دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > دورات برنامج إعداد المفسّر > بيان فضل القرآن

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17 جمادى الأولى 1437هـ/25-02-2016م, 07:22 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,453
افتراضي فضل أهل القرآن

فضل أهل القرآن

مما يتصّل ببيان فضل القرآن بيان فضل أهله؛ فإنّ فضلهم من آثار فضله، وما ورد في فضلهم من نصوص الكتاب والسنّة مما يضاف إلى دلائل فضله؛ لما عُلم من أنّهم لم يكتسبوا هذا الفضل إلا بسببه؛ فبه أحبّهم الله، وبه نفعهم، وبه رفعهم وشرّفهم، واصطفاهم على من سواهم لصحبة كتابه؛ كما قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}.
ومن أشرف ما ورد في فضل أهل القرآن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لله عز وجل أهلين من الناس »
قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟
قال : « أهل القرآن ؛ أهل الله وخاصته ». رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح.
فوصفهم بأهل القرآن لكثرة مصاحبتهم له كما يصاحب المرء أهله وينتمي إليهم ويواليهم.
وأضافهم إلى الله إضافة تشريف؛ تقتضي تخصيصهم بمزيّة شريفة ينفردون بها عن سائر حزب الله؛ فإنّ اسم الأهل أخصّ من الحزب.
والإضافة في قوله "أهل الله" كالإضافة في "أنصار الله" ، و"أولياء الله" ؛ هي إضافة مخلوق إلى خالقه؛ لكنّها تقتضي زيادة تشريف مع بيان وصف مخصوص تمتاز به تلك الإضافة.
فالإضافة في "أنصار الله" تقتضي تشريفهم بنصرتهم لله عزّ وجلّ وتولّيهم إيّاه إذ نصروا دينه وجاهدوا في سبيله بما أمكنهم من أنواع الجهاد.
والإضافة في "أولياء الله" تجمع مع معنى النصرة معنى المحبة الخالصة.
والإضافة في "أهل الله" تجمع مع ما تقدّم تشريفاً زائداً نالوه بكثرة مصاحبتهم لكتابه؛ وكثرة تلاوته وذكره جلّ وعلا بأحبّ الكلام إليه؛ وقد قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم}، وقال في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم » متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربّه جلّ وعلا.
وأهل القرآن هم خاصّة أصحابه، وأعرفهم بحدوده وحروفه، وأبصرهم بهداه وبيّناته؛ وهُم لكثرة تلاوتهم له وسماع الله تعالى لتلاواتهم، وذكرهم لله عزّ وجلّ وذكر الله لهم، وتبصّرهم بكلام الله وتبصير الله لهم، واتّباعهم لهدى الله وهداية الله لهم، ورضاهم عن الله ورضوان الله عليه؛ سمّاهم أهله تشريفاً لهم؛ إذ كانوا معه بالاستجابة والتعبّد والتقرّب، وهو معهم بالإجابة والإثابة والقرب، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}
وهم في هذه الحياة الدنيا مع هذا القرآن بقلوبهم وجوارحهم وتطلّعاتهم وأمانيهم، يتلونه حقّ تلاوته، ويتبّعونه حقّ اتّباعه، قد انحازوا للقرآن انحياز المرء إلى أهله، وألفوه كما يألف المرء أهله، وأحبّوه كما يحبّ المرء أهله، فكانوا أهل القرآن بحق.
وشرّفهم الله بأن عوّضهم عمّا تركوه لأجله بأشرف العوَض وأحسنه، وأثابهم على صدقهم في تلاوته واتّباعه أجزل الثواب وأجمله؛ بأن سمّاهم أهله، وفي تلك التسمية الشريفة - مع إبهام عين الجزاء إبهامَ تعظيم وتفخيم - ما يملأ قلوبهم طمأنينة وثقة بعظيم فضله جلّ وعلا، فتذهب آمالهم كلَّ مذهب في كَرَمه جلّ وعلا، ثمّ يعلمون أنّ ما لديه أعظم من أن تبلغه أمنياتهم أو أن يخطر على قلوبهم.

المراد بصاحب القرآن
ومما ينبغي أن يُعلم أن صاحب القرآن هو المؤمن به المتبع لما تضمنه من الهدى الذي يتعاهد تلاوته بالليل والنهار حفظاً أو نظراً من المصحف، حتى يكون له به اختصاص وصف الصحبة.
وهذه الصفات يتفاضل المسلمون فيها تفاضلاً كبيراً، فأكثرهم إيماناً واتباعاً وتلاوة أكثرهم صحبة للقرآن وأعظمهم حظاً بالفضائل المترتبة على ذلك.
ولا يشترط في صاحب القرآن أن يكون حافظاً لجميع ألفاظه عن ظهر قلب، بل يَصْدُق هذا الوصف على من يقرأُه نظراً بالشروط المذكورة آنفاً، والتي دلت عليها النصوص، ودلت على أن من اتصف بأضدادها لم يكن من أهل القرآن.
فالذي لا يؤمن بالقرآن ليس من أصحابه، والذي يهجره هجر عمل أو هجر تلاوة ليس من أصحابه أيضاً.
ومما يدل على عدم اشتراط حفظ القرآن عن ظهر قلب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة) رواه مسلم.
فجعلهم بالقراءة المعتبرة شرعاً أصحاباً للقرآن، والقراءة قد تكون من المحفوظ، وقد تكون من المكتوب، فبقراءة القرآن قراءة صحيحة تحصل الصحبة، فمستقل ومستكثر.
والمراد بالقراءة الصحيحة هنا هي القراءة الصحيحة في حكم الشرع، وليس المراد صحّة الأداء عند أهل الاصطلاح، فالقراءة الصحيحة المعتبرة شرعاً هي ما توفر فيها شرطا الإخلاص والمتابعة على قدر الاستطاعة؛ فيدخل في ذلك من يقرأُه ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ؛ ويدخل فيه من يقرؤه ويخطئ في قراءته عن غير عمد، فإنّه ينال حظه من صحبة القرآن بصدقه وصلاح نيّتِه، وتعاهدِه تلاوةَ القرآن مع الإيمان به واتّباع ما يعرفه من هداه، وليس شيء أضرّ على المسلم من مخالفته لما يعرف من هدى القرآن.
وهذا يدلّك على أنّ أصحاب القرآن يتفاضلون في وصف صحبته تفاضلاً كبيراً، وأنّ الأصل الذي يُبنى عليه وصف الصحبة هو الإيمان بالقرآن.

ولفظ الصحبة يطلق في اللغة على معانٍ كثيرة ترجع إلى معنيين كبيرين:
أحدهما: صحبة الملازمة والاختصاص.
والآخر: صحبة الموالاة والمناصرة.
فأمّا صحبة الملازمة والاختصاص؛ فكما في قوله تعالى: {والصاحب بالجنب}، وقوله: {وما صاحبكم بمجنون}، وقوله: {يا صاحبي السجن..}، وقوله: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن}، ومن هذا المعنى: {أصحاب الجنّة}، و{أصحاب النار} لملازمتهم إياها واختصاصهم بها.
والاختصاص قد يكون اختصاص مُلك كما في قوله تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة}، وتقول: أنا صاحب هذه الدار، أي: مالكها.
وقد يكون اختصاصاً من غير إرادة معنى الملك؛ كأصحاب السبت؛ لاختصاصهم بفتنة يوم السبت وما كان بسببه من العذاب، وكقوله: {ولا تكن كصاحب الحوت}، وقوله: {ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل}.
وأمّا صحبة الموالاة والمناصرة؛ فمن شواهدها قول الله تعالى: {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يُصحبون} أي ليس لهم صاحب يناصرهم ويمنعهم منّا، ومن هذا المعنى قولهم: هذا من أصحابنا، وهذا من خصومنا.
وقال لبيد بن ربيعة:
فحمَى مقاتلَه وذادَ برَوقِه ... حَمْيَ المحاربِ عورةَ الصُّحْبَان

والمقصود أن لفظ الصحبة يطلق على المعنيين كليهما إطلاقاً صحيحاً؛ وقد يجتمعان؛ فصاحبك الذي يلازمك، وصاحبك الذي ينصرك ويؤيدك، والثاني خير من الأوّل، ومن جمعهما فهو بخير المنازل، ومن قصّر في صحبة الموالاة لم تجعله كثرة الملازمة أفضل حالاً ممن أحسن الموالاة؛ فإنّ الصحبة لها واجبها، ومن واجبها النصرة والموالاة والنصيحة للمصحوب.
وبهذا النوع من الصحبة امتاز الصحابة رضي الله عنهم على من سواهم، مع أنّ الذين جمعوا القرآن من الصحابة رضي الله عنهم قليل في جنب من لم يجمعه، ومنهم من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجمعه، ثم جمعه بعد موته وكان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل القرآن الذين يعلّمونه ويُقرِئُونه.
فامتياز الصحابة على من سواهم باتّباعهم للقرآن، وحسن تلاوته، ومعرفتهم بتأويله، وجهادهم به ونصرتهم له أكثر من امتيازهم بحفظه عن ظهر قلب؛ والقرّاء الذين جمعوا القرآن حفظاً من التّابعين ومن بعدهم كانوا أكثر عدداً، والصحابة كانوا أحسن عملاً وأحسن مصاحبةً للقرآن، وتلاوة له، وقياماً به، ورعاية لحقّه، وكان تعلّمهم للقرآن أحسن التعلّم الدالّ على حسن الصحبة للقرآن.
- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كان الرجل منَّا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن). رواه ابن أبي شيبة وابن جرير.
- وقال جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا» رواه البخاري في التاريخ الكبير وابن ماجه في سننه.
- وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن؛ فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل». رواه الطحاوي والحاكم والبيهقي.
ومن عرف مقاصد القرآن أدرك أن مَن استوعب ألفاظ القرآن حفظاً عن ظهر قلب مع تفريطه في كثير من فقهه وآدابه ليس بأولى بوصف الصحبة ممن تعلّم القرآن على طريقة الصحابة رضي الله عنهم وإن لم يبلغ استيعابَ حفظه.
ولا شكّ أن من حفظ القرآن عن ظهر قلب مع حسن اتّباعه لهدى القرآن خير ممن لم يحفظه، لكن من الخطأ البيّن تقديم معيار حفظ ألفاظه على معيار اتّباع هداه في وصف الصحبة.

وقد ذهب بعض المتأخرين من شرّاح الأحاديث إلى أنّ المراد بصاحب القرآن هو من يحفظه عن ظهر قلب، ومنهم من استدلّ بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وغيرهم.

وفي هذا الاشتراط غفلة عن مقصد الحديث ولازمه؛ فإنّ قوله "فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها" صريح في تفاضلهم في حفظ القرآن، ولا يكاد يخلو ملازمُ تلاوةِ القرآن مع العمل به من حفظ شيء من آيات القرآن؛ فلو كان حِفْظ القرآن كاملاً من شرط صحبته لكانوا سواء في الدرجة.
ويشهد لهذا التفسير قول الضحّاك بن قيس رضي الله عنه: (يا أيها الناس، علموا أولادكم وأهاليكم القرآن، فإنه من كُتب له من مسلم يدخله الله الجنة أتاه ملكان، فاكتنفاه، فقالا له: اقرأ وارتق في درج الجنة، حتى ينزلا به حيث انتهى علمه من القرآن). رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
ومقصد الحديث ظاهر في الحثّ على أخذ القرآن بقوّة والاجتهاد في التقرّب إلى الله به، لا مجرّد حفظ ألفاظه.
والقول في أصحاب القرآن نظير القول في أصحاب الصلاة، وأصحاب الصيام، وأصحاب الصدقة، وأصحاب الجهاد؛ فإنّ من الناس من تغلب عليه العناية بأنواع من الأعمال الصالحة حتى يكون له اختصاص بها لطول ملازمتها وإحسانها؛ فكذلك صاحب القرآن.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان).
قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأرجو أن تكون منهم».


قوادح صحبة القرآن
مما ينبغي أن يعلم ويُحترز منه قوادح صحبة القرآن؛ وهي على أربع درجات:
الدرجة الأولى: ما يقدح في صحّة الإيمان بالقرآن، وذلك بارتكاب ناقض من نواقض الإيمان بالقرآن؛ فمن فعل ذلك فقد خان الله عزّ وجلّ، وخان صُحبة كتابه، ووقع في الشرك الأكبر المخرج عن الملة، والعياذ بالله.
ومن تلك النواقض: التكذيب بالقرآن، والاستهزاء ببعض آياته، والاستخفاف بالمصحف وإهانته، والمراءاة الكبرى بقراءته، وهي أن تكون قراءته من غير إيمان به وإنما ليقال: هو قارئ، أو ليصيب به عرضاً من الدنيا.
والدرجة الثانية: المراءاة الصغرى بقراءته، وهي المراءاة بتحسين التلاوة وإكثارها أحياناً، لما يرى من نظر بعض الناس إليه، أو لأجل أن يُثنى عليه بذلك، أو ليصيب عرضاً من الدنيا، مع بقاء أصل الإيمان بالله في قلبه، واجتنابه نواقض الإسلام؛ وهذا شركٌ أصغر؛ وهو من أعمال النفاق، وهو من أشنع القوادح التي يجب على صاحب القرآن تجنّبها والاحتراز منها؛ فإنّ الوعيد عليها شديد.
والدرجة الثالثة: هجر العمل به أحياناً؛ فأمّا الهجر التامّ فيلحق صاحبه بالدرجة الأولى، لأنه إعراض مطلق مخرج عن الملّة، وأما هجر العمل ببعض واجباته بما لا يخرج صاحبه من الملّة؛ فهو مما يقع من بعض المسلمين؛ فيقع منهم ارتكاب لبعض الكبائر التي يستحقون عليها العذاب إن لم يتوبوا إلى الله؛ ويقع منهم مخالفة لهدى القرآن في بعض الأمور؛ فيستحقون العقاب على مخالفتهم؛ وقد حذّر الله تعالى عباده من المخالفة؛ فقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.
والدرجة الرابعة: هجر تلاوته مع بقاء العمل به؛ باجتناب الكبائر، وأداء الفرائض؛ وهذا قد يقع من بعض المسلمين؛ فتمضي عليه أيام لا يقرأ من القرآن إلا ما تصحّ به صلاته، وهذا الهجر مما يتخلّف به صاحبه عن الرتب العليا ودرجات الكمال التي فيها شرفه ورفعته.
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)).

تقديم أهل القرآن
من فضائل أهل القرآن، وتشريف الله تعالى لهم؛ أن رفعهم به، وحكم بتقديمهم، وجعل لهم حُرمة تُرعى، وإجلالاً يُتقرّب به إليه تعالى، وقد دلّ على هذا جُملة من الأحاديث:
منها: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين». رواه مسلم.
ومنها: حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سِلْما » رواه مسلم، وفي رواية عنده: « فأقدمهم سِنّا ».
ومنها: حديث عمرو بن سلمة الجرمي قال: (كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن، فأتى أبي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ليؤمكم أكثركم قرآنا»، فجاء أبي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يؤمكم أكثركم قرآنا»، فنظروا؛ فكنت أكثرهم قرآنا؛ فكنت أؤمّهم، وأنا ابن ثمان سنين). رواه النسائي في الكبرى.
ومنها: حديث هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احفروا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» قالوا: فمن نقدّم يا رسول الله؟ قال: «قدموا أكثرهم قرآنا» قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد). رواه أحمد وأبو داوود والنسائي واللفظ له، وفي رواية عنده: (فكان أبي ثالث ثلاثة، وكان أكثرهم قرآنا فقدّم).
ومنها: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن»، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» رواه البخاري في صحيحه.
ومنها: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» رواه ابن المبارك وأبو داوود والبيهقي مرفوعاً، ورواه البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة وابن المبارك في رواية موقوفاً على أبي موسى، وله شواهد من أقوال الصحابة رضي الله عنهم مما يدلّ على أنّ له أصلاً، وقد حسّنه الألباني.
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن؛ فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار؛ فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق؛ فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل » رواه البخاري.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار ». رواه مسلم.
ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران». رواه مسلم.

فضل تعلّم القرآن وتعليمه
إن السبيل إلى إدراك فضيلة أهل القرآن هو تعلّمه على منهاج الصحابة رضي الله عنهم؛ الذين أمرنا بإحسان اتّباعهم كما قال الله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)}.
فيتعلّمه كما تعلّموه؛ فيتحفّظ ألفاظه، ويتعرّف معانيه، ويهتدي بهداياته، ويأخذه شيئاً فشيئاً على قصد من غير غلوّ ولا جفاء.
وبسلوك المؤمن هذا السبيل صدقاً وإخلاصاً يكون من زمرة خير هذه الأمّة وأفضلها؛ بلغ غايته أو مات دونها.
- وفي صحيح البخاري من حديث سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خيركم من تعلم القرآن وعلمه ».
وفي رواية في صحيح البخاري: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه»
قال سعد بن عبيدة: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج قال: « وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا ».
قال ابن كثير: (كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم من رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة، رحمه الله، وآتاه الله ما طلبه).
وقد رفع الله قدره، وأعلى شأنه، وأبقى ذكره؛ فعامّة مصاحف المسلمين اليوم وقراءاتهم إنما هي من طريقه؛ حتى دوّن اسمه في كثير من المصاحف عند توثيق روايته.
وأبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة ، وهو القائل: « حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا فعلمنا العلم والعمل ». رواه الإمام أحمد.
وتعلّم القرآن يشمل تعلّم ألفاظه ومعانيه وهداياته.
- وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من علَّم آية من كتاب الله عز وجل كان له ثوابها ما تليت)). رواه أبو سهل القطّان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
- وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين، فيأخذهما في غير إثم، ولا قطع رحم؟» قال: قلنا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك.
قال: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» رواه أحمد وأبو داوود.
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل، فإن أصفر البيوت من الخير البيت الذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» رواه عبد الرزاق والدارمي والطبراني في المعجم الكبير من طرق عن أبي إسحاق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود، واللفظ لعبد الرزاق.
وأخرجه أيضاً عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي شيبة والدارمي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم بلفظ: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبة الله ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشافع النافع، عصمة لمن يتمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول ألف ولام، ولكن ألف عشرا، ولام عشرا».
وإبراهيم الهجري فيه لين ؛ لكن لهذا الأثر طرق يشدّ بعضها بعضاً، فيصحّ به.
وقوله : (مأدبة الله ) اختلف في ضبطه ومعناه على قولين:
أحدهما: (مأدَبة): مَفْعَلة من الأدَب، أي أنّه يؤدّب من يقرأُه ويفقهه ؛ فيحمله على محاسن الأقوال والأعمال، وما تحسن به حاله وعاقبته، ويعظه عن المساوئ فيجتنبها، ولكثرة ما يؤدّب القرآنُ قرَّاءه سمّاه (مأدَبة) على المبالغة، أي كثير الأدب حسن التعليم، وإضافته إلى الله تعالى إضافة لها آثارها وبركاتها.
والقول الآخر: (مأدُبة) بضمّ الدال، وهي في الأصل: الصَّنيعة من الطعام يدعى لها الناس، فسمّى القرآن مأدُبة لما فيه من الخير الكثير الذي ينتفع به الناس، وهو أصل غذاء الأرواح، وفيه شفاء لما في الصدور، وزكاة للنفوس، وطمأنينة للقلوب، فلا يحرم خير هذا القرآن إلا مريض القلب جداً أو ميّته.
وفي شعب الإيمان للبيهقي من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« كل مؤدب يحب أن تؤتى مأدبته، ومَأدبة الله القرآن فلا تهجروه » ، وفي إسناده ضعف.
والقولان صحيحان في نفسيهما، لكن سياق الحديث يرجّح المعنى الأوّل فإنه قال: « إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبة الله ما استطعتم » ، وهذا ظاهر في أنّه أراد معنى الأدَب والتعليم.
وذهب الخليل بن أحمد إلى أنّ المأدَبة والمأدُبة لغتان صحيحتان في صنيعة الطعام التي يُدعى إليها وحكاه أبو عبيد عن خلف الأحمر.
وأرجع أبو منصور الأزهري المعنيين إلى معنى واحد؛ فقال: (الأدَبُ الذي يتأدَّب به الأديبُ من الناس، سُمّيَ أَدَبا لأنه يَأْدِبُ الناسَ الذين يتعلَّمونه إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، يأدِبهم أي يدعوهم، وأصل الأدب الدعاء، وقيل للصنيع يدعى إليه الناس: مدعاة ومأدبة).

فضل حفظ القرآن

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران». رواه البخاري في صحيحه.
والمراد بحفظ القرآن في النصوص يشمل معنيين لا يتمّ الحفظ إلا بهما:
المعنى الأول: حفظ حدوده وأمانته ورعايتها.
المعنى الثاني: حفظ ألفاظه واستظهارها عن ظهر قلب.
والمعنى الأوّل أجلّ من الثاني، بل هو شرط الانتفاع به.
وقد قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}
فقال: {استحفظوا} أي أمروا بحفظه، ولم يقل: بما حَفِظوا، فإنهم لم يحفظوه حقّاً، وإن كان عندهم مكتوباً، وكان أكبر إثمهم في عدم حفظ حدوده وأداء أمانته، وتغييرهم فيه.
وكانت الآية قد نزلت في كتم اليهود لآية الرجم وهي مكتوبة عندهم في التوراة يعرفونها، ومنهم من يحفظ ألفاظها ويعرف موضعها، لكنّهم لم يحفظوا أمانة الله فيها، ولم يرعوا حدوده بالحكم بها.
ففي صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب، قال: مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّما مجلودا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟»، قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم» قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرُجِمَ، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله {إن أوتيتم هذا فخذوه}، يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}).
قال ابن عاشور: (الاستحفاظ: الاستئمان، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حق الفهم بما دلت عليه آياته. استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتبليغ للأمة على ما هو عليه.. ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان)ا.هـ.
ومما يبيّن إرادة هذا المعنى قول الله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}
فهم حُمّلوا أمانة حفظ التوراة حفظَ رعاية وصيانة وعمل بما فيها وحُكم بها بينهم؛ فلم يحفظوا أمانة الله فيها.
وإذا أطلق لفظ الحفظ في النصوص فإنّ أولى ما يُحمل عليه حفظ الأمانة والصيانة وأداء الحق وعدم تضييعه، قال الله تعالى: {واحفظوا أيمانكم}، {والحافظين فروجهم والحافظات}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: {احفظ الله يحفظك}، وقال لوفد عبد القيس لمّا أوصاهم بوصايا: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» ، وقال: «لله تسعة وتسعون اسما من حفظها دخل الجنة » كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ، ومن المعلوم أنه ليس المراد مجرد حفظ ألفاظها دون الإيمان بها والتعبّد لله تعالى بمقتضاها.
وكتب عُمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأمصار في عهده: « إن أهم أمركم عندي الصلاة. فمن حفظها وحافظ عليها، حفظ دينه. ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ». رواه مالك في الموطّأ.
فذكر الحفظ وذكر مقابله وهو الإضاعة.

وقال عنترة بن شداد العبسي:
ولقد حفظتُ وَصَاة عمّي بالضحّى .. إذ تقلص الشفتان عن وضح الفمِ
فحفظ الوصاة لمّا ضبط نصّها وعهدها، ولو أنه خالف مقتضى الوصيّة لم يكن حافظاً لها، ولو عرفها.

وهذا يدلّك على أنّ المراد الأعظم من حفظ القرآن حفظ أمانته وحدوده وأداء حقّه، وأنّ حفظ ألفاظه من تمام حفظه، لكن لا يعدّ في الشريعة حافظاً للقرآن من ضيّع حدوده ولو استظهر ألفاظه عن ظهر قلب.

وبذلك تعرف أن معنى الحفظ ينتقض بأحد أمرين:
1. بتضييع النصّ وعدم ضبطه.
2. وبتضييع أمانته وعهده.
وكان من السلف من يعبّر عن معنيي الحفظ بالوعي، وهو في معنى العقل والتبصّر والتذكّر والاهتداء بالقرآن، ومن ذلك قول أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: «اقرءوا القرآن ولا تغرَّنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لن يعذب قلباً وعى القرآن» رواه الدارمي من طريق حريز بن عثمان عن شرحبيل بن مسلم عنه، وهذا إسناد صحيح.
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله [وهو ابن مسعود]، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفا تجده أم ياء {من ماء غير آسن}، أو (من ماء غير ياسن)؟
قال: فقال عبد الله:
« وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ »
قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة.
فقال عبد الله: « هذّا كهذّ الشعر، إنَّ أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع » رواه مسلم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ذي الخويصرة: « إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ». رواه البخاري ومسلم.
فهؤلاء لمّا خالفوا هدى القرآن وضلّوا عن اتّباع ما أمرهم الله به فيه من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اتّباع المهاجرين والأنصار بإحسان؛ لم يكونوا حافظين للقرآن؛ بل ضيّعوا أمانته، وخالفوه أشدّ المخالفة؛ فقاتلوا من أُمروا باتّباعهم بإحسان، وابتغوا تفريق جماعتهم، وكسر شوكتهم، والتغلّب عليهم، ولكنّ الله ردّ كيدهم في نحورهم، وأخزاهم، ولو أنّهم حفظوا القرآن لرعوا حدوده وأدّوا حقّ الله تعالى فيه.


وقد شاع في القرون المتأخّرة استعمال حفظ القرآن مقصوراً على المعنى الثاني، ولم يكن هذا الاستعمال شائعاً في القرون الأولى، وإنما كان الشائع التعبير عنه بـ"جمع القرآن" و"استظهاره"، ونحو ذلك مما يدلّ على استيعاب حفظ ألفاظه عن ظهر قلب.
ولشيوع هذا الاستعمال المتأخّر غلب على كثير من الأذهان، وعلّق عليه بعضهم كثيراً من أحاديث فضائل القرآن، وهي متعلّقة بنوعي الحفظ جميعاً.

تفاضل الحفّاظ في حفظ القرآن
وحفظ القرآن يجري فيه التفاضل الكبير بين الحفظة لتفاضلهم في معنيي حفظ حروفه وحدوده.
- فأمّا حفظ حدوده فهو على درجات:
الدرجة الأولى: حفظ حدود الإيمان به؛ فلا يرتكب ما ينقض الإيمان بالقرآن؛ والمخالف في هذه الدرجة كافر خارج عن الملة؛ بارتكابه ما ينقض إسلامه؛ فإن كان ممن يُظهر الإسلام فهو منافق نفاقاً أكبر والعياذ بالله.
ومن أدّى هذه الدرجة فقد حفظ دينه في أعظم درجاته وهو ما يبقى به على أصل دين الإسلام، وله نصيب من فضل الحفظ بما حفظ من هذه الحدود العظيمة، وإن كان متوعّداً بالعذاب على ما ارتكب من الذنوب والمعاصي.
والدرجة الثانية: حفظ حدوده الواجبة؛ وهي درجة عباد الله المتّقين؛ فيحفظون حدود أوامره ونواهيه، فيؤدّون الواجبات وينتهون عن المحرّمات، وبذلك تحصل لهم الاستقامة الواجبة التي يسلمون بها العذاب، وينالون بها ما وعد الله به عباده المتّقين من الثواب العظيم والفضل الكبير.
والدرجة الثالثة: درجة إحسان حفظ حدوده ورعاية أمانته، والقيام به آناء الليل وآناء النهار، إيماناً واحتساباً، وهذه درجة أهل الإحسان الذين هم بأعلى المنازل.

- وأما تفاضلهم في حفظ ألفاظه؛ فظاهر في تفاضلهم في جودة الحفظ ومقداره والمهارة فيه، وتفاضل ثوابهم ومنازلهم بسبب ذلك، وقد تقدّم حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران». رواه البخاري في صحيحه.
- وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها » رواه أحمد وأبو داوود وغيرهما.
- وحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه مرفوعاً، وفيه: « ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا كان أو ترتيلا ». رواه أحمد وابن أبي شيبة والدارمي وغيرهم.

كيف يحفظ القرآن؟
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يُمسك المرء به حفظه للقرآن ويجوّده، وهو تعاهده بالتلاوة والقيام، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة منها:
- حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» متفق عليه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وفي رواية لمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: « وإذا قام صاحب القرآن؛ فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه».
- وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصّيا من الإبل في عقلها » متفق عليه، وفي رواية مسلم "تفلّتاً".
- وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النَّعَم بعقلها » متفق عليه.
- وقال عبد الله بن مسعود: (تعاهدوا هذه المصاحف - وربما قال: القرآن - فلهو أشدّ تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقله). رواه مسلم.
وتعاهد القرآن يشمل:
1. تعاهد ألفاظه بالحفظ والضبط.
2. وتعاهد معانيه بالعلم والفهم.
3. وتعاهد هداه بالاتّباع والرعاية.
فمن جمع هذه الأمور الثلاثة فقد أحسن تعاهد القرآن.



موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أهل, فضل

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:41 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir