أبو عائشة بن الأجدع مسروق الهمداني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكرم المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين
نقرأ في سير علماءنا الأكارم القدوات لكل زمان ومكان ؛فتأكل قلوبنا الحسرة .ونتساءل لماذا لم نعرف عنهم ويعرف عنهم أبناءنا منذ نشوء أظفارنا وأظفارهم ليكونوا لنا القدوة الحق والمثل الصادق للحياة الايمانية التي تحقق لنا السعادة فلا تكون قلوبناوقلوبهم خاوية على عروشها -أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفَ الهَوى
فَصادَفَ قَلباً خالِياً فَتَمَكَّنا-
تتخطفها القدوات السيئة القبيحة التي تهدم القيم الايمانية وتؤدي للإنحطاط في الأهدافهم والطموحات.
ابن الأجدع ، الإمام ، القدوة ، العلم ، أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني من كبار التابعين الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الخطيب : يقال إنه سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقا . وأسلم أبوه الأجدع .
تربى في بيوت النبوة ،تبنته عائشة رضوان الله عليها فخلصت نفسه وزكت بهذه النشأة .
لقي عمر بن الخطاب وأبي بكر وروى عنهما ،قال الشعبي ، عن مسروق ، قال : لقيت عمر فقال : ما اسمك؟ فقلت : مسروق بن الأجدع . قال : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : الأجدع شيطان أنت مسروق بن عبد الرحمن . قال الشعبي : فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن .وقال ابن المديني : أنا ما أقدم على مسروق أحدا صلى خلف أبي بكر . أبوه الأجدع أفرس فرسان اليمن فكان على نهج أبيه في الشجاعة وزاد عليه شغفاً وحباً لطلب العلم ،عن الشعبي ، قال : ما علمت أن أحدا كان أطلب للعلم -في أفق من الآفاق- من مسروق . وقال: خرج مسروق إلى البصرة إلى رجل يسأله عن آية فلم يجد عنده فيها علمًا، فأخبر عن رجل من أهل الشام، فقدم علينا هاهنا ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها.فأصبح إمام عصره لا يقدم عليه أحداً كما قال ابن المديني: أنا ما أقدم على مسروق أحدًا. و قول مرة الهمداني وأبو السفر: ما ولدت همدانية مثل مسروق.
لم يثنيه إنشغاله لطلب العلم عن كونه عابداً يستميت في رضا ربه فقد كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه فتبكي امراءته شفقةً عليه ،صلاته خاشعة -ولا نزكي على الله أحداً-يتخفف من جميع أعباء الدنيا قبل لقاءه مع ملك الملوك .قال أبو الضحى: كان مسروق يقوم فيصلي كأنه راهب، وكان يقول لأهله: هاتوا كل حاجة لكم فاذكروها لي قبل أن أقوم إلى الصلاة.
قال إبراهيم بن المنتشر: كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله ويقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم.
يا الله ما أعظمها من صلاة !نسأل الله من فضله .
لم يتعلق قلبه بأي متاع دنيا زائل بل كان همه نعيم الآخرة وجنة وسعت السماوات والأرض ،وكان يقول:إني أحسن ما أكون ظنًا حين يقول لي الخادم: ليس في البيت قفيز ولا درهم. .
قال الشعبي: غشي على مسروق في يوم صائف وكانت عائشة قد تبنته فَسَمّى بنته عائشة، وكان لا يعصى ابنته شيئًا، قال: فنزلت إليه فقالت: يا أبتاه أفطر واشرب، قال: ما أردت بي يا بنية؟ قالت: الرفق، قال: يا بنية، إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة.
وفي مرةٍ أخذ بيد ابن أخ له فارتقى به على كناسة بالكوفة قال: ألا أريك الدنيا، هذه الدنيا أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأمضوها (أخلفوها وأبلوها) واستحلوا فيها محارم وقطعوا فيها أرحامهم.
قال - رحمه الله -: ما من شيء خير للمؤمن من لحد قد استراح من هموم الدنيا.
ومن مواقف زهده العملية العجيبة ما روي عنه على لسان إبراهيم بن المنتشر: أهدى خالد بن عبد الله بن أسيد عامل البصرة إلى عمي مسروق ثلاثين ألفًا وهو يومئذ محتاج فلم يقبلها.
وقول أبو إسحاق السبيعي: زوج مسروق بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف لنفسه يجعلها في المجاهدين والمساكين.
وقول أبو الضحى: غاب مسروق عاملاً على السلسلة سنتين ثم قدم فنظر أهله في خرجه فأصابوا فأسًا، فقالوا: غبت ثم جئتنا بفأس بلا عود، قال: إنا لله استعرناها نسينا نردها.
كان يتورع عن أخذ الأجر على القضاء ، متأولاً هذه الآية: \"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم\".كما قال إبراهيم بن المنتشر
لم يقحم نفسه في الفتن فبقي سليماً منها وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، شهد صفين ، فوعظ وخوف ولم يقاتل ،وقيل له: أبطأت عن عليٍّ, وعن مشاهده، قال: أرأيتم لو أنه حين صفّ بعضكم لبعض فنزل ملك فقال: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما أكان ذلك حاجزًا لكم؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم وإنها لمحكمة ما نسخها شيء.
ومن أقواله رحمه الله التي تكتب بماء الذهب :
-كفى بالمرء علما أن يخشى الله تعالى ، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله
-من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين ، وعلم الدنيا والآخرة ، فليقرأ سورة الواقعة .
-لا تنشر بزّك إلا عند من يبغيه، أي لا تنشر علمك إلا عند من ينتفع به.
-إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكر ذنونه ويستغفر منها.
-وقال:لأن أفتي يوما بعدل وحق ، أحب إلي من أن أغزو سنة .
توفي - رحمه الله - تعالى - سنة اثنتين وستين، وقيل ثلاث وستين.
فكما نرى أن حياته كلها بما فيها من مواقف وأقوال موافقة لما جاء به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابته الكرام رضوان الله عليهم .يحق لنا أن نتخذه أسوة حسنة وننتفع بهذا الكنز العظيم .
اللهم علمنا ما ينفعنا ونفعنا بما علمتنا وزدنا علماً .
مما استفدته من سيرة هذا العالم الفقيه الجليل حب الآخرة وطلب العلم وأنه هو الغنى الحقيقي للإنسان وأن يكون هم الإنسان رضى ربه وأن يترك الدنيا لأصحابها ولا ينافسهم عليها .وأن يجمع طاقته في صلاته ولا يشتتها بأمور دنيوية . وعدم اتخاذ منصبه ذريعة للانتفاع في الدنيا .والتمسك بالحق مهما كانت الفتن من حولنا .