سورة النساء
من الاية 1 الى الاية 18
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
قوله - عزّ وجلّ - (يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء واتّقوا اللّه الّذي تساءلون به والأرحام إنّ اللّه كان عليكم رقيبا (1)
ابتدأ اللّه السورة بالموعظة. أخبر بما يوجب أنه واحد وأن حقه عز وجلّ - أن يتقى فقال: (الّذي خلقكم من نفس واحدة) يعني من آدم عليه السلام، وإنما قيل في اللغة واحدة لأن لفظ النفس مؤنث، ومعناها مذكر في هذا الموضع، ولو قيل من نفس واحد لجاز.
(وخلق منها زوجها)
حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم، وبث اللّه جميع خلق الناس
منها.
ومعنى " بث " نشر، يقال: بث الله الخلق، وقال - عزّ وجلّ - (كالفراش المبثوث)، فهذا يدل على بث.
وبعض العرب يقول أبث اللّه الخلق، ويقال بثثتك سري وأبثثتك سري.
وقوله - عزّ وجلّ: (واتّقوا اللّه الّذي تساءلون به)
[معاني القرآن: 2/5]
بالتشديد، فالأصل تتساءلون. وأدغمت التاء في السين لقرب مكان هذه من هذه. ومن قرأ بالتخفيف فالأصل تتساءلون، إلا أن التاء الثانية حذفت لاجتماع التاءين، وذلك يستثقل في اللفظ فوقع الحذف استخفافا، لأن الكلام غير ملبس.
ومعنى (تساءلون به) تطلبون حقوقكم به.
(والأرحام)
القراءة الجيّدة نصب الأرحام. المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فأما الجر في الأرحام فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر، وخطأ أيضا في أمر الدين عظيم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تحلفوا بآبائكم ".
فكيف يكون تساءلون به وبالرحم على ذا؟.
رأيت أبا إسحاق إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير اللّه أمر عظيم، وأن ذلك خاص للّه - عزّ وجلّ - على ما أتت به الرواية.
فأما العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الجر إلا بإظهار الجار، يستقبح النحويون: مررت به وزيد.
وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض حتى يقولوا بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنّه كالتنوين في الاسم، فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. وقد فسر المازي هذا تفسيرا مقنعا فقال: الثاني في العطف شريك للأول، فإن كان الأول يصلح شريكا
[معاني القرآن: 2/6]
للثاني وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له.
قال: فكما لا تقول مررت بزيد و " ك " فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد.
وقد جاز ذلك في الشعر.
أنشد سيبويه:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب
وقوله: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبا كبيرا (2)
أي أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى – بعد أن يؤنس منهم الرّشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي - صلى الله عليه وسلم - يتيم أبي طالب.
وقوله - عزّ وجلّ -: (ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب) الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال اليتيم بدلا من مالكم، وكذلك لا تأكلوا (أيضا) (أموالهم إلى أموالكم).
أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم.
(إنّه كان حوبا كبيرا)
[معاني القرآن: 2/7]
والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا.
وقوله عزّ وجلّ: (وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعولوا (3) قال مجاهد: إن تحرجتم أن تتركوا ولاية اليتامى إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا، وقال غيره: وإن خفتم ألا تعدلوا في أمر النساء فانكحوا ما ذكر اللّه عزّ وجلّ.
وقال بعض المفسرين قولا ثالثا، قال أهل البصرة من أهل العربية: يقول ذلك المفسّر - قال إنهم كانوا يتزوجون العشر من اليتامى ونحو ذلك رغبة في مالهن فقال اللّه - جلّ وعزّ - (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) أي في نكاح اليتامى.
ودل عليه(فانكحوا) كذلك قال أبو العباس محمد ابن يزيد، وهو مذهب أهل النظر من أهل التفسير.
(فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع) لم يقل من طاب والوجه في الآدميين أن يقال من، وفي الصفات وأسماء الأجناس أن يقال (ما).
تقول: ما عندك؟ فيقول فرس وطيب.
فالمعنى فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس كل النساء طيبا، قال - عزّ وجلّ -: (حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمّهاتكم اللّاتي
[معاني القرآن: 2/8]
أرضعنكم وأخواتكم من الرّضاعة وأمّهات نسائكم وربائبكم اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم).
فليس ممن ذكر ما يطيب.
وقوله - عزّ وجلّ - (مثنى وثلاث ورباع) بدل من (ما طاب لكم) ومعناه اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا.
إلا أنه لا ينصرف لجهتين لا أعلم أن أحدا من النحويين ذكرهما، وهي أنه اجتمع فيه علتان أنّه معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأنه عدل عن تأنيث.
قال أصحابنا إنه اجتمع فيه علتان أنه عدل عن تأنيث، وأنه نكرة.
والنكرة أصل للأسماء بهذا كان ينبغي أن نخففه. لأن النكرة تخفف ولا تعد فرعا.
وقال غيرهم هو معرفة وهذا محال لأنه صفة للنكرة، قال اللّه - جلّ وعزّ -: (جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع).
فهذا محال أن يكون أولي أجنحة الثلاثة والأربعة وإنما معناه أولي أجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة.
قال الشاعر:
[معاني القرآن: 2/9]
ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب... تبغي الناس مثنى وموحد
فإن قال قائل من الرافضة: إنه قد أحلّ لنا تسع، لأنّ قوله: (مثنى وثلاث ورباع) يراد به تسع، قيل هذا يبطل من جهات: أحدها في اللغة أن مثنى لا يصلح إلا لاثنين اثنين على التفريق.
ومنها أنه يصير أعيى كلام. لو قال قائل في موضع تسعة أعطيك اثنين وثلاثة وأربعة يريد تسعة، قيل تسعة تغنيك عن هذا، لأن تسعة وضعت لهذا العدد كله، أعني من واحد إلى تسعة.
وبعد فيكون - على قولهم - من تزوج أقل من تسع أو واحدة فعاص لأنه إذا كان الذي أبيح له تسعا أو واحدة فليس لنا سبيل إلى اثنين.
لأنه إذا أمرك من تجب عليك طاعته فقال ادخل هذا المسجد في اليوم تسعا أو واحدة، فدخلت غير هاتين اللتين حددهما لك من المرات فقد عصيته.
هذا قول لا يعرج على مثله. ولكنا ذكرناه ليعلم المسلمون أن أهل هذه المقالة مباينون لأهل الإسلام في اعتقادهم، ويعتقدون في ذلك ما لا يشتبه على أحد من الخطأ.
[معاني القرآن: 2/10]
فأمّا قوله: (ذلك أدنى ألّا تعولوا)
(فمعناه) ذلك أقرب ألا تجوروا. وقيل في التّفسير: ألّا تميلوا، ومعنى تميلوا تجوروا. فأما من قال: (ألّا تعولوا): ألا تكثر عيالكم، فزعم جميع أهل اللغة أنّ هذا خطأ، لأن الواحدة تعول، وإباحة كل ما ملكت اليمين أزيد في العيال من أربع، ولم يكن في العدد في النكاح حين نزلت هذه الآية.
والدليل على أنهم كانوا يرغبون في التزويج من اليتامى لمالهنّ، أنهم كانوا لا يبالون ألّا يعدلوا في أمرهم.
وقوله - عزّ وجلّ - (ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ) فالمعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح يتامى فانكحوا الطيب الذي قد أحل لكم من غيرهنّ، والمعنى إن أمنتم الجور في اليتامى فانكحوا منهن كهذه العدة، لأن النساء تشتمل على اليتامى وغيرهن.
وقوله: (وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4)
يقال هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة المرأة. وصداق المرأة.
مفتوح أولها، والذي في القرآن جمع صدقة.
ومن قال صدقة قال صدقاتهنّ، كما يقول غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهنّ، وصدقاتهنّ. بضم الصاد وفتح
[معاني القرآن: 2/11]
الدال. ويجوز صدقاتهنّ، ولا تقرأنّ من هذا إلا ما قد قرئ به لأن القراءة سنة لا ينبغي أن يقرأ فيها بكل ما يجيزه النحويون، وإن تتبع فالذي روي من المشهور في القراءة أجود عند النحويين، فيجتمع في القراءة بما قد روى الاتباع وإثبات ما هو أقوى في الحجة: إن شاء الله.
ومعنى قوله: (نحلة)
فيه غير قول، قال بعضهم فريضة، وقال بعضهم ديانة، تقول: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، وقال بعضهم هي نحلة من اللّه لهن أن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، فتلك نحلة من اللّه للنساء يقال - نحلت الرجل والمرأة - إذا وهبت له - نحلة ونحلا ويقال: قد نحل جسم فلان ونحل إذا دقّ.
والنّحل جائز أن تكون سميت نحلا، لأن الله جلّ ثناؤه نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها.
وقوله - جلّ؛ عزّ - (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) أي عن شيء من الصداق.
و " لكم " خطاب للأزواج، وقال بعضهم للأولياء ههنا. و " نفسا " منصوب على التمييز لأنه إذا قال: طبن لكم، لم يعلم في أي صنف وقع الطيب.
المعنى: فإن طابت أنفسهن بذلك.
وقد شرحناه قبل هذا المكان شرحا وافيا.
وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا)
يقال: هنأني الطعام ومراني. وقال بعضهم: يقال مع هنأني مراني.
فإذا لم تذكر هنأني قلت أمرأني بالألف.
وهذا حقيقته أن مرأني تبينت أنه
[معاني القرآن: 2/12]
سينهضم وأحمد مغبته، فإذا قلت أمرأني الطعام فتأويله أنه قد انهضم وحمدت فإن قال قائل: إنما قيل: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) فكيف يجوز أن يقبل الرجل المهر كله، وإنما قيل له منه؟
فالجواب في ذلك أن " منه " ههنا للجنس لما قال عزّ وجلّ -: (فاجتنبوا الرّجس من الأوثان).
فلم نؤمر أن نجتنب بعض الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
أي فكلوا الشيء الذي هو مهر.
وقوله: (ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5)
قال بعضهم: السفهاء النساء والصبيان، وقال بعضهم: السفهاء اليتامى، والسفهاء يدل على أنّه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر ما يستعمل فيهن جمع سفيهة وهو سفائه، ويجوز سفهاء، كما يقال فقيرة وفقراء.
وقال بعضهم: معناه لا تهبوا للسفهاء أموالكم، وهذا عندي – واللّه أعلم - غير جائز. كذلك قال أصحابنا البصريون بل السفيه أحق بالهبة لتعذّر الكسب عليه، ولو منعنا من الهبة لهم لما جاز أن نورّثهم، وإنما معنى: (ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم)، لا تؤتوا السفهاء أموالهم، والدليل على ذلك قوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم)
وقوله: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم).
وإنما قيل أموالكم لأن معناه الشيء الذي به قوام أمركم، كما قال اللّه: (ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه،
[معاني القرآن: 2/13]
ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، أي تقتلون الجنس الذي هو جنسكم.
وقرئت " اللاتي جعل اللّه لكم قياما "، وقيما. يقال: هذا قوام الأمر وملاكه.
المعنى: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قياما، فهو راجع إلى هذا، والمعنى جعلها الله قيمة الأشياء فبها يقوم أمركم.
(وقولوا لهم قولا معروفا)
أي: علموهم - مع إطعامكم إياهم، وكسوتكم إيّاهم - أمر دينهم...
وقوله - عزّ وجلّ -: (وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيّا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى باللّه حسيبا (6)
معناه: اختبروا اليتامى.
(حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشدا)
معنى: " آنستم ": علمتم.
ومعنى (الرشد): الطريقة المستقيمة التي تثقون معها بأنّهم يحفظون أموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم.
(ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) أي مبادرة كبرهم.
قال بعضهم لا تأكلوها إسرافا، لا تأكلوا منها، وكلوا القوت على قدر نفعكم إياهم في توليكم عليهم.
وقال بعضهم: معنى: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف).
أي يأكل قرضا ولا يأخذ من مال اليتيم شيئا، لأن المعروف أن يأكل
[معاني القرآن: 2/14]
الإنسان ماله، ولا يأكل مال غيره قال: والدليل على ذلك قوله: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم).
وقوله: عزّ وجلّ: (للرّجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنّساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا (7)
كانت العرب لا تورّث إلا من طاعن بالرماح وزاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم اللّه - عزّ وجلّ - أن حق الميراث على ما ذكر من الفرض.
وجاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها بنات لها توفّي أبوهنّ وهو زوجها.
وقد همّ عمّا البنات بأخذ المال فنزلت: (يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين) الآية.
فقال العمّان: يا رسول الله أيرث من لا يطاعن بالرماح ولا يزود عن المال ولا يحوز الغنيمة؟
فقال - صلى الله عليه وسلم -: أعطيا البنات الثلثين، وأعطيا الزوجة - وهي أمّهنّ - الثمن، وما بقي فلكما، فقالا: فمن يتولى القيام بأمرهما؟ فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوليا ذلك.
وقوله عزّ وجلّ: (نصيبا مفروضا)
هذا منصوب على الحال، المعنى لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض، وهذا كلام مؤكّد لأن قوله - جل ثناؤه - (للرّجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنّساء نصيب...) معناه: إنّ ذلك مفروض لهنّ.
وقوله - عزّ وجلّ -: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8)
أي: فأعطوهم منه.
[معاني القرآن: 2/15]
قال الحسن رحمة اللّه عليه، والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين. واليتامى من العين، يعنيان الورق، والذهب، فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك؛ قالوا لهم قولا معروفا. كانوا يقولون لهم: بورك فيكم.
وقال قوم: نسخ الأمر للمساكين ومن ذكر في هذه الآية الفرض في القسمة، وإباحة الثلث للميّت يجعله حيث شاء.
قال أبو إسحاق وقد أجمعوا أن الأمر بالقسمة من الميراث للقرابة والمساكين واليتامى قد أمر بهما، ولم يجمعوا على نسخها، والأمر في ذلك على ما أجمع عليه، واللّه أعلم.
وقوله: (وليخش الّذين لو تركوا من خلفهم ذرّيّة ضعافا خافوا عليهم فليتّقوا اللّه وليقولوا قولا سديدا (9)
الكلام في ذرية بضم الذال، ويجوز ذرية، - بكسر الذال، وقد قرئ بهما، إلا أن الضمّ أجود وهي منسوبة إلى الذر، وهي فعليّة منه.
ويجوز أن يكون أصلها ذرّورة، ولكن الراء أبدلت ياء وأدغمت الواو فيها، فأما الكسر في الذال فلكسر الراء كما قالوا في عتي: عتي.
وضعاف جمع ضعيف وضعيفة، كما تقول ظريف وظراف وخبيث
[معاني القرآن: 2/16]
وخباث. وإن قيل ضعفاء جاز، تقول ضعيف وضعفاء.
قيل: ومعنى الآية أنهم كانوا يوصون بأموالهم على قدر أهوائهم.
ويتركون ضعفة ذراريهم وأولادهم فأمرهم اللّه - عز وجل - أن يوصوا لهم، وأن يجروا ذلك من سداد.
وقيل: قيل لهم هذا بسبب اليتامى. فوعظوا في توليتهم اليتامى بأن يفعلوا كما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم.
وكلا القولين جائر حسن، ألا أن تسمية الفرائض قد نسخ ذلك بما جعل من الأقسام للأولاد وذوي العصبة.
ثم خوّف اللّه عزّ وجلّ وغلظ في أمر اليتامى وأوعد فقال:
(إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10)
(يقرأ) (وسيصلون).
في هذا - أعني في قوله.. يأكلون أموال اليتامى " - دليل أن مال اليتيم إن أخذ منه على قدر القيام له ولم يتجاوز ذلك جاز.
بل يستظهر فيه إن أمكن ألا يقرب ألبتّة لشدة الوعيد فيه، بأن لا يؤكل منه إلا قرضا، وإن أخذ القصد وقدر الحاجة على قدر نفعه فلا بأس إن شاء الله.
[معاني القرآن: 2/17]
وقوله - عزّ وجلّ - (يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف ولأبويه لكلّ واحد منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس من بعد وصيّة يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا فريضة من اللّه إنّ اللّه كان عليما حكيما (11)
معنى " يوصيكم ": يفرض عليكم، لأن الوصية من اللّه - عز وجل - فرض، والدليل على ذلك قوله: (ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ذلكم وصّاكم به).
وهذا من المحكم علينا.
(للذّكر مثل حظّ الأنثيين)
المعنى: يستقر للذكر مثل حظ الأنثيين، له الثلثان وللابنة الثلث.
(فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف)
يجوز واحدة وواحدة ههنا، وقد قرئ بهما جميعا إلا أن النصب عندي أجود بكثير، لأن قوله: (فإن كنّ نساء فوق اثنتين) قد بين أن المعنى فإن كان الأولاد نساء، وكذلك، وإن كانت المولودة واحدة فلذلك اخترنا النصب، وعليه أكثر القراءة.
فإن قال قائل إنما ذكر لنا ما فوق الثنتين وذكرت واحدة فلم أعطيت البنتان الثلثين فسوّي بين الثنتين والجماعة؟
فقد قال الناس في هذا غير قول: قال بعضهم: أعطيت البنتان الثلثين بدليل لا تفرض لهما مسمى.
والدليل أهو، قوله: (يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك).
[معاني القرآن: 2/18]
فقد صار للأخت النصف كما أن للابنة النصف، (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان) فأعطيت البنتان الثلثين كما أعطيت الأختان، وأعطي جملة الأخوات الثلثين قياسا على ما ذكر اللّه - عزّ وجلّ - في جملة البنات، وأعلم اللّه في مكان آخر أن حظ الابنتين وما فوقهما حظ واحد في قوله: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السّدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثّلث).
فدلت هذه الآية أن حظّ الجماعة إذا كان الميراث مسمى حظ واحدة.
وهذا أيضا في العربية كذا قياسه لأن منزلة الاثنتين من الثلاث كمنزلة الثلاث من الأربع فالاثنان جمع كما أن الثلاث جمع، وصلاة الاثنين وصلاة الاثنتين جماعة، والاثنان يحجبان كما تحجب الجماعة.
فهذا بيّن واضح.
وهذا جعله اللّه في كتابه يدل بعضه على بعض تفقيها للمسلمين وتعليما، ليعلموا فيما يحزبهم من الأمور على هذه الأدلة.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد، وكذا قال إسماعيل بن إسحاق – أنه قال: في الآية نفسها دليل أن للبنتين الثلثين، لأنه إذا قال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وكان أول العدد ذكرا وأنثى، فللذّكر الثلثان وللأنثى الثلث، فقد بأن من هذا أن للبنتين الثلثين، واللّه قد أعلم أن ما فوق الثنثين لهما الثلثان.
[معاني القرآن: 2/19]
وجميع هذه الأقوال التي ذكرنا حسن جميل بين، فأمّا ما ذكر عن ابن عباس من أن البنتين بمنزلة البنت فهذا لا أحسبه صحيحا عن ابن عباس وهو يستحيل في القياس لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع، فالواحد خارج عن الاثنين.
ويقال ثلث وربع وسدس، ويجوز تخفيف هذه الأشياء لثقل الضم.
فيقال ثلث وربع وسدس. ومن زعم أن الأصل فيه التخفيف وأنّه ثقل فخطأ، لأن الكلام موضوع على الإيجاز والتخفيف.
وقوله عزّ وجلّ: (ولأبويه لكلّ واحد منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس).
فالأم لها في الميراث تسمية من جهتين، تسمية السدس مع الولد.
وتسمية السدس مع الإخوة، وتسمية الثلث إن لم يكن له ولد.
والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بعد التسمية على جهة التعصيب.
والأم يحجبها الإخوة عن الثلث فترث معهم السدس.
قال أبو إسحاق: ونذكر من كل شيء من هذا مسألة، إذ كان أصل الفرائض في الأموال والمواريث في هذه السورة.
فإن مات رجل أو امرأة فخلفا أبوين، فلام الثلث، والثلثان الباقيان للأب. بهذا جاء التنزيل وعليه اجتمعت الأمة. فإن خلّف الميت ولدا وكان
[معاني القرآن: 2/20]
ذكرا فللأم السدس وللأب السدس، وما بقي فللابن، فإن خلّف بنتا وأبوين، فللبنت النصف وللأم السدس، وما بقي للأب يأخذ الأب سدسا بحق التسمية، ويأخذ السدس الآخر بحق التعصيب.
فإن خلّف الميت - وكانت امرأة - زوجا وأبوين، فللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي للأب ثلثا ما بقي، وهو ثلث أصل المال.
وقد ذكر عن ابن عباس إنّه كان يعطي الأمّ الثلث من جميع المال.
ويعطي الأب السدس. فيفضل الأم على الأب في هذا الموضع.
والإجماع على خلاف ما روي عنه.
وقال الذين احتجوا مع الإجماع: لو أعلمنا اللّه - عزّ وجلّ - أن المال بين الأب والأم ولم يسم لكل واحد لوجب أن نقسمه بينهما نصفين، فلما أعلمنا اللّه - عزّ وجلّ - أنّ للأم الثلث علمنا أن للأب الثلثين، فلما دخل على الأب والأم داخل أخذ نصف المال، دخل النقص عليهما جميعا، فوجب أن يكون الميراث للأبوين إنّما هو النص، فصار للأم ثلث النصف، وللأب ثلثا النصف..
وقيل في الاحتجاج في هذا قول آخر:
قال بعضهم: إنما قيل: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث)
ولم يرثه ههنا أبواه فقط، بل ورثه أبواه وورثه مع الأبوين غير الأبوين، فرجع ميراث الأم إلى ثلث ما بقي.
[معاني القرآن: 2/21]
وقال أصحاب هذا الاحتجاج: كيف تفضل الأم على الأب والإخوة يمنعون الأم الثلث فيقتصر بها على السدس، ويوفر الباقي على الأب.
فيأخذ الأب خمسة أسداس، وتأخذ الأم سدسا.
فإن توفي رجل أو امرأة، وخلّف إخوة ثلاثة فما فوق، وأمّا وأبا أخذت الأم السدس وأخذ الأب الباقي. هذا إجماع.
وقد روي عن ابن عباس في هذا شيء شاذ: رووا أنّه كان يعطي الإخوة هذا السدس الذي منع الإخوة الأم أن تأخذه، فكان يعطي الأمّ السّدس، والإخوة السّدس. ويعطي الأب الثلثين.
وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء. وقد أجمعت فقهاء الأمصار أن الإخوة لا يأخذون مع الأبوين.
فإن توفّي رجل وخلف أخوين وأبوين، فقد أجمع الفقهاء أن الأخوين يحجبان الأم عن الثلث، إلا ابن عباس فإنه كان لا يحجب بأخوين.
وحجته أن اللّه - عزّ وجلّ - قال: (فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس) وقال جميع أهل اللغة إن الأخوين جماعة، كما أن الإخوة جماعة، لأنك إذا جمعت واحدا إلى واحد فهما جماعة، ويقال لهما إخوة.
وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما، يريدون رحليهما.
وما كان الشيء منه واحدا فتثنيته جمع، لأنّ الأصل هو الجمع.
قال اللّه تعالى: (إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما).
وقال: (ولأبويه) لأن كل واحد منهما قد ولده.
[معاني القرآن: 2/22]
والأصل في " أم " أن يقال " أبة "، ولكن استغني عنها بأم. وأبوان تثنية أب، وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنا وابنة، - ولم تخف اللبس - قلت: ابنان.
(فلأمّه)
تقرأ بضم الهمزة وهي أكثر القراءات، وتقرأ بالكسر " فلإمّه "، فأما إذا كان قبل الهمزة غير كسر، فالضم لا غير، مثل قوله:
(وجعلنا ابن مريم وأمّه آية) لا يجوز وإمّه، وكذلك قوله: (ما هنّ أمّهاتهم)، وإنما جاز " لإمّه " و (في أمّها رسولا) بالكسر، لأن قبل الهمزة كسرة.
فاستثقلوا الضمة بعد الكسرة، وليس في كلام العرب مثل: " فعل " بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام بالاسم شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الصفة كسرة،. ومن قال: فلامه كح - بضم الهمزة. أتى بها على أصلها، على أن اللام تقديرها تقدير الانفصال.
وقوله عزّ وجل: (من بعد وصيّة يوصي بها أو دين) أي إن هذه الأنصبة إنما تجب بعد قضاء الدين، وإنفاذ وصية الميت في فإن قال قائل: فلم قال أو دين، وهلا كان " من بعد وصية يوصي بها ودين؟
فالجواب في هذا أن " أو " تأتي للإباحة، فتأتي لواحد واحد على
[معاني القرآن: 2/23]
انفراد، وتضم الجماعة فيقال جالس الحسن أو الشعبي، والمعنى كل واحد من هؤلاء أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، ولو قلت جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت.
فلو كان " من بعد وصية يوصي بها ودين " احتمل اللفظ أن يكون هذا إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفردا كان حكم آخر، فإذا كانت " أو " دلّت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما وقوله - عزّ وجلّ -: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا) في هذا غير قول: أمّا التفسير فإنه يروى أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة أن يرفع إليه أبوه فيرفع، وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل يرفع ابنه إليه فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا.
أي إن اللّه - عزّ وجلّ - قد فرض الفرائض على ما هي عنده حكمة، ولو ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع في الدنيا، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة.
(إنّ اللّه كان عليما حكيما)
أي عليم بما يصلح خلقه - حكيم فيما فرض من هذه الأموال وغيرها.
وقوله: (فريضة من اللّه).
[معاني القرآن: 2/24]
منصوب على التوكيد والحال من.. ولأبويه... أي، ولهؤلاء الورثة ما
ذكرنا مفروضا. ففريضة مؤكدة لقوله (يوصيكم الله).
ومعنى (إن اللّه كان عليما حكيما) فيه ثلاثة أقوال:
قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما وحكمة ومغفرة وتفضلا، فقيل لهم إن الله كان كذلك ولم يزل، أي لم يزل على ما شاهدتم.
وقال الحسن: كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر تدبيره منها.
وقال بعضهم: الخبر عن الله في هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى وما يكون وما هو كائن.
والقولان الأولان هما الصحيحان لأن العرب خوطبت بما تعقل، ونزل القرآن بلغتها فما أشبه من التفسير كلامها فهو أصح، إذ كان القرآن بلغتها نزل.
وقال بعضهم: الأب تجب عليه النفقة للابن إذا كان محتاجا إلى ذلك.
وكذلك الأب تجب نفقته على الابن إذا كان محتاجا إلى ذلك، فهما في النفع في هذا الباب لا يدرى أيهما أقرب نفعا.
والقول الأول هو الذي عليه أهل التفسير.
وقوله عزّ وجل: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الرّبع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصين بها أو دين ولهنّ الرّبع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم من بعد وصيّة توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السّدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثّلث من بعد وصيّة يوصى بها أو دين غير مضارّ وصيّة من اللّه واللّه عليم حليم (12)
(وإن كان رجل يورث كلالة):
يقرأ يورث ويورث.. بفتح الراء وكسرها -. فمن قرأ يورث - بالكسر - فكلالة.. مفعول، ومن قرأ " يورث " فكلالة منصوب على الحال.
زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك " تكلله النسب، أي لم يكن الذي
[معاني القرآن: 2/25]
يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر:
فإن أبا المرء أحمى له... ومولى الكلالة لا يغضب
وإنما هو كالإكليل الذي على الرأس. وإنما استدل على أن الكلالة ههنا الإخوة لأمّ دون الأب بما ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين وأن للإخوة كل المال، فعلم ههنا لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئا ما كانوا، علم أنه يعني بهم الإخوة لأمّ.
فإن ماتت امرأة وخلّفت زوجا وأمّا وإخوة لأمّ فللزوج النصف وللام السدس، وللإخوة من الأم الثلث.
فإن خلّفت زوجا وأمّا وإخوة لأب وأمّ وإخوة لأمّ فإن هذه المسألة يسميها بعضهم المسألة المشتركة، وبعضهم يسميها الحمارية.
قال بعضهم: إن الثلث الذي بقي للإخوة للأمّ دون الإخوة للأب والأم، لأن لهؤلاء الذين للأمّ تسمية وهي الثلث وليس للإخوة للأب والأم تسمية، فأعطيناهم الثلث.
كما أنّه لو مات رجل وخلّف أخوين لأمّ، وخلّف مائة أخ لأب وأمّ لأعطي الأخوان للأمّ الثلث وأعطي المائة الثلثين، فقد صار الإخوة للأمّ يفضلون في الأنصباء الإخوة للأب والأمّ الأشقاء.
وقال بعضهم: الأمّ واحدة.
[معاني القرآن: 2/26]
وسموها الحمارية بأن قالوا: هب أباهم كان حمارا واشتركوا بينه.
فسمّيت المشتركة.
وقوله عزّ وجلّ: (غير مضارّ وصيّة من اللّه).
غير منصوب على الحال. المعنى يوصي بها غير مضار، فمنع اللّه عزّ وجلّ من الضّرار في الوصية.
وروي عن أبي هريرة: من ضارّ في وصية ألقاه الله في واد من جهنّم أو من نار ".
فالضرار راجع في الوصية إلى الميراث.
(واللّه عليم حليم).
أي عليم ما دبر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخرّه وقبل توبته.
(تلك حدود اللّه ومن يطع اللّه ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13)
أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز.
(ومن يطع اللّه ورسوله).
أي يقيم حدوده على ما حدّ.
(يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها).
أي يدخلهم مقدّرين الخلود فيها، والحال يستقبل بها، تقول: مررت به معه باز صائدا به غدا، أي مقدرا الصيد به غدا.
(ومن يعص اللّه ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)
أي يجاوز ما حدّه الله وأمر به.
(يدخله نارا خالدا فيها).
خالدا من نعت النار، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال أي يدخله مقدّرا له الخلود فيها.
قوله جلّ وعزّ: (واللّاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل اللّه لهنّ سبيلا (15)
[معاني القرآن: 2/27]
الفاحشة الزنا، والتي يجمع اللاتي، واللواتي.
قال الشاعر:
من اللواتي والتي واللاتي... زعمن أنّي كبرت لداتي
ويجمع اللاتي بإثبات الياء ويحذف الياء.
قال الشاعر:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة... ولكن ليقتلن البريء المغفّلا
(فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم).
أي من المسلمين.
(فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل اللّه لهنّ سبيلا).
هذا كان الفرض في الزنا قبل أن ينزل الجلد، ويأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرجم، فكان يحبس الزانيان أبدا.
وقال بعضهم: (أو يجعل اللّه لهنّ سبيلا) هو الحد الذي نسخ التخليد في الحبس والأذى.
(واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنّ اللّه كان توّابا رحيما (16)
[معاني القرآن: 2/28]
قال بعضهم: كان الحبس للثيبين، والأذى للبكرين، يوبخان، فيقال لهما زنيتما وفجرتما وانتهكتما حرمات اللّه، وقال بعضهم: نسخ الأذى لهما مع الحبس، وقال بعضهم: الأذى لا ينبغي أن يكون منسوخا عنهما إلا أن يتوبا، وإن قوله عزّ وجلّ: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). هو من التوبيخ لهما بأن يفضحا على رؤوس الملأ.
أمّا ما سلف مما كان في أمر الفاجرين فقد استغنى عنه إلا أن الفائدة فيه أن الشهادة لم تزل في الزنا شهادة أربعة نفر.
وقوله تعالى: (إنّما التّوبة على اللّه للّذين يعملون السّوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب فأولئك يتوب اللّه عليهم وكان اللّه عليما حكيما (17)
ليس معناه أنهم يعملون السوء وهم جهّال، غير مميزين فإن من لا عقل له ولا تمييز لا حدّ عليه، وإنّما معنى بجهالة أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهّال. فليس ذلك الجهل مسقطا عنهم العذاب. لو كان كذلك لم يعذب أحد ولكنه جهل في الاختيار.
ومعنى (يتوبون من قريب) يتوقفون قبل الموت، لأن ما بين الإنسان وبين الموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت.
وقوله: (وليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ولا الّذين يموتون وهم كفّار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18)
(حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن) إنما لم تكن له التوبة، لأنه تاب في وقت لا يمكن الإقلاع بالتصرف فيما يحقق التوبة.
(أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما).
أي مؤلما موجعا، والمؤلم الذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ.
[معاني القرآن: 2/29]