دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > لمعة الاعتقاد

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 3 ذو القعدة 1429هـ/1-11-2008م, 12:38 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,453
افتراضي هجر أهل البدع

وَمِنَ السُّنَّةِ: هُجْرَانُ أَهْلِ البِدَعِ، وَمُبَايَنَتُهُمْ، وَتَركُ الجِدَالِ والخُصُوماتِ في الدِّينِ، وَتَرْكُ النَّظَرِ في كُتُبِ المُبْتَدِعَةِ والإصْغَاءِ إلى كلاَمِهمْ، وَكُلُّ مُحْدَثةٍ في الدِّينِ بِدْعَةٌ.
وَكُلُ مُتَسَمٍّ بِغَيْرِ الإِسْلاَمِ والسُّنَّةِ مُبْتَدِعٌ، كالرَّافِضَةِ، والجَهْمِيَّةِ والخَوَارِجِ والقَدَرِيَّةِ وَالمُرْجِئَةِ، والمُعْتَزِلَةِ وَالكُرامِيَّةِ والسالمية وَالكُلاَّبِيَّةِ وَنَظَائِرِهِمْ، فَهذِهِ فِرَقُ الضَّلاَلِ، وَطَوائِفُ البِدَعِ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْها.


  #2  
قديم 22 ذو القعدة 1429هـ/20-11-2008م, 06:22 AM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي شرح لمعة الاعتقاد للشيخ: محمد بن صالح العثيمين

((مَنْ سَمِعَ به فَلْيَنأَ عَنْه، فَواللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيهِ وَهُو يَحْسَبُ أنَّه مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ))، رواه أَبُو دَاودَ، قَالَ الألبانِيُّ: وإِسْنَادُه صَحِيحٌ.
لكنْ إنْ كَانَ الغَرَضُ مِن النَّظَرِ في كُتُبِهم مَعْرِفَةَ بِدْعَتِهِم للرَّدِّ عليها، فَلا بَأْسَ بذلك لِمَنْ كَانَ عندَه مِن العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ مَا يَتَحَصَّنُ بِهِ، وكَانَ قَادِرًا على الردِّ عليهم، بَلْ رُبَّمَا كَانَ وَاجِبًا؛ لأنَّ رَدَّ البِدْعَةِ وَاجِبٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا بِهِ فهو وَاجِبٌ.
(2) الجِدَالُ والخِصَامُ في الدِّينِ
الجِدَالُ: مَصْدَرُ جَادَلَ، والجَدَلُ مُنَازَعَةُ الخَصْمِ للتَّغَلُّبِ عليه، وفي القَامُوسِ: الجَدَلُ: اللَّدَدُ في الخُصُومَةِ، والخِصَامُ: المُجَادَلَةُ، فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
ويَنْقَسِمُ الخِصَامُ والجِدَالُ في الدينِ إلى قِسْمَيْن:
الأولُ: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن ذلك إِثْبَاتَ الحقِّ وإِبْطَالَ الباطِلِ، وهذا مَأْمُورٌ به إِمَّا وُجُوبًا أو اسْتِحَبَابًا بِحَسَبِ الحالِ؛ لقولِه تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
الثاني: أن يكونَ الغَرَضُ منه التَّعْنِيتَ أو الانْتِصَارَ للنَّفْسِ أو للبَاطِلِ، فهذا قبَيِحٌ مَنْهِيٌّ عنه؛ لقولِه تعالى: {مَا يُجاَدِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [غَافِر: 4]، وقولِه: {وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كاَنَ عِقَابِ} [غافِر: 5]
(3) عَلامَةُ أهْلِ البِدَعِ وذِكْرُ بَعْضِ طَوَائِفِهِم:
لأهلِ البِدَعِ عَلاماتٌ؛ مِنها:
1 - أنهم يَتَّصِفُون بِغَيْرِ الإسلامِ والسنَّةِ بما يُحْدِثُونَه مِن البِدَعِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ والعَقِيدِيَّةِ.
2 - أنهم يَتَعَصَّبُون لآرائِهِم فَلا يَرْجِعُون إلى الحَقِّ وإنْ تَبَيَّنَ لَهم.

3 - أنهم يَكْرَهُون أَئِمَّةَ الإسلامِ والدِّينِ.
ومِن طَوائِفِهِم:
1- الرَّافِضَةُ: وهم الذين يَغْلُون في آلِ البَيْتِ ويُكَفِّرُون مَن عَدَاهم مِن الصَّحَابَةِ أو يُفَسِّقُونَهم، وهم فِرَقٌ شَتَّى، فمِنْهم الغُلاةُ الذين ادَّعَوْا أنَّ عَلِيًّا إِلَهٌ، ومِنْهم دُونَ ذلك.
وأوَّلُ ما ظَهَرَت بِدْعَتُهم في خِلافَةِ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ حِينَ قالَ له عبدُ اللهِ بنُ سَبَأٍ: أنت الإِلَهُ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنه بإِحْراقِهِم، وهَرَبَ زَعِيمُهُم عَبْدُ اللهِ بنُ سَبَأٍ إلى المَدَائِنِ.
ومذهَبُهُم في الصِّفَاتِ مُخْتَلِفٌ، فمِنهم المُشَبِّهُ ومِنهم المُعَطِّلُ ومِنهم المُعْتَدِلُ، وسُمُّوا رَافِضَةً؛ لأنهم رَفَضُوا زَيْدَ بنَ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ حينَ سَأَلُوه عن أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما فَتَرَحَّم عليهِما، فَرَفَضُوه وابْتَعَدُوا عنه، وسَمَّوْا أنْفُسَهم شِيعَةً؛ لأنَّهم يَزْعُمُون أنَّهم يَتَشَيَّعُون لآلِ البَيْتِ ويَنْتَصِرُون لهم ويُطَالِبُون بِحَقِّهِم في الإِمَامَةِ.
2- الجَهْمِيَّةُ: نِسْبَةً إِلى الجَهْمِ بنِ صَفْوانَ الذي قَتَلَه سَالِمٌ أو سَلْمُ بنُ أَحْوَزَ سَنَةَ 121 هـ.
مَذْهَبُهُم في الصِّفَاتِ: التَّعْطِيلُ والنَّفْيُ.
وفي القَدَرِ: القَوْلُ بالجَبْرِ.
وفي الإِيمانِ: القَوْلُ بالإِرْجَاءِ؛ وهو أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الإِقْرَارِ بالقَلْبِ، وليسَ القَوْلُ والعَمَلُ من الإيمانِ، ففَاعِلُ الكَبيرَةِ عندهم مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإيمانِ، فهم مُعَطِّلَةٌ جَبْرِيَّةٌ مُرْجِئَةٌ، وهم فِرَقٌ كَثيرَةٌ.
3- الخَوَارِجُ: وهم الذين خَرَجُوا لِقِتَالِ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ بسَبَبِ التَّحْكِيمِ.
مَذْهَبُهُم التَّبَرُّؤُ مِن عُثْمَانَ وعَلِيٍّ، والخُرُوجُ على الإِمَامِ إذا خَالَفَ السُّنَّةَ، وتَكْفِيرُ فَاعِلِ الكَبِيرَةِ وتَخْلِيدُه في النارِ، وهم فِرَقٌ عَدِيدَةٌ.
4- القَدَرِيَّةُ: وَهُم الذين يقولون بنَفْيِ القَدَرِ عن أَفْعَالِ العَبْدِ، وأنَّ للعَبْدِ إِرَادَةً وقُدْرَةً مُسْتَقِلَّتَيْن عَن إِرَادَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ.
وأوَّلُ مَن أَظْهَرَ القَوْلَ بِهِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ في أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، تَلَقَّاه عن رَجُلٍ مَجُوسِيٍّ في البَصْرَةِ، وهم فِرْقَتان؛ غُلاةٌ وغَيْرُ غُلاةٍ:
- فالغُلاةُ يُنْكِرُون عِلْمَ اللهِ وإِرَادَتَه وقُدْرَتَه وخَلْقَه لأفعالِ العَبْدِ، وهؤلاء انْقَرَضُوا أَو كَادُوا.
- وغَيْرُ الغُلاةِ يُؤْمِنُون بأنَّ اللهَ عَالِمٌ بأَفْعَالِ العِبَادِ، لَكِنْ يُنْكِرُون وُقُوعَهَا بإِرَادَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ وخَلْقِهِ، وهو الذي اسْتَقَرَّ عليه مَذْهَبُهُم.
5- المُرْجِئَةُ: وهم الذين يقُولُون بإِرْجاءِ العَمَلِ عن الإيمانِ، أي: تَأْخيرِه عنه، فلَيْسَ العَمَلُ عندَهم مِن الإيمانِ، والإيمانُ مُجَرَّدُ الإِقْرارِ بالقَلْبِ، فالفَاسِقُ عندَهم مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإيمانِ وإنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِن المعاصي، أو تَرَك مَا تَرَكَ مِن الطاعاتِ، وإذا حَكَمْنَا بكُفْرِ مَن تَرَكَ بعضَ شَرائِعِ الدينِ فذلك لِعَدَمِ الإِقْرَارِ بقَلْبِهِ، لا لِتَرْكِ هذا العَمَلِ، وهذا مَذْهَبُ الجَهْمِيَّةِ، وهو مع مَذْهَبِ الخَوَارِجِ على طَرَفَي نَقْيضٍ.
6- المُعْتَزِلَةُ: أَتْبَاعُ وَاصِلِ بنِ عَطَاءٍ الذي اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وَقَرَّرَ أنَّ الفاسِقَ في مَنْزِلَةٍ بينَ مَنْزِلَتَيْنِ، لا مُؤْمِنٌ ولا كَافِرٌ وهو مُخَلَّدٌ في النارِ، وتَابَعَه في ذلك عَمْرُو بنُ عُبَيْدٍ.
ومَذْهَبُهم في الصفاتِ: التَّعْطِيلُ كالجَهْمِيَّةِ.
وفي القَدَرِ: قَدَرِيَّةٌ يُنْكِرُون تَعَلُّقَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِه بأفْعَالِ العَبْدِ.
وفي فاعِلِ الكَبِيرَةِ: أنه مُخَلَّدٌ في النارِ وخَارِجٌ مِن الإيمانِ في مَنْزِلَةٍ بينَ المَنْزِلَتَيْنِ؛ الإيمانِ والكُفْرِ، وهم عَكْسُ الجَهْمِيَّةِ في هذين الأصْلَيْن.
7- الكَرَّامِيَّةُ: أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ كَرَّامٍ المُتَوَفَّى سَنَةَ 255 هـ، يَمِيلُون إلى التَّشْبيهِ والقَوْلِ بالإِرْجَاءِ، وهم طَوائِفُ مُتَعَدِّدَةٌ.
8 - السَّالِمَةُ: أَتْبَاعُ رَجُلٍ يُقَالُ لَه: ابنُ سَالِمٍ، يقولون بالتشبيهِ.
وهذه هي الطوائِفُ التي ذَكَرَها المُؤَلِّفُ، ثمَّ قالَ: (ونَظَائِرُهُم) مثلَ الأشْعَرِيَّةِ، أَتْبَاعِ الحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ إسماعيلَ الأَشْعَرِيِّ، كَانَ في أَوَّلِ أَمْرِه يَمِيلُ إلى الاعْتِزَالِ حَتَّى بَلَغَ الأَرْبعين مِن عُمُرِهِ، ثم أَعْلَنَ تَوْبَتَه مِن ذلك وبيَّنَ بُطْلاَنَ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وتَمَسَّكَ بمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، رَحِمَه اللهُ، أمَّا مَن يَنْتَسِبُون إليه فَبَقُوا على مَذْهَبٍ خَاصٍّ يُعْرَفُ بمَذْهَبِ الأَشْعَرِيَّةِ، لا يُثْبِتُون مِن الصفاتِ
(3) إلا سَبْعًا، زَعَمُوا أنَّ العَقْلَ دَلَّ عليها، ويُؤَوِّلُون ما عَدَاها، وهي المَذْكُورةُ في هذا البيتِ:

حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ والكلامُ لَه =إِرَادَةٌ وَكَذَاكَ السَّمْعُ والبَصَرُ
ولهم بِدَعٌ أُخْرَى في مَعْنَى الكلامِ والقَدَرِ وغيرِ ذلك.
_____________________

حاشية الشيخ : صالح العصيمي على شرح ابن عثيمين
(1) ووراءهما دليل ثالث وهو الإجماع كما ذكره جماعة، منهم البغوي في (شرح السنة) (1/227). (2) فمحل النهي عن مجالستهم هو عند عدم تحقق المصلحة في بيان الحق والتحذير من البدعة. (3) أي من صفات الذات، وإلا فإن لهم في إثبات الصفات كلاماً طويلاً يرجع إلى تقسيمها عندهم إلى أقسام عدة.

وهذه المسألة طويلة الذيل لتحقيقها موضع آخر.


  #3  
قديم 22 ذو القعدة 1429هـ/20-11-2008م, 06:45 AM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد للشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

(1) شَرَعَ المُوَفَّقُ رَحِمَهُ اللهُ في هذهِ الفِقْرَةِ يَتَحَدَّثُ عن البِدَعِ.
وهيَ تارةً تكونُ في العقائدِ، وتارةً تكونُ في الأعمالِ.
ولا شَكَّ أنَّ البِدَعَ الَّتي في العقائدِ أَشَدُّ خَطَرًا من البِدَعِ الَّتي في الأعمالِ؛ وذلكَ لأنَّ البِدَعَ الَّتي في الأعمالِ قدْ يُقَالُ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ، ولكنَّها ليستْ مُكَفِّرَةً؛ لأنَّها مَجَالٌ للاجتهادِ، ومعَ ذلكَ فإنَّها مُنْكَرَةٌ؛ لعمومِ قولِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ)).
ولعمومِ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)).
ونحنُ مَأْمُورُونَ باجتنابِ البِدَعِ كلِّها، وبالابتعادِ عنها ولوْ كانتْ حَقِيرَةً، فإنَّها مُنْكَرٌ.
وكانَ السَّلفُ رَحِمَهُم اللهُ يُنْكِرُونَ على مَنْ أَحْدَثَ ما لمْ يُسْبَقْ إليهِ، ولوْ كانَ يَسِيرًا من الأمورِ المُعْتَادَةِ، أَنْكَرُوا على مَرْوَانَ لَمَّا قَدَّمَ الخُطْبَةَ على الصَّلاةِ في صلاةِ العيدِ؛ فإنَّ صلاةَ العيدِ تُقَدَّمُ على خُطْبَتَيْهِ بخلافِ الجُمُعَةِ، فَعَدُّوا هذهِ بِدْعَةً وَأَنْكَرُوهَا، ولكنَّها بدعةٌ عَمَلِيَّةٌ ليْسَتْ بِدْعَةً اعْتِقَادِيَّةً.
كذلكَ أَنْكَرَ العلماءُ بِدْعَةَ إحياءِ الْمَوْلِدِ، وهيَ إحياءُ ليلةِ الثَّانيَ عَشَرَ مِنْ ربيعٍ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّها بِدْعَةٌ، معَ أنَّها بِدْعَةٌ عَمَلِيَّةٌ، وإنْ كانَ للاعتقادِ فيها مجالٌ، ولكنَّها تُلْحَقُ بالأعمالِ لا بالعقائدِ، وَسَبَبُ ذلكَ أنَّها مُحْدَثَةٌ لمْ يَكُنْ لها أصلٌ في الشَّرعِ.
وكذلكَ إحياءُ أوَّلِ ليلةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ بصلاةٍ تُسَمَّى صلاةَ الرَّغَائِبِ، لا أَصْلَ لها معَ أنَّها صلاةٌ، والَّذينَ يَفْعَلُونَهَا يَقُولُونَ: (أَتُنْكِرُونَ عَلَيْنَا الصَّلاةَ وطُولَ القيامِ وقراءةَ القرآنِ وقراءةَ الأحاديثِ واستماعَ الأَدْعِيَةِ؟!).
فنقولُ لهم: لا نُنْكِرُ ذلكَ، ولكنْ نُنْكِرُ عليكم تَخْصِيصَ هذهِ اللَّيلةِ دونَ غَيْرِهَا؛ فإنَّ هذا لمْ يَرِدْ بهِ الشَّرعُ، فَتَعَبَّدُوا في السَّنَةِ كُلِّهَا ولا تَخُصُّوا ليلةً من اللَّيالِي بعبادةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً فيها ولا مُحَدَّدَةً.
وهكذا البِدَعُ كثيرةٌ، وقد اسْتَوْفَاهَا العلماءُ في مُؤَلَّفَاتِهِم، كالشَّاطِبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ في (الاعْتِصَامِ)، وكَأَبِي شَامَةَ في (البَاعِثِ على إنكارِ البِدَعِ والحوادثِ)، وَقَبْلَهُمَا ابنُ وَضَّاحٍ في نُبْذَةٍ مطبوعةٍ اسمُهَا (البِدَعُ والنَّهْيُ عَنْهَا)، وغيرُهُم كثيرٌ.
والكلامُ على هذهِ البِدَعِ الْعَمَلِيَّةِ أَهْوَنُ من الكلامِ على البِدَعِ العَقَدِيَّةِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّ البِدَعَ الاعتقاديَّةَ أَشَدُّ نَكَارَةً، وما ذاكَ إلاَّ أنَّها تَعْتَمِدُ الْقَدْحَ في الشَّرعِ، إمَّا قَدْحًا في كَمَالِهِ، وإمَّا قَدْحًا في صَلاَحِيَتِهِ، وإمَّا إِطْرَاحًا لبعضِ تَعَالِيمِهِ، فَلأَِجْلِ ذلكَ يُحَذِّرُ العلماءُ منْ هؤلاءِ المُبْتَدِعَةِ وَيُنْكِرُونَ عليهم، وَيُحَذِّرُونَ منْ قراءةِ كُتُبِهِم، ومنْ مُجَالَسَتِهِم، ومن الانخداعِ بِشُبُهَاتِهِم، ومِنْ قراءةِ نَشَرَاتِهِم الَّتي يَنْشُرُونَ فيها ضَلاَلاَتِهِم وَبِدَعَهُم، حتَّى لا يَقَعَ في شيءٍ منْ شُبُهَاتِهِم فَيَصْعُبُ بعدَ ذلكَ التَّخلُّصُ مِمَّا عَلِقَ بالقلوبِ.
وكانَ السَّلفُ رَحِمَهُم اللهُ يُعْرِضُونَ عنْ هؤلاءِ المُبْتَدِعَةِ ويقولونَ: السُّكوتُ عنهم إِذْلاَلٌ وإهانةٌ لهم؛ فإنَّ العالِمَ يَحْتَقِرُ المُبْتَدِعَ وَيَسْكُتُ عنهُ، وَيَتْرُكُهُ يَهْذِرُ ولا يَلْتَفِتُ إليهِ ولا يَسْتَمِعُ لهُ، ولوْ كانَ العامَّةُ يَسْتَجِيبُونَ لعلماءِ أهلِ السُّنَّةِ إذا حَذَّرُوهُم وَقَالُوا: هذا مُبْتَدِعٌ؛ فاحْذَرُوهُ ولا تُجَالِسُوهُ، لَبَقِيَ مَعْزُولاً لا أَحَدَ يُجَالِسُهُ، ولا أَحَدَ يَسْتَمِعُ منهُ ولا يُنَاظِرُهُ.
فَالْعُلَمَاءُ يقولونَ: نَصُونُ عِلْمَنَا عنْ أنْ نُجَادِلَهُ، أوْ أنْ نُنَاظِرَهُ، أوْ أنْ نُنَاقِشَهُ، أوْ أنْ نَتَكَلَّمَ معهُ، كما نَنْصَحُ وَنُحَذِّرُ إِخْوَانَنَا عنْ أنْ يُجَالِسُوهُ، حتَّى يَبْقَى المُبْتَدِعُ مَعْزُولاً، وهكذا كانَ النَّاسُ طَوَالَ القرونِ المُفَضَّلَةِ؛ كانوا كُلَّمَا وُجِدَ مُبْتَدِعٌ وحاولَ أنْ يُضِلَّ النَّاسَ، حَذَّرَ العلماءُ منهُ، وَابْتَعَدَ عنهُ النَّاسُ وَتَرَكُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا كانَ عليهِ سَلَفُ الأمَّةِ وَجَهَابِذَتُهَا.
ولكنْ معَ طُولِ الزَّمانِ، ومعَ غُرْبَتِهِ، تَمَكَّنَ هؤلاءِ المُبْتَدِعَةُ، وَصَارَ لَهُمْ كَلِمَةٌ وَأَتْبَاعٌ، وَقُوَّةٌ وَنُفُوذٌ، وَمُقَلِّدُونَ وَمَذَاهِبُ مُتَّبَعَةٌ مُعْتَرَفٌ بها في زَعْمِهِم، لَهَا مَكَانَتُهَا وَلَهَا قُوَّتُهَا، فَحَصَلَ بذلكَ انْخِدَاعٌ لكثيرٍ من الجَهَلَةِ والعَوَامِّ حتَّى رَاجَتْ مُؤَلَّفَاتُهُم، فعندَ ذلكَ لم يَرَ العلماءُ بُدًّا منْ مُنَاقَشَتِهِم، إمَّا مُنَاقَشَةً عَلَنِيَّةً حتَّى يَنْقَطِعُوا، وَإِمَّا مُنَاقَشَةً كِتَابِيَّةً.
ومثالُ ذلكَ: مُخَاصَمَةُ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الأَذْرَمِيِّ يَرْحَمُهُ اللهُ لذلكَ المُبْتَدِعِ، وهوَ ابنُ أبي دُؤَادٍ، فقدْ نَاقَشَهُ وَقَطَعَ حُجَّتَهُ بِكَلِمَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ، وإنْ كانَ المُؤَلِّفُ أَوْجَزَهَا، وقدْ تَوَسَّعَ فيها العلماءُ الَّذين يَرْوُونَ بالأسانيدِ كالآجُرِّيِّ في الشَّريعةِ وَنَحْوِهِ.
كذلكَ أيضًا لَمَّا اشْتَهَرَ بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ بقولِهِ: إنَّ القرآنَ مَخْلُوقٌ، رَأَى بعضُ العلماءِ أنْ يُخَاصِمُوهُ في رسالةِ (الْحَيْدَةِ) لعبدِ العزيزِ الْكِنَانِيِّ، الَّذي أَعْلَنَ مُخَاصَمَتَهُ لهُ؛ وذلكَ لأنَّهُ أَرَادَ أنْ يُظْهِرَ نفسَهُ حتَّى يَجْتَمِعَ معَ ذلكَ المُبْتَدِعِ، فَجَمَعَهُمَا الخليفةُ، وَتَخَاصَمَا بِقُوَّةٍ وَبِجَدَلٍ، وكانَ الظُّهورُ للكِنَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَانْقَطَعَ بِشْرٌ، ولم يَكُنْ مَعَهُ جوابٌ كافٍ لإقناعِ هذا العالمِ.
ثمَّ كَتَبَ الكِنَانِيُّ تلكَ المناظرةَ الَّتي حَدَثَتْ بَيْنَهُ وبينَ بِشْرٍ في هذهِ الرسالةِ الَّتي سَمَّاهَا (الْحَيْدَةَ)، وهيَ رسالةٌ مطبوعةٌ الآنَ.
ثمَّ تَتَلْمَذَ على الْمِرِّيسِيِّ رَجُلٌ حَنَفِيٌّ، وَلَكِنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وهوَ مُحَمَّدُ بنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ، ولكنَّهُ يُخْفِي ابْتَدَاعَهُ، كَتَبَ رسالةً في عقيدةِ بِشْرٍ، ولم يَذْكُر اسمَهُ، ولكنَّهُ معروفٌ.
تَوَلَّى الردَّ عليها ومُنَاقَشَتَهَا عالمٌ جليلٌ منْ علماءِ أهلِ السُّنَّةِ وهوَ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ في رَدِّهِ المشهورِ المطبوعِ باسمِ (رَدُّ الإمامِ الدَّارِمِيِّ عُثْمَانَ بنِ سعيدٍ على بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ الْعَنِيدِ).
ومعَ الأسفِ فَقَدْ كَتَبَ زَاهِدٌ الْكَوْثَرِيُّ رِسَالَةً في ترجمةِ الثَّلْجِيِّ، وأَثْنَى عليهِ وبَالَغَ في الثَّناءِ عليهِ؛ لأنَّهُ حَنَفِيٌّ، ولمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ من القَدْحِ فيهِ معَ أنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ جَهْمِيٌّ!.
فهؤلاءِ العلماءُ رَأَوْا أنَّ المُجَادَلَةَ أَفْضَلُ، لكنْ هُنَاكَ مَنْ يَرَى تَرْكَهَا أَصْلاً، فقدْ ذَكَرَ ابنُ بَطَّةَ في كتابِ (الإِبَانَةِ الكُبْرَى) آثَارًا كَثِيرَةً في النَّهْيِ عنْ مجادلةِ ومخاصمةِ المُبْتَدِعَةِ، والتَّحْذِيرِ منْ مُجَالَسَتِهِم ومُخَاصَمَتِهِم ومُنَاظَرَتِهِم، وأنَّ في ذلكَ السلامةَ، وأنَّ في تَرْكِهِم والبُعْدِ عنْهُم إِهَانَتَهُمْ، وَإِمَاتَةَ أَقْوَالِهِم، ولكنْ رَأَى الكثيرُ من العلماءِ أنَّهُ لا بُدَّ منْ مُنَاقَشَتِهِم حتَّى يَظْهَرَ الحقُّ وَيَسْتَبِينَ.
وَوَقَعَ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ مُنَاظَرَاتٌ معَ الأشاعرةِ في زمانِهِ، ومعَ الصُّوفيَّةِ في مِصْرَ، ومعَ كَثِيرٍ من المُبْتَدِعَةِ كالبَطَائِحِيَّةِ؛ لأنَّهُ رَأَى أنَّ ذلكَ من الضَّرُورِيِّ حتَّى يَقْطَعَ شُبَهَهُم؛ لأنَّهُم يُشَبِّهُونَ على النَّاسِ.
ويُمْكِنُ مُرَاجَعَةُ مُنَاظَرَةِ العقيدةِ الواسطيَّةِ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ المَطْبُوعَةِ في المُجَلَّدِ الثَّالثِ منْ مجموعِ الفَتَاوَى بعدَ ذِكْرِ العقيدةِ.
وكذلكَ مُنَاظَرَاتُهُ لَمَّا قَدِمَ إلى مصرَ وَجَادَلَهُ مَنْ جَادَلَهُ في أُمُورِ العقيدةِ، وَمُنَاظَرَاتُهُ أيضًا في الشَّامِ بَيْنَهُ وبينَ الصُّوفيَّةِ الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّهم يَدْخُلُونَ النَّارَ ولا تَضُرُّهُم، فَقَطَعَهُم وَخَاصَمَهُم في ذلكَ وَكَذَّبَهُم، وهذهِ المناظراتُ كُلُّها وَقَعَتْ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
ولكنْ هُنَاكَ رُدُودٌ احْتَوَتْهَا مُؤَلَّفَاتُهُ، نَاقَشَ فيها المُبْتَدِعَةَ، مثلَ كتابِهِ (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ) رَدًّا على الرَّافضةِ، وفيهِ قَمْعٌ لهم وَدَحْضٌ لِشُبُهَاتِهِم، وإبطالٌ لِتُرَّهَاتِهِم وَأَكَاذِيبِهِم، يَقْرَؤُهُ القارئُ فَيَرَى الحقَّ وَاضِحًا جَلِيًّا، وَكِتَابُهُ (دَرْءُ تَعَارُضِ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ) أوْ (موافقةُ صحيحِ المنقولِ لصريحِ المعقولِ)؛ رَدًّا على كثيرٍ من الأشاعرةِ في شُبُهَاتِهِم.
ولهُ كُتُبٌ كثيرةٌ، كـ(الرَّدِّ على الأَخْنَائِيِّ)، و(الجوابِ الباهرِ في الردِّ على عُبَّادِ المَقَابِرِ)، و(الصَّارمِ المَسْلُولِ على شَاتِمِ الرَّسولِ)، وغيْرِهَا.
فالحاصلُ أنَّ أهلَ البِدَعِ العَقَدِيَّةِ خَطَرُهُم شَدِيدٌ، والإنسانُ عليهِ أنْ يَعْرِفَ بِدَعَهُم وَيَحْذَرَهَا، وَيَعْرِفَ أنَّ ما عَدَاهَا هوَ السُّنَّةُ والصَّوابُ؛ فَيَتَمَسَّكُ بهِ وَيَعَضُّ عليهِ بالنَّواجذِ حَتَّى يَسْلَمَ منْ هذهِ الأخطارِ.
ثمَّ مَثَّلَ المُوَفَّقُ رَحِمَهُ اللهُ لهؤلاءِ المُبْتَدِعَةِ، وذَكَرَ منهم مَشَاهِيرَهُمْ، وَبَدَأَ بالرَّافضةِ الَّذين يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُم (شِيعَةً).
وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِم (رافضةً):
أنَّهم في حدودِ سَنَةِ ثَمَانٍ وعشرينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ زَيْدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَيْنِ، وَدَعَا إلى مُبَايَعَتِهِ، فَجَاءَ إليهِ الرَّافضةُ في العراقِ وقالُوا: (نُبَايِعُكَ على أنْ تَتَبَرَّأَ من الشَّيْخَيْنِ أبي بكرٍ وعمرَ)، فقالَ: (هُمَا صَاحِبَا جَدِّي)، فَقَالُوا: (إذًا نَرْفُضَكَ)؛ فَسُمُّوا بالرَّافضةِ.
ومعروفٌ أنَّ مَذْهَبَهُم مَبْنِيٌّ على الغُلُوِّ في أهلِ البيتِ؛ الَّذينَ هم عندَهُم عَلِيٌّ وَذُرِّيَّتُهُ وَزَوْجَتُهُ فقطْ، وأمُّ زَوْجَتِهِ الَّتي هيَ خديجةُ.
وَبَالَغَ بَعْضُهُم إلى أن ادَّعَى الولايَةَ لأَِبِيهِ الَّذي هوَ أبو طالبٍ.
وقدْ كَتَبَ بعضُ علماءِ الرَّافضةِ كِتَابًا نُشِرَ قَبْلَ أربعينَ سَنَةً سَمَّاهُ (أبو طَالِبٍ مُؤْمِنُ قُرَيْشٍ)، فَتَجَرَّأَ إلى هذا الحدِّ وادَّعَى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وأنَّهُ تَقِيٌّ، وأنَّهُ مُسْلِمٌ؛ لأجلِ أنَّهُ أبو عَلِيٍّ.
وقدْ نُوقِشَ هذا الكتابُ وَوُجِدَ أنَّهُ ليسَ لهُ مَرْجِعٌ فيما قالَ، وأنَّ مَرْجِعَهُ الوحيدَ منْ كُتُبِ الرَّافضةِ الَّتي لا أَسَاسَ ولا صِحَّةَ لها، فهذا مُعْتَقَدُهُم.
ومِنْ بِدَعِهِم أنَّهم لَمَّا غَلَوْا في عَلِيٍّ كانَ منْ لوازمِ ذلكَ أن يَطْعَنُوا في الخلفاءِ قَبْلَهُ الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّهُم قَهَرُوهُ وَقَسَرُوهُ وَأَلْزَمُوهُ بِأَنْ يُبَايِعَ لهم وَأَنْ يَتَنَازَلَ عن الخلافةِ، وأنَّهُ لا حَقَّ لهُ فيها، فَادَّعَوْا أنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ وَعُثْمَانَ ظَلَمُوهُ؛ فَتَبَرَّءُوا منهم وَتَبَرَّءُوا مِمَّنْ بَايَعَهُم مِن الصَّحابةِ، ولمْ يُوَالُوا من الصَّحابةِ إلاَّ عَدَدًا يَسِيرًا.
أمَّا بقيَّةُ الصَّحابةِ عندَهُم فإنَّهم كُفَّارٌ؛ لأجلِ ذلكَ لا يَقْبَلُونَ أَحَادِيثَهُم ولوْ كانتْ في (الصَّحيحَيْنِ)، هذا مذهبُ الرَّافضةِ.
ثمَّ زَادُوا على ذلكَ أنَّهم طَعَنُوا في القرآنِ، وادَّعَوْا أنَّ الصَّحابةَ الَّذين كَتَبُوهُ خَانُوا فيهِ، وأنَّهم حَذَفُوا منهُ ما يَتَعَلَّقُ بالولايَةِ وما يَتَعَلَّقُ بأهلِ البيتِ، وَادَّعَوْا أنَّ هناكَ سُورَةً تُسَمَّى (سورةَ الولايَةِ)، وهيَ مُصَوَّرَةٌ في كتابِ (الخطوطِ العريضةِ) لِمُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ رَحِمَهُ اللهُ، وَادَّعَوْا أنَّ الصَّحابةَ حَذَفُوهَا، وَحَذَفُوا أيضًا أشياءَ كثيرةً من القرآنِ، حتَّى ذَكَرُوا أنَّهُم حَذَفُوا آيَةً منْ سورةِ {أَلَمْ نَشْرَحْ}، وقالُوا: إنَّها نَزَلَتْ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَجَعَلْنَا عَلِيًّا صِهْرَكَ)!.
والحاصِلُ أنَّهم يَطْعَنُونَ في الخلفاءِ وَأَكْثَرِ الصَّحابةِ، وَيَسُبُّونَهُم، وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُم، وَيَطْعَنُونَ في القرآنِ، وَيَغْلُونَ في حقِّ عليٍّ غُلُوًّا زَائِدًا، حتَّى عَبَدُوهُ منْ دونِ اللهِ، فَجَمَعُوا بينَ الشِّركِ بعبادةِ أهلِ البيتِ وَتَعْظِيمِهِم التَّعظيمَ الزائدَ، والطَّعنِ في القرآنِ، والطَّعنِ في السُّنَّةِ أوْ رَدِّهَا، والطَّعنِ في الصَّحابةِ وَتَكْفِيرِهِم.
أمَّا بَقِيَّةُ الطَّوائفِ فَهُمْ طوائفُ مختلفةٌ في المُعْتَقَدِ، نَذْكُرُ تَعْرِيفَهُم باختصارٍ على ترتيبِ وُجُودِهِم.
فأوَّلُ مَنْ وُجِدَ: (الخوارجُ)؛ الَّذينَ خَرَجُوا على عَلِيٍّ، وكانَ منْ عقيدَتِهِم التَّكفيرُ بِالذَّنْبِ، فَيَجْعَلُونَ الذَّنْبَ كُفْرًا، والعَفْوَ ذَنْبًا؛ ولذلكَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ ويقولونَ: (مَنْ فَعَلَ الكبيرةَ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ وَسَبْيُ نسائِهِ وأولادِهِ)، ونحوُ ذلكَ.
وقدْ قَاتَلَهُم عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وَاسْتَمَرُّوا مَوْجُودِينَ في مُدَّةِ خلافةِ بَنِي أُمَيَّةَ وهمْ يُقَاتِلُونَ، يَقْوَوْنَ تَارَةً وَيَضْعُفُونَ تَارَةً، إلى أنْ تَفَرَّقُوا.
ولكنْ بعدَ ذلكَ هَدَأَتْ حِدَّتُهُم فَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَدَخَلَتْ فِيهم أَيْضًا بِدَعٌ أُخْرَى، وَيُوجَدُ منهم الآنَ في البلادِ الإفريقيَّةِ الأُلُوفُ، ولكنَّهُم مُتَسَتِّرُونَ، وَيُوجَدُ منهم أيضًا الطَّائفةُ الإباضيَّةُ الَّتي في عُمَانٍ، وَلَكِنَّها في الحقيقةِ مُعْتَزِلَةٌ، ولا يُطَبِّقُونَ مَذْهَبَهُم تَمَامًا.
وبعدَهُم خَرَجَت (القَدَرِيَّةُ)؛ الَّذينَ يُنْكِرُونَ مِن القَدَرِ العِلْمَ السَّابِقَ.
وأوَّلُ مَنْ خَرَجَ منهم مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، ثمَّ غَيْلاَنُ القَدَرِيُّ؛ يُنْكِرُونَ عِلْمَ اللهِ بالأشياءِ قَبْلَ وُجُودِهَا، يَقُولُونَ: (لا يَعْلَمُ الأشياءَ حتَّى تَحْدُثَ).
وهؤلاءِ الَّذينَ قَالَ فيهم الشَّافعيُّ: (نَاظِرُوهُم بالعلمِ؛ فإنْ أَقَرُّوا بهِ خُصِمُوا، وإنْ جَحَدُوهُ كَفَرُوا).
ثمَّ حَدَثَتْ فيهم بِدْعَةٌ أَشَدُّ منْ هذهِ، وهيَ إنكارُ قُدْرَةِ اللهِ على الهدايَةِ والإضلالِ، وأنَّ اللهَ ليسَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ لا يَهْدِي ولا يُضِلُّ مَنْ يشاءُ.
وهؤلاءِ هم القَدَرِيَّةُ الَّذينَ أَنْكَرُوا القُدْرَةَ.
وقالَ فيهم الإمامُ أحمدُ: (القَدَرُ قُدْرَةُ اللهِ- يَعْنِي: مَن اعْتَرَفَ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فَقَدْ خَصَمَ القدريَّةَ- خَاصِمُوهُم بهذهِ الكلمةِ، قُولُوا لَهُم: أَلَيْسَ اللهُ على كلِّ شيءٍ قديرًا؟ إذًا فَكَيْفَ يَخْرُجُ عنْ قُدْرَتِهِ كَوْنُهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، ولهُ الحِكْمَةُ في ذلكَ).
ثمَّ خَرَجَ بَعْدَهُم (المُعْتَزِلَةُ) في آخرِ حَيَاةِ الحسنِ البَصْرِيِّ.
وأَوَّلُهُم واصلُ بنُ عَطَاءٍ؛ الَّذي ادَّعَى أنَّ العاصِيَ ليسَ بكافرٍ ولا مُسْلِمٍ، بلْ في منزلةٍ بَيْنَهُمَا، وَاعْتَزَلَ مَجْلِسَ الحَسَنِ، وَصَارَ يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ بِزَاوِيَةٍ من المسجدِ، وصارَ الحسنُ إذا جَاءَهُ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ، أوْ رَأَى مِنْ أَحَدٍ بِدْعَةً أَشَارَ إليهِ وقالَ: عندَ أُولَئِكَ المُعْتَزِلَةِ، اعْتَزَلَنَا وَاصِلٌ، فمِنْ ثَمَّ سُمُّوا بالمُعْتَزِلَةِ.
وانْتَشَرَ مَذْهَبُهُم إلى الآنَ، وَطُبِعَتْ لَهُمْ مُؤَلَّفَاتٌ.
وَمِمَّن اعْتَنَقَ مَذْهَبَهُم القاضي عبدُ الجبَّارِ صاحبُ الكتابِ المشهورِ (المُغْنِي)؛ الَّذي هوَ منْ أَشْهَرِ كُتُبِهِم، مَطْبُوعٌ في نحوِ أربعةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، ولهُ مُؤَلَّفاتٌ أُخْرَى في تقريرِ مَذْهَبِهِم.
وقدْ ذَكَرْنَا أنَّ مَذْهَبَهُم يَدُورُ على خَمْسَةِ أشياءَ:
- التَّوحيدُ: الَّذي هوَ نَفْيُ الصِّفاتِ.
- والعدلُ: الَّذي هوَ نَفْيُ قدرةِ اللهِ لأفعالِ العبادِ.
- والمَنْزِلَةُ بينَ المَنْزِلَتَيْنِ: الَّتي هيَ أنَّ العاصيَ ليسَ بمؤمنٍ ولا كافرٍ.
- وإِنْفَاذُ الوَعِيدِ: الَّذي هوَ تخليدُ العُصَاةِ في النَّارِ.
- والأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المُنْكَرِ: الَّذي هوَ الخروجُ على الأئمَّةِ.
هذا مَذْهَبُهُم الباطلُ.
ومِمَّن اعْتَنَقَ مَذْهَبَهُم الباطلَ مِنْ مَشَاهِيرِ اللُّغَوِيِّينَ (الزَّمَخْشَرِيُّ) صَاحِبُ التَّفسيرِ المشهورِ بِالْكَشَّافِ، فإنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ مُبَالِغٌ في الاعتزالِ، ضَمَّنَ تَفْسِيرَهُ عقيدةَ الاعتزالِ.
ثمَّ خَرَجَتْ بَعْدَهُم (الجَهْمِيَّةُ)، ولكنَّ مَذْهَبَهُم تَفَرَّقَ في عِدَّةِ فِرَقٍ، فمِنْ مَذْهَبِهِم تَعْطِيلُ اللهِ تَعَالَى عنْ صفاتِ الكمالِ؛ فإنَّهم نَفَوا الصِّفاتِ كُلَّها، بلْ بَالَغُوا في النَّفيِ حَتَّى جَعَلُوهَا كُلَّهَا مَجَازًا، وهم الَّذِينَ يُحَذِّرُ السَّلفُ رَحِمَهُم اللهُ كَثِيرًا من الانْخِدَاعِ بهم.
ثمَّ إنَّ الجَهْمَ الَّذي تُنْسَبُ إليهِ هذهِ الطَّائفةُ اجْتَمَعَتْ فيهِ ثلاثُ بِدَعٍ عَقَدِيَّةٍ؛ وهيَ:
- التَّعطيلُ: وهو نَفْيُ الصِّفاتِ.
- والإِرْجَاءُ:فهوَ رَأْسُ المُرْجِئَةِ، وهوَ أَوَّلُهُم؛ إذْ يَقُولُ: لا يَضُرُّ معَ الإيمانِ ذَنْبٌ.
إذا كُنْتَ مُؤْمِنًا فَاعْمَلْ ما شِئْتَ من الذُّنوبِ.
ويقولُ قَائِلُهُم:

فَكَثِّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِن الْخَطَايَا =إِذَا كــَانَ الـْقـُدُومُ عـَلــَى كـــَرِيمِ
فعندَهُم أنَّ المعاصيَ لا تَضُرُّ التَّوحيدَ، ومَنْ كانَ مُذْنِبًا- ولوْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ - فإنَّهُ لا يَخْرُجُ عنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإيمانِ.
- والجَبْرُ:وهوَ نوعٌ من البِدَعِ في القَدَرِ، هُوَ ادِّعَاؤُهُ أنَّ الإنسانَ مَجْبُورٌ على الذُّنوبِ، وعلى المعاصِي، وعلى الكُفْرِ، وليسَ لهُ اختيارٌ أَبَدًا، وهم الَّذينَ يَقُولُ قائِلُهُم:
دَعَانِي وَسَدَّ البابَ دُونِي فَهَلْ إِلَى دُخُولـِي =سـَبـِيـلٌ بـَيِّنُوا لـي حُجَّتِي
فهؤلاءِ رُءُوسُ المُبْتَدِعَةِ والفِرَقِ: الجَهْمِيَّةُ، المُعَطِّلَةُ، والمُرْجِئَةُ، والقَدَرِيَّةُ، والجبريَّةُ، والمُعْتَزِلَةُ؛ الَّذين جَمَعُوا هذهِ المذاهبَ وَنَحْوُهُم.
أمَّا (الكَرَّامِيَّةُ)، فهم أَتْبَاعُ محمَّدِ بنِ كَرَّامٍ؛ عالمٍ مشهورٍ إلاَّ أنَّهُ مُبَالِغٌ في الإثباتِ، حتَّى اتُّهِمَ بِنَوْعٍ من التَّمثيلِ، ولكنَّهُ أَقْرَبُ إلى الحقِّ وَأَقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وإنَّمَا انْتَقَدُوهُ لِمُبَالَغَتِهِ في إثباتِ الصِّفاتِ حتَّى وَقَعَ في نوعٍ من التَّشْبِيهِ، ومِنْ مَذْهَبِهِم أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ المعرفةِ.
أمَّا (الكُلاَّبِيَّةُ)، فَهُمْ أَتْبَاعُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ بنِ كُلاَّبٍ، وهم الَّذينَ يُقِرُّونَ بِسَبْعِ صِفَاتٍ فقطْ؛ وهيَ: السَّمْعُ والبصرُ والكلامُ والحياةُ والقُدْرَةُ والإرادةُ والعِلْمُ، وَيُنْكِرُونَ ما عَدَاهَا. وهوَ الَّذي سَلَكَ طَرِيقَتَهُ أبو الحسنِ الأَشْعَرِيُّ في وَسَطِ عُمُرِهِ.
وإلى أَبِي الحسنِ هذا يَنْتَسِبُ المَذْهَبُ المُنْتَشِرُ؛ مذهبُ الأشاعرةِ، فالأشاعرةُ على مذهبِ ابنِ كُلاَّبٍ.
وأمَّا فِرْقَةُ (السَّالِمَةِ)، فهيَ تَتْبَعُ ابنَ سَالِمٍ، وَمَذْهَبُهُم قَرِيبٌ منْ مذهبِ الكَرَّاميَّةِ أوْ أَشَدُّ، فهم يَقُولُونَ بالتَّشبيهِ، وأنَّ اللهَ لهُ يَدٌ كَأَيْدِينَا، ونحوَ ذلكَ.
وَبَقِيَتْ فِرْقَةٌ موجودةٌ بكثرةٍ وهم (الصُّوفِيَّةُ)، فالصُّوفيَّةُ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمرِ زُهَّادًا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، ولكنْ حَدَثَتْ فيهم بِدَعٌ، وَأَشَدُّهَا بِدْعَةُ القولِ (بِوَحْدَةِ الوجودِ) وهوَ أنَّ وجودَ الخالقِ عينُ وُجُودِ المخلوقِ، فهذهِ البدعةُ هيَ الَّتي ضَلُّوا بها عن الطَّريقِ، وهيَ بدعةٌ يَعْتَنِقُهَا كثيرٌ منهم.
وَعِنْدَهُم بِدَعٌ أُخْرَى، ولكنَّها خَفِيفَةٌ بالنِّسبةِ إلى هذهِ، كَبِدْعَةِ الغناءِ والسَّماعِ والرَّقصِ والتَّمَايُلِ والنَّشِيدِ المُوَحَّدِ مَثَلاً، والذِّكْرِ المقطوعِ، كَذِكْرِهِم (هُو، هُو)، وما أَشْبَهَ ذلكَ.
وهم مَوْجُودُونَ بِكَثْرَةٍ، والرُّدودُ عليهم مُتَوَفِّرَةٌ.
وبِكُلِّ حَالٍ؛ هؤلاءِ هم رُءُوسُ المُبْتَدِعَةِ، يَنْبَغِي للمُسْلِمِ أنْ يَجْتَنِبَهُم حتَّى يَسْلَمَ في دِينِهِ وَعِرْضِهِ.

  #4  
قديم 22 ذو القعدة 1429هـ/20-11-2008م, 06:53 AM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي شرح معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

القارئ: (وَمِنَ السُّنَّةِ: هُجْرَانُ أَهْلِ البِدَعِ، وَمُبَايَنَتُهُمْ).

الشيخ: قالَ: (من السّنَّةِ هِجرانُ أهلِ البدعِ ومباينتُهُم) وهذا هو الَّذي كان أئمَّةُ أهل السّنَّةِ يوصون به؛ من عدمِ غشيانِ المبتدعةِ في مجالسهم، ولا مخالطتهم، بل هجرانُهُم بالكلامِ، وهجرانهم بالأبدانِ حتَّى تُخمدَ بدعُهُم؛ وحتَّى لا ينتشرَ شرُّهُم.
فالدُّخولُ مع المبتدعةِ ومساكنتُهُم، سواء كانت البدعُ صغيرةً أو كبيرةً، والسُّكوتُ عن ذلك، وعدمُ هجرانِهِم، والاستئناسُ لهم، وعدمُ رفعِ الرَّأسِ بحالِهِم مع بدعِهِم، هذا من حالِ أهلِ الضَّلالِ، إذ أهلُ السّنَّةِ تميَّزُوا بأنَّهم لهم الموقفُ الأعظمُ الَّذي فيه القوَّةُ والشّدَّةُ مع أهلِ البدعِ، مهما كانت البدعُ، فيهجرون أهلَ البدعِ، هجرُ المبتدِعِ من أصولِ الإسلامِ، بل من أصولِ أهلِ السّنَّةِ؛ لأنَّ جنسَ البدعِ أعظمُ من الكبائرِ.
فالبدعةُ أشدُّ وأعظمُ من الكبائرِ، وذلك من خمسِ جهاتٍ؛ نذكرُ بعضاً منها:
الأولى: أنَّ البدعةَ من بابِ الشّبهاتِ، والكبائرَ من بابِ الشَّهواتِ، وبابُ الشُّبهاتِ يعسرُ التَّوبةُ منه، بخلافِ أبوابِ الشَّهواتِ.
ولهذا جاءَ في الأحاديثِ من حديثِ معاويةَ وغيرِهِ: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلّمَ - قال في وصفِ أهلِ البدعِ: ((تتجارى بهم الأهواءُ كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبِهِ، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مفصلٌ إلا دخلَه)) وقد بيّن - عليه الصلاةُ والسَّلامُ - إنْ صحَّ الحديثُ، وقد صحَّحَهُ جمعٌ من العلماءِ - أنَّهُ قال: ((أبى اللهُ أن يقبلَ توبةَ صاحبِ بدعةٍ حتَّى يدعَ بدعتَهُ)).
وقد جاء في ذلك أيضاً بعضُ الأحاديثِ التي منها ما يصحُّ ومنها مالا يصحُّ، ومنها ما رُوي من أنَّهُ قال: ((من وقّرَ صاحبَ بدعةٍ فقد أعانَ على هدمِ الإسلامِ)).

ونلاحظُ اليومَ أنه في هذه المسألةِ فيهِ ترك لهذا الأصلِ، فكثيرٌ من النَّاسِ يخالطُ المبتدعةَ ولا يهجرُهُم بحججٍ شتَّى، إمَّا دنيويَّةٍ وإمَّا تارةً تكون دعويَّةً أو دينيَّةً، وهذا ممَّا ينبغي التّنبُّه له والتَّحذيرُ منه؛ لأنَّ هجرانَ أهلِ البدعِ متعيّنٌ، فلا يجوزُ مخالطتهم بدعوى أن ذلك للدعوة، ولا مخالطتُهُم بدعوى أنَّ ذلك للدُّنيا، ولا مخالطتُهُم وعدمُ الإنكارِ عليهم بدعوى أنَّ هذا فيه مصلحةُ كذا وكذا، إلا لمن أرادَ أن ينقلَهُم لما هو أفضلُ ممَّا هم فيه، وأن ينكرَ عليهم ويغيّرَ عليهم.
الاهتمامُ بالسّنَّةِ، والرّدُّ على المبتدعةِ: هذا كما تعلمون ظاهرٌ في حالِ أئمةِ أهلِ الإسلامِ، فقد كانت حياتُهُم في الرَّدِّ على المبتدعةِ، ولم يشغلوا أنفسَهُم بالرَّدِّ على الكفَّارِ الأصليِّينَ من اليهودِ والنَّصارى.
فإذا رأيت كلامَ الإمامِ أحمدَ، وسفيانَ، وحمّادِ بنِ زيدٍ، أو حمَّادِ بنِ سلمةَ، ونعيمِ بنِ حمّادٍ -وهو من أئمةِ أهل السنة- والأوزاعيِّ، وإسحاقَ، وعليِّ بنِ المدينيِّ، ونحوِهِم من أئمَّةِ أهلِ السّنَّةِ والإسلامِ، وجدت أن جُلّ كلامِهِم وجهادِهِم إنَّما هو في الرَّدِّ على المبتدعةِ، وفي نقضِ أصولِ المبتدعةِ، وإن كانوا باقين على أصلِ الإسلامِ، ولم يشغلوا أنفسَهُم بالرَّدِّ على اليهودِ والنَّصارى وسائرِ مللِ أهلِ الكفرِ، وذلك لأنَّ شرَّ المبتدعِ لا يظهرُ على أهل الإسلامِ، ولا يُؤمَن على أهلِ الإسلامِ.
أمَّا الكافرُ الأصلي منَ اليهودِ والنَّصارى فشّرُّهُ وضررهُ بيّنٌ واضحٌ لكلِّ مسلمٍ؛ لأنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- بيّنَ ذلك في كتابِه، وهم ظاهرون.
أمَّا أهلُ البدعِ فالشَّرُّ منهم كثيرٌ، ولهذا لا يحسنُ أن يُنسبَ إلى أهلِ السّنَّةِ والجماعةِ أنَّهُم مفرِّطون في الرَّدِّ على اليهودِ والنَّصارى، ومنشغلون بالرَّدِّ على أهلِ الإسلامِ؛ كما قالَهُ بعضُ العقلانيِّينَ من المعتزلةِ وغيرِهِم: إنَّ أهلَ السّنَّةِ انشغلوا بالرَّدِّ على أهلِ الإسلامِ وتركوا الرَّدَّ على الكفَّارِ من اليهودِ والنَّصارى وسائرِ أهلِ المللِ الزَّائفةِ، وهذا سببُه هو ما بيَّنتُ لك أنَّ شرَّ البدعِ أعظمُ؛ لأنَّ هؤلاء يدخلون على المسلمين باسمِ الإسلامِ.
وأمَّا أولئك ففي القلبِ منهم نفرة من اليهودِ والنَّصارى، فهديُ أئمةِ الإسلامِ كان ظاهراً في الرَّدِّ على المبتدعةِ والرَّدِّ على أهلِ الأهواءِ، ولم يُعرف عنهم كبيرُ عملٍ في الرَّدِّ على اليهودِ والنَّصارى.
وليس معنى ذلك أنَّ المؤمنين من أهلِ السّنَّةِ لا ينشغلون بالرَّدِّ على اليهودِ والنَّصارى، لا، ولكنْ نذكرُ ما تميَّزَ به أئمَّةُ أهلِ السّنَّةِ، وإلا فالرَّدُّ على كلِّ مُعادٍ للإسلامِ من الكفَّارِ الأصليين ومن أهلِ البدعِ متعيّنٌ وفرضٌ، لكن من انشغلَ بالرَّدِّ على المبتدعةِ لا يُقالُ له: لم تركت اليهودَ والنَّصارى لم ترد عليهم، وانشغلت بهؤلاءِ؟
نقول:هذا هديُ الأئمَّةِ الأوَّلين، وكلٌّ يردُّ في مجالِهِ، منَّا من يردُّ على اليهودِ والنَّصارى، ومنَّا من يردُّ على المبتدعةِ، ونحن جميعاً نكون حامين لبيضةِ الإسلامِ بالرَّدِّ من تلبيساتِ الملبسين، وبدعِ المبتدعين، وشركِ المشركين، وضلالاتِ الكفَّارِ، من اليهودِ والنَّصارى وغيرِهِم.

  #5  
قديم 22 ذو القعدة 1429هـ/20-11-2008م, 06:55 AM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
Post شرح الشيخ:صالح الفوزان .حفظه الله (مفرغ)

المَتْنُ: (وَمِن السُّنَّةِ هِجْرَانُ أهلِ البِدَعِ).
الشرحُ: وَمِن السُّنَّةِ؛ أيْ: سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، التي هيَ طريقتُهُ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ في أقوالِهِ وَأفعالِهِ وَتقريراتِهِ، هذا هوَ المرادُ بالسُّنَّةِ ها هُنا، وَليسَ المرادُ بالسُّنَّةِ المُسْتَحَبَّ؛ لأنَّ هِجْرَانَ أهلِ البدعِ وَاجبٌ، وَليسَ بِمُسْتَحَبٍّ فقطْ، وَإِنَّمَا هوَ وَاجِبٌ. السُّنَّةُ الأصلُ أنَّها تُطْلَقُ وَيُرَادُ بها طريقةُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بها المُسْتَحَبُّ، وَلكنَّ الغالبَ أنَّ المرادَ بها المعنَى الأوَّلُ، فإِذا قِيلَ: مِن السُّنَّةِ كذا، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ طَرِيقَةِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ.

الهَجْرُ مَعْنَاهُ: التَّرْكُ، تَرْكُ الشيءِ، وَمنهُ الهجرةُ مِنْ بلادِ الكفرِ إِلى بلادِ الإِسلامِ؛ فِرَاراً بالدِّينِ. سُمِّيَتْ هِجْرَةً؛ لأنَّها تَرْكٌ للأوطانِ مِنْ أَجْلِ الفِرَارِ بالدِّينِ مِن الفتنةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ}. وَالرِّجْزُ هوَ الأصنامُ، وَاهْجُرْ يَعْنِي: اتْرُكْ، اتْرُكِ الأصنامَ وَعِبَادَتَهَا وَأَهْلَهَا. وَقالَ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ: ((وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ))،يعنِي: تَرَكَ ما نَهَى اللهُ عنهُ، فالهجرةُ تَرْكُ وَهِجْرَانُ أهلِ البِدَعِ، يعني تَرْكَ أهلِ البِدَعِ، وتَرْكَ مُصَاحَبَتِهِم وَمُجَالَسَتِهِم وَزِيَارَتِهِم وَالتَّعَلُّمِ مِنْهُم إِلاَّ على طريقِ المُنَاصَحَةِ وَالبَيَانِ.

وَأمَّا على طريقِ المُؤَانَسَةِ وَالمحبَّةِ فإِنَّ هذا لا يَجُوزُ؛ لأنَّ فيهِ رِضاً بِمَا هُم عَلَيْهِ مِنَ البدعِ وَتَشْجِيعاً لهم، وَفيهِ تَشْجِيعٌ لهم على ما هم عَلَيْهِ، وَإِقْرَارٌ لهم، وَالواجبُ هَجْرُهُمْ حتَّى يَعْرِفَ الناسُ شَرَّهُم وَيَبْتَعِدُوا عنهم؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ المُبْتَدِعَ لا يَقْبَلُ النصيحةَ وَلا يَتُوبُ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنَّهُ يَرَى أنَّ الذي هوَ عَلَيْهِ الحقُّ، يُزَيِّنُهُ لهُ الشيطانُ، فَقَلَّ أنْ يَقْبَلَ النصيحةَ، وَقلَّ أَنْ يَتُوبَ المُبْتَدِعُ.

وَلهذا جاءَ في الأثرِ أنَّ البدعةَ أَحَبُّ إِلى الشيطانِ مِن المعصيَةِ؛ لأنَّ المُبْتَدِعَ لا يَتُوبُ عَنْ بِدْعَتِهِ، وَأمَّا العاصي فإِنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مَا فَعَلَهُ حَرَامٌ، فيكونُ خَجِلاً، يُوَبِّخُ نَفْسَهُ، ثمَّ يَتُوبُ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَرِيبٌ مِن التوبةِ خلافَ المُبْتَدِعِ؛ فإِنَّهُ يَرَى أنَّ ما عَلَيْهِ هوَ الحقُّ، فلا يَرْجِعُ عَنْ بِدْعَتِهِ، وَيرى أنَّ ما هوَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مشروعٌ.

فلهذا كانت البدعةُ أَحَبَّ إِلى الشيطانِ مِن المعصيَةِ؛ لأنَّ صاحبَ المعصيَةِ قريبٌ مِن التوبةِ، وَيَقْبَلُ النصيحةَ، وَيَخْجَلُ، وَيَعْلَمُ أنَّ ما فَعَلَهُ حرامٌ، وَأنَّهُ ليسَ مِن الدِّينِ، بخلافِ المُبْتَدِعِ؛ فإِنَّهُ بالعكسِ وَالعياذُ باللهِ.

وَالبدعةُ فِتْنَةٌ عظيمةٌ، فِتْنَةٌ للقلوبِ، إِذَنْ ما هِيَ البدعةُ؟

البدعةُ: هيَ إِحداثُ شَيْءٍ في الدِّينِ ليسَ منهُ, على سبيلِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))،في روايَةٍ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).
وَقالَ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)).

والبِدْعَةُ هيَ المُحْدَثُ في الدِّينِ مِمَّا ليسَ منهُ على وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ؛ فإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى أنْ يُتَقَرَّبَ إِليهِ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ، لا يَرْضَى سبحانَهُ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِليهِ بالبِدَعِ وَالمُحْدَثاتِ.

هذا هوَ ضَابِطُ البدعةِ كما قال تعالى: إِحداثُ شيءٍ في الدِّينِ على وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ، ليسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِن الكتابِ وَلا مِن السُّنَّةِ؛ لأنَّ الدينَ كَمُلَ وَللَّهِ الحمدُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}.

فَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ بعدَ أنْ أَكْمَلَ اللهُ بهِ الدِّينَ، فَلَمْ يَبْقَ مَجَالٌ للزِّيَادَاتِ وَالاسْتِحْسَانَاتِ.فَمَن ابْتَدَعَ بِدْعَةً فقدِ اتَّهَمَ الدِّينَ بأنَّهُ نَاقِصٌ، وَكَذَّبَ قولَهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

والبدعةُ تَنْقَسِمُ إِلى قِسْمَيْنِ:

بِدْعَةٌ أصليَّةٌ: كَأَنْ يُحْدِثَ عبادةً ليسَ لها أصلٌ في الدِّينِ، يَتَعَبَّدُ إِلى اللهِ بشيءٍ ليسَ لهُ أصلٌ في الدِّينِ، كَإِحْدَاثِ بِدَعِ المَوَالِدِ، هذهِ لا أصلَ لها في الدينِ، لا مَوَالِدُ الرُّسُلِ وَلا مَوَالِدُ غَيْرِهِمْ مِن الأولياءِ وَالصالحينَ، هذهِ بِدْعَةٌ لا أَصْلَ لها في الدِّينِ، وَإِنْ حَسَّنُوهَا وَرَغَّبُوا فيها وَأَشَاعُوا عنها بأنَّهَا خَيْرٌ... هيَ بدعةٌ وَشر، وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهَا بدعةٌ حسنةٌ، هذا مُصَادِمٌ لقولِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)).

فالبِدَعُ كُلُّهَا ضلالةٌ؛ لِنَصِّ حديثِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذي يَدَّعِي أَنَّ هناكَ بِدْعَةً حَسَنَةً هذا مُكَذِّبٌ للهِ وَلرسولِهِ، ليسَ في الدينِ بِدْعَةٌ حسنةٌ، بل الدينُ كُلُّهُ ما شَرَعَهُ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى، أمَّا البدعُ فَإِنَّهَا مِنْ أهواءِ الشياطينِ.

وَإِذا فَتَحْنَا المجالَ تَغَيَّرَ الدينُ بهذهِ الطريقةِ، كُلٌّيُحْدِثُ ما يَسْتَحْسِنُ، وَكلٌّ يَعْمَلُ ما يَشَاءُ، ثمَّ يُقْضَى على السُّنَنِ.وَلا تَجْتَمِعُ السُّنَنُ وَالبِدَعُ كما جاءَ في الحديثِ: ((مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بِدْعَةً إِلاَّ رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ))،فَيَتَحَوَّلُ الدِّينُ مِنْ سُنَنٍ إِلى بِدَعٍ وَمُحْدَثَاتٍ، فلا يُفْتَحُ المجالُ أبداً للبِدَعِ، وَلا يُتَسَاهَلُ أَبَداً.

بِدْعَةً نِسْبِيَّةً، وَهيَ أنَّ أصلَ الشيءِ مشروعٌ، لكنْ يُخَصَّصُ بزمانٍ أَوْ بمكانٍ لمْ يَشْرَعْهُ اللهُ وَلا رَسُولُهُ، مَثَلاً: صِيَامُ بعضِ الأيَّامِ الخاصَّةِ مثلِ يومِ النِّصْفِ مِنْ شعبانَ أَوْ صيامُ شهرِ رَجَبٍ، تَخْصِيصُ رَجَبٍ بالصومِ أَوِ النصفِ مِنْ شعبانَ. الصيامُ أَصْلُهُ مَشْرُوعٌ، لكنْ إِضافةُ تخصيصِ الوقتِ بدونِ دليلٍ، أَنَّكَ تُخَصِّصُ وَقْتاً للصومِ بدونِ دليلٍ، أَوْ تُخَصِّصُ مَكَاناً بالعبادةِ، بدونِ دليلٍ، هذهِ بدعةٌ في الدينِ ما أَنْزَلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ.تَخْصِيصُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ للعباداتِ الشرعيَّةِ هذا لا أَصْلَ لهُ في الدينِ، وَهوَ يكونُ بِدْعَةً إِضافيَّةً؛ لأنَّكَ أَضَفْتَ إِلى العبادةِ المشروعةِ، شَيْئاً مِن البدعةِ.

وَسواءٌ كانت البدعةُ أصليَّةً أَوْ كانتْ إِضافيَّةً فإِنَّها مَرْدودةٌ على صاحبِها، وَيَجِبُ التحذيرُ منها وَمِنْ أصحابِهَا.

جاءَ أبو موسى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكانَ أميراً على الكوفةِ، إِلى ابنِ مسعودٍ، وَكانَ هوَ المُفْتِيَ في الكوفةِ وَالقاضِيَ، فَقَالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ،رَأَيْتُ شَيْئاً اسْتَنْكَرْتُهُ، قَالَ: وَما هوَ؟ قَالَ: سَوْفَ تَرَاهُ. فَذَهَبُوا إِلى المسجدِ فَوَجَدُوا قوماً مُجْتَمِعِينَ، وَعندَهُم أَكْوَامٌ مِنْ حَصًى، وَعِنْدَهُمْ وَاحِدٌ يَقُولُ لهم: سَبِّحُوا كذا وَكذا، وَيَعُدُّونَ مِن الحَصَى، هَلِّلُوا كذا وَكذا، كَبِّرُوا كذا وَكذا، وَيُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ وَيُسَبِّحُونَ وَيَعُدُّونَ بالحَصَى أَعْدَاداً مُعَيَّنَةً كذا وَكذا.

فَوَقَفَ عليهم ابنُ مسعودٍ فَقَالَ: لأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْ أصحابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَنَّكُمْ مُبْتَدِعُونَ بِدْعَةً عظيمةً؟ قَالُوا: وَما ذاكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ نَحْنُ نَذْكُرُ اللهَ وَنُرِيدُ الخيرَ. قَالَ: وَكمْ مُرِيدٍ للخيرِ لا يُدْرِكُهُ. ثمَّ أَنْكَرَ عليهم هذا العملَ.

التسبيحُ وَالتهليلُ وَالتكبيرُ مطلوبٌ، لكنْ بِدُونِ هذهِ الصفةِ، بدونِ هذا الاجتماعِ، عَقْدِ الاجتماعِ، وَبدونِ عددٍ مُحَدَّدٍ إِلاَّ بدليلٍ.التهليلاتُ وَالتسبيحاتُ وَالتكبيراتُ لا تُحَدَّدُ إِلاَّ بدليلٍ مِن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْكَرَ عليهمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذا الصَّنِيعَ، معَ أنَّهُم يَذْكُرُونَ اللهَ وَفي المسجدِ، لكنْ هذهِ الصفةُ التي أَحْدَثُوهَا هذهِ بدعةٌ، هوَ ما أَنْكَرَ عليهِم الذِّكْرَ، وَلكنْ أَنْكَرَ عليهم هذهِ الصفاتِ المُحْدَثَةَ، وَغَلَّظَ عليهم في ذلكَ، وَأَنْكَرَ عليهم وَفَرَّقَهُم.

قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْتُ هؤلاءِ أَوْ كَثِيراً منهم يُطَاعِنُونَنَا في النَّهْرَوَانِ، بِدْعَتُهُم تَحَوَّلَتْ بهم إِلى أنْ قَاتَلُوا أهلَ السُّنَّةِ في وَقعةِ النَّهْرَوَانِ التي كانتْ بينَ أميرِ المؤمنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَبينَ الخوَارِجِ، صَارُوا معَ الخوارجِ وَالعياذُ باللهِ.

وهذا مَآلُ البدعةِ وَالعياذُ باللهِ،كيفَ تَذْهَبُ بِصَاحِبِهَا. فمِنْ طريقةِ أهلِ السُّنَّةِ، أَوْ مِن السُّنَّةِ -كما يَقُولُ المُصَنِّفُ هنا- هِجْرَانُ أهلِ البِدَعِ حتَّى يَرْتَدِعُوا عَنْ بِدْعَتِهِمْ؛ لأنَّ في عَدَمِ هَجْرِهِمْ تَشْجِيعاً لهم وَإِقراراً لهم وَتَغْرِيراً بالناسِ أيضاً أنْ يَنْخَدِعُوا بِهِمْ، فإِذا هَجَرَهُم أهلُ العلمِ وَالقدوةِ فالناسُ يَنْجَفِلُونَ عَنْهُم، وَهم أَيْضاً يَخْجَلُونَ أمامَ الناسِ.

وَلهذا كانت البِدَعُ مَغْمُورَةً في عهدِ الصحابةِ وَالقرونِ المُفَضَّلَةِ، كانتْ مغمورةً جِدًّا لا تَظْهَرُ، وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ بَعْدَ القرنِ الرابعِ، بعدَ مُضِيِّ القرونِ المُفَضَّلَةِ ظَهَرَت البِدَعُ في الناسِ.وَلا يُقَالُ ما يَقُولُهُ بعضُ الجُهَّالِ الآنَ: إِنَّ المُبْتَدِعَ تُذْكَرُ حَسَنَاتُهُ، وَيُبَيَّنُ ما عِنْدَهُ مِن البِدَعِ وَتُذْكَرُ حَسَنَاتُهُ وَالمُوَازَنَاتُ.

نَقُولُ: هذا تشجيعٌ لهُ، إِذا ذَكَرْتَ أنَّ هذا المُبْتَدِعَ لهُ حَسَنَاتٌ يَقُولُ الناسُ: ما دَامَ لهُ حسناتٌ فالبدعةُ أَمْرُهَا سَهْلٌ، يَعْنِي: سَهْلٌ وَيُمْكِنُ تُغْفَرُ لهُ وَما أَشْبَهَ ذلكَ.فهذا فيهِ تَرْوِيجٌ للبدعةِ، وَتَمْرِيرٌ للبدعةِ، نَحْنُ لم نُؤْمَرْ بِعَدِّ الحسناتِ، هذهِ إِلى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثمَّ ما الذي يُدْرِينَا عَنْ حَسَنَاتِهِم وَأنَّها حَسَنَاتٌ عندَ اللهِ، ما الذي يُدْرِينَا عَنْ هذا. لَمْ نُؤْمَرْ بهذا، وَإِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نُنَبِّهَ على الخطأِ لِيَجْتَنِبَهُ الناسُ، أمَّا أَنَّنَا نُعَدِّدُ حَسَنَاتِ الناسِ هذا عندَ اللهِ لهُ مِيزَانٌ يومَ القيامةِ، تُوزَنُ الحسناتُ وَالسيِّئَاتُ يومَ القيامةِ، أمَّا نَحْنُ وَاجِبُنَا بيانُ الخطأِ؛ لِيَتَجَنَّبَهُ الناسُ وَلِيَتُوبَ المُخْطِئُ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذا أَرَادَ اللهُ بهِ خَيْراً، أمَّا أَنَّنَا نَذْكُرُ حَسَنَاتِهِ وَمَزَايَاهُ فهذا يُهَوِّنُ البدعةَ.

يقولونَ: ما دامَ أنَّ هذهِ أَعْمَالُهُ، وَعندَهُ هذهِ الحسناتُ وَهذهِ الفضائلُ، أمَّا البدعةُ جُزْئِيَّةٌ أَوْ نحوٌ مِنْ ذلكَ، فَيَتَسَاهَلُ الناسُ بالبِدَعِ. وَفي الثناءِ على المُبْتَدِعِ، فيهِ تَقْرِيرٌ لهُ على بِدْعَتِهِ، وَتَشْجِيعٌ لهُ على بدعتِهِ، فهذهِ طريقةٌ خاطئةٌ.

المَتْنُ: (وَمُبَايَنَتُهُمْ.)

الشرحُ: وَمُبَايَنَتُهُمْ، يعني: مُفَارَقَتُهُم، وَعدمُ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ؛ مِنْ أجلِ أنْ يَحْذَرَهُم الناسُ، وَمِنْ أجلِ أنْ يَخْجَلُوا هم وَيكونُوا غُرَبَاءَ في المجتمعِ، كما كانَ ذلكَ في عهدِ القرونِ المُفَضَّلَةِ، كانَ المبتدعةُ مَغْمُورِينَ لا قِيمَةَ لهم، وَلا يُؤْبَهُ بهم، وَإِنَّمَا ظَهَرُوا بعدَ مُضِيِّ القرونِ المُفَضَّلَةِ.

المَتْنُ: (وَتَرْكُ الجدالِ وَالخُصُومَاتِ في الدِّينِ).

الشرحُ: كذلكَ مِن السُّنَّةِ تَرْكُ الخصوماتِ وَالجدالِ في الدِّينِ. الدينُ وَللَّهِ الحمدُ وَاضحٌ، بَيَّنَهُ اللهُ وَرسولُهُ، فالواجبُ عَلَيْنَا الامتثالُ وَالعملُ، وَلا نَتَخَاصَمُ في أُمُورِ العباداتِ وَأُمُورِ الدِّينِ وَنُنَاقِشُ لماذا شَرَعَ اللهُ كذا؟ لِمَاذَا أَمَرَ اللهُ بكذا؟ ما هيَ الفائدةُ في كذا؟ كما يَفْعَلُ بعضُ الناسِ، يُمْضُونَ وَقْتَهُم في هذهِ الأمورِ: لِمَاذَا كَذَا؟ وَلماذا كذا؟ ما الحكمةُ في كذا؟ كأنَّ عِنْدَهُ شَكًّا.

الواجبُ الامتثالُ إِذا صَحَّ الدليلُ عَن اللهِ وَعنْ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَاجِبُكَ الامتثالُ، تَرْكُ الجدالِ وَالخصومةِ، كما قال تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. فالواجبُ الامتثالُ، إِنْ عَرَفْتَ الحكمةَ فالحمدُ للهِ، وَإِنْ لمْ تَعْرِفْهَا فَلَسْتَ بِمُكَلَّفٍ بالبحثِ عَن الحكمةِ، أنتَ مُكَلَّفٌ بمعرفةِ الدليلِ.

وَما دامتَ عرفْتَ الدليلَ وَجَبَ عليكَ الامتثالُ، وَلا يَتَوَقَّفُ امتثالُكَ على معرفةِ الحكمةِ، هذا سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ، أَمَّا سَبِيلُ أَهْلِ الشَّكِّ وَأَهْلِ الضلالِ فهوَ الجدالُ وَالخصوماتُ وَالنقاشُ معَ أوامِرِ اللهِ وَأوامِرِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَضِيعُ وَقْتُهُمْ في هذهِ الأمورِ، وَتَرْخُصُ الأوامرُ وَالنواهي عِنْدَهُمْ، فهذا مِنْ عملِ الشيطانِ وَالعياذُ باللهِ.

فهذا في الجدالِ الذي لا فَائِدَةَ مِنْ وَرائِهِ، أمَّا الجدالُ الذي فيهِ فائدةٌ في إِظهارِ الدِّينِ وَرَدِّ الشُّبَهِ، فهذا وَاجِبٌ؛قَالَ تَعَالَى لنبيِّهِ: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وقَالَ تَعَالَى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}. الجدالُ إِذا كانَ المقصودُ منهُ إِظهارَ الحقِّ وَقَمْعَ الباطلِ وَرَدَّ الشُّبَهِ، فهذا جدالٌ محمودٌ؛ لأنَّهُ لِبَيَانِ الحقِّ وَحمايَةِ الدِّينِ.

أمَّا الجدالُ الذي المقصودُ منهُ التَّعَسُّفُ وَالتَّكَلُّفُ وَإِظهارُ الشخصيَّةِ عندَ الناسِ، وَأنَّ هذا رَجُلٌ فَاهِمٌ، فهذا لا يَجُوزُ؛ لأنَّهُ لا فائدةَ مِنْ وَرائِهِ، بلْ يُوغِرُ الصدورَ وَيُوقِعُ العداوةَ بينَ الناسِ.فالجِدَالُ الذي لا فَائِدَةَ مِنْ وَرائِهِ، هذا مَنْهِيٌّ عنهُ، وَأمَّا الجِدَالُ الذي فِيهِ فائدةٌ للمسلمينَ وَإِظهارٌ للدِّينِ وَقَمْعٌ للباطلِ، فهذا أَمْرٌ وَاجبٌ.

وَأمَّا الجدالُ في أُمُورِ الدِّينِ وَالعباداتِ وَلِمَاذَا كذا؟ لِمَاذَا كذا؟ اللهُ جلَّ وَعلا نَهَى عَنْ ذلكَ فقال تعالى: {وَيُجَادِلوا الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيَدْحَضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً}.

الجدالُ الذي القصدُ منهُ إِظهارُ الباطلِ وَقَمْعُ الحقِّ، هذا مُحَرَّمٌ، وَكذلكَ الجدالُ الذي ليسَ منهُ إِظهارُ الباطلِ وَلا قَمْعُ الحقِّ، وَإِنَّمَا المرادُ بهِ التَّكَبُّرُ، وَبيانُ أنَّ الإِنسانَ عندَهُ فَهْمٌ، هذا أيضاً مذمومٌ، مذمومٌ لكنَّهُ أَقَلُّ مِن النوعِ الأوَّلِ؛ لأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شيءٌ، بلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ.

في عهدِ عُمَرَ ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لهُ: صبيغ، كانَ يُجَادِلُ في بعضِ الأمورِ، وَيُنَاقِشُ في أمورِ العباداتِ، وَيُشَكِّكُ في بعضِ الأمورِ، فاسْتَدْعَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَضَرَبَهُ، ثمَّ أَجْلاهُ مِن المدينةِ، حتَّى تابَ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حتَّى تابَ إِلى اللهِ وَرَجَعَ عَمَّا هوَ عَلَيْهِ. هذا دليلٌ على أنَّ الذي ما هَمُّهُ إِلاَّ الجدالُ وَالمناقشاتُ في أمورِ العباداتِ وَالتَّشْكِيكُ في أمورِ الدينِ، أنَّ هذا رَجُلُ سَوْءٍ، هذاالذي يَنْبَغِي أَنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُمْنَعُ مِنْ هذهِ الأمورِ وَالتَّظَاهِرِ بها أمامَ الناسِ.

وَيَدْخُلُ في ذلكَ ما يَعْمَلُهُ بعضُ الجُهَّالِ الآنَ مِن التَّشْكِيكِ في الأحاديثِ، وَلا لَهُمْ هَمٌّ إِلاَّ هذا حديثٌ كذا، وحديثٌ كذا، وَيُظْهِرُونَ هذا على الناسِ وَالعوامِّ، العوامُّ ما مَصْلَحَتُهُمْ بهذا؟ هذا يُشَكِّكُ الناسَ في أمورِ الدينِ، وَيُشَكِّكُهُمْ في السُّنَّةِ، لا يُظْهَرُ هذا أمامَ الناسِ وَأَمَامَ الجُهَّالِ وَالمُبْتَدِئِينَ في طلبِ العلمِ.

هذا إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شُئُونِ العلماءِ المُتَخَصِّصِينَ في أمورِ الجَرْحِ وَالتعديلِ، وَأمورِ الشريعةِ، وَيكونُ بَيْنَهُمْ، وَلا يَظْهَرُ للناسِ فَيَجِبُ الحذرُ مِنْ هذهِ الطريقةِ.

المَتْنُ: (وَتَرْكُ النَّظَرِ فِي كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ وَالإِصْغَاءِ إِلَى كَلامِهِمْ).

الشرحُ: هذا عَوْدٌ على ما سَبَقَ، إِذا كانَ الواجبُ هَجْرَ المُبْتَدِعَةِ فإِنَّهُ يَجِبُ هَجْرُ كُتُبِهِمْ أيضاً؛ لأنَّهُ قدْ يَكُونُونَ قدْ مَاتُوا، ما هُمْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ماتُوا لكنَّ كُتُبَهُمْ باقيَةٌ، كُتُبُ المبتدعةِ باقيَةٌ، فلا يَجُوزُ للإِنسانِ المُبْتَدِئِ الذي ليسَ عندَهُ أَهْلِيَّةٌ أنْ يَطَّلِعَ على هذهِ الكُتُبِ؛ لأنَّهُ يَغْتَرُّ بما فيها، وَتُرَوَّجُ عَلَيْهِ.أمَّا الإِنسانُ المُتَمَكِّنُ في العلمِ، الراسخُ في العلمِ فإِنَّ لهُ أنْ يَطَّلِعَ على هذهِ الكُتُبِ؛ مِنْ أجلِ أنْ يَرُدَّ عليها، وَيُحَذِّرَ مِمَّا فِيهَا.

أمَّا مَنْ لَيْسَتْ عندَهُ أَهْلِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ يَعْرِفُ بها الحقَّ مِن الباطلِ وَالخطأَ مِن الصوابِ فليسَ لهُ أَنْ يُطَالِعَ في كُتُبِ أَهْلِ البِدَعِ وَكُتُبِ الفِرَقِ الضالَّةِ؛ لِئَلاَّ تَدْخُلَ في فِكْرِهِ وَفي عَقِيدَتِهِ؛ لأنَّهُ جَاهِلٌ، وَهي قدْ يَكُونُ لَهَا بَرِيقٌ، وَلها عِبَارَاتٌ رَشِيقَةٌ تَغُرُّ الإِنسانَ الذي ليسَ عندَهُ بَصِيرَةٌ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ أهلَ الباطلِ يُعْطَوْنَ الجدلَ وَالشِّقَاقَ مِنْ أجلِ الفتنةِ وَالعياذُ باللهِ.

قالَ اللهُ جلَّ وَعلا في المنافقينَ: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، يُحْسِنُونَ القولَ بحيثُ إِنَّ الذي يَسْمَعُهُمْ يَظُنُّ أنَّهم على صَوَابٍ، {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، يُنَمِّقُونَ الكلامَ وَالحُجَجَ، وَيُحْسِنُونَ صياغةَ الألفاظِ، وَهمْ مُنَافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ، وَالشاعِرُ يَقُولُ:

في زُخْرُفِ القَوْلِ تَزْيِينٌ لِبَاطِلِهِمْ* وَالْحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ

اللهُ جلَّ وَعلا يَقُولُ: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}.الزُّخْرُفُ في الأصلِ هوَ الذَّهَبُ، {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً}، يَعْنِي: ذَهَبٌ، أي:مُزَيَّنَةٌ بالذهبِ وَالفضَّةِ؛ مِنْ أَجْلِ اسْتِدْرَاجِهِمْ وَالعياذُ باللهِ، وَعَطَاءُ الدنيا ليسَ دَلِيلاً على رِضَا اللهِ سبحانَهُ وَتَعَالَى، بلْ هوَ إِمهالٌ وَاستدراجٌ، لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلا باللهِ، الزخرفُ أَصْلُهُ التَّزْيِينُ وَالتَّنْمِيقُ.

فَأَصْحَابُ الضلالِ في الغالبِ عِنْدَهُمْ تَزْوِيقٌ للعباراتِ، وَتَنْمِيقٌ في خُطَبِهِم وَفي محاضراتِهِم، وَفي كُتُبِهِم، فإِذا سَمِعَهَا أَوْ قَرَأَهَا الإِنسانُ الجاهلُ انْطَلَتْ عَلَيْهِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ قَلْبِهِ، فلذلكَ يُحَذَّرُ مِنْ مطالعةِ كُتُبِ أهلِ البدعِ وَالاستماعِ إِليهمْ في دُرُوسِهِم، وَفي محاضراتِهِم، وَفي بَرَامِجِهِم، يُحَذَّرُ الإِنسانُ مِنَ الاستماعِ إِليهم، إِلاَّ على وَجهٍ يُرِيدُ الإِنكارَ عليهم، وَهو يَقْدِرُ على ذلكَ، وَيَعْرِفُ الحقَّ مِن الباطلِ، فهذا مُقْتَضَى التَّعَامُلِ معَ أهلِ البِدَعِ وَكُتُبِهِمْ.

بعضُ الناسِ يقولونَ: اطْبَعُوا كُتُبَهُم وَرَوِّجُوهَا لأجلِ الثقافةِ، هذهِ ثقافةٌ وَهذهِ آرَاؤُهُمْ، وَالناسُ أَحْرَارٌ في آرَائِهِمْ، وَفي أنْ يُبْدُوا ما عِنْدَهُم.

نقولُ لهُ: لا، هذا لا يَجُوزُ فتحُهُ على المسلمينَ، لا يَجُوزُ فتحُ هذا البابِ على المسلمينَ، بلْ يَجِبُ أنْ تُصَادَرَ كُتُبُ أَهْلِ البدعِ وَكُتُبُ أَهْلِ الضلالِ، أنْ تُصَادَرَ مِنْ أسواقِ المسلمِينَ، وَمِنْ مَكْتَبَاتِهِمْ، وَمن مُتَنَاوَلِ أَيْدِيهِمْ؛ لأنَّها سُمُومٌ، مثلُ ما يُحْجَرُ على الناسِ في السُّمُومِ، تُمْنَعُ السمومُ مِن الانتشارِ، هذهِ أَضَرُّ وَالعياذُ باللهِ.

كذلكَ كما يُحْمَى الناسُ مِنْ أنْ يُعْمَلَ لَهُم حَجْرٌ صِحِّيٌّ مِن المَرْضَى، فهذا أَوْلَى أنْ يُعْمَلَ لهُ حَجْرٌ صِحِّيٌّ؛ لأنَّ ذاكَ يُغَيِّرُ الأبدانَ، وَهذا يُغَيِّرُ الإِيمانَ وَالعقولَ، فهوَ أَخْطَرُ وَأَشَدُّ، فلا نَتَسَاهَلُ في كُتُبِ أَهْلِ البِدَعِ وَكُتُبِ أهلِ الضلالِ وَنَقُولُ: هذهِ ثَقَافَةٌ، وَالإِنسانُ يَصِيرُ عندَهُ اتِّسَاعُ فِكْرٍ وَعَقْلٍ، وَعندَهُ اتِّسَاعُ عَقْلٍ لا يَضِيقُ... هذا كُلُّهُ مِن الدعايَةِ للباطلِ.

فالواجبُ أنْ يُحَذَّرَ مِنْ أهلِ البدعِ في أشخاصِهِم، وَيُحَذَّرَ مِنْ سماعِ كَلامِهِم، وَيُحَذَّرَ مِنْ كُتُبِهِم، وَهذهِ بَلِيَّةٌ بَقَاءُ كُتُبِهِم مِنْ بعدِهِم، لا نَقُولُ: إِنَّهُم مَاتُوا وَمضوا، همْ وَإِنْ مَاتُوا بِأَبْدَانِهِمْ، إِلاَّ أنَّ أَفْكَارَهُم مَوْجُودَةٌ في هذهِ الكتبِ، وَلها زَبَائِنُ يُرَوِّجُونَهَا.فَيَجِبُ الحَذَرُ، يَجِبُ الحَذَرُ مِنْ ذلكَ غايَةَ الحَذَرِ؛ فإِنَّهَا خَطَرٌ يُهَدِّدُ المسلمينَ.

المَتْنُ: (وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ).

الشرحُ: لَمَّا حَذَّرَ مِن البدعِ وَالمبتدعةِ، أَرَادَ أنْ يُبَيِّنَ ما هيَ البدعةُ، ضابِطُ البِدْعَةِ ما هوَ؟

قَالَ: كلُّ محدثةٍ فِي الدِّينِ فإِنَّهَا بِدْعَةٌ؛ لأنَّ الدينَ لا يَقْبَلُ البدعَ، الدِّينُ هوَ ما شَرَعَهُ اللهُ وَرسولُهُ فقطْ، وَلا يُقْبَلُ ما شَرَعَهُ فلانٌ أَوْ قالَهُ فلانٌ إِلاَّ بدليلٍ مِنْ كتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّ مُحْدَثَةٍ فِي الدينِ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ.

أمَّا المُحْدَثَاتُ في أمورِ العاداتِ، وَأُمُورِ المنافعِ، الأصلُ فيها الإِباحةُ وَالحمدُ للهِ، حَدَثَ أشياءُ مِن الصناعاتِ وَالاختراعاتِ لمْ تَكُنْ موجودةً مِنْ قبلُ، فلا نَقُولُ: إِنَّ هذهِ بِدَعٌ، هذهِ مِمَّا أَبَاحَ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنَّ هذهِ ما هيَ مِنْ أُمُورِ الدينِ، هذهِ مِنْ أمورِ العاداتِ وَأمورِ المصالحِ التي خَلَقَهَا اللهُ لعبادِهِ.

فنحنُ نَرْكَبُ الطائرةَ وَالسيَّارةَ وَالباخرةَ، وَنَسْتَعْمِلُ مُكَبِّرَاتِ الصوتِ وَالمُسَجِّلاتِ، كلُّ هذهِ مُخْتَرَعَاتٌ، ما هيَ مِن الدِّينِ، إِنَّمَا هيَ وَسائلُ نَفْعٍ للناسِ، وَمَن اسْتَخْدَمَهَا في الخيرِ صارَتْ نِعْمَةً وَعَوْناً على طاعةِ اللهِ، وَمَن اسْتَعْمَلَهَا في الشرِّ، فهذا مِنْ سُوءِ تَصَرُّفِهِ هوَ، وَإِلاَّ هيَ مصالحُ للناس.

فالحاصِلُ أنَّ البدعةَ هيَ ما أُحْدِثَ في الدينِ، أمَّا ما أُحْدِثَ في أمورِ العاداتِ وَأمورِ الصناعاتِ وَأمورِ الدُّنيا، هذهِ لَيْسَتْ مِن البدعِ.فالصحابةُ كَانُوا يُجَاهِدُونَ بالرمحِ وَبالسهامِ وَالنَّبْلِ وَالسيوفِ، الآنَ حَدَثَ ما تَعْلَمُونَ مِن الأسلحةِ المُتَطَوِّرَةِ: الصواريخِ وَالطائراتِ وَالدبَّاباتِ وَالقَنَابِلِ، حَدَثَ أشياءُ لم تَكُنْ مَوْجُودَةً مِنْ قَبْلُ.

هلْ نقولُ: إِنَّ هذهِ بِدَعٌ وَلا نُرِيدُهَا؟ لا، بل يَجِبُ عَلَيْنَا أَنَّنَا نَأْخُذُ منها ما يُعِينُنَا على قَمْعِ عَدُوِّنَا، قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}:مِنْ قُوَّةٍ، فَتَعُمُّ كُلَّ قُوَّةٍ، وَفي كلِّ وَقتٍ بِحَسَبِهِ وَإِمكانياتِهِ، وَإِلاَّ لَوْ بَقِينَا على الرمحِ وَالنبلِ وَالسيفِ، معَ وُجُودِ هذهِ الأسلحةِ المُدَمِّرَةِ وَالفتَّاكَةِ، لَمَا أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئاً، وَقُوَّةُ العدوِّ ما تُدْفَعُ إِلاَّ بِمِثْلِهَا أَوْ أَشَدَّ مِنْهَا. وَلهذا قَالَ جَلَّ وَعَلا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَلم يُحَدِّدْ. مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ؛ لأنَّ الخيلَ فيها الخيرُ إِلى يومِ القيامةِ، كما قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). فهيَ آلةُ جِهَادٍ، وَهيَ تُرْهِبُ العَدُوَّ.

{وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ}. هناكَ أعداءٌ مُنْدَسُّونَ بَيْنَنَا، لا نَعْلَمُهُمْ، فَإِذا أَعْدَدْنَا القوَّةَ أَغَظْنَاهُم، وَإِذا أَعْدَدْنَا القوَّةَ أَغَظْنَا العدوَّ الخارجيَّ وَالعدوَّ الداخليَّ، أمَّا إِذا لم نُعِدَّ القوَّةَ فَرِحَ العدوُّ الخارجيُّ وَالعدوُّ الداخليُّ.

فلا بُدَّ مِن القُوَّتَيْنِ: قُوَّةِ الحُجَّةِ وَذلكَ بالعلمِ النافعِ، وَقوَّةِ السلاحِ وَذلكَ بإِعدادِ آلاتِ الجهادِ المُتَطَوِّرَةِ في كلِّ زمانٍ بِحَسَبِهِ، قَالَ تَعَالَى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}. المنافقونَ يُجَاهَدُونَ بالحُجَّةِ وَاللسانِ، وَالكافرونَ يُجَاهَدُونَ بالسيفِ وَالسِّنَانِ.

المَتْنُ: (وَكُلُّ مُتَّسِمٍ بِغَيْرِ الإِسلامِ وَالسُّنَّةِ مُبْتَدِعٌ).

الشرحُ: أيضاً التَّسَمِّي بغيرِ الإِسلامِ وَالسُّنَّةِ، فالَّذِي يَنْتَسِبُ إِلى مَبْدَأٍ أَوْ إِلى مَذْهَبٍ أَوْ إِلى شخصٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يَأْتِيكُم الأمثلةُ على هذهِ الأمورِ.الانتسابُ إِنَّمَا يَكُونُ إِلى أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ، وَالاتِّبَاعُ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا هوَ الانتسابُ الصحيحُ، أمَّا الانتسابُ للفِرَقِ وَالنِّحَلِ وَالمذاهبِ وَالمبادِئِ المُخَالِفَةِ للكتابِ وَالسُّنَّةِ فإِنَّ هذا ضلالٌ.

المَتْنُ: (كالرافضةِ).

الشرحُ: كالرافضةِ. الرافضةُ طائفةٌ مِن الشِّيعَةِ يُقَالُ لهم: الرافضةُ، وَيُقَالُ لهم: الجَعْفَرِيَّةُ وَالمُوسَوِيَّةُ. سُمُّوا بالرافضةِ؛ لأنَّهُم جَاؤُوا إِلى زيدِ بْنِ عَلِيِّ بنِ الحسينِ بْنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنهم، فَقَالُوا لهُ: تَبَرَّأْ مِنْ أبي بكرٍ وَعمرَ. قَالَ: لا أَتَبَرَّأُ منهما، بلْ هما صَاحِبَا جَدِّي وَوَزِيرَاهُ. يَعْنِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَزِيرَاهُ وَمُسْتَشَارَاهُ. قَالُوا: إِذاً نَرْفُضَكَ. يَعْنِي: نَتْرُكَكَ وَلا نَتَّبِعَكَ، فَسُمُّوا بالرافضةِ؛لأنَّهُم رَفَضُوا زيدَ بْنَ عَلِيٍّ مِنْ أَئِمَّةِ أهلِ البيتِ، فَسُمُّوا بالرافضةِ.

والذينَ يَنْتَسِبُونَ إِلى البيتِ مِن الشيعةِ يُقَالُ لهم: الزَّيْدِيَّةُ، الذينَ يَنْتَسِبُونَ إِلى زَيْدٍ، ما نَقُولُ: يَتَّبِعُونَ زيداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بلْ يَنْتَسِبُونَ إِليهِ مُجَرَّدَ انْتِسَابٍ، هَؤُلاءِ يُقَالُ لهم: الزَّيْدِيَّةُ. وَالذينَ يَنْتَسِبُونَ إِلى جَعْفَرٍ الصادقِ بنِ مُحَمَّدٍ الباقرِ بْنِ عَلِيِّ بنِ الحسينِ.

هؤلاءِ يُقَالُ لهُم الجَعْفَرِيَّةُ، وَهؤلاءِ مُنْتَسِبُونَ فقطْ، لَيْسُوا على مذهبِ جعفرٍ الصادقِ رَحِمَهُ اللهُ؛ لأنَّهُ مِنْ علماءِ أهلِ السُّنَّةِ، وَمِنْ علماءِ السَّلَفِ، فهمْ يَنْتَسِبُونَ إِليهِ مُجَرَّدَ انتسابٍ، وَلا يَتَّبِعُونَهُ في ما هوَ عَلَيْهِ مِنْ مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ، وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ.كلُّ كُتُبِهِم مَشْحُونَةٌ بالكَذِبِ على أبي عَبْدِ اللهِ.قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: مَنْ يَعْنُونَ؟ يَعْنُونَ جَعْفَراً الصادقَ رَحِمَهُ اللهُ، يَنْسِبُونَ إِليهِ الكذبَ وَالعياذُ باللهِ.

هؤلاءِ يُقَالُ لهُمُ: الجَعْفَرِيَّةُ، وَالصِّنْفُ الأوَّلُ يُقَالُ لهُمُ: الزَّيْدِيَّةُ، الذينَ يَنْتَسِبُونَ إِلى زيدٍ.وَعلى كلِّ حالٍ نَحْنُ لَسْنَا مَأْمُورِينَ بالانتسابِ إِلى جعفرٍ أَوْ إِلى زيدٍ أَوْ إِلى فلانٍ أَوْ عِلاَّنٍ، بلْ مَأْمُورُونَ بالانتسابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا هوَ الذي نَحْنُ مَأْمُورُونَ بالانتسابِ إِليهِ.

المَتْنُ: (وَالْجَهْمِيَّةِ).

الشرحُ: الجَهْمِيَّةُ هؤلاءِ أَتْبَاعُ الجَهْمِ بنِ صَفْوَانَ التِّرْمِذِيِّ صَاحِبِ الأباطيلِ وَالكُفْرِيَّاتِ وَالعِيَاذُ باللهِ، فهوَ يَنْفِي الأسماءَ وَالصفاتِ عَن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهوَ يَقُولُ بالجَبْرِ، أنَّ العِبَادَ مَجْبُورُونَ على أعمالِهِم، وَليسَ لهُم اخْتِيَارٌ وَلا قُدْرَةٌ، هذا الجبرُ.وَعندَهُ أيضاً الإِرجاءُ، قَضِيَّةُ الإِرجاءِ، وَهوَ أنَّ الإِيمانَ مُجَرَّدُ المعرفةِ في القلبِ، وَلوْ لم يُصَدِّقْ، وَلوْ لم يَنْطِقْ، وَلوْ لم يَعْمَلْ، ما دَامَ يَعْرِفُ أنَّ اللهَ رَبُّهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ، يَعْرِفُ هذا بِقَلْبِهِ فهوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يُشْتَرَطُ العملُ وَلا القولُ، وَلا التصديقُ، يَكْفِي مُجَرَّدُ المعرفةِ في القلبِ، هذا مَذْهَبُهُ في الإِرجاءِ وَالعياذُ باللهِ.

فهوَ جَمَعَ بينَ خَبَائِثِ جَبْرٍ وَإِرجاءٍ وَتَجَهُّمٍ: تَجَهُّمٌ في الصفاتِ، وَجَبْرٌ في القَدَرِ، وَإِرْجَاءٌ في الإِيمانِ، كُلُّهَا خَبَائِثُ وَالعياذُ باللهِ. هذا هوَ الجَهْمُ بنُ صَفْوَانَ، وَهو تَلَقَّى مَذْهَبَهُ عَن الجعدِ بنِ دِرْهَمٍ. وَالجعدُ بنُ دِرْهَمٍ تَلَقَّاهُ عَن اليهودِ، عَنْ أَبَانٍ وَعنْ طالوتَ اليَهُودِيَّيْنِ، فَمَذْهَبُهُمْ مُنْحَدِرٌ مِنْ مَذْهَبِ اليهودِ.

وَالجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ قَتَلَهُ أميرُ العراقِ خالدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ في وَقْتِ الأُمَوِيِّينَ. جاءَ يومَ العيدِ في مُصَلَّى العيدِ خَطَبَ الناسَ وَقالَ: يا أَيُّهَا الناسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلِ اللهُ ضَحَايَاكُمْ؛ فإِنِّي مُضَحٍّ بالجعدِ بنِ دِرْهَمٍ؛ فَإِنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللهَ لمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلم يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيماً. ثمَّ نَزَلَ إِليهِ وَذَبَحَهُ تحتَ المِنْبَرِ، وَذلكَ بِأَمْرِ العلماءِ الذينَ في وَقْتِهِ، حَكَمُوا بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ وَوُجُوبِ قَتْلِهِ، فَقُتِلَ مُرْتَدًّا عَنْ دينِ الإِسلامِ وَالعياذُ باللهِ؛ وَلهذا يَقُولُ العلاَّمَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في هذا الموضوعِ:

وَلأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدٌ الْـ ـقَسْرِيُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ القُرْبَانِ

إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ خَلِيلَهُ كَلاَّ وَلا مُوسَى الكَلِيمَ الدَّانِي

شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ للهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ

فهذا هوَ الجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ.

وأمَّا الجَهْمُ بنُ صفوانَ فَإِنَّهُ تِلْمِيذُهُ، الذي أَظْهَرَ مَقَالَتَهُ في الناسِ؛ لأنَّ الجعدَ كانَ في عهدِ السلفِ، وَكما ذَكَرْتُ لَكَ أَنَّهُ في عهدِ السلفِ كانَ أهلُ البدعِ مَغْمُورِينَ، لا يَسْتَطِيعُونَ إِظْهَارَ بِدْعَتِهِمْ، فَلَمَّا جاءَ الجهمُ بنُ صفوانَ أَظْهَرَ هذهِ البدعةَ، وَنَاظَرَ عليها، وَدَعَا إِليها وَأَبْرَزَهَا، فَقَتَلَهُ سالمُ بنُ أَحْوَزَ الأميرُ الذي كانَ في جِهَتِهِ، فَقَتَلَهُ كما قُتِلَ شَيْخُهُ الجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ. وَهكذا كانَ السلفُ، كانُوا يُبَادِرُونَ إِلى قَتْلِ الزَّنَادِقَةِ وَالمُبْتَدِعَةِ وَالمُرْتَدِّينَ، يُبَادِرُونَ إِلى قَتْلِهِمْ وَإِزَالَتِهِم مِن الوجودِ؛ حمايَةً لهذا الدِّينِ، وَكانَ ذلكَ بِفَتْوًى مِنْ أهلِ العلمِ في زمانِهِم.

المَتْنُ:(وَالْخَوَارِجِ).

الشريط الثاني عشر

الشَّرْحُ: وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ رَابِعِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ, خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ وكَفَّرُوهُ والعِيَاذُ باللهِ, وقَاتَلُوهُ, كانوا معه.., يُجَاهِدُونَ مَعَهُ, ثُمَّ إِنَّه لَمَّا صَارَ التَّحْكِيمُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وذَلِكَ بأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَلَحُّوا عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بقَبُولِ التَّحْكِيمِ, فَقَبِلَهُ رضي الله عنه - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مُكْرَهاً, وإِلاَّ هو يَرَى الاسْتِمْرَارَ فِي القِتَالِ حَتَّى النِّهَايَةِ, فَلَمَّا ظَهَرَ التَّحْكِيمُ في غَيْرِ رَغْبَتِهِمْ خَطَّأُوا عَلِيًّا وكَفَّرُوهُ, وقَالُوا: أَنْتَ حَكَمْتَ الرِّجَالَ واللهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ}.

فَخَرَجُوا عَلَيْهِ, شَقُّوا عَصَا الطَّاعَةِ, وتَجَمَّعُوا والْتَفَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ -رضى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي مَعْرَكَةِ النَّهْرَوانِ,
فَقَتَلَهُمْ شَرَّ قِتْلَةٍ, ونَصَرَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ وأَرَاحَ المسلمون المُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِمْ.

ولَكِنَّ هَذَا المَذْهَبَ بَاقٍ, ومِنْ مَذْهَبِهِمْ: تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الكَبَائِرِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ, يَقُولُونَ: عن مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ إنه كَافِرٌ, الزَّانِي والسَّارِقُ وشَارِبُ الخَمْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ مَنْ فَعَلَهَا كَفَرَ وخَرَجَ مِنَ المِلَّةِ, وهَذَا خِلافُ، الحَقِّ, وخِلافُ الكِتَابِ والسُّنَّةِ, ومَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ يَكُونُ فَاسِقاً، نَاقِصَ الإيمانِ, ولا يَكُونُ كَافِراً.

هَذَا هو المَذْهَبُ الحَقُّ, فَهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ جَرِيمَتَيْنِ:

الجَرِيمَةُ الأُولَى: الخُروجُ عَلَى وُلاةِ الأُمُورِ, واعْتِبَارُأنَّ هذا مِنَالأَمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ, وهو المُنْكَرُ بعَيْنِهِ ولَيْسَ هو مَعْروفاً, والخوارج تُكَفِّرُ العُصَاةَ مِنْ هَذِهِ الامة الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ, وبمُوجِبِ ذَلِكَ حَكَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْهُمْ بالكُفْرِ والخُلُودِ في النَّارِ؛ لأَنَّهُمْ هُم أيضاً لا يَسْلَمُونَ من ذلك (مِنَ الكَبَائِرِ). خُرُوجُهُمْ عَلَى وجه وَلِيِّ الأَمْرِ أَلَيْسَ هُوَ مِنَ الكَبَائِرِ؟ فمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ حَكَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ والخُلُودِ في النَّارِ والعِيَاذُ باللهِ, هؤلاءِ هُمُ الخَوَارِجُ, فَكُلُّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ وهو شَقُّ العَصَا والخُرُوجُ عَلَى أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ أو كَفَّرَ عُصَاةَ المُسْلِمِينَ بالكَبَائِرِ الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الخَوَارِجِ في أَيِّ زَمَانٍ وفي أَيِّ مَكَانٍ.

المَتْنُ: (والقَدَرِيَّةُ).

الشَّرْحُ: الإيمانُ بالقَدَرِ هو الرُّكْنُ السَّادِسُ مِنْ أَرْكَانِ الإيمانِ, (كلام غير مسموعسقط) وأَنَّ اللهَ كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ,
وأَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- شَاءَ وأَرَادَ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي هَذَا الكَوْنِ مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ, وكُفْرٍ وإِيمَانٍ, وطَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ,وأَنَّه بمَشِيئَةِ اللهِ وإِرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى, وأَنْ تُؤْمِنَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ, كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} هَذَا هُوَ الإيمانُ بالقَدَرِ, وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ, إلا ومَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ, فَاعْلَمْ هَذَا.

هَذَا هُوَ الإِيمَانُ بالقَدَرِ, وهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ, وهُنَاكَ فِرْقَتَانِ تُخَالِفَانِ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في أَمْرِ القَدَرِ:
الطَّائِفَةُ الأُولَى غَلَتْ فِي إِثْبَاتِ القَدَرِ ونَفَتْ قُدْرَةَ العَبْدِ ومَشِيئَتَهُ وإِرَادَتَهُ, وزعموا أَنَّهُ يَعْمَلُ بدُونِ مَشِيئَةٍ ولا قُدْرَةٍ ولا إِرَادَةٍ, وإِنَّمَا هو مُجْبَرٌ عَلَى أَعْمَالِهِ, لَيْسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيارٌ.

هَؤُلاءِ يُقَالُ لَهُمْ: الجَبْرِيَّةُ. غَالَوْا فِي إِثْبَاتِ القَدَرِ ونَفَوْا إِرَادَةَ العَبْدِ ومَشِيئَةَ العَبْدِ, والطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: القَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ قُدْرَةِ العَبْدِ واخْتَيارِ العَبْدِ ومَشيِئَةِ العَبْدِ, ونَفَوْا مَشِيئَةَ اللهِ وقُدْرَةَ اللهِ, هؤلاءِ غَلَوْا فِي جَانِبٍ, وهؤلاءِ غَلَوْا في جَانِبٍ, وهؤلاءِ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ اللهِ وإِرَادَتِهِ حَتَّى نَفَوْا مَشِيئَةَ العَبْدِ, وهؤلاءِ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ العَبْدِ, ونَفَوْا مَشِيئَةَ اللهِ وإِرَادَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى, وهَؤُلاءِ هُمُ القَدَرِيَّةُ بفِرْقَتَيْنهِمْ؛ الغُلاةِ والنُّفَاةِ.

ومَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مَعْلُومٌ, إِثْبَاتُ القَدَرِ وان وأَنَّ للهِ مَشِيئَةً وإِرَادَةً وأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بمَشِيئَةِ اللهِ وإِرَادَتِهِ, وأَنَّ للعَبْدِ مَشِيئَةً ولَهُ إِرَادَةٌ, ولَهُ اخْتِيارٌ يُثَابُ عَلَيْهِ أو يُعَاقَبُ, هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ, ومَنْ خَالَفَهُمْ يُقالُ لَهُم: القَدَرِيَّةُ؛ لأَنَّهُمْ خَالَفُوا في القَدَرِ.

المَتْنُ: (والمُرْجِئَةُ).

الشَّرْحُ: الأرجاء الإِرْجَاءُ فِي الأَصْلِ هُوَ التَّأْخِيرُ, يقول تَقُولُ: أرجئت الشيء أرجئه بمَعْنَى: أَخَّرْتَهُ, ولَمَّا اسْتَشَارَ فِرْعَوْنُ مَلأَهُ فِي مُوسَى وقَوْمِهِ قَالُوا: أَرْجِهْ وأَخَاهُ, أَرْجِهْ يَعْنِي: أَخِّرْ شَأْنَهُ إِلَى أَنْ ننظر وتَنْظُرَ (ناتي) بالسَّحَرَةِ يُنَاظِرُونَهُ أَمَامَ النَّاسِ لأَمْرٍ أَرَادَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالَى.

ظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيَتَغَلَّبُونَ عَلَى مُوسَى إِذَا جَاءُوا بالسَّحَرَةِ (الذين) عِنْدَهُمْ, وأن مُوسَى عندهم سَاحِرٌ,فَسَيَتَغَلَّبُونَ عَلَيْهِ, واللهُ أَرَادَ عَكْسَ هَذَا, أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مُوسَى جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ, وأَنَّ ما مَعَهُ مُعْجِزَةٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالَى لا يُقَابِلُهَا السِّحْرُ؛ ولِهَذَا في هَذَا المَشْهَدِ العَظِيمِ ظَهَرَ بُطْلانُ السِّحْرِ, وأرتَابَ السَّحَرَةُ, وخَرُّوا سُجَّداً للهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لأنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ مَا مَعَهُ فهم ليس بسحر لأَنَّهُمْ أَصْحَابُ مَعْرِفَةٍ وخِبْرَةٍ في بالسِّحْرِ.

عَرَفُوا أَنَّ مَا مَعَ مُوسَى لَيْسَ هو مِنْ صُنْعِ البَشَرِ, وإِنَّمَا هو مُعْجِزَةٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالَى وآيةٌ علَى صِدْقِهِ, فآمَنُوا بِهِ,فالشَّاهِدُ مِنْ قَوْلِهِ:{أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} يَعْنِي: أخره, أَخِّرْهُ حَتَّى يَحْضر المُنَاظَرَةُ, ويُرِيدُونَ إِبْطَالَ مَا مَعَهُ أَمَامَ النَّاسِ, هَذَا هو الإِرْجَاءُ, والمُرَادُ بالإِرْجَاءِ هُنَا تَأْخِيرُ الأَعْمَالِ عَنِ الإِيمَانِ.

يَقُولُونَ: الأَعْمَالُ لا تَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ, أَخَّرُوا الأَعْمَالَ عَنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ ومُسَمَّى الإِيمَانِ, فجَعَلُوا الأَعْمَالَ شَيْئاً والإِيمَانَ شَيْئاً آخَرَ, هؤلاءِ هُمُ المُرْجِئَةُ, وهُمْ فِرَقٌ أَرْبَعَةٌ: الفِرْقَةُ الأُولَى الجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِيمَانَ مُجَرَّدُ المَعْرِفَةِ في بالقَلْبِ, ولَوْ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئاً ولَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْ وَلَوْ لَمْ يَقُبلْ شَيْئاً, فَهُوَ مُؤْمِنٌ مَا دَامَ يَعْرِفُ فِي قَلْبِهِ.

وعَلَى هَذَا يَكُونُ فِرْعَوْنُ مُؤْمِناً؛ لأنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقٌّ, لَكِنَّهُ تَظَاهَرَ بالإِنْكَارِ مِن بَابِ العُلُوِّ والاسْتِكْبَارِ والعِيَاذُ باللهِ:{وَجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا انفسهم أَنْفُسُهُمْ وظُلْماً وعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ}.

فَعَلى مَذْهَبِ الجَهْمِيه من الجَبْرِيَّةِ يَكُونُ فِرْعَوْنُ مُؤْمِناً؛ لأَنَّهُ يَعْرِفُ في بقَلْبِهِ,وإِبْلِيسُ سكون يَكُونُ مُؤْمناً عِنْدَ هؤلاءِ؛ لأَنَّهُ يَعْرِفُ بَلْ صَرَّحَ ونَطَقَ, وقَالَ: {رَبِّي بِمَا أَغْوَيْتَنِي} وقَالَ:{فبعذتك} أَثْبَتَ اللهِ العِزَّةَ وحَلَفَ بِهَا, فيَكُونُ إِبْلِيسُ مُؤْمِناً عَلَى مَذْهَبِ هؤلاءِ؛ لأنَّهُ يَعْرِفُ ولا يَكْفُرُ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ بهذِهِ الطَّرِيقَةِ, هَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ, وهَذَا أَقْبَحُ فرق الإِرْجَاءِ.

الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: انهم الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بالقَلْبِ (غير مسموع), ولا تكفي المعرفة بل,لا بُدَّ مِنَ التَّصْدِيقِ بالقَلْبِ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ بلِسَانِهِ, ولَوْ لَمْ يَعْمَلْ بجَوَارِحِهِ, مَا دَامَ مُصَدِّقاً بقَلْبِهِ باللهِ وبرَسُولِهِ وبدِينِهِ فهو مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ, وهَذَا قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ , قول الأشاعرة ومَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الكَلامِ, فالإِيمَانُ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بالقَلْبِ.

الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الإِيمَانَ مُجَرَّدُ القَوْلِ, وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ بقَلْبِهِ, إِذَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ بقَلْبِهِ, وهَذَا قَوْلُ الكَرَّامِيَّةِ أتْباعِ مُحَمَّدِ بنِ كَرَّامٍ الَّذِين سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.

الفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ المُرْجِئَةِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بالقَلْبِ والنُّطْقُ باللِّسَانِ, أَمَّا العَمَلُ بالجَوَارِحِ فهَذَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ, وإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ للإِيمَانِ أو مكمل للإيمان, ولَيْسَ هو مِنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ, وهَؤُلاءِ يُقَالُ لَهُمْ: مُرْجِئَةُ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ عَلَيْهِمْ كَثِيراً مِنَ الحَنَفِيَّةِ, هَذَا مذهبهم أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ باللِّسَانِ واعْتِقَادٌ بالقَلْبِ, وأَمَّا الأَعْمَالُ فَلا تَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.

إِذاً يجد نَجِدَ أَنَّ المُرْجِئَةَ في بجَمِيعِ فِرَقِهِمْ الأَرْبَعِ كُلُّهُمْ أَخْرَجُوا الأَعْمَالَ عَنْ مُسَمَّى الإِيمَانِ, وعِنْدَهُمْ أَنَّ الإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ, لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ, وأَنَّ إِيمَانَ جِبْرِيلَ مِثْلُ إِيمَانِ أَفْسَقِ النَّاسِ, لا يَزِيدُ الإيمانُ ولا يَنْقُصُ عِنْدَهُمْ, بَلْ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ, كَمَا لا يَنفع مَعَ الكُفْرِ طَاعَةٌ, هَذَا مِنْ فُرُوعِ مَذْهَبِهِم البَاطِلِ.

أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ فكَمَا دَرَسْتُمْ يَقُولُونَ: أن الإِيمَانُ قَوْلٌ باللِّسَانِ، واعْتِقَادٌ بالقَلْبِ, وعَمَلٌ بالجَوَارِحِ, يَزِيدُ بالطَّاعَةِ, ويَنْقُصُ بالمَعْصِيَةِ, وليس إِيمَانُ النَّاسِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ, بَعْضُهُمْ أَكْمَلُ إِيماناً مِنْ بَعْضٍ, وبَعْضُهُم أَنْقَصُ, هَذَا هو القَوْلُ الحَقُّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الأَدِلَّةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

المَتْنُ:(والمُعْتَزِلَةُ).

الشَّرْحُ: المُعْتَزِلَةُ. نِسْبَةً إِلَى وَاصِلِ بنِ عَطَاءٍ شَيْخِهِمْ ورَئيسِهِمْ, وكَانَ فِي مَجْلِسِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- إِمَامِ التَّابِعِينَ, فسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ؟ فَقَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ. فَقَالَ وَاصِلُ بنُ عَطَاءٍ: لا, أَنَا لا أَقُولُ: هو مُؤْمِنٌ. ولا أَقُولُ: كَافِرٌ.

أَقُولُ: هو في المَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ, وإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ فَهُوَ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي الناب النَّارِ, فاعْتَزَلَ مَجْلِسَ الحَسَنِ, وانْضَمَّ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ, فَسُمُّوا بالمُعْتَزِلَةِ مِنْ ذَاكَ الوَقْتِ, ومَذْهَبُهُم قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الخَوَارِجِ فِي الإِيمَانِ, يَقُولُونَ: إِنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ مُؤْمِناً خَارِجاً مِنَ الإِيمَانِ, لَكِنَّهُ لا يَدْخُلُ فِي الكُفْرِ, بَلْ يَكُونُ فِي المَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ, وإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ فَهُوَ كَافِرٌ, كَمَا يقولون يَقُولُه الخَوَارِجُ, وهو مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.

هَذَا فذهب المُعْتَزِلَةِ, ومَذْهَبُهُمْ فِي الصِّفَاتِ أَيْضاً يَنْفُونَ الصِّفَاتِ ويُؤِّلُونَهَا, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ البَاطِلَةِ, هؤلاءِ هُمْ المُعْتَزِلَةُ.

المَتْنُ: (والكَرَّامِيَّةُ).

الشَّرْحُ: الكَرَّامِيَّةُ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ كَرَّامٍ, وكَانَ يَغْلُو فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ إِلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ, و فعِنْدَهُ غُلُوٌّ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ إِلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ.

المَتْنُ: (والكُلاَّبِيَّةُ).

الشَّرْحُ: أَتْبَاعُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدِ بنِ كُلاَّبٍ, وهَذَا عَلَيْهِ غَالِبُ الأَشَاعِرَةِ,أو كُلُّ الأَشَاعِرَةِ يَنْفُونَ غَالِبَ الصِّفَاتِ, ولا يُثْبِتُونَ إِلاَّ الصِّفَاتِ السَّبْعَ أو الأَرْبَعَ عَشْرَةَ, كَمَا يَقُولُونَ؛ لأنها لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: دَلَّ عَلَيْهَا العَقْلُ وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِا العَقْلُ, وإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهَا السَّمْعُ فَقَطْ. هَذَا مَذْهَبُ الكُلاَّبِيَّةِ.

المَتْنُ: (ونظائرها).

الشَّرْحُ: ونَظَائِرُ هَذِهِ الفِرَقِ؛ لأنَّهُ. إِنَّمَا جَاءَ بنَمَاذِجَ فَقَطْ, وإِلاَّفالفِرَقُ كَثِيرَةٌ, فتعدت وتَحْدُثُ فِرَقٌ ونتفرع وتَتَفَرَّعُ, كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:((وستختلف وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلاثٍة وسَبْعِينَ فِرْقَةً, كُلُّها فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً)). قَالُوا: هَذِهِ أُصُولُ الفِرَقِ, وإِلاَّ تَشَعُّبَاتُهَا وتزلقاتها وتَفَرُّقَاتُهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلاثٍة وسَبْعِينَ, لَكِنَّ هَذِهِ صورة أُصْولُهَا.

المَتْنُ: (فهَذِهِ فِرَقُ الضَّلالِ وطَوَائِفُ هداهم).

الشَّرْحُ: أآمِينَ نعم.


  #6  
قديم 13 ذو الحجة 1429هـ/11-12-2008م, 10:38 AM
طيبة طيبة غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 1,286
Post تيسير لمعة الاعتقاد للشيخ :عبد الرحمن بن صالح المحمود .حفظه الله ( مفرغ )

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن السنة : هجران أهل البدع, ومباينتهم , وترك الجدال والخصومات في الدين )) هجران أهل البدع ومباينتهم من منهج أهل السنة والجماعة, لأن أهل البدعة سواء كانت بدعهم عقدية؛ مثل الخوارج والمعتزلة وغيرهم, أو عملية ؛ مثل المتصوفة الذين يبتدعون في الأوراد والأذكار ونحوها, فإن هجران هؤلاء من منهج أهل السنة لأن هجرهم ردع لهم وتأديب لغيرهم وهو من الولاء والبراء , وقد يؤدي في النهاية إلى أن يرتدعوا عما هم فيه من بدعة.
وترك الجدال والخصومات في الدين أيضاً من منهج أهل السنة وهو يقصد بذلك المجادلات التي لا يقصد بها وجه الحق وكذلك الخصومات في دين الله سبحانه وتعالى , وهي ديدن أهل الفلسفة والكلام والبدع .

أما ما كان منها من قبيل المناقشات العلمية والردود الطيبة بالأسلوب الطيب فإن هذا قد وقع بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وردَّ بعضهم على بعض مع حبهم لبعض وكذلك أيضاً فيمن جاء بعدهم من التابعين والأئمة فهذا لا شيء فيه لكن الجدال الباطل والخصومات الباطلة هي المنهي عنها .

وكذلك أيضاً بالنسبة لأهل البدع : من لم يرتدع منهم بهجره ومباينته, وخيف من شره وشر بدعته على المسلمين , فإن الواجب الرد عليه ونقض بدعته , كما فعل أئمة أهل السنة والجماعة فيما بعد , ولهذا قال الشيخ هنا ((و)) أي ومن السنة أيضاً : (( ترك النظر في كتب المبتدعة, والإصغاء إلى كلامهم)) لأن هؤلاء

المبتدعة أحياناً يوردون شبهاً, ويميلون إلى ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة. فإذا قرأ الإنسان كتبهم, واطلع عليها , وسمع كلامهم ربما تأثر بذلك.

والأصل أن تربى النفوس, ويربى الطلبة على العقيدة الصافية, والأصل أيضاً ألا يمكن لأهل البدع فلا يسمح لهم بالحوار والمناقشة وشرح بدعهم ونشرها بين الناس ؛ لأن البدعة لها بريق إذا ظهرت وانتشرت عن طريق المحاورات والمناظرات او الكتب والأشرطة, فإن ذلك قد يؤدي إلى وقوع بعض الناس في شراكها.

فمنهج أهل السنة والجماعة عدم السماح للمبتدعة بأن يقولوا ما يشاؤون , وعدم فتح الحوار معهم , لأن الحوار الذي يتساوى فيه الطرفان المتحاوران مشعر بأنه قد يكون الحق معهم, والأمر واضح جلي في أنهم مبطلون , فهذا النوع من الحوار لا يكون بين حق وباطل فلا نأتي إلى اليهودي ونقول لـه : تعال نتحاور معك أمام العالمين وأمام الناس جميعاً مما يفهم منه تساوي الطرفين واحتمال أن يكون الحق مع أحدهما , بل نقول لليهودي: أنت مبطل من أول الطريق, وللنصراني : أنت مبطل من أول الطريق , ويكون الحوار معه ببيان الحق ودعوته إليه فقط .

أما الحوار الذي يكون في مسائل الاجتهاد بين علماء المسلمين وفقهائهم فهو الحوار الذي يفيد وينفع أما أن يؤتى إلى أهل الباطل ويقال لهم : تعالوا للحوار والذي يفوز منا يكن الحق معه وكأنها مباراة سباق أو كرة فهذا خطأ ولم يفعله السلف رحمهم الله تعالى .

فإن السلف - رحمهم الله - لم يفتحو باب الحوار, وإنما ناقشوا وردوا فردوا على المبتدعة في زمن محنة القول بخلق القرآن وردوا على القدرية وعلى الرافضة وعلى الخوارج وعلى المرجئة وعلى كافة أهل البدع, لكنهم لم يفتحوا باب الحوار معهم بالطريقة التي يريدها مبتدعة هذا الزمان .

وفرق بين هذا هذا , ومن ثم إن من الواجب على الشباب , وعلى المبتدئين في طلب العلم أن يحصنوا أنفسهم اولاً بالعلم النقي الصافي من عقيدة السلف الصالح والمنهج المؤصل المنقول من الكتاب والسنة الصحيحة ومناهج أئمة أهل السنة والجماعة , ثم يأخذون بعد ذلك ما يحتاجون إليه حينما تنتشر بدعة, أو حينما يظهر خطر شبهة أو نحو ذلك بطرق سليمة, بمناهج سليمة ومن علماء موثوقين .

أما أن ياتي مبتدئ في الطلب لبحث في كتب الفلاسفة أو في كتب المتكلمين ويقول : ليس عليَّ خطر في ذلك, فيقرأ فيها . وربما يمكث في قراءتها سنين طويلة فهذا يخالف عليه أن يتشرب شبهة أو بدعة كما هو حاصل.

ونحن سبق أن ذكرنا مثالاً مهماً جداً وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه أنه قال : (( من سمع منكم بالدجال فلينأ عنه))
(1) فالدجال يؤيده الله بخوارق؛ فتنة للناس , يأمر السماء فتمطر , ويأمر الأرض فتنبت, ويأمر الخربات تأتي بكنوزها, ويقتل الرجل ويعيده , فالرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن إتيانه والذهاب إليه ؛ لأنه إذا ذهب إليه واستمع إلى حديث ورأى خوارقه, ربما وقع في الفتنة وآمن به وصدقه كما في الحديث .
ونفس الأمر بالنسبة لمن يتعاطون كتب الفلسفة والكلام, فيقول أحدهم : عقيدتي قوية , ليس عليَّ خوف, أقرأ كيفما شئت في كتب الفلسفة, والمنطق وفي كتب المفكرين اليساريين والشيوعيين والملاحدة , ثم لا يزال به يقرأ ويقرأ حتى يتأثر وقد يصل الأمر ببعضهم إلى الإلحاد وتكذيب بعض قطعيات الشريعة , وغالبهم يضعف إيمانهم ويقينهم بالقرآن والسنة . وهذه من الآثار الخطيرة بالنسبة للفلسفة وعلم الكلام حيث إنها قد لا تصل

بالإنسان إلى الإلحاد والكفر بالله , إلا أنها قد تضعف إيمانه وثقته بالكتاب والسنة, ولهذا تجد هؤلاء المتشبعين بكتب الفلسفة وعلم الكلام وأهل البدع وكتب الفكر الغربي بكل مدارسه الإلحادية يغلب على الكثير منهم الاستهانة بالقرآن والسنة؛ فالقرآن عندهم ما هو إلا مواعظ تصلح للعامة, والسنة ما هي إلا أمور دينية تصلح الإعراب والجهلة ليس فيها حقائق علمية, أما العلم واليقين والمعرفة عند هؤلاء فلا تستقى إلا من كتب أولئك الفلاسفة والملاحدة قديماً وحديثاً والعلم واليقين والوصول إلى الحقائق عند هؤلاء لا يوصل إليه عن طريق الكتاب والسنة, تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً ولهذا قال الشيخ : (( والإصغاء إلى كلامهم)) وكلمة الإصغاء تدل على الاستماع مع الاهتمام بما يقولون, وهو ما لا يستحقه علمهم الباطل والناقص , كما أن الإصغاء لهم خطر على صاحبه المغي كما سبق.

ثم قال : (( وكل محدثة في الدين بدعة)) كل محدثة بدعة بنص حديث الرسول عليه الصلاة والسلام
(2) ثم قال :
(( وكل متسم بغير الإسلام فهو مبتدع)) هذا تعريف عام للسمة العامة للبدع وأهلها , وتفصيل معنى البدعة وضابطها وأنواعها في الكتب التي فصلت ذلك كالاعتصام للشاطبي وغيره.
أما المؤلف فقد اكتفى بذكر أمثلة لرؤوس أهل البدع فقال : ((كالرافضة)) وقد سبق أن ذكرنا شيئاً من أصولهم , وكثير منها أصول كفرية تخرجهم عن دائرة الإسلام , منها : أعتقادهم العصمة في الأئمة وأنهم يعلمون المغيبات , وكذلك عبادتهم لأئمتهم ودعاؤهم والاستغاثة بهم وطلب مختلف الحاجات منهم والحج إلى قبورهم, كذلك أيضاً اعتقادهم بردة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إلا ثلاثة وسبهم وشتمهم للشيخين خاصة,
وتنقصهم من عائشة أم المؤمنين واتهامها , وغيرها من ضلالاتهم المشهورة.
ثم قال الشيخ : (( والجهمية)) وهم أتباع الجهم بن صفوان, وهذا الجهم قتله سَلْم بن أحوز بعد أن ظهرت زندقته, فهو من المبتدعة الذين أقيم فيهم حكم الله , والجهمية لهم ضلالات كثيرة , ومن أعظم ضلالاتهم : إنكار الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى, والقول بالجبر , وأن العبد لا قدرة لـه ولا إرادة, وإنما يتحرك في أفعاله كما تتحرك أوراق الشجر حينما تحركها الرياح.

ومن ضلالاته أن الإيمان هو المعرفة, فعنده أن من عرف الله فهو مؤمن, وهذا مذهب إرجائي غال ؛ لأن فرعون كان يعرف الله, وإبليس كان يعرف الله فعلى مذهبهم يكون فرعون وإبليس وغيرهم من الملاحدة والطواغيت الذين عرفوا الله مؤمنين, ولهذا صارت الجهمية من غلاة المرجئة, وقد اجتمع في هؤلاء الجهمية ثلاث جيمات :

جيم التجهم: الذي هو نفي الصفات, وجيم الإرجاء , وجيم الجَبر فهم جبرية جهمية مرجئة.

ثم قال الشيخ : (( والخوارج )) وهم المارقة , الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه , وأجمع المسلمون على قتالهم, وأهم ما يميزهم في عقيدتهم : تكفيرهم لمرتكب الكبيرة, حيث إن كل من ارتكب كبيرة فهو عندهم كافر في الدنيا مخلد في نار جهنم.

كما أنهم كفروا عثمان في آخر خلافته, وكفروا علياً , وكفروا الزبير , وعائشة, وطلحة, ومعاوية وعمرو بن العاص, وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم, وهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين أخبر عنهم

رسول الله عليه الصلاة والسلام ووردت فيهم أحاديث كثيرة متواترة .

ثم قال الشيخ : ((والقدرية)) وهم نفاة القدر الذين نفوا عن الله القدر وقالوا : إن الإنسان مستقل عن الله سبحانه تعالىفي الإرادة, ومستقل بفعله فهوخالق لفعله, وهؤلاء هم المعتزلة الذين أنكروا مرتبتي المشيئة والخلق .

والمعتزلة لهم أصولهم الخمسة المعروفة, ومنها العدل الذي ضمنوه نفي القدر, ولذلك سمُّوا قدرية, وقد روي في الحديث الذي يحسنه بعض العلماء بطرقه : ((القدرية مجوس هذه الأمة))
(3) شبهوا بالمجوس كما سبق أن شرحنا في باب القدر, لأنهم يقولون أن الله خالق ويقولون أن العبد خالق لفعله فاشبهوا المجوس في قولهم بخالقين.
ثم قال الشيخ : (( والمرجئة )) وهم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان فلا يدخلونها فيه, فكل من لم يدخل الأعمال في مسمى الإيمان فهو مرجئ, وهؤلاء المرجئة على درجات : فغلاتهم الجهمية يقولون : إن الإيمان هو المعرفة فقط, ومن المرجئة: الكَرَّامية الذين يقولون : إن الإيمان هو قول اللسان فقط فكل من قال بلسانه فهو مؤمن فالمنافق عندهم مؤمن وهذا باطل وإن كانوا يقولون : إن المنافق الذي لايوافق قلبه لسانه يكون يوم القيامة مخلداً في النار .

ومن المرجئة: الأشعرية والماريدية الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط.

ومن المرجئة: مرجئة الفقهاء رحمهم الله تعالى الذين يقولون : إن الإيمان

قول وتصديق, فهؤلاءكلهم يقال عنهم مرجئة, لأنهم لم يُدخلوا العمل في مسمى الإيمان.

ثم قال : (( والمعتزلة)) وهم الذين بدأت حركتهم باعتزال واصل بن عطاء خلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى, لماجاء الكلام حول مرتكب الكبيرة , فقال واصل بن عطاء خلافاً لأهل السنة والجماعة : لا أقول هو مؤمن لا أقول هوكافر, لكن في منزلة بينهما , فاعتزل حلقة الحسن البصر فسمُّوا معتزلة.

والمعتزلة اشتهروا بعد ذلك بأصولهم الخمسة : الأول: العدل وهو الذي سبق بيانه قبل قليل , وهو إنكار القدر؛ أي إنكار المرتبة الثالثة والرابعة من مراتب القدر : مرتبة المشيئة, ومرتبة الخلق , ونسبتهما إلى العبد, الثاني: التوحيد وهو نفيهم لجميع الصفات
عن الله سبحانه وتعالى , وهو الأصل الثاني عندهم , حيث إنهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات, لكن إثباتهم لأسماء لم ينفعهم, لأنهم انقسموا حيالها إلى قسمين :

قسم منهم قال : إنها اعلام محضة لا تدل على معاني ولا صفات.

والقسم الثاني منهم قالوا : إن الله عليم بلا علم , سميع بلا سمع , بصير بلا بصر , فكان مؤدى قولهم أيضاً : نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى.

الثالث من أصولهم : القول بالمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة , حيث قالوا أنه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر, فهو على - زعمهم - خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.

الرابع : إنفاذ الوعيد وهو أن من مات من أهل الكبائر من غير توبة فلابد أن ينفذ فيه الوعيد , فيكون مخلداً في نار جهنم .


الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهو الأصل الخامس الذي ضمنوه جواز الخروج على أئمة الجور, وقالوا : إنه يجوز الخروج على الإمام إذا كان جائراً .

هذه أصول المعتزلة الخمسة التي اشتهروا بها , وأضافوا إلى ذلك أموراًكثيرة, منها إنكار الشفاعة وقدسبق بيانه, ومنها إنكار رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة , وقد سبق أيضاً الإشارة إلى مذهبهم في ذلك.

ثم قال : ((والكرامية)) هم أتباع محمد بن سعيد بن كراَّم وأشهر أقواله إثبات الصفات مع غلو في إثباتها وأيضاً من أصوله : أنه مرجئ في باب الإيمان فإنه يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط , لكنه قال: إن المنافق الذي يقول بلسانه وإن قلنا عنه في الدنيا مؤمن , إلا أنه إذا مات فهو يوم القيامة مخلد في النار فوافق أهل السنة والجماعة في الحكم عليه في الآخرة, وخالفهم في اسمه في الدنيا فسماه مؤمناً ,
وهذا باطل - كما سبق بيانه - .

((والكلابية)) وهم أتباع عبدلله بن سعيد بن كُلاب, الذي نفى بعض الصفات وأثبت بعضها, وقبل ابن كلاب كان الناس على طريقتين :

المعتزلة ينكرون جميع الصفات, وأهل السنة يثبتون جميع الصفات, فجاء عبد الله بن سعيد بن كلاب بشُبه عقلية وردت عليه, فأثبت لله بعض الصفات ونفى عن الله البعض الآخر, أثبت لله مثل صفة العلم, والقدرة, والإرادة , والسمع, والبصر, والكلام, ومثل الوجه , واليدين , والعينين, وغير ذلك , ونفى عن الله ما يتعلق بشيئته وإرادته, مثل صفة النزول, والضحك, والعجب , والرحمة , والمحبة, وغير ذلك , أي أنه في الجملة يتأول الصفات الفعلية, ويثبت لله الصفات الذتية.

وحجته في ذلك أنه يلزم من إثبات الصفات الفعلية حلول الحوادث في

الرب تعالى, ولذا نجده أثبت الاستواء صفة ذات تدل على العلو, ومنع من تأويله بالاستيلاء لكن لم يثبته صفة فعل لله تعالى بناء على هذا الأصل, وأهل السنةوالجماعة ردوا على كلابية وعلى من جاء بعدهم وأخذ باصل مذهبهم تفرقهم بين الصفات كما في الرسالة التدمرية وغيرها من كتب شيخ الإسلام.

وسارعلى منهجه في باب الصفات الأشاعرة والماتريدية, وإن كان متأخرو الأشاعرة وكذلك أيضاً متأخرو الماتريدية قد زادوا بعد عنه وعن مذهب السلف الصالح في باب الصفات.

ثم قال: ((والسالمة)) نسبة إلى ابي عبد الله محمد بن احمد بن سالم البصري المتوفي سنة297هـ, وإلى ابنه أبي الحسن احمد بن محمد بن سالم المتوفي سنة360هـ , وقد تتلمذ الأب على سهل التستري, والسالمية يغلب عليهم التصوف والدفاع عن الصوفية, وفيهم إثبات مع غلو كزعمهم أن الله يتجلى عياناً لأوليائه في الدنيا , وغيرها من البدع وأشهر من تتلمذ عليهم وحفظ مقالاتهم أبو طالب المكي خاصة في كتابه المشهور (( قوت القلوب)) .

ثم قال الشيخ : (( ونظائرهم, فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها)) لكنها متفاوتة فمنها طوائف قد تصل فيها البدع إلى الكفر , ومنها ما لا تصل إلى حدِّ الكفر إلا أنها بدع ونحن ننكر البدع ونتبرأ من هذه الفرق كلها ولا نسمي أنفسنا بهذه التسميات, وإنما نربط أنفسنا بكتاب الله وبسنة رسوله .



(1)اخرجه ابو داود كتاب الملاحم .
(2)
اخرجه النسائي كتاب الجمعة .
(3)
اخرجه ابو جاود .




  #7  
قديم 6 محرم 1430هـ/2-01-2009م, 03:44 AM
تيمية تيمية غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 256
افتراضي ِشرح لمعة الاعتقاد, الغفيص

من السنة: هجر أهل البدع، ومباينتهم والتحذير منهم، كما لا ينبغي قراءة كتبهم إلا لمن كان أهلاً لذلك، ومن أحدث في الدين محدثة فهو مبتدع، وما أحدثه فهو بدعة، وكل من انتسب إلى غير الإسلام والسنة فهو مبتدع، بخلاف الانتساب إلى إمام في الفروع والمذاهب الفقهية؛ فإن ذلك ليس مذموماً.

هجران أهل البدع
قال الموفق رحمه الله: [ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين] . هجران أهل البدع ومباينتهم من منهج أهل السنة والجماعة، والمباينة: عدم موالاة أهل البدع، وإظهار السنة والجماعة، والإنتصار والاعتصام بها.. ......


النظر في كتب أهل البدع
قال الموفق رحمه الله: [وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء لكلامهم] . لا ينبغي لطالب علم -فضلاً عن عامة المسلمين- أن ينظر في كتب أهل البدع، إلا من كان أهلاً لذلك، وقد استقر عنده العلم بالسنة والهدى وأراد الرد عليهم، فإن هذا من المقامات التي توجبها المصلحة الراجحة.

كل محدثة في الدين بدعة
قال الموفق رحمه الله: [وكل محدثة في الدين بدعة] . هذا أصل من أصول أهل السنة أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ، وفي السنن: (وكل ضلالة في النار)وهذا حرف متردد في ثبوته، وقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب. ......


كل متصف بغير الإسلام والسنة مبتدع
قال الموفق رحمه الله: [وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع] . من لم يلتزم بالسنة والجماعة، ونابذ أئمتها فلا شك أنه من أهل البدع. قال الموفق رحمه الله: [كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية ونظرائهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها] . الرافضة: هم طائفة من الشيعة يسبون الصحابة... إلخ، وهؤلاء ليسوا من السنة في شيء. والجهمية: هم نفاة الصفات. والخوارج: هم الذين كفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين وخلدوه في النار. والقدرية: هم الذين نفوا خلق أفعال العباد، وغلاتهم ينكرون العلم بها، ومقتصدوهم ينكرون خلقها والإرادة لها.. والمرجئة: هم من يخرج العمل عن مسمى الإيمان، وهم درجات. والمعتزلة: هم قوم من أهل البدع جمعوا بين التجهم فنفوا الصفات، وهم قدرية في القدر، ووعيدية في الوعيد... إلخ، لهم أصول خمسة، وينسبون إلى واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، وأبي الهذيل العلاف ، وأمثال هؤلاء. والكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني كان من المشبهة المجسمة، وإن كان ليس من غلاة التجسيم كهشام بن الحكم الرافضي. والكلابية: أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب ، ينتسب للسنة، لكنه من المتكلمين الذين اختلطت عندهم السنة بالبدعة. وهنا إشارة فاضلة وهي: أن ذكر المصنف للكلابية دليل على براءته من طرقهم وآثارهم، فإن كثيراً من الحنابلة كأبي الحسن التميمي و أبي الفضل التميمي و ابن عقيل وأمثالهم تأثروا بطرق الكلابية، إما تأثراً مباشراً، وإما بواسطة علماء الأشعرية كالقاضي أبي بكر الباقلاني ، فالمصنف رحمه الله طريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ......


  #8  
قديم 6 محرم 1430هـ/2-01-2009م, 03:45 AM
تيمية تيمية غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 256
افتراضي

العناصر:
هجران أهل البدع

- التحذير من البدع
- بيان أن البدعة أشد وأعظم من الكبائر

- موقف أهل السنة من أهل البدع

- خطر التهاون في هجران أهل البدع

- اهتمام أئمة السلف بالرد على المبتدعة كان أكبر من اهتمامهم بالرد على اليهود والنصارى

- البدع في العقائد أشد منها في الأعمال

- علامات أهل البدع

- الجدال والخصام في الدين

تعريف موجز ببعض أهل البدع
- الرافضة

- الجهمية

- الخوارج

- القدرية

- المرجئة

- المعتزلة

- الكرامية

- الكلابية

- الصوفية

- الأشاعرة

- السالمة


  #9  
قديم 6 محرم 1430هـ/2-01-2009م, 03:46 AM
تيمية تيمية غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 256
افتراضي

الأسئلة
س1: من منهج أهل السنة هِجْرانُ أهل البدع وترك النظر في كتبهم، تحدث عن هذا الأمر باختصار.
س2: ما حكم الخصومة والجدال في الدين؟
س3: أذكر بعض علامات أهل البدع.
س4: أذكر تعريفاً موجزاً بالفرق التالية:
ا) الرافضة. ب) الجهمية.
ج) الخوارج. د) القدرية.
هـ) المعتزلة . و) المرجئة.
ز)السالمة. ح) الأشاعرة.
ط) الكلابية. ي) الكرامية.
ك) الصوفية.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أهل, هجر

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:24 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir