دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > القراءة المنظمة في التفسير وعلوم القرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:27 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

سورة الرحمن
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة الرحمن:
أقول: لما قال سبحانه وتعالى في آخر القمر: {بل السّاعة موعدهم والسّاعة أدهى وأمرّ} "القمر: 46"، ثم وصف حال المجرمين في سقر، وحال المتقين في جنات ونهر، فصّل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل، على الترتيب الوارد في الإجمال.
فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة إلى إذهابها، ثم وصف النار وأهلها، والجنة وأهلها؛ ولذا قال [ {يعرف المجرمون بسيماهم} 41، فلم يقل: "الكافرون" أو نحوه؛ لاتصاله بقوله هناك: {إنّ المجرمين} "القمر: 47"، ثم وصف الجنة وأهلها، وكذا قال] فيهم: {ولمن خاف مقام ربّه جنّتان} "46"، وذلك هو عين التقوى، ولم يقل: [و] لمن آمن وأطاع، أو نحوه؛ لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصل.
وعرف بذلك أن هذه السورة بأسرها شرح لآخر السورة التي قبلها، فلله الحمد على ما ألهم وفهّم). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #52  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:27 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

سورة الواقعة
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة الواقعة:
أقول: هذه السورة متآخية مع سورة الرحمن في أن كلًّا منهما في وصف القيامة، والجنة والنار، وانظر إلى اتصال قوله هنا: {إذا وقعت الواقعة} بقوله هناك: {فإذا انشقّت السّماء} "الرحمن: 37"؛ ولهذا اقتصر في الرحمن على ذكر انشقاق السماء، وفي الواقعة على ذكر رجّ الأرض، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما سورة واحدة.
ولهذا عكس في الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، كما أشرت إليه في سورة آل عمران مع سورة البقرة.
فافتتح [في سورة] الرحمن بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ثم ذكر النبات، ثم خلق الإنسان، والجان من مارج من نار، ثم صفة [يوم] القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة.
وابتدأ هذه بذكر القيامة ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم [ذكر] النجوم، ولم يذكرها في الرحمن، كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر القرآن.
فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك، وكردّ العجز على الصّدر). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #53  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:28 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

سورة الحديد
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة الحديد:
قال بعضهم: وجه اتصالها بالواقعة: أنها بدأت بذكر التسبيح، وتلك ختمت بالأمر به.
قلت: وتمامه: أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به، وكأنه قيل: {فسبّح باسم ربّك العظيم} "الواقعة: 96"؛ لأنه {سبّح للّه ما في السّماوات والأرض} "1" ). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:29 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

جزء قد سمع
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة المجادلة:
أقول: لما كان في مطلع الحديد ذكر صفاته الجليلة؛ ومنها: الظاهر والباطن، وقال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السّماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} "الحديد: "4" افتتح هذه بذكر أنه سمع قول المجادلة التي شكت إليه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالت عائشة -رضي الله عنها- حين نزلت: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت لا أعرف ما تقول".
وذكر بعد ذلك قوله: {ألم تر أنّ اللّه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلّا هو رابعهم} "7"، وهو تفصيل لإجمال قوله: {وهو معكم أين ما كنتم [واللّه بما تعملون بصيرٌ] 3} "الحديد: 4".
وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر، مع تآخيهما في الافتتاح بـ {سبّح}.
سورة الحشر:
[أقول:] آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر، وأول الحشر نازل في غزوة بني النضير، وهي عقبها، وذلك نوع من المناسبة والربط.
وفي آخر تلك: {كتب اللّه لأغلبنّ أنا ورسلي} "المجادلة: 21"، وفي أول هذه: {فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرّعب} "2".
وفي آخر تلك ذكر من حاد الله ورسوله، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ورسوله.
سورة الممتحنة
أقول: لما كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب عقبت بهذه؛ لاشتمالها على ذكر المعاهدين من المشركين؛ لأنها نزلت في صلح الحديبية.
ولما ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضًا ثم موالاة الذين [نافقوا الكفار] من أهل الكتاب، افتتح هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء؛ لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر ذلك وبسطه إلى أن ختم به، فكانت في غاية الاتصال؛ ولذلك فصل بها بين الحشر والصف، مع تآخيهما في الافتتاح بـ {سبّح}.
سورة الصف:
أقول: في سورة الممتحنة ذكر الجهاد في سبيل الله، وبسطه في هذه السورة أبلغ بسط.
سورة الجمعة:
أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في سورة الصف حال موسى مع قومه، وأذاهم له، ناعيًا عليهم ذلك، وذكر في هذه السورة حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفضل أمته؛ تشريفًا لهم؛ ليظهر فضل ما بين الأمتين؛ ولذا لم يعرض فيها لذكر اليهود.
وأيضًا لما ذكر هناك قول عيسى: {ومبشّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد} "الصف: 6"، قال هنا: {هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولًا منهم} "2" إشارة إلى أنه الذي بشر به عيسى، وهذا وجه حسن في الربط.
وأيضًا: لما ختم تلك السورة بالأمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه بالأمر بالجمعة، وأخبر أنها خير من التجارة الدنيوية.
وأيضًا فتلك سورة الصف، والصفوف تشرع في موضعين: القتال، والصلاة، فناسب تعقيب سورة صف القتال بسورة صلاة تستلزم الصف ضرورة، وهي الجمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات.
فهذه وجوه أربعة فتح الله بها.
سورة المنافقون:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون؛ ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة يحرض بها المؤمنين، وبسورة المنافقين يفزع بها المنافقين.
وتمام المناسبة: أن السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين، والسورة التي قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والتي قبلها وهي الممتحنة فيها ذكر المعاهدين من المشركين، والتي قبلها وهي الحشر فيها المعاهدين من أهل الكتاب؛ فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا.
وبذلك اتضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الست هكذا؛ لاشتمالها على أصناف الأمم، وفي الفصل بين المسبحات بغيرها؛ لأن إيلاء سورة المعاهدين من أهل الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من ترك ذلك، وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره.
فظهر بذلك أن الفصل بين المسبحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم خبير، فلله الحمد على ما فهم وألهم.
هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أن سورة التغابن نزلت عقب الجمعة، وتقدم نزول سورة "المنافقون" فما فصل بينهما إلا لحكمة، والله أعلم.
سورة التغابن:
أقول: لما وقع في آخر سورة المنافقون: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} "المنافقون: 10" الآية، عقب بسورة التغابن؛ لأنه قيل في معناه: إن الإنسان يأتي يوم القيامة، وقد جمع مالًا، ولم يعمل فيه خيرًا، فأخذه وارثه بسهولة، من غير مشقة في جمعه، فأنفقه في وجوه الخير، فالجامع محاسب معذّب مع تعبه في جمعه، والوارث منعّم مثاب، مع سهولة وصوله إليه، وذلك هو التغابن.
فارتباطه بآخر السورة المذكورة في غاية الوضوح؛ ولهذا قال هنا: {وأنفقوا خيرًا لأنفسكم ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} "16".
وأيضًا ففي آخر تلك: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه} "المنافقون: 9"، وفي هذه: {إنّما أموالكم وأولادكم فتنةٌ} "15"، وهذه الجملة كالتعليل لتلك الجملة؛ ولذا ذكرت على ترتيبها.
وقال بعضهم: لما كانت سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {ولن يؤخّر اللّه نفسًا إذا جاء أجلها} "المنافقون: 11"، وأنه مات على رأس ثلاث وستين سنة، وعقبها بالتغابن؛ ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم.
سورة الطلاق
أقول: لما وقع في [آخر] سورة التغابن: {إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم} "التغابن: 14"، وكانت عداوة الأزواج تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تفضي إلى القسوة، وترك الإنفاق عليهم، فعقبت ذلك بسورة فيها ذكر أحكام الطلاق، والإنفاق على الأولاد والمطلقات بسببهم.
سورة التحريم:
أقول: هذه السورة متآخية مع التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتلك مشتملة على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإيلاء، وبينهما من المناسبة ما لا يخفى.
ولما كانت تلك في خصام نساء الأمة، ذكر في هذه خصومة نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- إعظامًا لمنصبهن أن يذكرن مع سائر النسوة، فأفردن بسورة خاصة؛ ولهذا ختمت بذكر امرأتين في الجنة: آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

جزء تبارك
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة تبارك:
أقول: ظهر لي بعد الجهد: أنه لما ذكر آخر التحريم امرأتي نوح ولوط الكافرتين، وامرأة فرعون المؤمنة، افتتحت هذه السورة بقوله: {الّذي خلق الموت والحياة} "2" مرادًا بهما الكفر والإيمان في أحد الأقوال؛ للإشارة إلى أن الجميع بخلقه وقدرته؛ ولهذا كفرت امرأتا نوح ولوط، ولم ينفعهما اتصالهما بهذين النبيين الكريمين، وآمنت امرأة فرعون، ولم يضرها اتصالها بهذا الجبار العنيد، لما سبق في كل من القضاء والقدر.
[ثم ظهر لي] وجه آخر: وهو أن [أول] "تبارك" متصل بقوله في آخر الطلاق: {اللّه الّذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنّ} "الطلاق: 12"، فزاد ذلك بسطًا في هذه الآية: {الّذي خلق سبع سماواتٍ طباقًا ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوتٍ فارجع البصر هل ترى من فطورٍ} إلى قوله: {ولقد زيّنّا السّماء الدّنيا بمصابيح} "3-5"، وإنما فصلت بسورة التحريم؛ لأنها كالتتمة لسورة الطلاق.
سورة ن:
أقول: لما ذكر سبحانه في آخر [سورة] تبارك التهديد بتغوير الماء، استظهر عليه في هذه السورة بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليه وهم نائمون، فأصبحوا لم يجدوا له أثرًا، حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق، وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة، فالماء الذي هو لطيف رقيق أقرب إلى الإذهاب؛ ولهذا قال: {وهم نائمون، فأصبحت كالصّريم} "19، 20"، وقال هناك: {إن أصبح ماؤكم غورًا} "الملك: 30" إشارة إلى أنه يسري عليه في ليلة كما أسري على الثمرة في ليلة.
سورة الحاقة:
أقول: لما وقع في "ن" ذكر يوم القيامة مجملًا في قوله: {يوم يكشف عن ساقٍ} "القلم: 42" الآية، شرح ذلك في هذه السورة نبأ هذا اليوم، وشأنه العظيم.
سورة سأل:
أقول: هذه السورة كالتتمة لسورة الحاقة في بقية وصف يوم القيامة والنار.
و [قد] قال ابن عباس: إنها نزلت عقب سورة الحاقة، وذلك أيضًا من وجوه المناسبة في الوضع.
سورة نوح:
أقول: أكثر ما ظهر [لي] في وجه اتصالها بما قبلها بعد طول الفكر: أنه سبحانه لما قال في "سأل": {إنّا لقادرون، على أن نبدّل خيرًا منهم} "المعارج: 40، 41" عقبه بقصة قوم نوح، المشتملة على إغراقهم عن آخرهم؛ بحيث لم يبق منهم ديار وبدل خيرًا منهم [فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى، كما وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة "ن" موقع الاستدلال والاستظهار] لما ختم به تبارك.
هذا مع تآخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرين.
سورة الجن:
أقول: قد فكرت مدة في وجه اتصالها بما قبلها، فلم يظهر لي سوى أنه [سبحانه] قال في سورة نوح: {استغفروا ربّكم إنّه كان غفّارًا، يرسل السّماء عليكم مدرارًا} "نوح: 10، 11"، وقال في هذه السورة [لكفار مكة]: {وألّو استقاموا على الطّريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا} "16"، وهذا وجه بيّن في الارتباط.
سورة المزمل:
أقول: لا يخفى وجه اتصال أولها: {قم اللّيل} "2" بقوله في آخر تلك: {وأنّه لمّا قام عبد اللّه يدعوه} "الجن: 19"، وبقوله: {وأنّ المساجد للّه} "الجن: 18".
سورة المدثر:
أقول: هده متآخية مع السورة التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وصدر كليهما نازل في قصة واحدة.
وقد ذكر عن ابن عباس في ترتيب نزول السور: أن المدثر نزلت عقب المزمل [كذا] أخرجه ابن الضريس، وأخرجه غيره عن جابر بن زيد.
سورة القيامة:
أقول: لما قال سبحانه في آخر المدثر: {كلّا بل لا يخافون الآخرة} "المدثر: 53" بعد ذكر الجنة والنار، وكان عدم خوفهم إياها لإنكارهم البعث، ذكر في هذه السورة الدليل على البعث [من أوجه]، ووصف يوم القيامة، وأهواله، وأحواله، ثم ذكر من قبل ذلك [من خروج الروح من البدن ثم ما قبل ذلك] من مبدأ الخلق، فذكرت الأحوال [الثلاثة] في هذه السورة على عكس ما هي في الواقع.
سورة الإنسان:
أقول: وجه اتصالها بسورة القيامة في غاية الوضوح؛ فإنه تعالى ذكر في آخر تلك مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة، مفتتحًا بخلق آدم أبي البشر.
ولما ذكر هناك خلقه [من نطفة] منهما، قال هنا: {فجعل منه الزّوجين الذّكر والأنثى} "القيامة: 39"، ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا: {فجعلناه سميعًا بصيرًا} "2"، فعلق به غير ما علق بالأول، ثم رتب عليه هداية السبيل، وتقسيمه إلى شاكر وكفور، ثم أخذ في جزاء كل.
ووجه آخر هو: أنه لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها حال النار والجنة؛ بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصلهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنة، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك: {وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ} "القيامة: 22"، وقوله هنا: {إنّا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالًا وسعيرًا} "14"، شرح لقوله هناك: {تظنّ أن يفعل بها فاقرةٌ} "القيامة: 25".
وقد ذكر هناك: {كلّا بل تحبّون العاجلة، وتذرون الآخرة} "القيامة: 20، 21"، وذكر هنا في هذه السورة: {إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا} "27"، وهذا من وجوه المناسبة.
سورة المرسلات:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في خاتمتها أنه {يدخل من يشاء في رحمته والظّالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا} "الإنسان: 31"، افتتح هذه بالقسم على أن ما يوعدون واقع، فكان ذلك تحقيقًا لما وعد به هناك المؤمنين، وأوعد الظالمين.
ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: {فإذا النّجوم طمست} "8" إلى آخره.
ويحتمل أن تكون الإشارة بما توعدون إلى جميع ما تضمنته السورة من وعيد للكافرين، ووعد للأبرار). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #56  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:32 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

جزء عم
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (سورة عم:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تناسبها معها في الجمل؛ ففي المرسلات: {ألم نهلك الأوّلين، ثمّ نتبعهم الآخرين} "المرسلات: 16، 17"، {ألم نخلقكم من ماءٍ مهينٍ} "المرسلات: 20"، {ألم نجعل الأرض كفاتًا} "المرسلات: 25" إلى آخره، وفي عم: {ألم نجعل الأرض مهادًا} "6" إلى آخره، فذلك نظير تناسب جمل: ألم نشرح، والضحى، بقوله في الضحى: {ألم يجدك يتيمًا فآوى} "الضحى: 6" إلى آخره، وقوله: {ألم نشرح لك صدرك} "الشرح: 1" مع اشتراك هده السورة والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار، ما عدا المدثر في الاشتمال على وصف يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق، وإقامة الدليل على البعث.
وأيضًا في سورة المرسلات: {لأيّ يومٍ أجّلت، ليوم الفصل، وما أدراك ما يوم الفصل} "المرسلات: 12-14"، وفي هذه السورة: {إنّ يوم الفصل كان ميقاتًا، يوم ينفخ في الصّور فتأتون أفواجًا} "17، 18" إلى آخره، فكأن هذه السورة شرح يوم الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها.
[سورة النازعات:
ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها عقب سورة عم، وأولها يشبه أن يكون قسمًا لتحقيق ما في آخر عم، أو ما تضمنته كلها على حد ما تقدم في {والمرسلات} مع {هل أتى}، {والذّاريات} مع {ق} ].
سورة عبس:
أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع؛ لقوله هناك: {فإذا جاءت الطّامّة} "النازعات: 34"، وقوله هنا: {فإذا جاءت الصّاخّة} "33"، وهما من أسماء يوم القيامة.
سورة التكوير:
أقول: لما ذكر في [آخر] عبس: {فإذا جاءت الصّاخّة، يوم يفرّ المرء من أخيه} "عبس: 33، 34" الآيات، ذكر يوم القيامة كأنه رأي عين [شرح حاله في هذه السورة والتي بعدها؛ ولهذا ورد] في لحديث: "من سره أن ينظر يوم القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ: {إذا الشّمس كوّرت} "1" و {إذا السّماء انفطرت} "الانفطار: 1" و {إذا السّماء انشقّت} "الانشقاق: 5 ".
سورة الانفطار:
أقول: قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا، مع زيادة تآخيهما في المقطع.
سورة المطففين:
أقول: الفصل بهذه السورة بين الانفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من خمسة أوجه: الافتتاح بـ {إذا السّماء} "الانفطار، الانشقاق"، والتخلص بـ {يا أيّها الإنسان} "الانفطار، الانشقاق: 6"، وشرح حال يوم القيامة؛ ولهذا ضمت بالحديث السابق، والتناسب في المقدار، وكونها مكية.
وهذه السورة مدنية [وأطول منهما]، ومفتتحها ومخلصها غير ما لهما لنكتة [لطيفة] ألهمنيها الله، وذلك أن السور الأربع لما كانت في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه.
فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، يقع في صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة العرق والأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله: {يوم يقوم النّاس لربّ العالمين} "6"؛ ولهذا ورد في الحديث: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه".
ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الكتب، فأخذٌ باليمين، وأخذٌ بالشمال، وأخذ من وراء الظهر، ثم بعد ذلك يقع الحساب.
هكذا وردت بهذا الترتيب الأحاديث، فناسب تأخير سورة الانشقاق التي فيها إتيان الكتب والحساب، عن السورة التي قبلها، والتي فيها ذكر الموقف عن التي فيها مبادئ يوم القيامة.
ووجه آخر وهو: أنه جل جلاله لما قال في الانفطار: {وإنّ عليكم لحافظين، كرامًا كاتبين} "الانفطار: 10، 11"، وذلك في الدنيا، ذكر في هذه السورة حال ما يكتبه الحافظان، وهو: كتاب مرقوم جعل في عليين، أو في سجين، وذلك أيضًا في الدنيا؛ لكنه عقّب بالكتابة، إما في يومه، أو بعد الموت في البرزخ كما في الآثار، فهذه حالة ثانية للكتاب ذكرت في السورة الثانية.
وله حالة ثالثة متأخرة عنها؛ وهي أخذ صاحبه باليمين أو غيرها، وذلك يوم القيامة، فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك، عن السورة التي فيها الحالة الثانية، وهي الانشقاق، فلله الحمد على ما منّ بالفهم لأسرار كتابه.
ثم رأيت الإمام فخر الدين قال في سورة المطففين أيضًا: اتصال أولها بآخر ما قبلها ظاهر؛ لأنه تعالى بيّن هناك أن يوم القيامة من صفته [أنه] {لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئًا والأمر يومئذٍ للّه} "الانفطار: 19" وذلك يقتضي تهديدًا عظيمًا للعصاة؛ فلهذا أتبعه بقوله: {ويلٌ للمطفّفين} "11" الآيات.
سورة الانشقاق:
قد استوفى الكلام فيها في سورة المطففين.
سورة البروج والطارق:
أقول: هما متآخيتان فقرنتا، وقدمت الأولى لطولها، وذكرا بعد الانشقاق للمؤاخاة في الافتتاح بذكر السماء؛ ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مرادًا بها السور الأربع، كما قيل: المسبحات.
سورة الأعلى:
أقول: في سورة الطارق ذكر خلق [النبات] والإنسان في قوله: {والأرض ذات الصّدع} "الطارق: 12"، [وقوله: {فلينظر الأنسان ممّ خلق} إلى {إنّه على رجعه لقادرٌ} "الطارق: 5-8"، وذكره في هذه السورة في قوله: {خلق فسوّى} "2"، وقوله في النبات: {والّذي أخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى} "4، 5"، وقصة النبات في هذه السورة أبسط، كما أن قصة الإنسان هناك أبسط، نعم، ما في هذه السورة أعم من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات.
سورة الغاشية:
أقول: لما أشار سبحانه في سورة الأعلى بقوله: {سيذّكّر من يخشى، ويتجنّبها الأشقى، الّذي يصلى النّار الكبرى} إلى قوله: {والآخرة خيرٌ وأبقى} "الأعلى: 10-17" إلى المؤمن والكافر، والنار والجنة إجمالًا، فصل ذلك في هذه السورة، فبسط صفة النار والجنة مستندة إلى أهل كل منهما، على نمط ما هنالك؛ ولذا قال [هنا] : {عاملةٌ ناصبةٌ} "3" في مقابل: {الأشقى} "الأعلى: 11" [هناك]، وقال [هنا] : {تصلى نارًا حامية} "4" إلى {لا يسمن ولا يغني من جوع} "7" في مقابلة {يصلى النّار الكبرى} "الأعلى: 12" [هناك]، ولما قال [هناك] في الآخرة: {خيرٌ وأبقى} "الأعلى: 17" بسط [هنا] صفة أكثر من صفة النار؛ تحقيقًا لمعنى الخيرية.
سورة الفجر:
أقول: لم يظهر لي في وجه ارتباطها سوى أن أولها كالإقسام على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، من قوله جل جلاله: {إنّ إلينا إيابهم، ثمّ إنّ علينا حسابهم} "الغاشية: 25، 26"، وعلى ما تضمنه من الوعد والوعيد، كما أن أول الذاريات قسم على تحقيق ما في "ق"، وأول المرسلات قسم على تحقيق ما في [ {هل أتى} وأول {والنّازعات} قسم على تحقيق ما في] "عم".
هذا مع أن جملة: {ألم تر كيف فعل ربّك} "6" هنا، مشابهة لجملة {أفلا ينظرون} "الغاشية: 17" هناك.
سورة البلد:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذم فيها من أحب المال، وأكل التراث، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال، من فك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة.
سورة الشمس والليل والضحى:
أقول: هذه الثلاثة حسنة التناسق جدًّا؛ لما في مطالعها من المناسبة؛ لما بين الشمس والليل والضحى من الملابسة، ومنها سورة الفجر؛ لكن فصلت بسورة البلد لنكتة أهم، كما فصل بين الانفطار والانشقاق، وبين المسبحات؛ لأن مراعاة التناسب بالأسماء والفواتح وترتيب النزول، إنما يكون حيث لا يعارضها ما هو أقوى وآكد في المناسبة.
ثم إن سورة الشمس ظاهرة الاتصال بسورة البلد، فإنه سبحانه لما ختمها بذكر أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، أراد الفريقين في سورة الشمس على سبيل الفذلكة، فقوله: [في الشمس] {قد أفلح من زكّاها} "9" هم أصحاب الميمنة في سورة البلد، وقوله: {وقد خاب من دسّاها} "10" [في الشمس]، هم أصحاب المشأمة في سورة البلد، فكانت هذه السورة فذلكة تفصيل تلك السورة؛ ولهذا قال الإمام: المقصود من هذه السورة: الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي.
ونزيد في سورة الليل: أنها تفصيل إجمال سورة الشمس، فقوله: {فأمّا من أعطى واتّقى} "الليل: 5" وما بعدها، تفصيل {قد أفلح من زكّاها} "الشمس: 9"، وقوله: {وأمّا من بخل واستغنى} "الليل: 8" الآيات، تفصيل قوله: {وقد خاب من دسّاها} "الشمس: 10".
ونزيد في سورة الضحى: أنها متصلة بسورة الليل من وجهين، فإن فيها: {وإن لنا للآخرة والأولى} "الليل: 13"، وفي الضحى: {وللآخرة خيرٌ لك من الأولى} "4"، وفي الليل: {ولسوف يرضى} "الليل: 21"، وفي الضحى: {ولسوف يعطيك ربّك فترضى} "5".
ولما كانت سورة الضحى نازلة في شأنه -صلى الله عليه وسلم- افتتحت بالضحى، الذي هو نور، ولما كانت سورة الليل [نازلة في بخيل في قصة طويلة، افتتحت بالليل الذي هو ظلمة.
قال الإمام: سورة الليل] سورة أبي بكر، يعني: ما عدا قصة البخيل، وكانت سورة الضحى سورة محمد، عقب بها، ولم يجعل بينهما واسطة ليعلم ألا واسطة بين محمد وأبي بكر.
سورة {ألم نشرح} :
أقول: هي شديدة الاتصال بسورة الضحى؛ لتناسبهما في الجمل؛ ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما. قال الإمام: والذي دعاهم إلى ذلك هو: أن قوله: {ألم نشرح} كالعطف على {ألم يجدك يتيمًا فآوى} "الضحى: 6" [في الضحى].
قلت: وفي حديث الإسراء أن الله تعالى قال: "يا محمد، ألم أجدك يتيمًا فأويت، وضالًّا فهديت، وعائلًا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت" الحديث، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي هذا أوفى دليل على اتصال السورتين معنى.
سورة التين:
أقول: لما تقدم في سورة الشمس: {ونفسٍ وما سوّاها} "الشمس: 7" فصل في هذه السورة بقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ، ثمّ رددناه أسفل سافلين} "4، 5" إلى آخره.
وأخرت هذه السورة لتقدم ما هو أنسب بالتقديم من السور الثلاث واتصالها بسورة البلد لقوله: {وهذا البلد الأمين} "3"، وأخرت لتقدم ما هو أولى بالمناسبة مع سورة الفجر.
لطيفة:
نقل الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري في "لطائف المنن" عن الشيخ أبي العباس المرسي قال: قرأت مرة: {والتّين والزّيتون} إلى أن انتهيت إلى قوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ، ثمّ رددناه أسفل سافلين} "4، 5" ففكرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أن معناها: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحًا وعقلًا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسًا وهوًى.
قلت: فظهر من هذه المناسبة وضعها بعد {ألم نشرح}، فإن تلك أخبر فيها عن شرح صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك يستدعي كمال عقله وروحه، فكلاهما في القلب الذي محله الصدر، وعن تبرئته من الوزر الذي ينشأ عن النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع الذكر؛ حيث نزه مقامه عن كل وصم.
فلما كانت هذه السورة في هذا العلم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة مشتملة على بقية الأناسي، وذكر ما خامرهم من متابعة النفس والهوى.
سورة العلق:
أقول: لما تقدم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم، بيّن هنا أنه تعالى: {خلق الإنسان من علقٍ} "2" وذلك ظاهر الاتصال، فالأول بيان العلة الصورية، وهذا بيان العلة المادية.
سورة القدر:
قال الخطابي: لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على القرآن، ووضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في قوله: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} "1" الإشارة إلى قوله: {اقرأ} "العلق: 1".
قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا بديع جدًّا.
سورة لم يكن:
أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها؛ كأنه لما قال سبحانه: {إنّا أنزلناه} "القدر: 1" قيل: لم أنزل؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة، وذلك هو المنزّل.
وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نسخ رسمه وهو: "إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديًا لابتغى إليه الثاني، ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها؛ حيث ذكر هناك إنزال القرآن، وهنا إنزال المال، وتكون السورتان تعليلًا لما تضمنته سورة اقرأ؛ لأن [في] أولها ذكر العلم، وفي أثنائها ذكر المال، فكأنه قيل: إنا لم ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر؛ بل ليستعان به على تقوانا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
سورة الزلزلة:
أقول: لما ذكر في آخر "لم يكن" أن جزاء الكافرين جهنم، وجزاء المؤمنين جنات، فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقيل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} "1" أي: [حين] تكون زلزلة الأرض، إلى آخره.
هكذا ظهر لي، ثم لما راجعت تفسير الإمام الرازي، ورأيته ذكر نحوه فحمدت الله كثيرًا، وعبارته: ذكروا في مناسبة هذه السورة لما قبلها وجوهًا؛ منها: أنه تعالى لما قال: {جزاؤهم عند ربّهم جنّات عدنٍ} "البينة: 8"، فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك يا رب؟ فقال: {إذا زلزلت الأرض} "1".
ومنها: أنه لما ذكر فيها وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين، أراد أن يزيد في وعيد الكافرين فقال: {إذا زلزلت الأرض} ونظيره: {يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ} ثم ذكر ما للطائفتين فقال: {يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ فأمّا الّذين اسودّت وجوههم} إلى آخره، ثم جمع بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرة من الخير والشر. انتهى.
سورة العاديات:
أقول: لا يخفى ما بين قوله في الزلزلة: {وأخرجت الأرض أثقالها} "الزلزلة: 2"، وقوله في هذه السورة: {إذا بعثر ما في القبور} "9" من المناسبة والعلاقة.
سورة القارعة:
قال الإمام: لما ختم الله سبحانه السورة السابقة بقوله: {إنّ ربّهم بهم يومئذٍ لخبيرٌ} "11" فكأنه قيل: وما ذاك؟ فقال: هي القارعة، قال: وتقديره: ستأتيك القارعة على ما أخبرت عنه في قولي: {إذا بعثر ما في القبور} "9".
سورة التكاثر:
أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لخاتمة ما قبلها؛ كأنه لما قال هناك: {فأمّه هاويةٌ} "القارعة: 9" قيل: لم ذلك؟ فقال: لأنكم {ألهاكم التّكاثر} "1" فاشتغلتم بدنياكم [عن دينكم]، وملأتم موازينكم بالحطام، فخفت موازينكم بالآثام؛ ولهذا عقّبها بسورة والعصر، المشتملة على أن الإنسان في خسر، بيان لخسارة تجارة الدنيا، وربح تجارة الآخرة؛ ولهذا عقّبها بسورة الهمزة، المتوعّد فيها من {جمع مالًا وعدّده، يحسب أنّ ماله أخلده} "الهمزة: 2، 3"، فانظر إلى تلاحم هذه السور الأربع، وحسن اتساقها.
سورة الفيل:
[أقول:] ظهر لي في وجه اتصالها بعد الفكرة: أنه تعالى لما ذكر حال الهمزة اللمزة، الذي جمع مالًا وعدّده، وتعزز بماله وتقوّى، عقّب ذلك بذكر قصة أصحاب الفيل، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وعتوًّا، وقد جعل كيدهم في تضليل، وأهلكهم بأصغر الطير وأضعفه، وجعلهم كعصف مأكول، ولم يغن عنهم مالهم ولا عددهم ولا شوكتهم ولا فيلهم شيئًا.
فمن كان قصارى تعززه وتقويه بالمال، وهمز الناس بلسانه، أقرب إلى الهلاك، وأدنى إلى الذلة والمهانة.
سورة قريش:
هي شديدة الاتصال بما قبلها؛ لتعلق الجار والمجرور في أولها بالفعل في آخر تلك؛ ولهذا كانتا في مصحف أبي سورة واحدة.
سورة الماعون:
أقول: لما ذكر [الله] تعالى في سورة قريش: {الّذي أطعمهم من جوعٍ} "قريش: 4"، ذكر هنا ذم من لم يحض على طعام المسكين.
ولما قال هناك: {فليعبدوا ربّ هذا البيت} "قريش: 3" ذكر هنا من سها عن صلاته.
سورة الكوثر:
قال الإمام فخر الدين: هي كالمقابلة للتي قبلها؛ لأن السابقة وصف الله سبحانه فيها المنافقين بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، وذكر في هذه السورة في مقابلة البخل: {إنّا أعطيناك الكوثر} "1" أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة {فصلّ} "2" أي: دم عليها، وفي مقابلة الرياء: {لربّك} "2" أي: لرضاه، لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون: {وانحر} "2" وأراد به: التصدق بلحوم الأضاحي، قال: فاعتبر هذه المناسبة العجيبة.
سورة الكافرون:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما قال: {فصلّ لربّك} "الكوثر: 2" أمره أن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون، وبالغ في ذلك فكرر، وانفصل منهم على أن لهم دينهم وله دينه.
سورة النصر:
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه [لما] قال في آخر ما قبلها: {ولي دين} "الكافرون: 6" فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلم من شوائب الكدر والمخالفين، فعقّب ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإن الناس حين دخلوا في دين الله أفواجًا، فقد تم الأمر وذهب الكفر، وخلص دين الإسلام ممن كان يناوئه؛ ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدمة بمجاهدة جميع الكفار، بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر والفتح، وتكثير الأتباع.
قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما أعطاه [الله] الكوثر؛ وهو: الخير الكثير، ناسب تحميله مشقاته وتكاليفه، فعقّبها بمجاهدة الكفار، والتبري منهم، فلما امتثل ذلك أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجًا إلى دينه، وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال.
توقع زوالًا إذا قيل تم
سورة تبت:
قال الإمام: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} "الكافرون: 6"، فكأنه قيل: إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح، فقال: وما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: {تبّت يدا أبي لهبٍ} "1" الآيات.
وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر معللًا بقوله: {ولي دين}، ويكون الوعيد راجعًا إلى قوله: {لكم دينكم} على حد قوله: {يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ فأمّا الّذين اسودّت وجوههم} "آل عمران: 106".
قال: فتأمل في هذه المجانسة الحافلة بين هذه السور، مع أن سورة النصر من أواخر ما نزل بالمدينة، والكافرون وتبت من أوائل ما نزل بمكة؛ ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله، وبأمره.
قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} "الكافرون: 6" كأنه قيل: يا إلهي، ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، فقيل: وما ثواب العاصي؟ قال: الخسارة في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلت عليه سورة تبت.
سورة الإخلاص:
قال بعضهم: وضعت هاهنا للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة تبت.
وأقول: ظهر لي هنا غير الوزان في اللفظ: أن هذه السورة متصلة بـ {قل يا أيّها الكافرون} في المعنى؛ ولهذا قيل: من أسمائها أيضًا الإخلاص، وقد قالوا: إنها اشتملت على التوحيد، وهذه أيضًا مشتملة عليه؛ ولهذا قرن بينهما في القراءة في الفجر، والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصبح المسافر، ومغرب ليلة الجمعة.
وذلك أنه لما نفى عبادة ما يعبدون، صرح هنا بلازم ذلك، وهو أن معبوده أحد، وأقام الدليل عليه بأنه صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، وليس في معبوداتهم ما هو كذلك.
وإنما فصل بين النظيرتين بالسورتين لما تقدم من الحكمة، وكأن إيلاءها سورة تبت ورد عليه بخصوصه.
سورة الفلق والناس:
قال: أقول: هاتان السورتان نزلتا معًا -كما في الدلائل للبيهقي- فلذلك قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بـ {قل أعوذ}، وعقب بهما سورة الإخلاص؛ لأن الثلاثة سميت في الحديث بالمعوذات وبالقواقل.
وقدمت الفلق على الناس -وإن كانت أقصر منها- لمناسبة مقطعها في الوزان لفواصل الإخلاص مع مقطع تبت.
وهذا آخر ما منّ الله به عليّ من استخراج مناسبات ترتيب السور، وكله من مستنبطاتي، ولم أعثر فيه على شيء لغيري إلا النزر اليسير الذي صرحت بعزوي له، فلله الحمد على ما ألهم، والشكر على ما منّ به وأنعم، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #57  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:32 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (ثم رأيت الإمام فخر الدين ذكر في تفسيره كلامًا لطيفًا في مناسبات هذه السور، فقال في سورة الكوثر:
اعلم أن هذه السورة كالمتممة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها.
أما الأول فلأنه تعالى جعل سورة "الضحى" في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته: {ما ودّعك ربّك وما قلى، وللآخرة خيرٌ لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربّك فترضى} "الضحى: 3-5"، ثم ختمها بثلاثة أحوال من أحواله فيما يتعلق بالدنيا: {ألم يجدك يتيمًا فآوى، ووجدك ضالًا فهدى، ووجدك عائلًا فأغنى} "الضحى: 6-8".
ثم ذكر في سورة "ألم نشرح" أنه شرفه بثلاثة أشياء: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر.
ثم شرفه في سورة "التين" بثلاثة أنواع [من التشريف]: أقسم ببلده، وأخبر بخلاص أمته من الناس بقوله: {إلّا الّذين آمنوا} ووصولهم إلي الثواب بقوله: {فلهم أجرٌ غير ممنونٍ} "التين: 6".
وشرّفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع: {اقرأ باسم ربّك} "العلق"، وقهر خصمه بقوله: {فليدع ناديه، سندع الزّبانية} "العلق: 17، 18"، وتخصيصه بالقرب في قوله: {واسجد واقترب} "العلق: 19".
وشرفه في سورة "القدر" بليلة القدر، وفيها ثلاثة أنواع من الفضيلة: كونها خيرًا من ألف شهر، وتنزل الملائكة والروح فيها، وكونها سلامًا حتى مطلع الفجر.
وشرّفه في "لم يكن" بثلاثة أشياء: أنهم خير البرية، وجزاؤهم جنات، ورضي عنهم.
وشرّفه في "الزلزلة" بثلاثة أنواع: إخبار الأرض بطاعة أمته، ورؤيتهم أعمالهم، ووصولهم إلى ثوابها حتى وزن الذرة.
وشرّفه في "العاديات" بإقسامه بخيل الغزاة من أمته، ووصفها بثلاث صفات.
وشرّفه في "القارعة" بثقل موازين أمته، وكونهم في عيشة راضية، ورؤيتهم أعداءهم في نار حامية.
وفي "ألهاكم التكاثر" هدد المعرضين عن دينه بثلاثة: يرون الجحيم، ثم يرونها عين اليقين، ويسألون عن النعيم.
وشرّفه في "العصر" بمدح أمته بثلاثة: الإيمان، والعمل الصالح، وإرشاد الخلق إليه؛ وهو: التواصي بالحق والصبر.
وشرّفه في سورة "الهمزة" بوعيد عدوه بثلاثة أنواع من العذاب: ألا ينتفع بدنياه، وينبذ في الحطمة، ويغلق عليه.
وشرّفه في سورة "الفيل" أن رد كيد عدوه بثلاث: بأن جعله في تضليل، وأرسل عليهم طيرًا أبابيل، وجعلهم كعصف مأكول.
وشرّفه في سورة "قريش" [بأن راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه]: تآلف قومه، وإطعامهم، وأمنهم.
وشرّفه في "الماعون" بذم عدوه بثلاث: الدناءة، واللؤم في قوله: {فذلك الّذي يدعّ اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين} "الماعون: 2، 3"، وترك تعظيم الخالق في قوله: {فويلٌ للمصلّين، الّذين هم عن صلاتهم ساهون، الّذين هم يراؤون} "الماعون: 4-6"، وترك انتفاع الخلق في قوله: {ويمنعون الماعون} "الماعون: 7".
فلما شرّفه في هذه السور بهذه الوجوه العظيمة قال: {إنّا أعطيناك الكوثر} أي: هذه الفضائل المتكاثرة المذكورة في هذه السور، التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة ربك، إما بالنفس، وهو قوله: {فصلّ لربّك} "الكوثر: 2"، وإما بالمال وهو قوله: {وانحر}، وإما بإرشاد العباد إلى الأصلح، وهو قوله: {قل يا أيّها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون} "الكافرون:1، 2" الآيات، فثبت أن هذه السورة كالتتمّة لما قبلها.
وأما كونها كالأصل لما بعدها فهو: أنه تعالى يأمره بعد هذه أن يكف عن أهل الدنيا جميعًا بقوله: {قل يا أيّها الكافرون} إلى آخر السورة، ويبطل أديانهم، وذلك يقتضي نصرهم على أعدائهم؛ لأن الطعن على الإنسان في دينه أشد عليه من الطعن في نفسه وزوجه، وذلك مما يجبن عنه كل أحد من الخلق؛ فإن موسى وهارون أرسلا إلى فرعون واحد فقالا: {إنّنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} "طه: 45" ومحمد -صلى الله عليه وسلم- مرسل إلى الخلق جميعًا، فكأن كل واحد من الخلق كفرعون بالنسبة إليه، فدبر الله في إزالة الخوف الشديد تدبيرًا لطيفًا بأن قدم هذه السورة، وأخبر فيها بإعطائه الخير الكثير، ومن جملته أيضًا: الرئاسة، ومفاتيح الدنيا، فلا يلتفت إلى ما بأيديهم من زهرة الدنيا، وذلك أدعى إلى مجاهرتهم بالعداوة، والصدع بالحق؛ لعدم تطلعه إلى ما بأيديهم.
ثم ذكر بعد سورة "الكافرين" سورة "النصر"؛ فكأنه تعالى يقول: وعدتك بالخير الكثير، وإتمام أمرك، وأمرتك بإبطال أديانهم، والبراءة من معبوداتهم، فلما امتثلت أمري أنجزت لك الوعد بالفتح والنصر، وكثرة الأتباع، بدخول الناس في دين الله أفواجًا.
ولما تم أمر الدعوة والشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن؛ وذلك أن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورًا على الدنيا، فليس له إلا الذل والخسارة والهوان، والمصير إلى النار، وهو المراد من سورة "تبت"، وإما أن يكون طالبًا للآخرة، فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات.
وقد ثبت أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين: منهم من قال: أعرف الصانع، ثم أتوسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف، ومنهم من عكس، وهو طريق الجمهور.
ثم إنه سبحانه ختم كتابه المكرم بتلك الطريقة التي هي أشرف، فبدأ بذكر صفات الله، وشرح جلاله في سورة "الإخلاص"، ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في "الفلق"، ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية في "الناس"، وعند ذلك ختم الكتاب. فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة [المودعة] في كتابه المكرم! هذا كلام الإمام.
ثم قال في "الفلق": سمعت بعض العارفين يقول: لما شرح الله سبحانه أمر الإلهية في سورة "الإخلاص"، ذكر هاتين السورتين عقبها في شرح مراتب الخلق على ما قال: {ألا له الخلق والأمر}.
فعالم الأمر كله خيرات محضة، بريئة عن الشرور والآفات، [و] أما عالم الخلق فهو الأجسام الكثيفة، والجثمانيات، فلا جرم قال في المطلع: {قل أعوذ بربّ الفلق، من شرّ ما خلق} "الفلق: 1، 2".
ثم [من الظاهر أن] الأجسام إما أثيرية أو عنصرية، والأجسام كلها خيرات محضة؛ لأنها بريئة عن الاختلال والفطور، على ما قال: {ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوتٍ فارجع البصر هل ترى من فطورٍ} "تبارك: 3".
وإما عنصرية، فهي إما جمادات، فهي خالية عن جميع القوى النفسانية، فالظلمات فيها خالصة، والأنوار عنها زائلة، وهو المراد من قوله: {ومن شرّ غاسقٍ إذا وقب} "الفلق: 3".
وإما نبات، والقوة العادلة هي التي تزيد في الطول والعمق معًا، فهذه القوة النباتية كأنها تنفث في العقد.
وإما حيوان، وهو محل القوى التي تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب، والاشتغال بقدس جلال الله، وهو المراد بقوله: {ومن شرّ حاسدٍ إذا حسد} "الفلق: 5".
ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية، وهى المستعيذة، فلا يكون مستعاذًا منها فلا جرم قطع هذه السورة، وذكر بعدها في سورة "الناس" مراتب ودرجات النفس الإنسانية. انتهى.
ولم يبين المراتب المشار إليها، وقد بيّنها ابن الزملكاني في أسراره فقال: إضافة "رب" إلى "الناس" تؤذن بأن المراد بالناس: الأطفال؛ لأن الرب من ربّه يربّه، وهم إلى التربية أحوج، وإضافة "ملك" إلى "الناس" تؤذن بإرادة الشباب به؛ إذ لفظ "ملك" يؤذن بالسياسة والعزة [والقوة]، والشبان إليها أحوج، وإضافة "إله" إلى "الناس" تؤذن بأن المراد به الشيوخ؛ لأن ذاته مستحقة للطاعة والعبادة، وهم أقرب، وقوله: {يوسوس في صدور النّاس} "الناس: 5" يؤذن بأن المراد بالناس العلماء والعباد؛ لأن الوسوسة غالبًا عن الشّبه، وقوله: {من الجنّة والنّاس} "الناس: 6" يؤذن بأن المراد بالناس الأشرار، وهم شياطين الإنس الذين يوسوسون لهم، والله تعالى أعلم). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
  #58  
قديم 21 ذو القعدة 1442هـ/30-06-2021م, 04:33 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,241
افتراضي

الخاتمة
قال جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ السّيوطيّ (ت: 911 هـ): (تم بحمد الله تعالى وتوفيقه
قال مؤلفه -نفعنا الله ببركاته، وأمدنا من نفحاته: فرغت من تأليفه يوم الأحد، الثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل). [تناسق الدرر: ؟؟]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أسرار, ترتيب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir