وذلك إذا اعتقد أن الدين لا يحصل إلا بفساد دنياه ولذلك فإنه يفرح بحصول الضرر له ويرجو ثواب ضياع ما لا بد له من المنفعة

- بيان الكلام عن نعيم الكافر في الدنيا

القرآن قد دل على امتنانه على الكفار بنعمه ومطالبته إياهم بشكرها فكيف يقال ليست نعما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} إلى قوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} إلى قوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وقال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} وكيف يكون كفورا من لم ينعم عليه بنعمه
فالمراد لازم قول هؤلاء أن الكفار لم يجب عليهم شكر الله إذ لم يكن قد أنعم عليهم عندهم وهذا القول يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام فإن الله ذم الإنسان بكونه كفورا غير شكور إذ يقول {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}
وقد قال صالح عليه السلام لقومه {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً}
وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}
وقال الأولون قد قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
والكفار لم يدخلوا في هذا العموم فعلم أنهم خارجون عن النعمة وقال تعالى: في خطابه للمؤمنين {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعم ولذة وسرور ولم تسم في حقهم نعمة على الخصوص وإنما تسمي نعمة باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم لأن المؤمن سعد بها في الدنيا والآخرة والكافر ينعم بها في الدنيا

بيان أهمية العلم والصبر في تحقيق النصر

أمر الله رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى وأمرهم بانتظار وعده وهى المقدمة الثانية وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لابد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار ولابد مع انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد إن كان هذا كله يدخل في مسمى الطاعة والإيمان
قال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}
وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ}
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}
وأمرهم أيضا بالصبر إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم مثل ظهور العدو وكما قال تعالى: في قصة أحد {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}

بيان البلاء والنعيم ومتعلقاتها وموقف أهل السنة منها

إن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
فأخبر أنه عند الضراء بعد السراء ييأس من زوالها في المستقبل ويكفر بما أنعم الله به عليه قبلها وعند النعماء بعد الضراء يأمن من عود الضراء في المستقبل وينسي ما كان فيه بقوله {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} على غيره يفخر عليهم بنعمة الله عليه
وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} فأخبر أنه جزوع عند الشر لا يصبر عليه منوع عند الخير يبخل به
وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وقال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} وقال تعالى: {وَكَانَ الأِنْسَانُ قَتُوراً} وقال {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} وقال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً}
وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس والصابرون في النعماء أيضا بقوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} والصبر في السراء قد يكون أشد ولهذا قال من قال من الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من فتنة القبر وشر فتنة الغني وقال لأصحابه: " والله ما الفقر أخشي عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كم أهلكتهم".
فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادر وإما عاجز فإن كان قادرا أظهر ما في نفسه بحسب قدرته من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله والقول عليه بغير علم ومن ترك القسط وترك إقامة الوجه عند كل مسجد ودعاء الله مخلصا له الدين ثم يكون شرهم بحسب كل منهم من حيث نفوسهم وقدرتهم فإن العبد لا يفعل إلا بقدرة وإرادة فمن كان أقدر وأفجر كان أمره أشد كفرعون وأمثاله من الجبارين المتكبرين لا يصبرون عن أهوائهم ولا يتقون الله
وأما المؤمن فإنه مع قدرته يفعل ما أمر الله به من البر والتقوى دون ما نهي عنه من الإثم والعدوان
ثم أولئك الذين لم يتصفوا بحقيقة الإيمان بل فيهم من الفجور كفر أو نفاق أو فسوق ما فيهم إذا كانوا عاجزين عن إرادتهم لا يقدرون على أهوائهم بنوع من أنواع القدرة تجدهم أذل الناس وأطوع الناس لمن يستعملهم في أغراضهم وأجزع الناس لما أصابهم ذلك أنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يعتاضون به وتستغني به نفوسهم ويصبرون به عما لا يصلح لهم
ولهذا كان المشروع في حق كل ذي إرادة فاسدة من الفواحش والظلم والشرك والقول بلا علم أحد أمرين إما إصلاح إرادته وإما منع قدرته فإنه إذا اجتمعت القدرة مع إرادته الفاسدة حصل الشر
وأما ذو الإرادة الصالحة فتؤيد قدرته حتى يتمكن من فعل الصالحات وذو القدرة الذي لا يمكن سلب قدرته يسعي في إصلاح إرادته بحسب الإمكان
فالمقصود تقوية الإرادة الصالحة والقدرة عليها بحسب الإمكان وتضعيف الإرادة الفاسدة والقدرة معها بحسب الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله
وهذا مما يظهر به حسن حال المؤمن وترجحه في النعيم واللذة على الكافر في الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر
فأما ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة إليه سجنا وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة إلى ذلك
وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما عاجز وإما قادر فإن كان عاجزا تعارضت إرادته وقدرته حتى لا يمكنه الجمع بينهما وإن كان قادرا أقبل على الشهوات وأسرف في التذاذه بها ولا يمكنه تركها.

ولهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون به أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك هذا فيما ينالونه من اللذة وأما ما يخافونه من الأعداء فهو أعظم الناس خوفا ولا عيشة لخائف وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم لا يزال في أسف على ما فاته وعلى ما أصابه.

وأما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه وهو مع عجزه أيضا له من أنواع الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه

بيان ما جاء في القضاء والقدر

أن الناس لما خاضوا في مسائل القدر ولم يخلق الله ويأمر ونحو ذلك بغير هدي من الله فرقوا دينهم وكانوا شيعا
فزعم فريق أنه لا يخلق أحدا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق ولا يأمره إلا لأن أمره مصلحة له أيضا وإنما العبد هو الذي صرف عن نفسه المصلحة وفعل المفسدة بغير قدرة الرب وبغير مشيئته وهم إنما قصدوا بها تنزيه الرب عن الظلم والعيب ووصفه بالحكمة والعدل والإحسان لكن سلبوه علمه وقدرته وكتابته وخلقه ونفوا مشيئته وعمومهافقال قوم منهم إنه لا يعلم ولا يكتب ما يكون من العباد حتى يفعلوه وقال آخرون بل علم ذلك وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرهم ومع هذا فقصد تعريفهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة فقال لهم الناس من علم أن مقصوده من الخير لا يكون وقد سعي في حصوله بمنتهى قدرته كان من أجهل الفاعلين وأسفههم فنزهوه عن قليل من السفه بالتزام ما هو أكثر منه وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعل بهم فسلبوه قدرته فرد على هؤلاء من أهل الإثبات فأثبتوا عموم قدرته وعموم مشيئته وخلقه وعلمه القديم وكل هذا حسن موافق للكتاب والسنة وهو مع تمام الإيمان القدر بعلم الله القديم ومشيئته وخلقه وقدرته على كل شيء لكن ضموا إلى ذلك أشياء ليست من السنة فإنه من السنة أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وألا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأنه يأمر العباد بطاعته ومع هذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلق لا لحكمة في خلقهم ولا لرحمته لهم بل قد يكون خلقهم ليضرهم كلهم وهذا عندهم حكمة فلم ينزهوه عما نزه عنه نفسه من الظلم حيث أخبر أنه إنما يجزي الناس بأعمالهم وأنه لا يزر وازرة وزر أخري وأنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما
بل زعما أن كل مقدور عليه فليس بظلم مثل تعذيب الأنبياء والمرسلين وتكريم الكفار والمنافقين وغير ذلك مما نزه الله نفسه عنه فلم يكن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه حقيقة عند هؤلاء إذ كل ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم فقوله تعالى {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} عندهم لا يريد ما لا يكون ممكنا مقدورا عليه وهو عندهم لا يقدر على الظلم حتى يكون تاركا له وزعموا أنه قد يأمر العباد بما لا يكون مصلحة لهم ولا لواحد منهم لا يكون الأمر مصلحة ولا يكون فعل المأمور به مصلحة بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرة لهم وإن لم يفعلوه عاقبهم به فيكون العبد فيما يأمره به بين ضررين ضرر إن أطاع وضرر إن عصي ومن كان كذلك كان أمره للعباد مضرة لهم لا مصلحة لهم
وقالوا يأمر بما يشاء وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل المناسبة للأحكام من جلب المنافع ودفع المضار ما تبقي الأحكام الشرعية ممكنة به حتى كان منهم من دفع علل الأحكام بالكلية ومنهم من قال العلل مجرد علامات ودلالات على الحكم لأنها أمور تناسب الحكم وتلائمه وهو يجوزون مع هذا ألا يكون للعبد ثواب ومنفعة في فعل المأمور به لكن لما جاءت الشريعة بالوعد قالوا هو موعود بالثواب الذي وعد به وربما قالوا إنه في الآخرة فقط فإن الفعل المأمور به قد لا يكون فيه مصلحة للعباد ولا منفعة لهم بحال ولا يكون فيه تنعم لهم ولا لذة بحال بل قد يكون مضرة لهم ومفسدة في حظهم ليس فيه ما ينفعهم ومعلوم أنه إذا اعتقد المرء أن طاعة الله ورسوله فيها أمراه به قد لا يكون فيها مصلحة له ولا منفعة ولا فيها تنعم ولا لذة ولا راحة بل يكون فيها مفسدة له ومضرة عليه وليس فيها إلا ألمه وعذابه كان هذا من أعظم الصوارف له عن فعل ما أمر الله به ورسوله ثم إن كان ضعيف الإيمان بالوعيد والوعد ترك الدين بالكلية وإن كان مؤمنا بالوعيد صارت دواعيه مترددة بين هذا العذاب وذلك العذاب وإن كان مؤمنا بوعد الآخرة فقط اعتقد أنه لا تكون له في الدنيا مصلحة ولا منفعة بل لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفر أو فسق وعصى
وهذا أيضا وإن كان هو غاية حال هؤلاء فهو مما يصرف النفوس عن طاعة الله ورسوله ويبقي العبد المؤمن متردد الدواعي بين هذا وهذا وهو لا يخلو من أمرين إما أن يرجح جانب الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طول عمره له مصلحة ولا منفعة ولا لذة بل عذاب وألم بل مفسدة ومضرة وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد
وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته

ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره

وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس

ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

بيان مسائل في المجئ للرسول صلى الله عليه وسلم واستغفاره

قوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع إلى ما أمره به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا في طاعته راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ المعصية تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك.

أما مجيء الإنسان إلى الرسول عند قبره وقوله استغفر لي أو سل لي ربك أو ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي أو استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا فعله واحد من سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا بينهم ولو كان هذا مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم بل مشهورا بينهم ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله لا سيما فيمن كانوا أحرص الناس على الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا نقله أحد عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به، بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد.

وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا خير البرية إن الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وإني قد جئت وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر غيره من الصالحين فيقع مثلهما لمن في إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: " إني لأتألف رجالا بما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغني والخير" مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا مثل هذه الحاجات.

المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم شفعه في" وذلك أن الله يقول {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وقال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} ثم قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

- بيان أحكام الرضا بما أمر الله به ورسوله وما يصيب العبد مما يكره

لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضي ما رضيه الله من المأمور وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام احمد وغيرهم وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب
وقد قال تعالى: في الأول {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه.

وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله وأحبه كما أوجب الشكر على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له" وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة الذي فيه النعيم واللذة كما تقدم
فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين).

بيان الولاء والعداء وعلاقتهما بالمحبة

أصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه.

فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم


المقصد الخامس: بيان الرد على الطوائف المخالفة في اعتقاداتهم في المحبة

بيان ألرد على أقوال الطوائف المختلفة مثل الجهمية وأهل الكلام و المتفلسفة في المحبة وما يتعلق بها من أمور الاعتقاد

- الرد على أهل الكلام في أن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية

الإلهية المذكورة في كتاب الله هي العبادة والتأله ومن لوازم ذلك أن يكون هو الرب الخالق وأما ما يظنه طوائف من أهل الكلام أن الألوهية هي نفس الربوبية وأن ما ذكر في القرآن من نفي إله آخر والأمثال المضروبة البينة فالمقصود به نفي رب يشركه في خلق العالم كما هو عادتهم في كتب الكلام فهذا قصور وتقصير منهم في فهم القرآن وما فيه من الحجج والأمثال أتوا فيه من جهة أن مبلغ علمهم هو ما سلكوه من الطريقة الكلامية فاعتقدوا أن المقصودين واحد وليس كذلك، بل القرآن ينفي أن يعبد غير الله أو أن يتخذه إلها فيحبه ويخضع له محبة الإله وخضوعه كما بينت ذلك عامة آيات القرآن مثل قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} ولهذا قال الخليل {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.

- بيان أهمية النصوص في تقرير المصالح المرسلة

أعلم الناس من كان رأيه واستصلاحه واستحسانه وقياسه موافقا للنصوص، كما قال مجاهد: "أفضل العبادة الرأي الحسن وهو اتباع السنة"، ولهذا قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}.

- بيان الرد على أهل النظر في تفسير عبادة الاشياء

جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده، وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات

وهذا الوجه هو الذي أدركه كثير من أهل النظر والكلام حتى فسروا ما في القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون في هذا التخصيص شرعا وعقلا أيضا، فإن المعقول الذي لهم يعرفهم أن كل شيء وكل متحرك وإن كان له مبدأ فلا بد له من غاية ومنتهى كما يقولون لها علتان فاعلية وغائية والذي ذكروه إنما هو من جهة العلة الفاعلية، وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة العلة الغائية وهذا غلط.
فلا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات علة فاعلية ولا غائية إذ لا يستقل مخلوق بأن يكون علة تامة قط، ولهذا لم يصدر عن مخلوق واحد شيء قط ولا يصدر شيء في الآثار إلا عن اثنين من المخلوقات كما قد بينا هذا في غير هذا الموضوع.
وكذلك لا يصلح شيء من المخلوقات أن يكون علة غائية تامة إذ ليس في شيء من المخلوقات كمال مقصود حتى من الأحياء، فالمخلوقات بأسرها يجتمع فيها هذان النقصان أحدهما أنه لا يصلح شيء منها أن تكون علة تامة لا فاعلية ولا غائية، والثاني أن ما كان فيها علة فله علة سواء كان علة فاعلية أو غائية.

أما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ويأخذون بظاهر من القول يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة أن ذلك هو العلة لها فاعلا وغاية كما يذكرونه في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته الباطنة والظاهرة وما يذكرونه من القوي التي في الأجسام التي هي تكون بها الحركة وما يذكرونه من كل شيء.
ومن ذلك ذكرهم الطبيعة التي في الإنسان والقوة الجاذبة والهاضمة الغاذية والدافعة والمولدة وغير ذلك وأن الرئة تروح على القلب لفرط حرارته وأن الدماغ أبرد من القلب إلى غير ذلك من الأسباب والحكم التي فيها من شهود ما في مخلوقات الله من الأسباب والحكم ما هو عبرة لأولي الأبصار.
لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم ولا يشهدون الحكمة الغائية من هذه المخلوقات وأن ذلك هو عبادة ربها سبحانه وتعالى

وقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوي والأسباب ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا كقوله {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} وقوله {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.

كلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وهذا هو المقصود الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب بل إنما يتنازعون في فاعل هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الربوبية كما قدمناه وأما شهادة غاية هذه الأمور وما يتعلق بتوحيد الإلهية فقد لا يهتدون له ولهذا كان في طرقهم من الضلالات والجهالات ما هو مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول.

- الرد على بعض طوائف المتفلسفة في أن مقصود الدين هو إقامة العدل بين الناس في الأمور الدنيوية

ليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود وجنكيزخان وغيرهم.
فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلى التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به على غيرهم من الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان.
فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق.

- الرد على الجهمية وغيرهم في محبة الله لعبده ومحبة العبد ربه

وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال.
وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان، وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه.
وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله.
وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين، بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه
كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} وقال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}

فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها.
وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين.
فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين.
ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى.
وقد أمرنا الله تعالى أن نقول {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}

- الرد على الصابئة والمشركين ممن صنف في أصناف اللذات

قد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة والعبادات والزهادات الفاسدة وإلي التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به على ألسن رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم في ذلك {إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} فجهلوا المقاصد والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين مقصودهم ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم.
والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة من اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ولهذا يغلب على عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من المطاعم والمشارب.
وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم.

ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية فقط، ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء على أن النفوس يمكن أن يحصل لها من إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية.

الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية وتكلموا في الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة.

- بيان الرد على أهل الكلام والمتفلسفة في صفة العلم

الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة انفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة فإن الصواب أنه ينقسم إلى النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير لنا في وجوده كالعلم بالخالق سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر مخلوقاته
ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما يترتب عليها من حصول منفعة ودفع مضرة
وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود.

والله أعلم


وفقك الله وسدك
غلب على التلخيص النسخ والسرد, وأحيانا يصعب الربط بين عنوان العنصر والمدرج تحته, مثاله: تعريف المحبة.
والتلخيص كاسمه, بكون بأسلوبك الخاص, وبيان أهم النقاط بجمل جامعة.

ج+

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28 شوال 1442هـ/8-06-2021م, 10:36 AM
إدارة برنامج الإعداد العلمي إدارة برنامج الإعداد العلمي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2019
المشاركات: 1,792
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آسية أحمد مشاهدة المشاركة
]الرسالة التبوكية لابن القيم
الهجرة القلبية من أعظم التعاون على البر والتقوى

مدخل :
- مقدمة في بيان المقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم من خلال قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا اللّه إنّ اللّه شديد العقاب (2)} وبيان أحوال العبد.
اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم:
فيما بينهم في بعضهم بعضا،
وفيما بينهم وبين ربهم،
فإن كلّ عبد لا ينفكّ من هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق.
فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصّحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم
تعاونا على مرضاة الله وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي "البرّ والتقوى" اللذان هما جماع الدين كله.

معنى البر والتقوى والعلاقة بينهما:
- معنى البر وحقيقته وخصاله.
معنى البر:

حقيقته: الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه والخير،ومنه "البرّ" بالضم؛ لكثرة منافعه وخيره بالإضافة إلى سائر الحبوب، فاشتقاقه في الكلام يدل على كثرة المنافع والخير، ومنه رجل بارٌ، وبرٌّ، و{كرام بررة}، والأبرار.
فالبرّ في الشرع: كلمة لجميع أنواع الخير والكمال المطلوب من العبد
خصاله:
يتناول جميع أقسام الدين: حقائقه وشرائعه، ، والأعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب، وأصول الإيمان الخمس، وهذا يشمل الأعمال القلبية، والأعمال الظاهرة، وقد جمعها الله تعالى في قوله: {ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنّبيّين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسّائلين وفي الرّقاب وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصّابرين في البأساء والضّرّاء وحين البأس أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون (177)}.

- التقوى وحقيقتها وخصالها:
التقوى لفظة من الوقاية
والمراد بها في الشرع: كما قال طلق بن حبيب: "أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
حقيقتها:
العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا فيفعل ما أمره الله به إيمانا بالأمر، وتصديقا بموعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي، وخوفا من وعيده.
خصالها:
خصال التقوى هي خصال البر بعينها كما قال بين الله تعالى في الآية السابقة لأنه تعالى في ختامها قال: {أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون}

- العلاقة بين البر والتقوى.
- البرّ جزء مسمّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه جزء مسمّى البر،
وخصال البر هي بعينها خصال التقوى.
وذلك أن التقوى جامع لجميع أصول الإيمان وفروعه، والبرّ داخل فى هذا المسمى.
وهذا في حال افتراقهما.
- وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى} فالفرق بينهما فرق بين السّبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها؛
- فالبرّ مطلوب لذاته، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه.
- التقوى فهي الطريق الموصلة إلى البرّ، والوسيلة إليه.
وذلك أن لفظ التقوى يدل على أنها من الوقاية، فإن المتّقي قد جعل بينه وبين النار وقاية،
-فالوقاية من باب دفع الضرر،
-والبرّ من باب تحصيل النفع،
- فالتقوى كالحمية، والبرّ كالعافية والصحة.

- دلالتهما عند الاقتران وعند الانفراد.
- عند الإفراد: إذا أفرد كلّ واحد من الاسمين دخل فيه المسمّى الآخر، إما تضمنا وإمّا لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر؛ لأن البرّ جزء مسمّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه جزء مسمّى البر،
عند الاقتران: لا يدخل أحدهما في الآخر، لكن كون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند الانفراد.
ونظير هذا لفظ "الإيمان والإسلام"، "والإيمان والعمل الصالح"، و"الفقير والمسكين"، و"الفسوق والعصيان"، و"المنكر والفاحشة"،

- أهمية فهم دلالة الألفاظ الشرعية:
هذا بابٌ شريف ينتفع به انتفاع عظيم في
فهم ألفاظ القرآن ودلالته،
ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ فإنه هو العلم النافع،
وقد ذمّ سبحانه في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله على رسوله.
فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين:
إحداهما: أن يدخل في مسمّى اللفظ ما ليس منه؛ فيحكم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيسوّى بين ما فرق الله بينهما.
والثانية: أن يخرج من مسمّاه بعض أفراده الداخلة تحته؛ فيسلب عنه حكمه؛ فيفرّق بين ما جمع الله بينهما.
والذّكيّ الفطن يتفطّن لأفراد هذه القاعدة وأمثلتها، فيرى أن كثيرا من الاختلاف أو أكثره إنما نشأ عن هذا الموضع،

معنى الإثم والعدوان والفرق بينهما:
الإثم والعدوان في جانب النهي نظير البرّ والتّقوى في جانب الأمر.
- معنى الإثم.
الإثم يقابل البر،وهو كلمة جامعة للشرّ والعيوب التي يذمّ العبد عليها.
- معنى العدوان.
ما حرّم الزيادة في قدره، وتعدي ما أباح الله منه.فالعدوان هو تعدّي حدود الله التي قال فيها: {تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظّالمون }، وقال في موضع آخر: {تلك حدود اللّه فلا تقربوها}.
- الفرق بين الإثم والعدوان.
والفرق ما بين الإثم والعدوان أن الإثم ما كان حراما لجنسه، والعدوان ما حرّم الزيادة في قدره، وتعدي ما أباح الله منه.

ثانياَ:الهجرة إلى الله ورسوله.
بيان أهميتها ومنزلتها:
هي الأصل في الهجرة وهي الهجرة الحقيقية وهي مطلوب الله ومراده من العباد.
بيان ارتباطها بالشهادتين:
أن الهجرة إلى الله هي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.والهجرة الى الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضى شهادة أن محمد رسول الله.
والشهادتين يسأل عنهما كل عبد يوم القيامة وقبل ذلك في البرزخ وهو مضمون الهجرة المطالب بها العبدة في الدنيا.
قال قتادة: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين،
علاقة الهجرة بالإيمان:
يقرن الله عز وجل بين الهجرة والإيمان في القرآن لأنهما متلازمان وأحدهما يقتضي الآخر وبيان ذلك كما يلي:
أن الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، لأن المهاجر من شيء إلى شيء لابد أن يكون ما يهاجر إليه أحبّ إليه مما يهاجر منه؛ فيؤثر أحبّ الأمرين إليه على الآخر،
وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوه إلى خلاف ما يحبه الله ويرضاه وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه، فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله، ولا ينفكّ في هجرة حتى الممات.
بيان حكمها:
فرض عين على كلّ أحد في كلّ وقت، وأنه لا انفكاك لأحد من وجوبها.
بيان أصلها وأسباب قوتها وضعفها:
أصلها: الحب والبغض
والهجرة تقوى وتضعف حسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة أقوى و أتمّ وأكمل، وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علما، ولا يتحرك بها إرادة.
وما ذاك إلا للإعراض عما خلق العبد له، والاشتغال بغيره، وهذا من نتائج ضعف البصيرة، وضعف المعرفة بمراتب العلوم والأعمال،
بيان لوازمها:
الحبّ والبغض.
والعطاء والمنع،
والموالاة والمعاداة،
التقريب والإبعاد،
وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله، وترك كل ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد به، وتجريد متابعته تجريدًا محضًا.

- الهجرة إلى الله تعالى
- معنى الهجرة إلى الله تعالى:
هو أن يهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذّلّ له والاستكانة له إلى دعاء ربّه وسؤاله والخضوع له والذلّ والاستكانة له.
- بيان ارتباطها بالتوحيد:
إن التوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه، قال تعالى: {ففرّوا إلى اللّه}.
ارتباطه بتوحيد الألوهية:
الفرار إليه سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية، ولوازمها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل وسائر منازل العبودية، فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
ارتباطه بتوحيد الربوبية: الفرار من الله إليه.
أما الفرار منه إليه؛ فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر، وأن كلّ ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفرّ منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله وحده؛ فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته، فإذا فرّ العبد إلى الله فإنما يفرّ من شيء وجد بمشيئة الله وقدره؛ فهو في الحقيقة فارّ من الله إليه.
وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"

- الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
- حدها:
اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل مسألة من مسائل الإيمان و نازلة من النوازل، والتسليم لها تسليما تاما والإعراض عن كل ما يخالفها، فهذا هو حدّ هذه الهجرة.
- عوائقها :
الكسل والبطالة وتقليد الأباء والأجداد والركون على ما يمليه الطبع والعادة.
-مقتضياتها:
- التسليم:
قال تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا (65)}
هذه الآية تبين بيانا واضحا على وجوب التسليم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته وتؤكد لزوم هذا الأمر وذلك من خلال عدد من الأغراض كالتالي:
الصيغ البلاغية كالقسم على نفي الإيمان، عن من لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وما الموصولة التي تقتضي نفي الإيمان إذا لم يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم.
شرط فيه انشراح صدورهم بحكمه، وعدم وجود الحرج والضّيق من حكمه، فلا بد معه من القبول برضى وانشراح صدر.
ضمّ إليه قوله: {ويسلّموا تسليمًا}؛ فذكر الفعل مؤكدًا له بمصدره، فلا بد من الخضوع له، والانقياد لما حكم به طوعا ورضى، وتسليمًا لا قهرا ومصابرةً.
- المقصود بالأولوية في قوله تعالى: {النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}، ولوازمها:
- المقصود بها: أن يكون أحبّ إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا فيجب أن يكون الرسول أولى به منها، وأحبّ إليه منها؛ فبذلك يحصل له اسم الإيمان
- لازمها: كمال الانقياد والطاعة والرضى والتسليم وسائر لوازم المحبة، من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على كل من سواه.
والأولوية تتضمن: أن لا يكون للعبد حكمٌ على نفسه أصلًا، بل الحكم على نفسه للرسول، يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده، والوالد على ولده؛ فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.
- سبيل ثبوت الأولوية تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وترك أقوال غيره لقوله:
لا سبيل إلى ثبوت هذه الأولوية إلّا بعزل كل ما سواه، وتوليته في كل شيء، وعرض ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به؛ فإن شهد له بالصحة قبله، وإن شهد له بالبطلان ردّه، وإن لم تتبين شهادته له بصحةٍ ولا بطلانٍ جعله بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، ووقفه حتى يتبيّن أي الأمرين أولى به.
- بيان حكم متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه، وعلاقة ذلك بالإيمان.
أن الواجب الذي لا يتمّ الإيمان بل لا يحصل مسمّى الإيمان إلا به :
مقابلة النصوص بالتّلقّي والقبول، والإظهار لها، ودعوة الخلق إليها, لا تقابل بالإعراض تارةً، وباللّيّ أخرى. قال تعالى: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللّه ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}؛
فدلّ هذا على أنه إذا ثبت لله ولرسوله في كل مسألة من المسائل حكمٌ طلبيٌّ أو خبريٌّ، فإنه ليس لأحد أن يتخيّر لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلًا، فدلّ على أن ذلك منافٍ للإيمان.

- بيان أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من القيام بالقسط والشهادة به:
قال تعالى: {ياأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللّه أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا (135)}.
- بيان أن ذلك من القيام بالقسط الذي أمر الله به:
أمر سبحانه وتعالى في الآية السالفة بالقيام بالقسط، وهو العدل، وهذا أمر بالقيام به في حقّ كل أحد عدوًّا كان أو وليًّا، وأحقّ ما قام له العبد بالقسط: الأقوال والآراء والمذاهب؛ إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره؛ فالقيام فيها بالهوى والعصبية مضادٌّ لأمر الله, منافٍ لما بعث به رسله، والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته، وأمنائه بين أتباعه، ولا يستحقّ اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض، نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولعباده.
- بيان ارتباط السعادة والشقاء، بالمتابعة والطاعة وعدمها.
قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}
فقوله تعالى: {ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا}؛ أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي الأمر، وردّ ما تنازعتم فيه إليّ وإلى رسولي، خيرٌ لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خيرٌ لكم وأحسن عاقبةً، فدلّ هذا على أن طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا.
وإن الألم والغمّ الذي يصيب العبد في نفسه، فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، وإلّا فطاعته هي الحصن الذي من دخله فهو من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه فهو من الناجين.
و لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا باجتهاده في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا، والقيام به عملًا..

- ذكر أقسام الخلائق سعدائهم وأشقيائهم وأحكامهم متبوعين وأتباع، ومآل كل منهما، وبيان السبب الوحيد الذي لا ينقطع يوم القيامة.
- حكم الأتباع الأشقياء، ونوعيهم، ومآلهم:
-1- حكم الأتباع والمتبوعين المشتركين في الضلالة:
- أن مآلها إلى العداوة واللعنة؛ كما قال تعالى: {الأخلّاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلّا المتّقين}.
- تمنيهم طاعة الله وطاعة رسوله حين لا ينفعهم ذلك، وآلت طاعاتهم لبعضهم وموالاتهم إلى قولهم: {ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا).

2- -حكم الأتباع المخالفون لمتبوعيهم:
- العادلون عن طريقتهم، الذين يزعمون أنهم تبع لهم، وليسوا متّبعين لطريقتهم،
فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، وأتباعهم ادّعوا أنهم على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم، يزعمون أنّهم يحبونهم، وأن محبّتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم لهم،
- يتبرءون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم.ولكن أعمالهم كلها باطلة،
ويوم القيامة تكون عليهم حسراتٍ، إذ لم يجرّدو موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛
- فانقطعت بينهم الأسباب، وهي الوصل والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: {وتقطّعت بهم الأسباب).

- حكم الأتباع السعداء وبيان نوعيهم، مآلهم.
فأما الأتباع السّعداء فنوعان:
النوع الأول: أتباع لهم حكم الاستقلال:
وهم الصحابة وأتباعهم بشرط الاحسان في اتباعهم.
النوع الثاني: أتباع المؤمنين من ذريّتهم،
وهم الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تبعٌ لهم.الذين قال الله تعالى فيهم: {والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ)

- انقطاع الأسباب كلها يوم القيامة إلا سبب الهجرة إلى الله ورسوله.
السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهو السبب الذي ينفع العبد في الدور الثلاثة الدنيا، والبرزخ والآخرة، وهو السبب الواصل بين العبد وبين الله،
وكل الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا تنقطع في الآخرة
- سبب العبودية لا تتحقق إلا بتجريد المتابعة للرسل.
سبب العبودية المحضة لا وجود لها ولا تحقّق إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ أن هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عرفت إلا بهم, ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وما كان منها على غير سنتهم وطريقتهم فإنما هي هباء منثورا لا تنفع صاحبها.

ذكر أقسام الخلائق بالنسبة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلق بالنسبة لدعوته، وهم ثلاثة أقسام فقال :"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم:
(كمثل غيثٍ أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفةٌ طبّبةٌ قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فهذا فهذا مثل القلب الزّكي الذكي ؛ الذي يقبل العلم بذكائه، ويثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه.
(وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فسقى الناس وزرعوا) وهذا مثل القلب الحافظ للعلم، الذي يحفظه كما سمعه، ولا تصرّف له فيه ولا استنباط، بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع.
(وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً) فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا الفقه والدراية فيه.
بيان وجه العلاقة بين الغيث والأرض وبين العلم والقلب.
شبّه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلًّا منهما سبب الحياة:
- فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.وشبّه القلوب القابلة للعلم بالأرض القابلة للغيث.

لوازم استقامة الهجرة:
بيان زاده وطريقه ومركبه ورأس الأمر وعموده فيه:
زاده: زاده العلم الموروث عن خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم .
طريقه : بذل الجهد, واستفراغ الوسع
مركبه: فصدق اللّجأ إلى الله, والانقطاع إليه بكلّيته, وتحقيق الافتقار إليه من كل وجه, والضراعة إليه, وصدق التوكل عليه، والاستعانة به، والانطراح بين يديه.
رأس الأمر وعموده في ذلك: دوام تدبر القرآن والتفكر فيه، بحيث يستولي على الفكر، ويشغل القلب، ومثاله التدبر في آيات حديث ضيف إبراهيم في قول الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) وما بعدها
تدبر آيات حديث ضيف إبراهيم
لو تدبر الإنسان هذه الجملة من الآيات التي تحكي قصة إبراهيم مع ضيفه لاستخرج منها أسراراً جمة، ومعاني بديعة، ومنها:
- تضمنها لأنواع الثناء على إبراهيم.
- جمعت آداب الضيافة وحقوقها.
- الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة.
- تضمنخا علمًا عظيمًا من أعلام النبوة.
- فيها جميع صفات الكمال، التي مردّها إلى العلم والحكمة.
-إشارتها إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحت بوقوعه.
- الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذّبة.
- فيها ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما.
- تضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده، وصدق رسله، وعلى اليوم الآخر.
- وأنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة.

- ما يجده طالب الرفقة المهاجر من الناس، والمطلوب منه تجاه ذلك:
إن المهاجر يطلب الرفقة الذي يأنس به أثناء سيره ولكن الغالب من الناس لا يخرج عن ثلاث :
إما معارضًا مناقضًا.
أو لائمًا بالتأنيب مصرّحًا ومعرّضًا،
أو فارغًا عن هذه الحركة معرضًا، وليت الكلّ كانوا هكذا، فلقد أحسن إليك من خلّاك وطريقك
المطلوب من المهاجر:
- فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا السفر بالإعراض، وترك اللائمة والاعتراض، إلا ما يقع نادراً.
- ينبغي أن لا يتوقف العبد في سيره، بل يسير ولو وحيدًا غريبًا، فانفراد العبد في طريق طلبه دليلٌ على صدق المحبة.
- أن يكون غريبا محبوباً يرى ما الناس فيه، وهم لا يرون ما هو فيه، يقيم لهم المعاذير ما استطاع، وينصحهم بجهده وطاقته، سائرًا فيهم بعينين:
عين ناظرة إلى الأمر والنهي؛ بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي إليهم الحقوق، ويستوفيها عليهم.
وعين ناظرة إلى القضاء والقدر، بها يرحمهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ويلتمس لهم وجوه المعاذير فيما لا يخلّ بأمرٍ ولا يعود بنقض شرعٍ،
فيكون بين حسن المعاشرة مع الخلق، وأداء حقّ الله فيهم، والسلامة من شرهم
وهذه لا تتمّ إلا بثلاثة أشياء:
أحدها: الطبيعة المنقادة اللّينة السّلسة القياد، فإنها مستعدّةٌ.
الثاني: أن تكون النفس قويةً غالبةً قاهرةً لدواعي البطالة والغيّ والهوى.
الثالث: علمٌ شافٍ بحقائق الأشياء، وتنزيلها منازلها.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاثة، وساعده التوفيق فهو من القسم الأوّل المذكورون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم" الحديث.

- أول الأمر وآخره في معاملة الله وحده:
أول الأمر وآخره هو في معاملة الله وحده، والانقطاع إليه بكلّيّه القلب، ودوام الافتقار إليه فلو وفّى العبد هذا المقام حقّه لرأى العجب العجيب من فضل ربّه وبرّه ولطفه ودفاعه عنه، والإقبال بقلوب عباده إليه.

أهـ
أحسنت أحسن الله إليك
أ
فاتتك بعض المسائل

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الثاني, التطبيق

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir