دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #9  
قديم 6 رجب 1447هـ/25-12-2025م, 01:01 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,419
افتراضي شرح العقيدة الوسطية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

لما انتهى من ذلك شيخ الإسلام قال: (وأمّا الدّرجة الثّانية)
يعني من درجتي القدر
(فهي مشيئة الله النّافذة، وقدرته الشّاملة)
ذكرنا أن الدرجة الأولى قديمة: العلم والكتابة قديمة، والدرجة الثانية تقارن المقدور، تقارن المقضي.
فالقدر إذا وقع أو إذا شاء الله جل وعلا أن يقع لا بد أن يكون بقدر سابق وبقدر مقارن.
هذا القدر المقارن هو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهذه هي الدرجة الثانية وتشمل مرتبتين.

فصّل ذلك شيخ الإسلام بقوله - يعني - (مشيئة الله النّافذة، وقدرته الشّاملة)
قال: (وهو)
يعني هذه الدرجة كيف يكون الإيمان بذلك؟
(الإيمان بأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّه ما في السّماوات وما في الأرض من حركةٍ ولا سكونٍ؛ إلاّ بمشيئة الله، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنّه سبحانه على كلّ شيءٍ قديرٌ من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوقٍ في الأرض ولا في السّماء إلاّ الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه. ومع ذلك؛ فقد أمر العباد بطاعته)
إلى آخر كلامه، هذه الدرجة الثانية مرتبتها الأولى وهي المرتبة الثالثة من مراتب القدر (الإيمان بمشيئة الله) مشيئة الله النافذة، وهو جل وعلا ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
والأدلة على هذه المرتبة كثيرة جدا منها قوله جل وعلا: {ولو شئنا لآتينا كلّ نفسٍ هداها ولكن حقّ القول منّي} الآية، وكذلك قوله جل وعلا: {ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعًا} وكذلك قوله: {ولو شاء اللّه ما اقتتلوا ولكنّ اللّه يفعل ما يريد} فهو سبحانه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد مشيئته نافذة، ومنها قوله جل وعلا: {وما تشاؤون إلاّ أن يشاء اللّه} وقوله: {من يشإ اللّه يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مّستقيمٍ} والآيات في هذا الباب كثيرة جدا.

فإذن مشيئة الله شاملة، مشيئة الله نافذة، فهو ما شاء كان، ومعنى قوله: (نافذة) يعني أنه جل وعلا لا معقب لحكمه ولا يخاف جل وعلا أحدا ولا يتردد جل وعلا فيما يشاؤه سبحانه وتعالى، بل ما شاء كان وهذه المشيئة هي الإرادة الكونية لأن الإرادة الكونية تفسيرها المشيئة.
وكما ذكرنا لكم أن الإرادة قسمان:
* إرادة كونية.
* وإرادة شرعية.
الإرادة الكونية هي المشيئة، فإذا قلت شاء الله كذا بمعنى أراده كونا، فلا تكون المشيئة في الأمور الشرعية.
وقوله هنا (ما شاء الله كان) يعني كونا.
أما الأمور الشرعية فإنها لا يطلق عليها المشيئة لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الشرعيات فتدخلها الإرادة الشرعية التي توافق محبة الله جل وعلا ما أراده الله شرعا هو موافق لمحبته إذ لا يريد جل وعلا شرعا إلا ما يحبه، وما أراده شرعا قد يفعله العبد وقد لا يفعله {واللّه يريد أن يتوب عليكم} لكن من العباد من لا يختار أن يتوب الله عليه، فهذه إرادة شرعية، أما الإرادة الكونية وهي المشيئة النافذة فهذه كما قال: (ما شاء الله كان).
فإذا آمن العبد بأن - يعني اعتقد اعتقادا جازما - بأن ما شاء الله كان وأنه جل وعلا يتصرف في هذا الملك كما يشاء وأنه جل وعلا لا معقب له يحكم في ملكه كما يشاء فما شاءه حصل ووقع وما لم يشأه جل وعلا لا يحصل ولو اجتمع عليه من بأقطارها من في السماوات ومن في الأرض فإنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا هو جل وعلا لا يشاؤه بل إن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله جل وعلا كما قال سبحانه: {وما تشاؤون إلاّ أن يشاء اللّه رب العالمين}.
قال: (وأنّه ما في السّماوات وما في الأرض من حركةٍ ولا سكونٍ؛ إلاّ بمشيئة الله) (من حركةٍ ولا سكونٍ) لأنه ليس الأصل السكون وليس الأصل الحركة بل السكون بمشيئة، بقدر، والحركة بمشيئة وبقدر.

فمن قال إن الأصل هو السكون والحركة خلاف الأصل زعم أن القدر راجع إلى المتحركات دون الساكنات.
ولكن هذا باطل بل إنه ما من سكون إلا بمشيئة وما من حركة في متحرك إلا بمشيئة.
فسكون الساكن ليس عن اختياره وليس لأن الأصل فيه السكون بل لأن الله قدر جل وعلا أن يكون ساكنا، وشاء منه في هذه اللحظة أن يكون ساكنا، إذا قلنا قدر يعني في الماضي تقدير بالعلم والكتابة وفي هذه اللحظة التي رأيت الساكن فيها ساكنا فهو بمشيئة الله جل وعلا والله سبحانه له ملائكة وكّلهم جل وعلا بفعل ما يشاؤه سبحانه، وكّلهم توكيلا، هم موكلون بذلك كما قال جل وعلا: {قل يتوفّاكم مّلك الموت الّذي وكّل بكم} فهم موكلون.
قال: (من حركةٍ ولا سكونٍ؛ إلاّ بمشيئة الله) حتى سقوط الورقة، هبوب الريح، هباءه ماشية تراها شعاع فيه غبار هذا كله بمشيئة الله جل وعلا لا يخرج شيء عن مشيئة الله جل وعلا النافذة وعن قدرته سبحانه الشاملة.
قال: (لا يكون في ملكه ما لا يريد) هذا تعليل لما سبق
(وأنّه سبحانه على كلّ شيءٍ قديرٌ من الموجودات والمعدومات) هذه القدرة الشاملة.
عبّر شيخ الإسلام بقوله: (قدرته الشاملة) وذلك لأنه في القرآن وفي السنة فيها القدرة الشاملة على الموجودات والمعدومات.
ففي القرآن في آيات كثيرة {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ} وقال: {إن اللّه على كلّ شيءٍ قدير} وقال: {وكان اللّه على كلّ شيءٍ مّقتدرًا} والآيات في ذلك كثيرة.
قال: (على كلّ شيءٍ) و(كلّ) من ألفاظ الشمول والظهور في العموم فتشمل المعدوم والموجود و(شيءٍ) اسم لما يقبل العلم، يعني للمعلوم أو لما يؤول إلى العلم، والمعدوم يقبل العلم، فإذن صارت مشيئة الله نافذة وقدرته شاملة للموجود لما رأيته وللمعدوم أيضا.

وقوله: (المعدوم) يعني لما لم يشأه الله جل وعلا فهو سبحانه ما شاءه كان، لكن ما يقدر عليه سبحانه ربما يكون، وربما لا يكون، بحسب حكمته جل وعلا، وهذا لأجل إطلاق الشمول في النصوص في قوله: {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}.
وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن قدرة الله شاملة للمعدومات والموجودات كما قال سبحانه: {ولو علم اللّه فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وّهم مّعرضون} فإذن الإسماع إسماع الاستجابة ما حصل ولو أسمعهم إسماع الاستجابة لتولوا وهم معرضون.
وهذا تابع للعلم وهو تابع أيضا للقدرة كما قال جل وعلا: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا مّن فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ} ففي هذه الآية إثبات أن الله جل وعلا قادر على هذه الثلاثة أشياء {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا مّن فوقكم} هو قادر على هذا الشيء، وهل هذا الشيء حصل؟ موجود أو معدوم؟
قال عليه الصلاة والسلام حينما تلا هذه الآية (أعوذ بوجهك) فأجيب، وقال أيضا في قوله: {أو من تحت أرجلكم} قال: (أعوذ بوجهك) فأجيب وقال في قوله: {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ} (هذه أهون) لأن الله جل وعلا لم يعطه ذلك.
قال العلماء دلت الآية على أن قدرة الله على ما شاءه وعلى ما لم يشأه، فقوله: {وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ} فيه عموم في القدرة على ما شاءه وعلى ما لم يشأه وهذا مذهب أهل السنة.
والأشاعرة والماتريدية وغيرهم يقولون إن القدرة لها تعلقان:
تعلق صلوحي، وتعلق قديم.
هذا بحث يحتاج إلى تفصيل لكن أيضا مما يناسب الكلام هذا هنا يقولون إن القدرة، قدرة الله جل وعلا متعلقة بما شاءه.

ولهذا يقول الأشاعرة كثيرا في كتبهم (والله على ما يشاء قدير).
وهذه عند أهل السنة والجماعة باطلة لا يجوز أن يخالف المرء نص القرآن ويقول (والله على ما يشاء قدير) هو نعم هو جل وعلا على ما يشاء قدير لكن قدرته على ما يشاء وعلى ما لم يشأ فهو سبحانه قدير على ما شاءه وقدير على ما لم يشأه.
فعندهم القدرة متعلقة بما شاءه وعند أهل السنة القدرة متعلقة بما شاءه جل وعلا وبما لم يشأه لقوله سبحانه: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا مّن فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ}.
نعم جاء في بعض الأحاديث (إني على ما أشاء قادر) (وإني على ما أشاء قدير) وهذا يثبته أهل السنة لأنه دليل على أنه جل وعلا على ما يشاء قدير وهذا دلّ عليه قوله: {على كلّ شيءٍ قديرٌ} لكن عندهم شعار أنهم يعرضون عن قوله: {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ} إلى قولهم (والله علم ما يشاء قدير).
وإذا كان شعارا لأهل البدع فإن استعماله فيه موافقة لهم مع صحته في نفسه معنى.
وقول القائل (إنه جل وعلا على كل شيء قدير) هذا يشمل ما شاءه وما لم يشأه وفيه موافقة للنصوص من الكتاب والسنة.
هذا معنى قول شيخ الإسلام (من الموجودات والمعدومات) هو على كل شيء قدير من الموجود والمعدوم.
طبعا هذا كله متعلق بما يمكن أما المحال مما أحاله أو منعه جل وعلا أن يكون في ملكه وأوجب ذلك على نفسه فهو جل وعلا قدير على كل شيء على هذا وذاك، ولكن لما جعل ذلك محالا فهو لا يكون، وقدرته شاملة جل وعلا لكل شيء، ولكن المحال هو الذي جعله جل وعلا محالا.
مثل أن يكون ثم إله بحق فهذا محال فلا يكون البتة، هل هذا متعلق بالقدرة؟

نقول نعم القدرة متعلقة بكل شيء لكن هذا محال لا يكون، كذلك أن يوجد إله آخر هذا محال، كذلك أن يكون له جل وعلا ولد هذا محال، إلى آخره، وهذه المحالات هو جل وعلا الذي جعلها محالة سبحانه وتعالى.
فإذن لا تبحث هذه كما بحثها الفلاسفة وطائفة هل تدخل تحت القدرة أو لا تدخل، لأن هذه جعلها الله جل وعلا محالات فما يبحث هو ما جاءت فيه النصوص وأما ما جعله الله جل وعلا محالا فإننا نأخذه على ما جاء في النص ولا نخوض فيه بهل تشمله القدرة أو لا تشمله لأنه لا فائدة منه ولأن فيه استدراكا واعتراضا على النصوص.
قال بعد ذلك (فما من مخلوقٍ في الأرض ولا في السّماء إلاّ الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه. ومع ذلك؛ فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله) قوله: (ومع ذلك) يعني مع وجود القدر السابق فالله جل وعلا أمر العباد بطاعته، فالقدر لا يعني عدم العمل بل القدر، قدر الله جل وعلا هو علمه جل وعلا بما سيكون، كتابته جل وعلا لما سيكون وما قدّره سبحانه وتعالى على عباده، ومع ذلك أمر العباد بالطاعة ونهاهم عن المعصية وهو جل وعلا يحب المتقين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات......1
إذا كانت المعاصي داخلة تحت المشيئة فكيف تدخل تحت المشيئة مع أنها داخلة تحت ما يبغض الرب جل وعلا؟
وهذا الضلال أو هذه الشبهة أوقعت طوائف في الضلال.

وأهل السنة قالوا إنه يجتمع في حق المعين من المسلمين الإرادة الكونية والشرعية فيما أطاع الله جل وعلا فيه، يجتمع فيه المحبة والإرادة الكونية، ومن خالف - الكافر أو العاصي حين معصيته - نفذت فيه المشيئة والإرادة الكونية ولكنه في هذه الحال لم يوافق الإرادة الشرعية، فالمسلم تعلق به في طاعته حين يطيع الإرادة الكونية التي هي المشيئة والإرادة الشرعية والعاصي حين عصى أو الكافر تعلق به الإرادة الكونية دون الإرادة الشرعية.
فلهذا صارت المحبة والرضا تبع للإرادة الشرعية:
فالمسلم الذي عمل الطاعة واجتمعت فيه الإرادة الشرعية والكونية حصل له محبة من الله جل وعلا لإتيانه بما أراده الله شرعا.
فالمحبة تبع للإرادة، المحبة تبع لتنفيذ الإرادة الشرعية، والبغض تبع لعدم الإتيان بما يريده الله جل وعلا شرعا.
وهذا يجتمع في حق المعين من المسلمين، يجتمع موجب المحبة وموجب البغض، وفي الكافر تكون فيه الإرادة الكونية.
إذا تبين ذلك فإن الله يرضى كما ذكر الشيخ عن المتقين ويحب المتقين والمحسنين والمقسطين.
وهذه مسألة ضل فيها طوائف وذهبوا لأجلها إلى الجبر وبعضهم ذهب إلى نفي القدر وبعضهم ذهب للدخول في التعليل فضلوا.
والقدرية أصناف وأصل ضلالهم هو الدخول في الأفعال.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته القدرية:
ويدعى خصوم الله يوم معادهم
إلى النار طرّاً معشر القدرية
سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا
به الله أو ماروا به في الشريعة
فهذه طوائف القدرية من حيث العموم:
* النفاة بأصنافهم الذين سبقوا.

* ومن سعى ليخاصم أو مارى به في الشرع.
وهاتان الطائفتان (من مارى به في الشرع) يعني من مارى بالقدر في الشرع يعني في الامتثال راجع إلى عدم التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية، إلى عدم فهم أنه يجتمع في حق المعين المشيئة الكونية وما لا يريده جل وعلا شرعا، وهذا ظاهر بين، وشيخ الإسلام ألمح إلى هذا في هذه الكلمات.
طبعا مسائل القدر متنوعة وشبه القوم والدخول فيها لا يناسب لأنها تحتاج إلى ردود تفصيلية وتأصيلية، ولها مجالس أخر إن شاء الله تعالى.
انتهى من هذه المرتبة قال بعدها:
والعباد فاعلون حقيقةً، واللّه خلق أفعالهم والعبد هو: المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصّائم. وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم إرادةٌ، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم؛
وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية.
هذه الدرجة التي هي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وأن الله جل وعلا هو الذي خلق أفعال العباد، هذه مرتبتان:
* المرتبة الأولى عموم القدرة ونفوذ المشيئة، هذه المرتبة الثالثة من مراتب القدر.
* والمرتبة الرابعة أن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد.
فانتهى من المرتبة الثالثة وهي الأولى من الدرجة الثانية، ثم ذكر الأخيرة من مراتب القدر فقال:
(والعباد فاعلون حقيقةً، واللّه خالقٌ أفعالهم)
العباد جمع عبد، من هذا العبد الذي يريده المؤلف؟
فصّل ذلك قال:
(المؤمن، والكافر)
(المؤمن، والكافر، البرّ، والفاجر) هو الذي يفعل فعله حقيقة ليس فعله الذي فعل مجازا وإنما فعل حقيقة، ما معنى ذلك؟
يعني حين صلى من المصلي؟ من الذي فعل الصلاة؟
هو العبد، حين تصدق من الذي تصدق على الحقيقة؟ من الذي فعل الصدقة؟

هو العبد، حين - والعياذ بالله - شرب الخمر حين سرق حين ارتشى حين أكل الربا حين زنا إلى آخره، من الذي فعل هذه الأفعال على الحقيقة؟
الذي فعلها العبد، هل معنى ذلك أن العبد هو الذي خلق فعل نفسه؟
نقول: لا، العبد له قدرة وإرادة وهو الذي فعل هذا الفعل، فالفعل ينسب للعبد لأنه هو الذي اختاره وفعله بنفسه لم يكره عليه.
ومع ذلك من الذي خلق فعله؟
قال شيخ الإسلام:
(واللّه خالقٌ أفعالهم)
فإذن اجتمع أن يكون العبد هو الذي فعل على الحقيقة ليس فعلا مجازيا كما يقوله الأشاعرة والماتريدية وطوائف، وليس هو الذي يخلق فعل نفسه كما يقوله المعتزلة يعني القدرية، وإنما هو يفعل حقيقة والله هو الذي خلق فعله، وذلك لمجيء هذه في النصوص:
أما الفعل حقيقة فلأنه جاء في النصوص نسبة الفعل إلى العبد قال جل وعلا: {إنّ اللّه يحبّ التّوّابين ويحبّ المتطهّرين} فالعبد هو التواب وإذا كان هو التواب فالتواب صيغة مبالغة من اسم الفاعل تائب، وتائب اسم فاعل التوبة، المتطهر هذا اسم فاعل التطهر.
فإذن العبد هو الذي فعل التوبة وهو الذي فعل التطهر بدلالة اللغة.
وإذا كان كذلك فهذه الدلالة حقيقية، فهو الذي فعل التوبة حقيقة لأن الله جل وعلا جعله توّابا وجعله متطهراً.
والأصل كما هو معلوم أن ما أسند إلى العبد فهو الحقيقة باتفاق الناس، الأصل هو الحقيقة باتفاق الناس، سواء الذين قسموا لغة العرب إلى حقيقة ومجاز أو الذين لم يقسموا، بالاتفاق أن الأصل هو الحقيقة.
فإذن عند الجميع ما أسنده الله جل وعلا من الأفعال للعبد هو الذي فعلها حقيقة لأنه هو الأصل.
ولهذا في الأدلة جميعا: صلى، صام، تصدق، إلى آخره، أمر الله جل وعلا بالصلاة بالصوم بالتصدق، فعل العبد هذه الأشياء فهو إذن يفعلها حقيقة، لكن كيف فعلها؟

جعل الله جل وعلا له قدرة - ركز معي - جعل له قدرة وجعل له إرادة، هذه القدرة التي جعلها في العبد من الذي خلقها؟
خلقها الله، وهذه الإرادة التي جعلها للعبد من الذي خلقها؟
خلقها الله جل وعلا، ففعل العبد ينتج عن هاتين الصفتين القدرة والإرادة.
والقدرة والإرادة مخلوقتان فإذن ما يحصل منهما مخلوق.
فإذن اجتمع أن العبد يفعل حقيقة وأنه لا يخلق فعله، لأنه إذا كان يصح أن يقال يخلق فعله معناه ما أحدثه - يعني الأسباب أو الآلة التي جعلته يفعل - يكون هو الذي خلقها، والآلة التي جعلته يفعل الجوارح أو هذه الصفات القدرة والإرادة هو لم يخلقها وإنما خلقها الله جل وعلا.
فإذن النتيجة هي أن الله خلق فعل العبد لأنه خلق له القدرة وخلق له الإرادة.
والعمل - فعل العبد - لا يكون مطلقا أبدا إلا بقدرة وإرادة، لا يمكن أن يعمل عملا حتى تكون عنده قدرة وإرادة.
والإرادة نعني بها الإرادة الجازمة والقدرة نعني بها القدرة التامة، فضابط الإرادة التي يحصل بها الفعل هي الإرادة الجازمة، والقدرة التي يحصل بها الفعل هي القدرة التامة.
يعني قد يكون مريدا للشيء لكن إرادته مترددة فهل يحصل الفعل؟
لا يحصل لأنه ما يدري يقول أنا متردد أريد أن أذهب إلى المسجد وأريد أن أذهب إلى مكان كذا، فإرادته مترددة، هذه الإرادة المترددة لا يحصل بها الفعل حتى تتحول إلى إرادة جازمة، فإذا توجه جزم باختيار إحدى الإرادتين صارت إرادته جازمة.
فإن كان عنده قدرة عنده آلات عنده رجل يمشي بها أو أراد أن يكتب وعنده قدرة على الكتابة متعلم للكتابة ويده صحيحة حصل له مراده.
فإذن النتيجة -الفعل - لا يحصل حتى يكون عند العبد إرادة جازمة لهذا المعين من الفعل وقدرة تامة على هذا المعين من الفعل.
في أناس عندهم إرادة جازمة ولكن عندهم قدرة ناقصة، يريد مثلا أن يسافر هذه اللحظة إلى مكان كذا وكذا هذه إرادة جازمة لكن هل عنده قدرة على ذلك؟

ما عنده قدرة فلا يحصل الفعل.
فإذن نقول الفعل لا يكون من العبد إلا بإرادة جازمة وقدرة تامة.
والإرادة والقدرة مخلوقتان، فالفعل مخلوق.
هذا من حيث التدليل العام.
ومن حيث التدليل الخاص قال جل وعلا: {واللّه خلقكم وما تعملون} وفي قوله هنا {واللّه خلقكم وما تعملون} وجهان من التفسير:
* الأول أن تكون (ما) بمعنى (الذي) [ والله خلقكم والذي تعملون ] يعني تعملونه.
* الثاني أن تكون (ما) مصدرية تقدّر مع الفعل بمصدر فيكون معنى الآية [ والله خلقكم وعملكم ].
فإذن في الآية دليل على أن الله خالق لأفعال العباد.
لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه العقيدة المباركة، قال:
(وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم إرادةٌ، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم)
الصفات هذه من الذي خلقها؟
رب العالمين، هم الذين يفعلون، من الذي خلقهم؟
رب العالمين، إذن النتيجة أن الذي يحصل منهم من الأفعال الذي خلقه رب العالمين.
لكن الفعل فعل من؟
فعل العبد حقيقة.
قال: (وهذه الدّرجة من القدر يكذّب بها عامّة القدريّة الّذين سمّاهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مجوس هذه الأمّة)
هذه الدرجة من القدر، يعني الدرجة الثانية، الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وكذلك بأن الله هو الذي يخلق فعل العبد يكذب بها عامة القدرية.
ويعني بالقدرية هنا المعتزلة ومن شابههم في نفي القدر.
نفاة القدر هم القدرية:
- الغلاة ينفون العلم
- وهؤلاء ينفون المشيئة النافذة ومنهم من لا ينفي هذه المشيئة النافذة أو القدرة الشاملة ولكن ينفي أن الله خلق فعل العبد.
وتعلمون أنه من المشهور أن المعتزلة يقولون أن العبد يخلق فعل نفسه، لماذا قالوا ذلك؟

قالوا لأن العبد يعمل المعاصي، وإذا قلنا إن المعصية خلقها الله جل وعلا فيكون ذلك محذورا من وجهين:
* الأول أن يكون الله هو الذي فعل المعصية.
* والثاني أن يكون أجبرهم عليها.
وهاتان ممتنعتان شرعا وعقلا.
وهذا صحيح فإن الله جل وعلا ليس هو الذي فعل بل الذي فعل العبد ولكن الله خلق، وقولهم (هذا يعني الإجبار) نقول وكذلك الإجبار منفي.
لكن هل يصح أن يكون هذا الفعل دليلا على أنه يجبر؟
هل يصح أن ذلك دليلا على أنه هو الفاعل؟
نقول لا، هذا ليس بصحيح بل النصوص دلت على التباين، على أن العبد يفعل والله جل وعلا هو الذي يخلق وعلى أن العبد يفعل المعصية والله جل وعلا يأذن بها كونا ولا يرضاها شرعا.
فاجتمع في ذلك المرتبتين اللتين في هذه الدرجة.
فإذن في حق العاصي، يعني المعتزلة نظروا أنه في حق العاصي، هذا عصى وحين يشرب الخمر من الذي خلق هذا الفعل؟
قالوا إذا قلنا إن الله هو الذي خلقه فمعناه هو الذي فعل لأن هناك تلازم عندهم بين الفعل والخلق، كونه فعل يعني خلق، وهذا ممتنع فإذن يكون العبد هو الذي خلق.
أيضا لو قلنا إن الله هو الذي خلق ذلك معناه ألغينا إرادة العبد وإذا ألغينا إرادة العبد كان مجبورا على المعصية وهذا يقدح في العدل والله جل وعلا منزه عن الظلم وله صفة العدل.
هذه شبهتهم، وهذا الذي قالوه باطل واضح البطلان لأنهم لم يفرقوا بين الفعل والخلق، وكوننا نقول إن الله جل وعلا هو الذي خلق هذا الشيء بمعنى أنه جل وعلا هو الذي خلق ما يكون به هذا الشيء.
ومعلوم أن الأسباب في الشرع تحدث المسببّات، الماء ينزل فينبت به النبات، الله جل وعلا جعل الماء سببا، يتزوج الذكر ويضع ماءه في رحم الأنثى فيكون منه الولد.
فالعبد يفعل لكن الذي خلق هو الله جل وعلا، فالأسباب التي تنتج المسببات مخلوقة فإذن النتائج مخلوقة.

وهذه هي التي فاتت أهل الاعتزال ولا غرابة أن يكونوا غلاة في إثبات الأسباب ويناقضون والأشاعرة يقابلونهم في أنهم ينفون الأسباب وينكرون ذلك.
قال شيخ الإسلام هنا (الّذين سمّاهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مجوس هذه الأمّة) وهذا قد جاء في حديث في السنن عن ابن عمر وعن غيره (القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) وهذا الصواب أنه مرسل ولا يصح مرفوعا، وروي عن غيره.
بعض أهل العلم قال مجموع هذه الروايات يصل إلى الحسن.
قال بعد ذلك شيخ الإسلام بعد ذلك (ويغلو فيها) - يعني في هذه الدرجة - (قومٌ من أهل الإثبات، حتّى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها)
هذه احتوت على جملتين:
الأولى (ويغلو فيها قومٌ من أهل الإثبات) يعني أن الذين أثبتوا هذه المرتبة، أثبتوا المشيئة النافذة وأثبتوا القدرة الشاملة - يعني على ما يشاء - أثبتوا أن الله هو الذي خلق فعل العبد، غلوا في ذلك حتى سلبوا العبد قدرته (واختياره) يعني إرادته وهم الجبرية، غلوا في إثبات القدر حتى قالوا إن العبد مسلوب القدرة والاختيار -ي عني مجبور - وهؤلاء الجبرية طائفتان مشهورتان:
- الأولى غلاة الجبرية وهم الذين يقولون إن العبد مجبور على كل شيء وهو بمنزلة المقصور المضطر إلى الفعل فهو كالريشة في مهب الهواء وكحركة القلم في يد الكاتب، العبد مجبور ليس له اختيار، مسلوب بتاتا وهو مجبور ولا بد أن يفعل، هؤلاء الغلاة، غلاة الجبرية ومنهم الجهمية والصوفية وطوائف.
- وهناك متوسطون في الجبر وهم الأشعرية والماتريدية.
وهؤلاء يقولون إن العبد مجبور باطنا لا ظاهرا.
مجبورٌ في الباطن لكن في الظاهر شكله شكل المختار.

تنظر إليه عنده قدرة وإرادة لكنه في الواقع في الباطن مجبور، وهذا معنى القدر عندهم أنه الجبر.
لكن هل هو مجبور ظاهرا؟
يقولون لا، مجبور باطنا.
إذا كان كذلك فما تقولون في فعل العبد؟ هل هو يفعل الفعل على ذلك عندكم حقيقة؟
قالوا لا، إذا كان مجبورا فمعناه أن الفعل ليس فعلا له حقيقة.
إذن فعل له على أي شيء؟
قالوا فعل له مجازي.
إذا كان كذلك فمن الذي فعل؟
قالوا الفاعل هو الله.
العبد ما مهمته؟
قالوا العبد محلٌ للفعل.
ما معنى محل الفعل؟
قالوا كما تكون السكين في يد القاطع يقطع بها الخبز.
فالسكين ظاهراً لمن رآها والخبز دون اليد المحركة، هي التي قطعت.
وفي الواقع هي محلٌ مجبورةٌ على أن تقطع.
فإذا قال كيف قطع الخبز؟
يقال بالسكين.
لكن في الواقع من الذي حرك السكين؟
تحتاج إلى محرك.
فلهذا قال شيخ الإسلام هنا (سلبوا العبد قدرته واختياره) فيكون جعلوا العبد بمنزلة الجمادات.
هنا الاجتماع هذا عندهم بين أنه يفعل الفعل مجاز كيف إذن تنسب له الأعمال؟
وكيف يحاسب على العمل إذا هو مجبورا عندهم، يعني عند الأشاعرة والماتريدية الجبرية المتوسطة؟
قالوا العبد يكسب فعله فللعبد كسبٌ وهو مجبور على هذا الكسب.
ما تعنون بالكسب؟
أنتم تقولون لا يفعل حقيقة وإنما هو بمنزلة السكين، كيف يكون له كسب إذا كان مجبورا؟
اعترف عقلاؤهم وحذاقهم أنه لا مناص من الإجابة عن هذا السؤال.
وهذا الذي أوقع الأشعري في أن يخرج الكسب، هذه اللفظة خرجت جوابا عن هذا الإشكال هذا الإيراد، وهذا الكسب ما تفسيره؟
الأشاعرة لهم في شروح عقائدهم اختلاف في تفسير الكسب إلى اثني عشر قولا ذكرت في شروح الجوهرة وغيرها.
إذا كان اختلفوا في تفسيره على اثني عشر قولا معناه أن الشيء غير معروف، والذي ابتدعه الأشعري، ولهذا قال القائل:
مما يقال ولا حقيقة تحته
معقولة تدنو لذي الأفهام

الكسب عن الأشعري والحال عنـ
ـد البهشمي وطفرة النظّام
فهناك ثلاثة أشياء اخترعها أصحابها لا وجود لها في الواقع إنما هي موجودة في أذهان أصحابها، شيء لا حقيقة له، لهذا قال:
مما يقال ولا حقيقة تحته
معقولة تدنو لذي الأفهام
الكسب عند الأشعري
هذا الكسب الذي قاله أن العبد يفعل مجازا هو مجبور في الباطن.
في الظاهر مختار مجبور في الباطن.
وينسب له العمل كسبا ويحاسب عليه كسبا وهو مجبور.
هذا شيء لا يفهم، ولهذا ما حقيقة هذا الكسب حتى يحاسب الله العبد عليه؟
اختلفوا فيه إلى اثني عشر قولا وكلها أقوال متضاربة، فمعنى ذلك أنهم اخترعوا شيئا وقعدوه وهم لم يفسروه بتفسير يتفقون هم عليه وهم أهل هذا القول وهذا من أدلة بطلان المسائل كما دلّنا ذلك على بطلان قول أبي هاشم في الحال والطفرة عند النّظّام.
إذن هذا خلاصة لمذهب الجبرية المتوسطة ولهذا يستعملون كثيرا لفظة الكسب (وهذا من كسبه) (والعبد يكسب الفعل) ويكثرون من هذه اللفظة لأجل هذه العقيدة عندهم.
وأهل السنة والجماعة يستعملون كثيرا بل يستعملون دائما لفظ (فعل العبد) (عمل العبد) (صلى العبد) ما يقولون (كسب العبد كذا).
ما ورد من لفظ الكسب في القرآن وفي السنة لا يعني به طبعا هذا المصطلح المحدث وإنما يعنى به العمل، {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} يعني لها ما عملت وعليها ما عملت من شر، لها ما كسبت من خير وعليها ما عملت من شر، فما ورد في القرآن أو في السنة من لفظ (كسب) فإنه يراد به العمل، أما (الكسب) الخاص، المصلح الخاص، فإنما حدث هذا بعد ثلاثة قرون وهذا شيء كما ذكرنا لا حقيقة له.
فإذن هؤلاء سلبوا العبد قدرته واختياره، قالوا لا يقدر وإنما الله الذي فعل، لا يريد هو وإنما الله الذي أراد.
المعصية من الذي فعلها؟
هل الله جل وعلا هو الذي فعل المعصية؟

قالوا لا، الذي فعلها العبد مجازا، أجبر عليها ففعل فصار محلا لهذا الشيء، بمنزلة الأشياء الجامدة.
وهذا لا شك فيه والعياذ بالله كما قال المعتزلة في ردهم على الأشاعرة فيه نسبة الظلم إلى الله جل وعلا، وهكذا كل جبري فإنه ينسب الظلم إلى الله جل وعلا.
إذن إذا كان على ما قالوا ما قولهم في الحكمة؟
هل الله جل وعلا أفعاله معللة؟
طبعا استحضروا هذا الشيء، هل في هذا إثبات الظلم؟
إذن هذا ليش حصل هذا الشيء؟
فاضطروا إلى أن ينفوا الحكمة فيقولون إن الله جل وعلا لا يوصف بالحكمة ولا يوصف بأن فعله موافق لحكمة أو فعله معلل.
وهذه هي آخر جملة ذكرها لك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها) إذا كان كذلك فهو لا شك نتيجة أنهم ينفون الحكم وينفون المصالح لأنهم لا يقولون بالاختيار ولا يقولون إن العبد يفعل وإذن يكون هناك أن الله فعل ولا حكمة له في ذلك حتى يتخلصوا من نسبة الله جل وعلا إلى الظلم.
وأصل الضلال في ذلك كما ذكرنا، أصل الضلال في باب القدر في جميع الفرق سواء فرقة الغلاة الإبليسية أو المشركين كل هؤلاء الأصل في ضلالهم هو الخوض في الأفعال.
وكل أحد على الفطرة - ما خاض في هذه المسائل - يحسّ من نفسه أنه مختار، يحسّ من نفسه أنه يفعل هذا أو هذا وهذا شيء فطري ضروري، كل واحد يحس أنه يختار هذا الفعل ويختار هذا الفعل فإما هذا وإما هذا.
فإن عامل الله جل وعلا العبد بعدله وخذله، عامله بالعدل وتركه ونفسه جعله يختار بدون إعانة.
يختار يعني ما بدا له اختاره وما لم يبد له تركه إلى آخره - والله أعطى العبد القدرة والاختيار.
وإذا أراد الله جل وعلا بالعبد خيرا أعانه.
أعانه على أن تكون إرادته في الخير وأعانه على تكون إرادته فيما يحب ويرضى.
وهذه الإعانة هي التي تسمى بالتوفيق.

فالتوفيق أمر زائد على الاختيار.
كل أحد يختار أعطاه الله جل وعلا الاختيار {وهديناه النّجدين} هو يريد ويحس ذلك فطرة، المطيع هل إذا أطاع وتعبد الله وأفلح وتابع وأخلص هل هذا الفعل إذا أحسّ هو بالإرادة يقنع نفسه بأنه هو الذي حصّل هذه الأشياء؟
لا، ولكن يعلم أنه أعين عليها، وهذا هو التوفيق.
فكل أحد من أهل الفطرة إذا فعل طاعة يعلم أنه هو الذي اختار وهو الذي فعل لكن لو شاء الله جل وعلا لصرفه عن ذلك بمعنى، ما معنى لو شاء الله لصرفه؟
بمعنى أن يكله إلى نفسه فلا يوفقه ولا يعينه فإذا ترك ونفسه فإنه يضل.
فإذن المؤمن يحسّ بتوفيق الله له، يحسّ بالإعانة يحسّ بأنه حبّب إليه الخير وكرّه له الشر، ومن عومل بعدل الله جل وعلا: هو أمامك اختر هذا الطريق أو هذا الطريق.
إذن في مذهب أهل السنة والجماعة فيه إثبات هذه المراتب وفيه إثبات أن أفعال الله معللة، أفعال الله الكونية وكذلك أحكام الله جل وعلا الشرعية.
ففعل الله في كونه معلّل.
يعني فعل الله جل وعلا لعلة، لحكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها، وقد ذكرت لكم أن الحكمة في صفات الله تفسر بأنها وضع الشيء في موضعه الموافق للغايات المحمودة منه.
وضع الشيء في موضعه هذا عدل، فإذا كان وضع الشيء في موضعه موافق لغاية محمودة منه صار حكمة.
الظلم وضع الشيء في غير موضعه مقابل للعدل.
فإذن الله جل وعلا تثبت له الحكمة والتعليل في أفعاله الكونية وفي أحكامه الشرعية، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، والنصوص في ذلك كثيرة بينة.
هذا نهاية مبحث القدر في كلام شيخ الإسلام، هذا المبحث طويل جدا لكن ذكرنا منه ما يتعلق بكلام شيخ الإسلام خاصة في مباحث الأفعال والأحكام إلى آخره.

ومما ينبغي لطالب العلم أن يستحضره دائما في هذا الباب ما ابتدأنا به الكلام وهو أن القدر سر الله جل وعلا، كما قال علي رضي الله عنه (القدر سر الله في تكشفه).
لا يستطيع أحد أن يكشفه، ولكن كيف يحاول ويروم ذلك؟
إذا خاض في الأفعال والتعليلات.
الله جل وعلا فعله معلل لكن لم يطلع العباد على علل ذلك جل وعلا وتبارك وتقدس ربنا، ولهذا قال شيخ الإسلام في التائية:
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة
هو الخوض في فعل الإله بعلة
فإنهم لم يفهموا حكمة له
فصاروا على نوع من الجاهلية
فإنك إذا لم تعلم علم الله فإنك لن تفهم الحكًم.
وتريد أن تفهم الحكًم والأسرار بعلمك القاصر، هذا مستحيل.
وقد تخاصم الملائكة في الملأ الأعلى كما قال جل وعلا: {ما كان لي من علمٍ بالملإٍ الأعلى إذ يختصمون} حديث اختصام الملأ الأعلى معروف، كذلك وقع بين موسى عليه السلام والخضر في السورة التي تكرر دائما في يوم الجمعة سورة الكهف، وقع بينه وبين الخضر تلك المساءلات وموسى مع أنه كليم الله لكنه لم يدرك العلل، ما عرف فاعترض وكان الصواب مع الخضر لأنه علّمّ من لدن الله جل وعلا علما.
فإذن أساس هذا الباب الإيمان والتسليم، العلم بأن علم الله جل وعلا لا يمكن للعباد أن يحيطوا بشيء منه إلا بما قدّر لهم، وأن الخوض في الأفعال والتعليلات: لم فعل؟ ولم حصل لي كذا؟ ولم أفقرت؟ ولم غنيت؟وليش كذا؟ هذا باب من أبواب الشيطان يدخلها على العبد، وقد ذكر هذه الخلاصة الأخيرة أحد العلماء في أبيات جميلة قال فيها:
تسل عن الوفاق فربنا قد
حكى بين الملائكة الخصاما
كذا الخضر المكرّم والوجيه الـ
ـمكلّم إذ ألمّ به لماما
تكدّر صفو جمعهمها مرارا
لماذا تكدر الصفو؟
بالأسئلة.
حرم موسى علما، ليش؟

لأنه سأل، وهكذا من خاض في القدر فإنه يحرم العلم ومن لم يسلم فيه يحرم العلم، قال:
كذا الخضر المكرّم والوجيه الـ
ـمكلّم إذ ألمّ به لماما
تكدّر صفو جمعهمها مرارا
فعجّل صاحب السرّ الصّراما
ففارقه الكليم كليم قلبٍ
وقد ثنّى على الخضر الملاما
وما سبب الخلاف سوى اختلاف ال
ـعلوم هناك بعضا أو تماما
فكان من اللوازم أن يكون الـ
إله مخالفا فيها الأناما
فلا تجهل لها قدرا
يعني هذه الحكمة البليغة وهذا البيان
فلا تجهل لها قدرا وخذها
شكورا للذي يحيي الأناما
فهذا باب هدى الله جل وعلا فيه أهل السنة كما هداهم في غيره ونحمد الله جل وعلا أن جعلنا منهم ونسأله لنا ولكم الثبات على القول الصالح والعمل الصالح وأن يميتنا ثابتين غير خزايا ولا مفتونين وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2, المشيئة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir