دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > ثلاثة الأصول وأدلتها

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28 شوال 1429هـ/28-10-2008م, 07:26 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,453
افتراضي بم يعرف العبد ربه؟

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقاَتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ وَالْقمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاواتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالى: {لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} .
وَقَوْلُهُ تَعَالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
وَقَوْلُهُ تَعَالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْـرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
وَالرَّبُّ: هُوَ الْمَعْبُودُ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
قَالَ ابْنُ كَثيِرٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-: (الْخَالِقُ لِهذِهِ الأَشْيَاءِ، هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعبَادَةِ).


  #2  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:15 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي شرح ثلاثة الأصول لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز

(1) (إذا قيلَ لكَ) أيُّها المسلمُ (بِمَ عرفْتَ ربَّكَ) الذي أنتَ تعبدُهُ؟.

(2) (فقلْ) عرفتُهُ (بآياتِهِ ومخلوقاتِهِ) أي: بآياتِهِ الكثيرةِ، وبمخلوقاتِهِ العظيمةِ، التي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الرَّبُّ العَظِيمُ، وأنَّهُ الخَلاَّقُ العَلِيمُ، وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لأَِنْ يُعْبَدَ، وأنَّهُ الذي يَخْلُقُ ما يَشَاءُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَنْفَعُ ويَضُرُّ، بيدِهِ كلُّ شيءٍ سبحانَهُ وتعالى.
فهوَ المستحقُّ بأنْ نعبدَهُ بطاعتِهِ ودعائِهِ واستغاثتِهِ وسائرِ أعمالِنا وعباداتِنا؛ لأنَّ اللَّهَ خلقَنا لهذا.
وقالَ تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وهذهِ العبادةُ هِيَ توحيدُهُ، وطاعتُهُ، واتباعُ شريعتِهِ، وتعظيمُ أمرِهِ ونهيِهِ قولاً وعملاً.

(3) {وَمِنْ آياتِهِ الليلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ} كلُّ هذهِ تدلُّ على أنَّهُ ربُّ العالمينَ وأنَّهُ الخلاَّقُ العليمُ، يأتي الليلُ بظلامِهِ، ويَذْهَبُ النهارُ بضيائِهِ، ثمَّ يجيءُ النهارُ، ويَذْهَبُ اللَّيْلُ، وهذهِ الشمسُ تَطْلُعُ على النَّاسِ في الدنيا كلِّها، ويَنْتَفِعُون بِها، وهذا القمرُ كذلكَ.
وغيرُ هذهِ منَ الآياتِ العظيمةِ، كالأرضِ وما فيها منْ جبالٍ وأنهارٍ وبحارٍ وأشجارٍ وحيواناتٍ، وهذهِ السمواتُ التي يراها الناسُ، كلُّها منْ آياتِهِ الدالةِ على عظمتِهِ، وأنَّهُ ربُّ العالمينَ، وأنَّهُ الخلاقُ العليمُ وأنَّهُ المستحقُّ للعبادةِ، ولهذا قالَ: {وَمِنْ آياتِهِ الليلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلقَمَرِ وَاسْجُدُوا للَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يعني: لا تَعْبُدُوا هذهِ المخلوقاتِ، بلِ اعْبُدُوا الذي خَلَقَها وأوجدَها سبحانَهُ وتعالى.
فهو المُسْتَحِقُّ بأن يَذِلَّ لهُ العبدُ ويَخْضَعَ لهُ، ويُطِيعَ أوامرَهُ ويَنْتَهِيَ عنْ نواهيهِ سبحانَهُ وتعالى؛ تعظيمًا وتقديسًا لهُ، وخوفًا منهُ، ورغبةً فيما عندَهُ.

(4) وقالَ سبحانَهُ: {إِنَّ رَبَّكُم اللَّهُ} يعني: إنَّ ربَّكُمْ أيُّها العبادُ منَ الجنِّ والإنسِ هوَ اللَّهُ.
و(ربَّكُم) يعني: خالقَكُم، وهوَ معبودُكُم الحقُّ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} أيْ: ثمَّ ارتفعَ على العرشِ، وعلاَ فوقَهُ سبحانَهُ وتعالى، فعلمُهُ في كلِّ مكانٍ وهوَ فوقَ العرشِ، فوقَ جميعِ المخلوقاتِ.
و(العرشُ) سقفُ المخلوقاتِ وهوَ أعلى المخلوقاتِ، واللَّهُ فوقَهُ جلَّ وعلا، استوى عليهِ استواءً يليقُ بجلالِهِ لا يُشابِهُ خلقَهُ في شيءٍ منْ صفاتِهِ، قالَ تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقالَ تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
وقولُهُ: {يُغْشِي الَّليلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أيْ: يُغَطِّي هذا بهذا وهذا بهذا.
{يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أي: سريعًا وكلُّ واحدٍ يطلبُ الآخرَ إذا انتهى هذا دخلَ هذا. وهكذا.. حتَّى تقومَ الساعةُ.
{وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ} أيْ: وخلقَ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، خَلَقَها مُسَخَّراتٍ بأمرِهِ، مُطِيعاتٍ مُذَلَّلاتٍ لأمرِهِ سبحانَهُ.
ثمَّ قالَ سبحانَهُ: {أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ} فالخلقُ لَهُ والأمرُ لَهُ، هوَ الخلاَّقُ الذي لا يُخالَفُ أمرُهُ الكونيُّ الذي هوَ نافذٌ في الناسِ، كما قالَ تعالى: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
وقولِهِ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} فَأَمْرُ اللَّهِ الكونيُّ القدريُّ لا رادَّ لَهُ، ولهذا قالَ: {أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ}.
{فَتَبَارَكَ} يعني: بلغَ في البركةِ النِّهايَةَ، وهيَ صيغةٌ لا تصلُحُ إلاَّ للَّهِ، فلا يقالُ للعبدِ: تبارَكْتَ يا فلانُ، هذا لا يَصْلُحُ، وإنَّما هوَ خاصٌّ باللَّهِ كما قالَ تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ} وإنَّما يقالُ للمخلوقِ باركَ اللَّهُ في فلانٍ، أو فلانٌ مباركٌ، أما تباركْتَ فإنَّها لا تصلحُ إلاَّ للَّهِ وحدَهُ.

(5) والربُّ: هوَ المعبودُ، {والعالَمينَ} المخلوقاتُ كلُّها منَ الجنِّ والإنسِ والسماءِ والأرضِ، وهوَ ربُّها سبحانَهُ وتعالى، وهوَ رَبُّ الجميعِ، وخالقُ الجميعِ جلَّ وعلا.

(6) قالَ تعالى: {يَأَيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، خلقَ الجميعَ الذينَ قَبْلَنا، والذينَ بعْدَنا منْ آدمَ وما قبلَهُ وما بعدَهُ.
ثمَّ قالَ سبحانَهُ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا} الآيةَ، فهوَ خلَقَ الجميعَ ليَتَّقُوهُ ويَعْبُدُوهُ، كما قالَ تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ثمَّ بَيَّن سبحانَهُ بعضَ أفعالِهِ فقالَ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِنَاءً}، فجعلَ الأرضَ فراشًا للناسِ، ومِهادًا لَهُم، عليها يَسْكُنُونَ، وعليها يَبْنُونَ، وعليها يَنَامُونَ، وعليها يَمْشُونَ، وأَرْسَاهَا بالجبال.
ثُمَّ قالَ: {وَالسَّماءَ بِناءً} فجَعَلَها بِنَاءً وسَقْفًا محفوظًا، وهُمْ عنْ آياتِها مُعْرِضُونَ، وزَيَّنَها بالنُّجُومِ وَالشمسِ والقمرِ.
{وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أيْ: مِنَ السَّحَابِ {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} أنواعَ الأرزاقِ في كلِّ مكانٍ ويُحْيِي اللَّهُ بِهِ الأرضَ بعدَ موتِها.
ثُمَّ قالَ تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أيْ: أشباهًا ونُظَراءَ تَعْبُدُونَها معَهُ؛ لا صَنَمًا ولا جِنًّا ولا ملَكًا ولا غيرَ ذلكَ.
فالعبادةُ حقُّ اللَّهِ وحدَهُ، ليسَ لَهُ نِدٌّ ولا نظيرٌ ولا مثيلٌ، بلْ هوَ الإلهُ الحقُّ، وكانَ المشركونَ يَتَّخِذُونَ لَهُ الأندادَ والنظائرَ والأمثالَ مِنَ الأصنامِ والجنِّ والملائكةِ ويَعْبُدُونَهُم منْ دونِ اللهِ، ويَسْتَغِيثُونَ بِهِم فأنكرَ اللَّهُ عليهِم ذلكَ وبيَّنَ أنَّ هذهِ المخلوقاتِ ليسَ لها حقٌّ في العبادةِ ولا قدرةَ لها على شيءٍ إلاَّ بإذنِهِ سبحانَهُ وتقديرِهِ.
(7) قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ اللَّهُ في تفسيرِهِ: (الخالقُ لهذهِ الأشياءِ) من سماءٍ وأرضٍ وثمارٍ وأشجارٍ ومطرٍ وغيرِ ذلكَ (هوَ المستحقُّ للعبادةِ) سبحانَهُ وتعالى، وأن يُطاعَ؛ لأنَّهُ ربُّ الجميعِ، وخالقُ الجميعِ، كما قالَ تعالى: {وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاَّ هوَ الرَّحْمَنُ الرَّحيمُ}.


  #3  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:16 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي شرح ثلاثة الأصول للشيخ: محمد بن صالح العثيمين

(1) أيْ: إذا قِيلَ لكَ: بِأَيِّ شيءٍ عَرَفْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؟ (فَقُلْ) : عَرَفْتُهُ (بآيَاتِهِ ومَخْلُوقَاتِهِ) .

(2) الآياتُ: جَمْعُ آيَةٍ، وهيَ العلامةُ على الشيءِ التي تَدُلُّ عليهِ وَتُبَيِّنُهُ.
وآياتُ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:
- كَوْنِيَّةٌ.
- وشرعيَّةٌ.
فالكونيَّةُ هيَ المخلوقاتُ، والشرعيَّةُ هيَ الوحيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ على رسلِهِ.
وعلى هذا يكونُ قولُ المُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ) منْ بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، إذا فَسَّرْنَا الآياتِ بأنَّهَا الآياتُ الكونيَّةُ والشرعيَّةُ، أوْ مِنْ بابِ عطفِ المُبَايِنِ المُغَايِرِ، إذا خَصَّصْنَا الآياتِ بالآياتِ الشرعيَّةِ.
وعلى كلٍّ؛ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُعْرَفُ بآياتِهِ الكونيَّةِ، وهيَ المخلوقاتُ العظيمةُ وما فيها منْ عجائبِ الصَّنْعَةِ وَبَالِغِ الحِكْمَةِ، وكذلكَ يُعْرَفُ بآياتِهِ الشرعيَّةِ وما فيها من العَدْلِ والاشتمالِ على المصالحِ ودفعِ المفاسدِ.
وفي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ واحدُ

(3) كُلُّ هذهِ منْ آياتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ على كمالِ القدرةِ، وكمالِ الحكمةِ، وكمالِ الرحمةِ. فالشمسُ آيَةٌ منْ آياتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِكَوْنِهَا تَسِيرُ سَيْرًا مُنْتَظِمًا بَدِيعًا مُنْذُ خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وإلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِخَرَابِ العالمِ، فهيَ تَسِيرُ لِمُسْتَقَرٍّ لها كما قالَ تَعَالَى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وهيَ منْ آياتِ اللَّهِ تَعَالَى بِحَجْمِهَا وَآثَارِهَا، أمَّا حَجْمُهَا فعظيمٌ كبيرٌ، وأمَّا آثَارُهَا فَمَا يَحْصُلُ منها من المنافعِ للأجسامِ والأشجارِ والأنهارِ والبحارِ وغيرِ ذلكَ.
فإذا نَظَرْنَا إلى الشمسِ، هذهِ الآيَةِ العظيمةِ، ما مَدَى البُعْدِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا؟ وَمَعَ ذلكَ فَإِنَّنَا نَجِدُ حَرَارَتَهَا، هذهِ الحرارةَ العظيمةَ، ثمَّ انْظُرْ ماذا يَحْدُثُ فيها من الإضاءةِ العظيمةِ التي يَحْصُلُ بها توفيرُ أموالٍ كثيرةٍ على النَّاسِ؛ فإنَّ النَّاسَ في النهارِ يَسْتَغْنُونَ عنْ كلِّ إضاءةٍ، وَيَحْصُلُ بها مصلحةٌ كبيرةٌ للناسِ منْ توفيرِ أموالِهِم، وَيُعَدُّ هذا من الآياتِ التي لا نُدْرِكُ إلاَّ اليسيرَ منها.
كذلكَ القمرُ منْ آياتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ حيثُ قَدَّرَهُ منازلَ، لكلِّ ليلةٍ منزلةٌ، {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}، فهوَ يبدُو صغيرًا، ثمَّ يَكْبُرُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حتَّى يَكْمُلَ، ثمَّ يَعُودُ إلى النقصِ، فهُوَ يُشْبِهُ الإنسانَ؛ حيثُ إنَّهُ يُخْلَقُ مِنْ ضعفٍ، ثُمَّ لا يزالُ يَتَرَقَّى منْ قوَّةٍ إلى قوَّةٍ حتَّى يَعُودَ إلى الضعفِ مَرَّةً أُخْرَى، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالقِينَ.

(4) أيْ: والدليلُ على أنَّ الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ منْ آياتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قولُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} إلخ؛ أيْ: من العلاماتِ البَيِّنَةِ المُبَيِّنَةِ لِمَدْلُولِهَا الليلُ والنهارُ في ذاتِهِمَا واختلافِهِمَا، وما أَوْدَعَ اللَّهُ فيهما منْ مصالحِ العبادِ وَتَقَلُّبَاتِ أحوالِهِم، وكذلكَ الشمسُ والقمرُ في ذاتِهِمَا وَسَيْرِهِمَا وانتظامِهِمَا، ومَا يَحْصُلُ بذلكَ منْ مصالحِ العبادِ ودفعِ مَضَارِّهِم.
ثمَّ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى العبادَ أنْ يَسْجُدُوا للشمسِ أو القمرِ وإنْ بَلَغَا مَبْلَغًا عَظِيمًا في نفوسِهِم؛ لأنَّهُمَا لا يَسْتَحِقَّانِ العبادةَ لكونِهِمَا مَخْلُوقَيْنِ، وإنَّمَا المُسْتَحِقُّ للعبادةِ هوَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَهُنَّ.

(5) وقولُهُ (أيْ) من الأدلَّةِ على أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السماواتِ والأَرْضَ قولُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} الآيَةَ، وفيها مِنْ آياتِ اللَّهِ:
أوَّلاً: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ هذهِ المخلوقاتِ العظيمةَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، ولوْ شَاءَ لَخَلَقَهَا بِلَحْظَةٍ، ولكنَّهُ رَبَطَ المُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا كما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثانيًا: أنَّهُ اسْتَوَى على العرشِ؛ أيْ: عَلاَ عليهِ عُلُوًّا خاصًّا بهِ كما يَلِيقُ بجلالِهِ وعظمتِهِ، وهذا عُنْوانُ كمالِ المُلْكِ والسُّلْطَانِ.
ثالثًا: أنَّهُ يُغْشِي اللَّيْلَ النهارَ؛ أَيْ: يَجْعَلُ الليلَ غِشَاءً للنهارِ؛ أيْ: غِطَاءً لهُ، فهوَ كالثَّوْبِ يُسْدَلُ على ضَوْءِ النهارِ فَيُغَطِّيهِ.
رابعًا: أنَّهُ جَعَلَ الشمسَ والقمرَ والنُّجُومَ مُذَلَّلاَتٍ بِأَمْرِهِ جَلَّ سُلْطَانُهُ، يَأْمُرُهُنَّ بما يَشَاءُ لمصلحةِ العبادِ.
خامسًا: عُمُومُ مُلْكِهِ، وَتَمَامُ سُلْطَانِهِ؛ حيثُ كانَ لهُ الخلقُ والأمرُ لا لِغَيْرِهِ.
سادسًا: عُمُومُ رُبُوبِيَّتِهِ للعالَمِينَ كُلِّهِم.

(6) يُشِيرُ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى قولِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
فالرَّبُّ هوَ المعبودُ؛ أيْ: هوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، أوْ هوَ الَّذِي يُعْبَدُ لاسْتِحْقَاقِهِ للعبادةِ.
وليسَ المعنَى أنَّ كُلَّ مَنْ عُبِدَ فهوَ رَبٌّ؛ فالآلهةُ التي تُعْبَدُ منْ دونِ اللَّهِ واتَّخَذَهَا عُبَّادُهَا أَرْبَابًا منْ دونِ اللَّهِ لَيْسَتْ أَرْبَابًا.
والرَّبُّ هوَ: الخالقُ المالكُ المُدَبِّرُ لجميعِ الأمورِ.

(7) أي: الدليلُ على أنَّ الرَّبَّ هوَ: المُسْتَحِقُّ للعبادةِ.

(8) النِّدَاءُ مُوَجَّهٌ لجميعِ النَّاسِ منْ بَنِي آدَمَ، أَمَرَهُم اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، فلا يَجْعَلُوا لهُ أَنْدَادًا، وَيُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ العبادةَ لكونِهِ هوَ الخالقَ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ.

(9) قولُهُ: {الَّذِي خَلَقَكُم} ، هذهِ صفةٌ كاشفةٌ تُعَلِّلُ ما سَبَقَ؛ أي: اعْبُدُوهُ؛ لأِنَّهُ رَبُّكُم الَّذِي خَلَقَكُم، فمنْ أجلِ كونِهِ الربَّ الخالقَ كانَ لِزَامًا عليكم أنْ تَعْبُدُوهُ.
ولهذا نَقُولُ: يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ أنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، وإلاَّ كانَ مُتَنَاقِضًا.

(10) أيْ: مِنْ أجلِ أنْ تَحْصُلُوا على التَّقْوَى، والتَّقْوَى هيَ اتِّخَاذُ وِقايَةٍ منْ عذابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ باتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نواهِيهِ.

(11) أيْ: جَعَلَهَا فِرَاشًا وَمِهَادًا، نَسْتَمْتِعُ فيها منْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ ولا تَعَبٍ، كما يَنَامُ الإنسانُ على فِرَاشِهِ.

(12) أيْ: فَوْقَنَا؛ لأنَّ البناءَ يَصِيرُ فَوْقَ السماءِ بِنَاءً لأهلِ الأَرْضِ، وهيَ سَقْفٌ محفوظٌ، كما قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}.

(13) أيْ: أَنْزَلَ من العُلُوِّ؛ من السحابِ، ماءً طهورًا، كما قالَ تَعَالَى: {لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} ، كما في سُورَةِ النَّحْلِ.

(14) أيْ: عَطَاءً لَكُمْ، وفي آيَةٍ أُخْرَى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ} .

(15) أيْ: لا تَجْعَلُوا لهذا الَّذِي خَلَقَكُم، وَخَلَقَ الذينَ مِنْ قَبْلِكُم، وَجَعَلَ لكم الأَرْضَ فِرَاشًا، والسماءَ بناءً، وَأَنْزَلَ لكم من السماءِ ماءً، فَأَخْرَجَ بهِ من الثمراتِ رِزْقًا لكم، لا تَجْعَلُوا لهُ أَنْدَادًا تَعْبُدُونَهَا كما تَعْبُدُونَ اللَّهَ، أوْ تُحِبُّونَهَا كما تُحِبُّونَ اللَّهَ؛ فإنَّ ذلكَ غيرُ لائقٍ بكم؛ لا عَقْلاً ولا شَرْعًا.

(16) أيْ: تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لهُ، وأنَّهُ بِيَدِهِ الخَلْقُ والرِّزْقُ والتَّدْبِيرُ، فلا تَجْعَلُوا لهُ شَرِيكًا في العبادةِ.

(17) هوَ عِمَادُ الدينِ أبو الفِدَاءِ إسماعيلُ بنُ عُمَرَ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الحافظُ المشهورُ، صاحبُ التفسيرِ والتاريخِ، مِنْ تلاميذِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، تُوُفِّيَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وسبعِمِائَةٍ (774هـ) .


  #4  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:35 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي حاشية ثلاثة الأصول للشيخ: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم

المتن:
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ(1)؟
فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقاَتِهِ(2)، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ(3)، وَالشَّمْسُ وَالْقمَرُ(4)، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاواتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا(5).
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالى: {لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} .
- وَقَوْلُهُ تَعَالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ(6) لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ(7) وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(8) } .
- وَقَوْلُهُ تَعَالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (9) ثُمَّ اسْتوَى عَلَى الْعَرْشِ (10) يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً(11) وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْـرِهِ (12) أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ (13) تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (14)} .
وَالرَّبُّ: هُوَ الْمَعْبُودُ(15).
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (16) الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (17) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً (18) وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (19) وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رزْقاً لَكُمْ (20) فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (21)
قَالَ ابْنُ كَثيِرٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-(22): (الْخَالِقُ لِهذِهِ الأَشْيَاءِ، هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعبَادَةِ)(23).




الحاشية :

(1) أيْ: فإِذَا قَالَ لَكَ قَائِلٌ: بِمَ اسْتَدْلَلْتَ به عَلَى مَعْرِفَتِكَ رَبَّكَ؛ مَعْبُودَكَ وخَالِقَكَ؟.

(2) أيْ : فَقُلْ: عَرَفْتُه بآياتِه ومَخْلُوقَاتِهِ، التي نَصَبَها دَلاَلَةً عَلَى وحْدَانِيَّتِه، وتَفَرُّدِه بالرُّبُوبيةِ والإِلَهِيَّةِ، والآياتُ: جَمْعُ آيةٍ، والآيةُ العَلاَمَةُ والدَّلاَلَةُ، والبُرْهانُ والحُجَّةُ.
والمَخْلُوقاتُ: جَمْعُ مَخْلُوقٍ، وهو مَا أُوجِدَ بَعْدَ العَدَمِ.
وآياتُ الرَّبِّ سبحانَه هي: دَلاَلاَتُه، وبَرَاهِينُه التي بِهَا يَعْرِفُه العِبَادُ، ويَعْرِفُونَ أَسْمَاءَه وصِفَاتِه، وتَوْحيدَه، وأَمْرَه ونَهْيَهُ، وآياتُه العَيانِيَّةُ الخَلْقِيَّةُ والنَّظَرُ فيها، والاسْتِدْلاَلُ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عليه آياتُه القَوْلِيَّةُ السَّمْعِيَّةُ.
والرُّسُلُ تُخْبِرُ عَنْه بكَلاَمِه الذي تَكَلَّمَ به، وهو آياتُه القَوْلِيَّةُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذلك بِمَفْعُولاَتِه، التي تَشْهَدُ عَلَى صِحَّةِ ذلك، وهي آياتُه العَيَانِيَّةُ، والعَقْلُ يَجْمَعُ بينَ هذه وهذه، فيَجْزِمُ بِصِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فتَتَّفِقُ شَهَادَةُ السَّمْعِ والبَصَرِ.
والعَقْلُ والفِطْرَةُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِن آياتِهِ ومَخْلُوقَاتِهِ، وإنْ دَقَّ، دَالٌّ عَلَى وحْدَانِيَّتِه وتَفَرُّدِه بالرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَوَاعَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ = أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُه الجَاحِدُ
وللَّهِ فِي كُـلِّ تَحْـرِيكَـــــــــــةٍ = وتَسْكِينَةٍ أَبَـدًا شَاهـــــِدُ
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَــــــــهُ آيــــــةٌ = تَـدُلُّ عَلَى أَنـَّهُ واحِــــــــدُ
وقَالَ آخَرُ:
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وانْظُـــــــــرْ = إلى آثَارِ مَـــــا صَنَعَ الْمَلِيـــكُ
عُيونٌ مِن لُجَيْنٍ شَاخِصَـــــــــاتٌ = بِأَبْصَارٍ هي الذَّهَبُ السَّبِيـكُ
عَلَى قَصَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ = بأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَــــــــهُ شَرِيــــــكُ
وقَالَ آخَرُ:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الكَائِنَاتِ فإِنَّهَـــــــا = مِن الْمَلِكِ الأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ
وَقَدْ خُطَّ فيها لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا = أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلُ
فَإِيجَادُ هذه المَخْلوقَاتِ أَوْضحُ دَلِيلٍ عَلَى وجُودِ البَارِي تَعَالَى، وتَفَرُّدِه بالرُّبُوبِيَّةِ والإِلَهِيَّةِ، ونَعْرِفُ رَبَّنا تَبَارَكَ وتَعَالَى أيْضًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بالطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى ذلك، وهي كَثِيرَةٌ، فالكِتَابُ والسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ بذلك.

(3) أيْ: ومِن أَعْظَمِ آياتِهِ المُشَاهَدَةِ بالأَبْصَارِ، اللَّيْلُ والنَّهَارُ، وكونُ اللَّيْلِ يَأْتِي عَلَى النَّهَارِ فيُغَطِّيه، حتَّى كأنَّه لَمْ يكنْ، ثُمَّ يَأْتِي النَّهَارُ فيَذْهَبُ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، حَتَّى كَأَنَّ اللَّيْلَ لَمْ يَكُنْ، فَمَجِيءُ هذا، وذَهَابُ هذا بهذه الصِّفَةِ، وهذه الصُّورَةِ المُشَاهَدَةِ: دَالٌّ أَعْظَمَ دَلاَلَةٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِه ومُوجِدِه.

(4) أيْ: ومِن أَعْظَمِ آياتِهِ المُشَاهَدَةِ بالأَبْصَارِ، الشَّمْسُ والقَمَرُ، وكَوْنُهُمَا يَجْرِيانِ هذا الجَرَيانَ المُتْقَنَ {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} دَلَّ أَعْظَمَ دَلاَلَةٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ مُوجِدِهِمَا تَعَالَى وتَقَدَّسَ.

(5) أيْ: ومِن أَعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِه تَعَالَى السَّمَاواتُ السَّبْعُ، وسَعَتُها وارْتِفَاعُها، والأَرَضُونَ السَّبْعُ، وامْتِدَادُها وسَعَةُ أَرْجَائِهَا، ومَا فِي السَّمَاواتِ السَّبْعِ، مِن الكَوَاكِبِ الزَّاهِرَةِ، والآياتِ البَاهِرَةِ، ومَا فِي الأَرَضِينَ السَّبْعِ مِن الجِبَالِ والبِحَارِ، وأَصْنَافِ المَخْلُوقاتِ، مِن الحَيَواناتِ والنَّبَاتَاتِ، وسَائِرِ المَوْجُودَاتِ، ومَا بَيْنَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، مِن الأَهْوِيَةِ والسَّحَابِ، وغَيْرِ ذلك: دَالٌّ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ البَارِي جَلَّ جَلاَلُه، وعَلَى تَفَرُّدِه بالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ.

(6) أيْ: ومِن حُجَجِ وَحْدَانِيَّتِه تَعَالَى، وبَرَاهِينِ فَرْدَانِيَّتِه، الدَّالَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَه المُصَنِّفُ: مَا تَعَرَّفَ بِهِ تَعَالَى إِلَيْنَا، بِمَا نَرَاهُ مِن مَخْلُوقَاتِهِ.
ومنها: اللَّيْلُ والنَّهَارُ، فمَجِيءُ هذا، وذَهابُ هذا مِن دَلاَئِلِ قُدْرَتِهِ، وحِكْمَتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِه، والشَّمْسُ والقَمَرُ مَخْلُوقَانِ مُسَخَّرَانِ دَائِبَانِ يَجْرِيانِ دَالاَّنِ عَلَى تَفَرُّدِه تَعَالَى، بالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ.
وهذا وجْهُ اسْتِدْلاَلِ المُصَنِّفِ بالآيةِ ههنا.

(7) لأَِنَّ السُّجُودَ عِبَارَةٌ عَن نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، والشَّمْسُ والقَمَرُ مَخْلُوقانِ مُتَصَرَّفٌ فيهما، يَعْتَرِيهِمَا التَّغَيُّرُ، فَلاَ يَسْتَحِقَّانِ أنْ يُسْجَدَ لَهُمَا.

(8) أَمَرَ عِبَادَه أنْ يُفْرِدُوه بالعِبَادَةِ وحْدَه، فكَمَا أنَّه المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ، وسَائِرِ المَخْلُوقاتِ، فهو المُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وحدَه، لاَ شَرِيكَ لَه.

(9) أيْ: ومِن أَعْظَمِ الدَّلاَئِلِ، والمُعَرِّفاتِ التي تَعَرَّفَ بِهَا سُبْحَانَه إِلَى عِبَادِه: خَلْقُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ مِن غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وتَقْدِيرُ أَقْوَاتِهَا فيها فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
وأَصْلُ الخَلْقِ إِيجَادُ المَعْدُومِ عَلَى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ، وإِبْدَاعُه مِن غَيْرِ أَصْلٍ سَابِقٍ، ولاَ ابْتِدَاءٍ مُتَقَدِّمٍ:
- قَالَ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .
- وقَالَ: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .

(10) اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ وعَظَمَتِه، قَالَ مَالِكٌ: (الاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤَالُ عنه بِدْعَةٌ).
وبهذا قَالَ السَّلَفُ، وأَدِلَّةُ عُلُوِّه عَلَى خَلْقِهِ واسْتِوائِهِ عَلَى عَرْشِهِ أَكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ، وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى ذلك.

(11) أيْ: يَأْتِي باللَّيْلِ، فيُغَطِّي بِهِ النَّهَارَ، ويُلْبِسُهُ إيَّاه، حتَّى يَذْهَبَ بنُورِهِ، ويُغْشِيَ النَّهَارَ باللَّيْلِ.
{يَطْلُبُه حَثِيثًا} طَلَبًا سَرِيعًا، لاَ يَفْصِلُ بَيْنَهما شَيْءٌ، ولاَ يُدْرِكُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.

(12) مُذَلَّلاَتٌ، جَارِيَةٌ في مَجَارِيها بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ تَتَقَدَّمُ ولاَ تَتَأَخَّرُ، وإذا تَأَمَّلْتَ هذا العَالَمَ وجَدْتَه عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ وأَتَمِّه، وأَدَلِّه عَلَى وُجُودِ خَالِقِه جَلَّ وعَلاَ، ووَحْدَانِيَّتِه وقُدْرَتِه، وكَمَالِ عِلْمِه وحِكْمَتِه.

(13) فهو المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ، كَمَا أَنَّه المُتَفَرِّدُ بالأَمْرِ، فَلاَ شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، كمَا أنَّه لاَ شَرِيكَ له في الأَمْرِ، له الخَلْقُ كلُّه، وله الأَمْرُ كلُّه، وبيدِه الخَيْرُ كلُّه، وهو عَلَى كلِّ شيءٍ قَديرٌ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} .

(14) أيْ: بَلَغَ في البَرَكَةِ نِهَايتَها، إِلَهُ الخَلْقِ ومَلِيكُهُم، ومُوصِلُ الخَيْرَاتِ إِلَيْهِم، ودَافِعُ المَكَارِهِ عَنْهُم، والمُتَفَرِّدُ بإيجادِهِم وتَدْبِيرِهم، لاَ إِلَهَ إلاَّ هو، ولاَ رَبَّ سِوَاه.

(15) أيْ: ومِن مَعَانِي الرَّبِّ، ومِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ المَعْبُودُ، كَمَا أنَّه يُطْلَقُ عَلَى الخَالِقِ والرَّازِقِ والمَالِكِ والمُتَصَرِّفِ، ومُرَبِّي جَمَيعِ الخَلْقِ بالنِّعَمِ، وإِذَا قُرِنَ بالمَعْبُودِ شَمِلَ مَعَانِيَ عَدِيدَةً.
ومَعْنَى المَعْبودِ المَأْلُوهُ، المُسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَه، دونَ كلِّ مَن سِوَاه.

(16) هذا خِطَابٌ لِجَميعِ الخَلْقِ، وهو أَوَّلُ أَمْرٍ يَمُرُّ بِكَ في المُصْحَفِ الكَرِيمِ، كَمَا أنَّ أوَّلَ فِعْلٍ يَمُرُّ بِكَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ هنا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ : لاَ نَعْبُدُ سِوَاكَ، كَمَا أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ دَعَتْ إليه الرُّسُلُ مِن أَوَّلِهم إلى آخِرِهم {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} .
ومَعْنَى {اعْبُدُوا ربَّكُم} ومَعْنَى قَوْلِ الرُّسُلِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} ومعنى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هو مَا فَسَّرَه ابْنُ عَبَّاسٍ بقَوْلِه: (كلُّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ {اعْبُدُوا اللَّهَ} فَمَعْنَاهُ: وحِّدُوا اللَّهَ، وقَالَ: عِبَادَةُ اللَّهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ) يَعْنِي: اعْبُدُوه وحْدَه، دونَ كلِّ مَن سِوَاه.
وهذا يُفِيدُكَ عِظَمَ شَأْنِ التَّوْحيدِ، وأنَّه أَوْجَبُ الواجباتِ، وأَنَّه أوَّلُ فَرْضٍ عَلَى المُكَلَّفِ، عِلْمًا وعَمَلاً، وهو مَدْلُولُ شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ، التي أَوْجَبُ الواجباتِ: العِلْمُ بِمَعْناهَا، والعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، مِن إِفْرَادِ اللَّهِ بالعِبَادَةِ، والبَرَاءَةِ مِن الشِّرْكِ وأَهْلِه.
وصُدُورُ العِبَادَةِ مِن غَيرِ تَوْحيدٍ لاَ يُسَمَّى عِبَادَةً، ولَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وإذا صَدَرَتْ مِمَّن أَشْرَكَ فيها مَعَ اللَّهِ غَيرَه، فهي بِمَنْزِلَةِ الجَسَدِ الذي لاَ رُوحَ فيه.
وإِذَا عَبَدَ اللَّهَ تَارَةً، وأَشْرَكَ مَعَه تَارَةً، فَلَيْسَ بِعَابِدٍ للَّهِ عَلَى الحَقِيقَةِ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ المُشْرِكِينَ مُشْرِكِينَ، وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويُخْلِصُونَ له العِبَادَةَ في الشَّدَائِدِ، وعندَ رُكُوبِ البِحَارِ، وتَلاَطُمِ الأمْوَاجِ: يَهْرُبُونَ ويَفْزَعُونَ، ويَلْجَؤُونَ إليه تَعَالَى وحدَه، ويَعْرِفُونَ أنَّ تلك الآلِهَةَ ليستْ شَيْئًا في الحَقِيقَةِ، وأنَّها لاَ تَنْفَعُهم عندَ الكُرُوبِ، ومَعَ ذلك كلِّه سَمَّاهُم اللَّهُ مُشْرِكِينَ، بل نَفَى عنهم تلك العِبَادَةَ بالكُلِّيَّةِ، في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتَابِهِ.
ولَمْ يَرِدْ في العِبَادَةِ إلاَّ إِفْرَادُه تَعَالَى بِجَمِيعِ أَنْواعِهَا، فَمَن أَطَاعَه في جَمِيعِ مَا أَمَره به منها فَقَدْ وحَّدَه، وإلاَّ فَلاَ، وكونُه تَعَالَى ربَّنا يُفِيدُ ويَقْتَضِي: أنْ نَعْبُدَه وحدَه، وأنْ لاَ نَجْعَلَ له شَرِيكًا في رُبُوبِيَّتِه، ولاَ في أُلُوهيَّتِه وعِبَادَتِه.

(17) أي: الذي أَوْجَدَكُم، ومَن قَبْلَكُم مِن العَدَمِ، فَلاَ تَجْعَلُوا المَخْلُوقَ شَرِيكًا للخالقِ في عِبَادَتِه، فهو سبحانَه أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ، بل وحِّدُوه سبحانَه، لَعَلَّكُم تَنْجُونَ مِن عِقَابِه، وأَليمِ عَذَابِه.

(18) أيْ: بِسَاطًا غَيرَ حَزْنَةٍ تَتَمَكَّنُونَ مِن المَسِيرِ فيها، والمُكْثِ عَلَى ظَهْرِها، وتَنْتَفِعُونَ منها بأَنْواعِ الْمَنافِعِ.

(19) قُبَّةً مَضْرُوبَةً عَلَيْكُم، وسَقْفًا مَحْفُوظًا، مُزَيَّنًا بالمَصَابِيحِ، والعَلاَمَاتِ التي تَهْتَدُونَ بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحْرِ.

(20) أيْ: وأَنْزَلَ مِن السَّحَابِ المَطَرَ، فإِنَّ كُلَّ مَا عَلاَكَ فَهُو سَمَاءٌ، فأَخْرَجَ بالْمَاءِ مِن جَمِيعِ أَنْواعِ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُم تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، وتَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى عِبَادَتِه وحدَه، وكُلُّ صِفَةٍ مِن هذه الصِّفَاتِ مُفِيدَةٌ ومُقْتَضِيَةٌ إِفْرادَ رَبِّ العَالَمِينَ بالعِبَادَةِ.

(21) أيْ: ومَن كانَ هذا وصْفَه، فهو المُسْتَحِقُّ أنْ تَعْبُدُوه وحدَه، لاَ تَجْعَلُونَ له أَنْدَادًا، أَمْثَالاً ونُظَرَاءَ، بِصَرْفِ شَيْءٍ مِن أنْواعِ العِبَادَةِ لَهُم، وأَنْتُم تَعْلَمُونَ أنَّها لاَ تُمَاثِلُه بوجْهٍ مِن الوُجُوهِ.
أو كُنْتُم تَعْلَمُونَ تَفَرُّدَه بإيجادِ المَخْلُوقَاتِ، وإِنْزَالِ المَطَرِ، وجَعْلِ الأَرْضِ فِرَاشًا، والسَّمَاءِ بِنَاءً وأنَّه لاَ يَرْزُقُكُم غَيْرُه. يَحْتَجُّ تَعَالَى عَلَيْهِم بِمَا أَقَرُّوا بِهِ وعَلِمُوه، مِن تَوْحيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى مَا جَحَدُوه وأَنْكَرُوه، مِن تَوْحيدِ الأُلُوهِيَّةِ، فإنَّه تَعَالَى كَثِيرًا مَا يُقَرِّرُ فِي كِتَابِه تَوْحِيدَ أُلُوهِيَّتِه، بِتَوْحيدِ رُبُوبِيَّتِه، فإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هو: الدَّلِيلُ الأَوْضَحُ، والبُرْهانُ الأَعْظَمُ، عَلَى توحيدِ الأُلُوهِيَّةِ.

(22) هو عِمَادُ الدِّينِ أَبو الفِدَاءِ، إِسْمَاعِيلُ بنُ عُمَرَ، القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الحَافِظُ، صَاحِبُ التَّفْسيرِ المَشْهُورِ، والتَّارِيخِ، وغَيْرِهِمَا، المُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وسَبْعِينَ وسَبْعِمائةٍ.

(23) يعني: أنَّ الآياتِ دَلَّتْ عَلَى أنَّ الذي خَلَقَ هذه الأَشْياءَ، وأَوْجَدَها مِن العَدَمِ، عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَبَقَ، هو المُسْتَحِقُّ للعِبَادَةِ، وحْدَه دونَ مَن لَمْ يكنْ لَهُ شِرْكَةٌ فيها، ولاَ في غَيْرِهَا، وإنْ قَلَّ، بل مَن سِوَاه تَعَالَى وتَقَدَّسَ: مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، مُتَصَرَّفٌ فيه، فيَكُونُ في ذلك أَوْضَحُ بُرْهانٍ، أَنَّه سبحانَه هو المُسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَه وحدَه، دونَ كلِّ مَن سِوَاه، لاَ إِلَهَ غَيْرُه، ولاَ رَبَّ سِوَاه.


  #5  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:37 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي حصول المأمول لفضيلة الشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان

(1) قولُهُ: (فإذا قيلَ لكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟) هذا السؤالُ الثاني بعدَ السؤالِ الأَوَّلِ: مَنْ رَبُّكَ؟ أيْ: بِمَ اسْتَدْلَلْتَ علَى مَعرِفَتِكَ رَبَّكَ؟

(2) (فقلْ: بآياتِهِ ومَخلوقاتِهِ) فهذا هوَ الدليلُ عل أنَّهُ هوَ الذي خَلَقَني وهوَ الذي رَزَقَني، وهوَ مَعبودي ليسَ لي مَعبودٌ سِواهُ.
والآيَةُ في اللغةِ لها مَعَانٍ كثيرةٌ، مِنها: البُرهانُ، والدليلُ.
وآياتُ اللهِ نوعانِ:
1 - آياتٌ شَرعيَّةٌ: ويُرادُ بها: الوحيُ الذي جاءَتْ بهِ الرُّسُلُ، فهوَ آيَةٌ مِنْ آياتِ اللهِ، قالَ تعالَى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَّاتٍ بَيِّنَاتٍ} .
فإنْ قيلَ: كيفَ كانَ الوحيُ دليلاً وبُرهانًا علَى اللهِ تعالَى؟
فالجوابُ:
أوَّلاً: أنَّ هذا الوحيَ الذي جاءتْ بهِ الرُّسُلُ جاءَ وَحْيًا مُتَكَامِلاً مُنْتَظِمًا لا تَناقُضَ فيهِ ولا اضطرابَ، قالَ تعالَى عن القرآنِ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}.
فالقرآنُ الكريمُ دَليلٌ علَى وُجودِ الربِّ العظيمِ، وهوَ دليلٌ مِن الآياتِ الشَّرعيَّةِ.
ثانيًا: أنَّ هذه الآياتِ الشَّرعيَّةَ قامَتْ بِمَصالِحِ العِبادِ، وهيَ كَفيلةٌ بسَعادَتِهم في دينِهم ودُنياهم.
وأَوْضَحُ مِثالٍ شَريعةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؛ فإنَّ اللهَ جَلَّ وعَلاَ قدْ شَرَعَ لنا في هذا القرآنِ الكريمِ وعلَى لِسانِ رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ما هوَ كَفيلٌ بِمَصالِحِنا، وما مِنْ مُشكِلَةٍ أوْ مُعْضِلَةٍ إلاَّ وفي الشريعةِ الإسلاميَّةِ حَلٌّ لها، سواءٌ كانَ هذا الْحَلُّ عنْ طريقِ الكُلِّيَّاتِ أوْ عنْ طريقِ الْجُزئيَّاتِ.
2 - آياتٌ كَونيَّةٌ: والآياتُ الكَونِيَّةُ هيَ المخلوقاتُ، مِثلُ: السماواتِ، والأرضِ، والإنسانِ، والحيوانِ، والنباتِ، وغيرِ ذلكَ.
والْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ يقولُ: (فقلْ: بآياتِهِ ومَخلوقاتِهِ)
فإذا فَسَّرْنَا الآياتِ : بالآياتِ الشَّرعيَّةِ والكَونيَّةِ؛ فإنَّهُ يَدْخُلُ قولُهُ (ومخلوقاتِهِ) تحتَ قولِهِ: (بآياتِهِ)؛ لأنَّ المخلوقاتِ هيَ الآياتُ الكَونيَّةُ، فيكونُ كلامُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ بابِ عَطْفِ الخاصِّ علَى العامِّ، علَى سبيلِ الاهتمامِ بالخاصِّ، فإنَّهُ المخلوقاتِ معَ أنَّها دَاخلةٌ في الآياتِ للاهتمامِ بها؛ لأنَّها مَرْئِيَّةٌ يُدْرِكُها العالِمُ وغيرُ العالِمِ.
أمَّا إذا فَسَّرْنا الآياتِ بالآياتِ الشرعيَّةِ فقطْ فإننا نُفَسِّرُ المخلوقاتِ بالآياتِ الكونيَّةِ، ويَصيرُ مِنْ بابِ عَطْفِ الْمُغَايِرِ.
وظاهِرُ كلامِ الشيخِ رَحِمَهُ اللهُ يَدُلُّ علَى أنَّهُ ما قَصَدَ الآياتِ الشرعيَّةَ بلْ أَرادَ بالآياتِ والمخلوقاتِ الكَونيَّةَ مِنها، بدَليلِ أنَّهُ قالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، وَالأَرَضُونَ السبعُ ومَنْ فيهنَّ، وما بينَهما) ويكونُ خَصَّ الآياتِ الكونيَّةَ بالذكْرِ؛ لأنَّ دَلالتَها يَشْتَرِكُ فيها العالِمُ والجاهِلُ كما تَقَدَّمَ.

(3) قولُهُ: (ومِنْ آياتِهِ الليلُ والنهارُ) أيْ: ومِن الأَدِلَّةِ والبَراهينِ علَى وُجودِ الباري تعالَى وتَفَرُّدِهِ بالرُّبوبيَّةِ والإلَهِيَّةِ وُجودُ الليلِ والنهارِ، وذلكَ مِنْ وُجوهٍ:
أَوَّلاً: تَعاقُبُهما، فهذا يَذْهَبُ، وهذا يأتي بعدَهُ بانتظامٍ كاملٍ وتَناسُقٍ بَديعٍ.
ثانيًا: اختلافُهما بالطُّولِ والقِصَرِ؛ فإنَّ هذا مِنْ آياتِ اللهِ، ولوْ فُرِضَ أنَّ الليلَ ما يَزيدُ أبدًا، والنهارَ ما يَزيدُ أبدًا، لكان هذا مِنْ آياتِ اللهِ أيضًا، ولكنَّ كونَ الليلِ يَزيدُ في الشتاءِ ويَقْصُرُ النهارُ، والنهارَ يَزيدُ في الصيفِ ويَقْصُرُ الليلُ، هذا أيضًا مِنْ آياتِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى.
والليلُ والنهارُ مِنْ نِعَمِ البارِي علَى عِبادِهِ، فلوْ كانَ الليلُ سَرْمَدًا لتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ العِبادِ ولوْ كانَ فيهِ أنوارٌ؛ لأنَّ جُهْدَ الإنسانِ يَصِلُ إلَى درجةٍ قليلةٍ في الليلِ.
فلا تَتَحَقَّقُ مَصالِحُ العِبادِ ولا تَقومُ إلاَّ بالنهارِ، ولوْ لم يُوجَدْ ليلٌ لَمَاتَ كثيرٌ مِمَّنِ انْهَمَكُوا في الدنيا؛ لأنَّهُ لا يُوجَدُ ليلٌ يَطْرَحُهم فيَنامونَ، لكنَّ هذا الليلَ نِعمةٌ عَظيمةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالَى علَى العِبادِ؛ لأنَّ الناسَ يَأْوُونَ إلَى مَنَازلِهم ويَنامونَ ويَستريحونَ، فإذا قاموا مِن الغَدِ قامُوا إلَى نهارٍ جديدٍ وبِجُهْدٍ جَديدٍ.
والحاصلُ: أنَّ هذه آياتٌ عظيمةٌ مِنْ آياتِ اللهِ تعالَى، ولكنَّ الإنسانَ غافلٌ عنْ تَدَبُّرِها، ولهذا فإنَّ اللهَ تعالَى قدْ كَرَّرَ ذِكْرَ هذه الآياتِ في سُوَرٍ مِن القرآنِ الكريمِ يَذْكُرُ الليلَ والنهارَ، والشمسَ والقمَرَ، وخَلْقَ السماواتِ والأرضِ؛ لأَجْلِ أنَّ الإنسانَ يَصْطَحِبُ الذكْرَ فلا يَغْفُلُ ولا يَنْسَى، واللهُ الْمُستعانُ.

(4) قولُهُ: (والشمسُ والقمرُ) أيْ: ومِنْ آياتِ اللهِ الدالَّةِ علَى وُجودِهِ سُبحانَهُ وتَفَرُّدِهِ بالرُّبوبيَّةِ والإلهيَّةِ: الشمسُ والقمرُ، وذلكَ مِنْ وُجوهٍ:
أولاً: جَريانُهما باستمرارٍ مُنذُ أنْ خَلَقَ تعالَى الشمسَ والقمَرَ إلَى أن يَأْذَنَ اللهُ تعالَى بخَرابِ هذا الكونِ، والشمسُ والقمرُ يَجريانِ باستمرارٍ كما في قولِهِ تعالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}.
وفي قِراءةٍ {لاَ مُسْتَقَرَّ لَهَا} أيْ: أنَّ الشمسَ ليسَ لها مُستَقَرٌّ، إنَّمَا هيَ دائمًا تَسيرُ إلَى أن يَأذنَ اللهُ تعالَى بخَرابِ الدنيا؛ ولهذا إذا غَرَبَتْ علَى أُناسٍ طَلَعَتْ علَى آخَرينَ، وهذا لا يُنافِي ما وَرَدَ في الحديثِ الصحيحِ أنَّ الرسولَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: ((إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرَّ سَاجِدَةً…)) الحديثَ، لأنَّهُ يُمْكِن أنَّها إذا غَرَبَتْ عنْ أُناسٍ تَسْجُدُ تحتَ العرْشِ بالنسبةِ لغُروبِها عنهم وهيَ مُستَمِرَّةٌ في جَريانِها.
ثانيًا: الانتظامُ البديعُ، فالشمسُ تَسيرُ في فلَكِها في مُدَّةِ سَنَةٍ، وهيَ في كلِّ يومٍ تَطْلُعُ وتَغرُبُ بسيرٍ سَخَّرَها لهُ خالِقُها لا تَتَعَدَّاهُ ولا تَقْصُرُ عنه.
والقمرُ يُبديهِ اللهُ كالخيطِ ثمَّ يَتزايدُ نُورُهُ ويَتكامَلُ حتَّى يَنتهيَ إلَى إبدارِهِ وكَمالِهِ، ثمَّ يَأْخُذُ في النُّقصانِ حتَّى يَعودَ إلَى حالتِهِ الأُولَى.
قالَ تعالَى: {لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أيْ: لا يُمْكِنُ أن تُوجَدَ الشمسُ في الليلِ فتُدْرِكَ القمَرَ، ولا الليلُ سابقُ النهارِ فيَدْخُلَ عليهِ قبلَ انقضاءِ سُلطانِهِ.
{وَكُلٌّ} مِن الشمسِ والقمرِ والنجومِ {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أيْ: يَتَرَدَّدونَ علَى الدوامِ، فهذا دَليلٌ علَى عَظمةِ الخالقِ وقُدرتِهِ وحِكمتِهِ.
ثالثًا: ما فيهما مِن الْمَنافِعِ العظيمةِ، قالَ تعالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ}.
وفي الشمسِ مَنافِعُ عظيمةٌ للعُلْوِيَّاتِ؛ فإنَّ القمرَ يَسْتَمِدُّ نورَهُ مِن الشمسِ، وللسُّفْلِيَّاتِ: مِن الإنسانِ، والحيوانِ، والنباتِ، والبحارِ، وغيرِ ذلكَ، ولولا طلوعُ الشمسِ وغروبُها لَمَا عُرِفَ الليلُ والنهارُ، ولأَطْبَقَ الظلامُ علَى العالَمِ أو الضياءُ.
وفي سَيْرِ القمَرِ تَظْهَرُ مَواقيتُ العِبادِ في مَعاشِهم وعِبادتهِم ومَنَاسِكهم، فتَمَيَّزَتْ بهِ الأشهُرُ والسُّنونُ، وقامَ حِسابُ العالَمِ معَ ما في ذلكَ مِن الْحِكَمِ والآياتِ التي لا يُحصِيها إلاَّ اللهُ تعالَى.

(5) قولُهُ: (ومِنْ مَخلوقاتِهِ السماواتُ السبْعُ) أيْ: ومِنْ أَعْظَمِ مَخلوقاتِ اللهِ تعالَى الدالَّةِ علَى عَظمتِهِ ووَحدانِيَّتِهِ: السماواتُ السبْعُ، وعُلُوُّها وسَعَتُها واستدارتُها، وعِظَمُ خَلْقِها وبِنائِها.

(6) قولُهُ: (والأَرَضونَ السبْعُ) أيْ: ومِنْ مَخلوقاتِهِ العظيمةِ الأرَضونَ السبْعُ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الأرضَ فِراشًا ومِهادًا وذَلَّلَها لعِبادِهِ، وجَعَلَ فيها سُبُلاً، وجَعَلَ فيها أرزاقَهم ومَعايشَهم.
وقدْ أَكْثَرَ اللهُ تعالَى مِنْ ذِكْرِ السماواتِ والأرضِ في كِتابِهِ الكريمِ، ودَعَا عِبادَهُ إلَى النَّظَرِ إليهما والتفكيرِ في خَلْقِها، قالَ تعالَى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}، وقالَ تعالَى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

(7) قولُهُ: (وما فيهنَّ) أيْ: مِن المخلوقاتِ العظيمةِ التي لا يَعْلَمُها إلاَّ خالقُها سُبحانَهُ وتعالَى (وما بينَهما) أيضًا مِن المخلوقاتِ العظيمةِ.

(8) قولُهُ: (والدليلُ قولُهُ تعالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}) يعني: وإنْ كانَ الشمسُ والقمرُ مِن المخلوقاتِ العظيمةِ فإنَّ هذا لا يَقتضِي أن يُسْجَدَ لهما؛ لأنَّهما مخلوقانِ مُدَبَّرَانِ مُسَخَّرَانِ.
{وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي: اعْبُدُوهُ وَحْدَهُ؛ لأنَّهُ الخالقُ العظيمُ، ودَعُوا عِبادةَ ما سواهُ مِن المخلوقاتِ وإنْ كَبُرَ جِرْمُها، وكَثُرَتْ مَصالِحُها، فإنَّ ذلكَ ليسَ مِنها وإنَّمَا هوَ مِنْ خالقِها تَبارَكَ وتعالَى.
{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فخُصُّوهُ بالعِبادةِ وإخلاصِ الدِّينِ لهُ.

(9) قولُهُ: (وقولُهُ تعالَى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ} ).
هذا فيهِ إخبارٌ مِن اللهِ تعالَى بأنَّهُ خَلَقَ هذا العالَمَ سَماواتِهِ وأَرْضَهُ وما بينَ ذلكَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، أوَّلُها: الأَحَدُ، وآخِرُها الْجُمُعَةُ، مِنها أربعةُ أيَّامٍ للأرضِ ويَومان للسماءِ،كما قالَ تعالَى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
ويكونُ معنَى قولِهِ سُبحانَهُ: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} أيْ: في تَتِمَّةِ أربعةِ أيَّامٍ لا أنَّها أربعةُ أيَّامٍ مُسْتَقِلَّةٌ عن اليومينِ الأَوَّلَيْنِ، وإلاَّ لكانت الأَيَّامُ ثمانيَةً.
والظاهِرُ أنَّ هذه الأيَّامَ كأيَّامِنا التي نَعْرِفُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذَكَرَها مُنَكَّرَةً، فتُحْمَلُ علَى ما كانَ مَعروفًا، ولوْ شاءَ اللهُ تعالَى لَخَلَقَها في لَحْظَةٍ، ولكنه رَبَطَ الْمُسَبَّباتِ بأسبابِها كما تَقتضيهِ حِكمتُهُ سُبحانَهُ وتعالَى.

(10) وقولُهُ تعالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أيْ: علا وارْتَفَعَ.
والعرْشُ: هوَ ذلكَ السقْفُ الْمُحيطُ بالمخلوقاتِ.
وفي الآيَةِ إثباتُ استواءِ اللهِ علَى عَرْشِهِ علَى ما يَليقُ بجَلالِهِ وعَظمتِهِ، وأَدِلَّةُ عُلُوِّ اللهِ علَى خَلْقِهِ واستوائِهِ علَى عَرْشِهِ أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وأَجمعَ المسلمونَ علَى ذلكَ.

(11) وقولُهُ تعالَى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أيْ: يُغَطِّي كلُّ واحدٍ مِنهما الآخَرَ فيَذْهَبُ ظَلامُ هذا بضِياءِ هذا، وضِياءُ هذا بظَلامِ هذا.
وكُلٌّ مِنهما يَطْلُبُ الآخَرَ طَلَبًا {حَثِيثًا} أيْ: سريعًا لا يَتَأَخَّرُ عنه، بلْ إذا ذَهَبَ هذا جاءَ هذا، وإذا جاءَ هذا ذَهَبَ هذا.

(12) وقولُهُ تعالَى: {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}
هذا مَعطوفٌ علَى {السَّمَاوَاتِ}، يعني: خَلْقَ السماواتِ والأرضِ وخَلْقَ الشمسِ والقمرِ والنجومِ حالةَ كونِها مُسَخَّرَاتٍ.
ومعنَى {مُسَخَّرَاتٍ} أيْ: مُذَلَّلاتٍ جَاريَةً في مَجارِيها بتَسخيرِ اللهِ تعالَى.

(13) وقولُهُ تعالَى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} يعني: أنَّ اللهَ جلَّ وعلا مُتَفَرِّدٌ بالْخَلْقِ ومُتَفَرِّدٌ بالأَمْرِ، فلهُ الْخَلْقُ الذي صَدَرَتْ عنه جميعُ المخلوقاتِ، ولهُ الأَمْرُ الْمُتَضَمِّنُ للشرائعِ والنُّبوَّاتِ، فالْخَلْقُ يَتَضَمَّنُ أحكامَهُ الكونيَّةَ القَدَرِيَّةَ، والأمْرُ يَتَضَمَّنُ أحكامَهُ الدينيَّةَ الشرعيَّةَ، ثمَّ أحكامَ الجزاءِ في الدارِ الآخرةِ.

(14) قالَ اللهُ تعالَى: {تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أيْ: عَظُمَ وتعالَى، وكَثُرَ خَيْرُهُ وإحسانُهُ، فتَبَارَكَ في نفسِهِ لعَظَمَةِ أَوصافِهِ وكَمَالِها، وبَارَكَ في غيرِهِ بإحلالِ الخيرِ الجزيلِ والبِرِّ الكثيرِ، فكُلُّ بَرَكَةٍ في الكونِ فمِنْ آثارِ رَحمتِهِ سُبحانَهُ وتعالَى.

(15) قولُهُ: (والربُّ هوَ المعبودُ، والدليلُ قولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ) معنَى (المعبود) أي: الْمُسْتَحِقُّ لأَِنْ يُعْبَدَ دُونَ سِواهُ.
وليسَ الْمُرَادُ أنَّ مِنْ معاني الربِّ: المعبودَ، وإلاَّ لَزِمَ مِنه أنَّ كلَّ ما عُبِدَ مِنْ دونِ اللهِ فهوَ رَبٌّ، وهذا ليسَ بصحيحٍ.
والْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ لم يَقْصِدْ أنَّ مِنْ معاني (الربِّ): المعبودَ، وإنَّمَا قَصَدَ أنَّ الربَّ هوَ الْمُسْتَحِقُّ لأَِنْ يُعْبَدَ؛ لأنَّهُ بعدَ أن ساقَ الآيَةَ مِنْ سورةِ البقرةِ ذَكَرَ كلامًا لابنِ كثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ، وهوَ قولُهُ: (الخالِقُ لهذه الأشياءِ هوَ الْمُسْتَحِقُّ للعبادةِ).
والدليلُ علَى أنَّ الربَّ هوَ الْمُسْتَحِقُّ للعبادةِ قولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} .
فـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هذا خِطابٌ لجميعِ الْخَلْقِ مؤمِنِهم وكافرِهم.
وقولُهُ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أيْ: أَطيعُوا رَبَّكُمْ بالإيمانِ والامتثالِ للأوامِرِ والنواهي، معَ الْمَحَبَّةِ والتعظيمِ.
وقولُهُ تعالَى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أيْ: أَوْجَدَكم مِنَ العَدَمِ بتقديرٍ عظيمٍ وصُنْعٍ بَديعٍ، ورَبَّاكُمْ بأصنافِ النِّعَمِ، وَخَلَقَ الذينَ مِنْ قَبْلِكم.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أيْ: مِنْ أَجْلِ أن تَحْصُلوا علَى التَّقْوَى، والتَّقْوَى: اتِّخَاذُ وِقايَةٍ تَحْفَظُكم مِنْ عذابِ اللهِ باتِّباعِ الأوامِرِ واجتبابِ النواهِي.
وقولُهُ تعالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا} أيْ: بِساطًا مُهَيَّئًا تَسْتَقِرُّون عليها وتَنتفِعُون بالأَبْنِيَةِ، والزراعةِ، والسلوكِ مِنْ مَكانٍ إلَى مَكانٍ، وغيرِ ذلكَ مِنْ وُجوهِ الانتفاعِ.
وقولُهُ تعالَى: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} أيْ: وَجَعَلَ السماءَ بِناءً لِمَسْكَنِكم، وأَوْدَعَ فيها مِن الْمَنافِعِ ما هوَ مِنْ ضَروراتِكُم وحاجاتِكم كالشمْسِ والقمَرِ والنجومِ.
وقولُهُ تعالَى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} الْمُرَادُ بالسماءِ: السَّحابُ، كما ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وأَطْلَقَ عليهِ سَماءً؛ لأنَّهُ فَوقُ؛ وكلُّ ما علا وارْتَفَعَ فهوَ سَماءٌ، والماءُ: هوَ الْمَطَرُ.
والماءُ النازلُ مِن السماءِ هوَ مَادَّةُ الحياةِ للأحياءِ في الأرضِ جَميعًا، سواءٌ أَنْبَتَ الزرْعَ مُباشَرَةً أوْ كوَّنَ الأنهارَ والبُحيراتِ العَذْبَةَ، أو انساحَ في طَبقاتِ الأرضِ فتَتَأَلَّفُ مِنه المياهُ الْجَوْفِيَّةُ، قالَ تعالَى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، وقالَ تعالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}.
وقولُهُ تعالَى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} جَمْعُ: ثَمَرَةٍ، والثمَرَةُ: هوَ ما تُخْرِجُهُ الأرضُ مِنْ حبوبٍ وخَضارٍ، وما تُخْرِجُهُ الأشجارُ مِنْ فواكهَ.
{فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا} أيْ: أَشباهًا ونُظراءَ تَصْرِفُونَ لهم العِبادةَ أوْ شيئًا مِنها.
{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أيْ: تَعلمونَ أنَّ هذه الأندادَ ليستْ مُمَاثِلَةً للهِ تعالَى، وتَعلمونَ أيضًا أنَّ اللهَ سُبحانَهُ وتعالَى هوَ الْمُسْتَحِقُّ للعِبادةِ.
فجَمَعَتْ هذه الآيَةُ بينَ الأمرِ بعِبادةِ اللهِ وَحدَهُ والنهيِ عنْ عِبادةِ ما سِواهُ.
وقدْ وَرَدَ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قولِهِ: {فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا} قالَ: الأندادُ هوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبيبِ النمْلِ علَى صَفاةٍ سَوداءَ في ظُلمةِ الليلِ.
وهوَ أنْ يقولَ: (واللهِ وحَيَاتِكِ يا فُلانَةُ، وحَياتِي)، ويقولُ: (لولا كَلْبَةُ هذا لأَتَانَا اللصوصُ، ولولا البَطُّ في الدارِ لأتَى اللصوصُ)، وقولُ الرجلِ لصاحبِهِ: (ما شاءَ اللهُ وشِئْتَ)، وقولُ الرجلِ: (لولا اللهُ وفلانٌ)، لا تَجْعَلْ فيها (فُلان) فإنَّ هذا كلَّهُ بهِ شِرْكٌ.
فدَلَّ تفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما علَى وُجوبِ تَجَنُّبِ الألفاظِ الشِّركيَّةِ ولوْ لم يَقْصِدْها الإنسانُ.
وأنَّ الشرْكَ الأصغَرَ خَفِيٌّ جِدًّا، وقَلَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لهُ، ولَمَّا قالَ الصحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهُم للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: كيفَ نَتَّقِيهِ؟ قالَ: قولوا: ((اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ نَعْلَمُهُ)) .
وقولُهُ: (وهذا كلُّهُ بهِ شِرْكٌ) أيْ: أَصْغَرُ أوْ أَكْبَرُ حَسَبَ ما يكونُ في قلبِ الْمُتكلِّمِ بمِثلِ هذه الألفاظِ.
وهذه الآيَةُ هيَ أَحَدُ البراهينِ العقليَّةِ التي أَبْطَلَ اللهُ بها اتِّخاذَ المشرِكينَ للآلِهَةِ؛ فإنَّ القرآنَ الكريمَ ذَكَرَ بُرهانَيْنِ عقْلِيَّيْنِ علَى إبطالِ الشرْكِ والتنديدِ بالمشرِكينَ الذينَ عَبَدُوا معَ اللهِ غيرَهُ:
البُرهانُ الأوَّلُ: إذا كنتم تُقِرُّونَ بأنَّ اللهَ هوَ الخالِقُ الرازِقُ الْمُحْيِي الْمُميتُ الْمُدَبِّرُ لهذا الكونِ فيَلْزَمُكم أن تَعْتَرِفوا بوحَدْانِيَّتِهِ، فإنَّ مَنْ كانتْ هذه صِفَتَهُ فهوَ الإلهُ الْمُسْتَحِقُّ للعبادةِ، وما عَداهُ فهوَ مَربوبٌ مَأْلُوهٌ لا يَمْلِكُ لنفسِهِ ولا لغيرِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، قالَ تعالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} .
وهذا مِن التناقُضِ الذي وقَعَ فيهِ المشرِكونَ إذْ كانوا يَعترِفون بأنَّ هذه الأمورَ مِنْ خصائصِ اللهِ تعالَى، وهذا يَعْنِي أن يُقِرُّوا بالعِبادةِ؛ لأنَّ غيرَهُ ممَّا عُبِدَ معه ليستْ لهم هذه الخصائصُ.
البُرهانُ الثاني: أنَّ هذه الآلهةَ المعبودةَ مِنْ دُونِ اللهِ تعالَى ليسَ لها ما يُخَوِّلُها لأَِنْ تُعْبَدَ، فإنَّها كما قالَ اللهُ تعالَى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا} ، وقدْ تَقَدَّمَ شيءٌ مِنْ ذلكَ.

(16) قولُهُ: (قالَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى) .
ابنُ كثيرٍ هوَ العَلاَّمَةُ الحافظُ المحدِّثُ الْمُفَسِّرُ المؤرِّخُ إسماعيلُ بنُ عمرَ بنِ كثيرٍ، أبو الفِداءِ، وُلِدَ سنةَ 700هـ أوْ بعدَها بيَسيرٍ في دِمَشْقَ، ونَشَأَ يَتيمًا، ورُزِقَ حافِظةً نَادِرَةً، فاشْتَغَلَ بالحديثِ ودَرَسَ الفِقهَ، وأَلَّفَ فيهِ، وأَخَذَ عنْ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وأَحَبَّهَ وأَثْنَى عليهِ، لهُ كتابُ التفسيرِ المشهورُ و(البدايَةُ والنهايَةُ) في التاريخِ، و(جامِعُ الْمَسانيدِ والسُّنَنِ)، و(إرشادُ الفقيهِ إلَى مَعْرِفَةِ أدِلَّةِ التنبيهِ)، وكلُّها مَطبوعةٌ، ماتَ رَحِمَهُ اللهُ سنةَ 774هـ.

(17) قولُهُ: (الخالِقُ لهذه الأشياءِ هوَ الْمُسْتَحِقُّ للعِبادةِ) أيْ: قالَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ هذه العبارةَ عندَ تفسيرِ الآيَةِ السابقةِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ولفظُ ابنِ كثيرٍ في (تَفسيرِهِ) مُغايِرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ والْمَعْنَى واحدٌ.
وهوَ أنَّ الآياتِ المذكورةَ دَلَّتْ علَى أنَّ الذي خَلَقَ هذه الأشياءَ، وأَوْجَدَها مِن العَدَمِ علَى غيرِ مِثالٍ سابِقٍ هوَ الذي يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ وَحدَهُ، ولا يُشْرَكَ بهِ غيرُهُ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ سِواهُ تعالَى وتَقَدَّسَ مخلوقٌ، مَربوبٌ، مُتَصَرَّفٌ فيهِ.


  #6  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:38 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي شرح معالي الشيخ :صالح بن عبدالعزيزبن محمد آل الشيخ (مفرغ)



[شرح قوله: (فإذا قيل لك بما عرفت ربك) ]
ثم قال رحمه الله: (فإذا قيل لك: بِمَ عرفت ربك؟) : الربوبية تحتاج إلى معرفة، تحتاج إلى علم، وهذا العلم جاء في القرآن الدلالة عليه، قال جل وعلا: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، وقال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} فالدعوة إلى النظر في الملكوت في القرآن، بِمَ استُدِلَّ على الله جل وعلا، على ربوبيته؟ قال الشيخ هنا: (فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته) :
ومن آياته: الشمس والقمر والليل والنهار، ومن مخلوقاته: السماوات والأرض.
لا شك أن الليل والنهار والشمس والقمر من آيات الله، كما قال جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}، وكذلك السماوات والأرض هي آيات لله جل وعلا، كما قال أبو العتاهية في شعره السائر:
وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه الواحد
الدليل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} يعني: مما يدل عليه دلالة واضحة ظاهرة بينة جلية: الليل والنهار والشمس والقمر، فإن المتأمل إذا تأمل الليل والنهار؛ ووجد هذا يدخل في هذا، وذاك يدخل في ذاك، وهذا يطول وذاك يقصر، علم أن الليل من حيث كونُه ليلاً، والنهار من حيث كونُه نهاراً؛ أنها أشياء لا يمكن أن تأتي بنفسها بل هي مفعول بها.
الليل، ذهاب الضوء.
والنهار، مجيء الضوء.
الشمس أتت بضيائها فصار نهاراً، لما ذهبت الشمس أتى القمر فصار ليلاً، هذا لا شك يدل على أن هذه الأشياء مفعولٌ بها، وإذا كانت مفعولاً بها فمن الذي فعلها؟
هذا السؤال الجواب عليه سهل ميسور لأكثر الناظرين، بل لكل ناظر؛ ألا وهو: أن هذه تدل على أنها محدثة، ولا بد لها من محدث، وأن محدثها هو الذي خلقها وسيَّرها على هذا النحو الدقيق العجيب وهو رب العالمين؛ لهذا قال في الآية الأخرى - آية الأعراف -: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} .
{يُغْشِي اللَّيْلَ} يجعل الليل غشاء للنهار، {يَطْلُبُهُ} هذا يذهب وهذا يطلب الآخر، مرة يأخذ الليل من النهار، ويزيد جذباً ويطلبه طلباً حاثّاً، ومرة النهار يأخذ ويطلب من الليل طلباً حاثاً، قال: {يُغْشِي} من المُغشِي والمُغَشِّي؟ هو الله جل وعلا: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فذكر الربوبية للعالمين، بعد ذِكر هذه الأصناف من الآيات والمخلوقات.

[الفرق بين الآيات والمخلوقات]
والشيخ رحمه الله ـ هاهنا ـ فَرَّق بين الآيات والمخلوقات، مع أن في القرآن ما يثبت أن السماوات والأرض من الآيات، فلم فَرَّق؟
الجواب: أن تفريق الشيخ - رحمه الله تعالى ـ بينهما دقيق جداً، وذلك أن الآيات جمع آية، والآية هي البينة الواضحة الدالة على المراد: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} يعني: لدلالة بينة واضحة على المراد منها، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} يعني: لدلالات واضحات بينات على المراد منها، وهنا ننظر إلى أنه بالنسبةِ لمن سئل هذا السؤال، كون الليل والنهار والشمس والقمر آية، أظهر منه عند هذا المسؤول أو المجيب من السماوات والأرض، لِمَ؟
لأن تلكم الأشياء التي وصفت بأنها آيات؛ متغيرة متقلبة، تذهب وتجيء، أما السماء، فهو يصبح ويرى السماء، ويصبح ويرى الأرض، فإِلْفُهُ للسماء وللأرض يحجب عنه كون هذه آيات، لكن الأشياء المتغيرة التي تذهب وتجيء، هذه أظهر في كونها آية؛ ولهذا إبراهيم الخليل عليه السلام طلب الاستدلال بالمتغيرات، قال جل وعلا: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} لِمَ؟
لأنه استدل بهذه الحركة على الحدوث، استدل بهذا التنقل على أنه آية لغيره، {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً} استدل بالقمر، {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً} استدل بالشمس؛ لأنها متغيرات.
أما السماوات والأرض فهي آيات، لكنها في الواقع عند الناظر ليست مما يدل دلالة ظاهرة واضحة على المراد عند مثل المسؤول هذا السؤال، مع كونها عند ذوي الفهم وذوي الألباب العالية أنها آيات، كما وصفها الله جل وعلا في كتابه، فالشمس والقمر والليل والنهار متغيرات، تُقْبِل وتَذْهَب، فهي آيات ودلالات على الربوبية، وأن هذه الأشياء لا يمكن أن تأتي بنفسها، لكن السماء ثابتة، الأرض ثابتة، ينظر إلى هذه وهذه، وتلك متغيرات، والتغير يثير السؤال؛ لِمَ ذهب؟ ولِمَ جاء؟ لِمَ أتى الليل؟ ولِمَ أتى النهار؟ لِمَ زاد الليل؟ ولِمَ نقص النهار؟ وهكذا.
فهي في الدلالة أكثر من دلالة المخلوقات، مع أن في الجميع دليلاً ودلالة؛ لهذا قال: (فإذا قيل لك: بِمَ عرفت ربك؟ قل: بآياته ومخلوقاته) فالآيات تدل على معرفة الله والعلم بالله، وكذلك المخلوقات تدل على العلم بالله، والمعرفة بالله، لكن ما سماه آيات أخص مما سماه مخلوقات، وهذا جواب اعتراض، قد اعترض به بعضهم على الشيخ -رحمه الله تعالى- في تفريقه بين الآيات والمخلوقات، وتفريقه رعايةً لحالِ من يُعلَّم هذه الأصول تفريقٌ دقيقٌ مناسبٌ، رحمه الله تعالى.

[شرح قول المؤلف: والرب هو المعبود]
ثم ذكر أن معنى الربوبية هو العبادة، والدليل قوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} وهذه الآية فيها أمر؛ وهو أول أمر في القرآن، أول أمر في القرآن: الأمر بعبادة الله، قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} الرب وقعت عليه العبادة؛ لأنه مفعول به {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فالعابد هم الناس، والمعبود هو الرب.
فتلخص: أن الرب هو المعبود؛ لأنه قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، فالرب مفعول به.
ما الذي فُعل؟
العبادة، فصار معبوداً، ولهذا ساق عن ابن كثير رحمه الله تعالى: أن من فعل هذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} إلى آخر الآية، قال ابن كثير: الذي فعل هذه الأشياء هو المستحق للعبادة؛ لهذا جاء ما بعدها، ما بعد الأمر بالعبادة من قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} وهو قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} جاء تعليلاً لما سبق، لِمَ كان مستحقاً للعبادة؟ قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، كأن سائلاً سأل: لِمَ كان مستحقاً للعبادة؟ لم أُمرنا بأن نعبده؟ قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} إلى آخره.
فهذه الأشياء من معاني ربوبيته، وقد ذكرنا من قبل: أن الربوبية تستلزم الألوهية؛ ولهذا صارت الربوبية هنا في قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} هي العبودية، والرب هو المعبود، والفاعل لتلك الأشياء هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه؛ لأنه هو وحده الذي خلق، وهو وحده الذي رزق، وهو وحده الذي جعل الأرض فراشاً، وهو وحده الذي جعل السماء بناء، وهو وحده الذي أنزل من السماء ماء، والخلق جميعاً لم يعملوا شيئاً من ذلك، فالمستحق للعبادة هو الذي فعل، وخلق، وصنع، وبرأ، وصَوَّر، وأبدع تلك الأشياء.

[سؤال عن قول ابن عباس: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة]
الأخ يسأل سؤالاً وجيهاً، وهو: أنه جاء في حديث ابن عباس ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) وُصِف اللهُ بأنه ذو معرفة، وأنه يَعرِف.
وهذا فيه نظر؛ لأن المتقرر في القواعد في الأسماء والصفات: أن باب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الأخبار أوسع من باب الأفعال وباب الصفات وباب الأسماء، فقد يُطلق ويُضاف إلى الله -جل وعلا- فعل ولا يُضاف إليه الصفة، كما أنه قد يوصف الله -جل وعلا- بشيء ولا يُشتق له من الصفة اسماً؛ ولهذا يدخل في هذا كثير مما جاء، مثل ما وصف الله جل وعلا به نفسه:
- في قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} .
- {مُسْتَهْزِءُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} .
- ((إن الله لا يمل حتى تملُّوا)) .
ونحو ذلك مما جاء مقيداً بالفعل ولم يذكر صفة بالاسم، فهذا يقال فيه أنه يطلق مقيداً، ويمكن أن يحمل عليه حديث ابن عباس هذا: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) .
نقول: إن الله -جل وعلا- يَعرف في الشدة من تعرف عليه الرخاء، على نحو تلك القاعدة، كما يقال: إن الله -جل وعلا- يمكر بمن مكر به، يستهزيء بمن استهزأ به، يخادع من خادعه، ولا يقال: إن الله -جل وعلا- ذو مكرٍ، وذو استهزاءٍ، وذو مخادعةٍ، هكذا مطلقاً بالصفة، وإنما كما هي القاعدة: أن باب الأفعال أوسع من باب الصفات.

[سؤال: ما الفرق بين الحمد والشكر؟]
الأخ يسأل يقول: ما الفرق بين الحمد والشكر؟
هناك فروق كثيرة بين الحمد والشكر، لكن الذي يضبطها: أن الحمد هو الثناء باللسان، والثناء على كل جميل، وأما الشكر فمورده اللسان والعمل، فلا يقال مثلاً: فلان حمد الله جل وعلا بفعله، بل لا بد أن يكون الحمد باللسان، لكن الشكر يمكن أن يكون باللسان، ويمكن أن يكون بالعمل، قال جل وعلا: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} ، وقال جل وعلا: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً}، فمن حيث المورد، الشكر أعم من الحمد؛ لأنه يشمل الثناء، والمدح باللسان وبالعمل، والحمد أخص؛ لأنه لا يكون إلا باللسان، ومن حيث ما يُحمد عليه، أو ما يُثنى عليه، وما يُمدح، فإن الحمد أعمّ.
فهذا من الأشياء التي يقول فيها العلماء: إن بينهما عموم وخصوص؛ يجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء آخر.


  #7  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:39 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي العناصر


وسائل معرفة العبد ربه جل وعلا
معنى (الآية) في اللغة
- بيان معنى الآيات
- بيان أنواع الآيات
- بيان المراد بالآيات الشرعية
- بيان دلالة الآيات الشرعية على الله تعالى
- بيان المراد بالآيات الكونية
- بيان معنى المخلوقات
- بيان دلالة الشمس والقمر والليل والنهار على خالقها جل وعلا
- المؤلف أراد بقوله: (بآياته) الآيات الكونية
شرح قول المؤلف: (ومن مخلوقاته السماوات السبع)
شرح قوله: (والأرضون السبع ومن فيهن)
تفسير قول الله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض}
بيان معنى (الرب)
- بيان معنى (المعبود)
الدليل على أن (الرب) هو المستحق للعبادة
البراهين العقلية في القرآن الكريم الدالة على بطلان استحقاق آلهة المشركين للعبادة
تفسير قوله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار...}
تفسير قول الله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام...} الآية
تفسير قول الله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم...}شرح قول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى
- ترجمة الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى


  #8  
قديم 16 ذو القعدة 1429هـ/14-11-2008م, 12:40 PM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي الأسئله

الأســئـــلــــــة
س1: بم عرفت ربك ؟
س2: وضح دلالة الآيات والمخلوقات على وحدانية الله تعالى.
س3: اذكر أنواع الآيات، وما معنى الآية في اللغة ؟
س4: يطلق لفظ (الرب) ويراد به (المعبود) اذكر بعض الأدلة على ذلك.
س5: عرف بالحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.
س6: فسر باختصار الآيات التالية :-
أ. {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر … } الآية .
ب. {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام …} الآية .
ج. {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم … } الآية .


  #9  
قديم 29 رجب 1430هـ/21-07-2009م, 09:12 AM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6,511
افتراضي إجابات على أسئلة طلاب الدورات العلمية بالمعهد

السؤال الأول : اشكلت على هذه العبارة في شرح الشيخ الفوزان

اقتباس:
(والظاهِرُ أنَّ هذه الأيَّامَ كأيَّامِنا التي نَعْرِفُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذَكَرَها مُنَكَّرَةً، فتُحْمَلُ علَى ما كانَ مَعروفًا، ولوْ شاءَ اللهُ تعالَى لَخَلَقَها في لَحْظَةٍ، ولكنه رَبَطَ الْمُسَبَّباتِ بأسبابِها كما تَقتضيهِ حِكمتُهُ سُبحانَهُ وتعالَى)

ووجه الاشكال هو هل ان الله اذا خلقهما في لحظة لا يكون قد رَبَطَ الْمُسَبَّباتِ بأسبابِها ؟
الجواب : ما قاله الشيخ رحمه الله هو أحد الأقوال في تلمس الحكمة من خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ونحن نؤمن إيماناً جازماً بأن الله تعالى حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً فهو تعالى الحكيم في كل يفعل الحكيم في كل ما يأمر به الحكيم في كل ما ينهى عنه ، وهاهنا مسألة مهمة ينبغي أن يعتني بها طالب العلم
وهي أن الحكمة من أفعال الله تعالى وخلقه أحياناً تكون معلومة بالنص عليها إما في الكتاب أو في السنة فهذه الحكمة نؤمن بها ونصدق بها
وأحياناً يذكر الفعل ولا ينص على الحكمة فبعض العلماء يجتهدون في استنباط الحكمة وهذا الاجتهاد ينبغي أن يكون موافقاً لأصول الاعتقاد الصحيح ، ثم منه ما يصيب فيه بعض العلماء ويظهر صوابهم فيه إما بدليل آخر يذكرونه أو بدليل مركب من عدة أدلة أو بوجه من وجوه الاستدلال الصحيح المعتبرة عند أهل العلم
وأحياناً يكون ما ذكروه صحيحاً في نفسه لكن كون هذه الحكمة هي مراد الله تعالى من ذلك الأمر لا يوجد دليل يدل عليه، فيبقى ما قالوه وجهاً محتملاً لا نجزم بصوابه ولا خطئه
وأما ما ظهر خطؤه لمخافة لدلالة دليل صحيح فهو اجتهاد خاطئ مردود .
ففي هذه المسألة اجتهد بعض العلماء في تلمس الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام واختلفوا في ذلك على أقوال:
فقال البغوي في تفسيره: (قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور وقد جاء في الحديث: ((التأني من الله والعجلة من الشيطان))
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: (فان قيل : فهلاَّ خلقها في لحظة ، فإنه قادر؟
فعنه خمسة أجوبة .
أحدها : أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده ، ذكره ابن الانباري .
والثاني : أن التثبُّت في تمهيد ما خُلق لآدم وذريته قبل وجوده ، أبلغُ في تعظيمه عند الملائكة .
والثالث : أن التعجيل أبلغ في القدرة ، والتثبيت أبلغ في الحكمة ، فأراد إظهار حكمته في ذلك ، كما يظهر قدرته في قوله : { كن فيكون } .
والرابع : انه علّم عباده التثبُّت ، فاذا تثبت من لا يزلُّ ، كان ذو الزَّلل أولى بالتثبُّت .
والخامس : أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء ، أبعد من أن يُظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق).
وقال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: أليس الله قادراً على أن يخلقها في لحظة؟
فالجواب: بلى، لأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن. فيكون، وإنما خلقها في ستة أيام والله أعلم لحكمتين:
الحكمة الأولى: أن هذه المخلوقات يترتب بعضها على بعض، فرتب الله تعالى بعضها على بعض حتى أحكمها، وانتهى منها في ستة أيام.
الحكمة الثانية: أن الله علّم عباده التؤدة والتأني، وأن الأهم إحكام الشيء لا الفراغ منه، حتى يتأنى الإنسان فيما يصنعه، فعلم الله سبحانه عباده التأني في الأمور التي هم قادرون عليها، وكلا الأمرين وجيه، وقد تكون هناك حكم أخرى لا نعلمها، ومع هذا لا نجزم به ونقول: الله أعلم).
وللعلماء أقوال أخرى في تلمس الحكمة فهي كما ترى اجتهادات لا نجزم بصحتها إلا أن يقيم أحد من أهل العلم دليلاً صحيحاً على ما ذهب إليه .



والطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه الأقوال أن تنزل منازلها فهي على مراتب:
المرتبة الأولى: ما دل على صحته دليل معتبر في الشرع ، فهذا نقول به لدلالة الدليل عليه.
المرتبة الثانية: ما كان صحيحاً في نفسه لكن دلالة الدليل عليه ضعيفة فهذا ينسب القول فيه إلى قائله وتجعل عهدته عليه، ويكثر هذا في مسائل التفسير، وهذا منهج غالب الأئمة.
المرتبة الثالثة: أن يكون ما ذكر من الحكمة صحيح لكن دلالة الدليل عليه غير صحيحة ويعرف ذلك بمعرفة سبب الخطأ لدى العالم أو الوهم الذي أوقعه في هذا الاستدلال الخاطئ
ويعرف أيضاً بطرق أخرى يتبين منها خطأ ذلك الاستدلال فهنا لا ننفي تلك الحكمة بمجرد ذلك لأنه قد يدل عليها دليل آخر ، ولكن ننفي صحة ذلك الاستدلال.
المرتبة الرابعة: أن تكون تلك الحكمة المذكورة متوهمة لا تصح ، وقد دل على عدم اعتبارها دليل صحيح ، فهنا ننفي ما توهمه ذلك العالم ونعتذر له.

وأما ما ذكره الشيخ الفوزان فهو أحد الأقوال التي قيلت في الحكمة من خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وهذه الحكمة معتبرة صحيحة وقد أشارت إليها أدلة أخرى بدلائل إشارية يستفاد من مجموعها اعتبار هذه الحكمة - والله تعالى أعلم - ولا ننفي وجود حكم أخرى
من تلك الأدلة قوله تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)
ولو شاء الله أن يحييه بدون أن يضرب ببعض ذلك اللحم لفعل لكنه ربط ذلك بهذا السبب، ولله في ذلك حكمة.
وكذلك قوله تعالى: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير)
ولو شاء الله أن يحيي الحمار في لحظة واحدة لأحياه ولكنه بين له مراحل إحيائه .

ومما ينبغي أن يعلم ، أن عدم صحة الدليل لا يقتضي عدم صحة المدلول عليه مطلقاً إذ قد يصح له دليل آخر
لكن إذا دل دليل صحيح على بطلان أمر من الأمور فلا يمكن أن يدل على صحته دليل صحيح آخر لأن الأدلة الصحيحة لا تتعارض لأن هذه الشريعة شريعة الله تعالى وليس فيها اختلاف كما قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) .
وسيأتي لهذه المسألة مزيد تفصيل وتقرير عند دراسة أصول الفقه - إن شاء الله تعالى -




السؤال الثاني : قال الشيخ عبدالله الفوزان :
اقتباس:
(قولـه : {والرَّبُّ هو المعبودُ . معنى (المعبود)، أي : المستحق لأن يُعبد دون سواه، وليس المراد أن من معاني الرب : المعبود، وإلا لزم منه أن كل ما عبد من دون الله فهو رب، وهذا ليس بصحيح)
السؤال : في شرح الشيخ البراك قال ان (من معاني الرب المعبود) ، وكذلك اجد في قوله تعالى : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] افهم تأكيد للمعنى ان الرب من معاني المعبود ، فما صحة قول الشيخ الفوزان؟

الجواب : الرب هو الجامع لجميع معاني الربوبية من الخلق والملك والإنعام والتدبير والتربية والإصلاح
فالربوبية لها معنيان:
ربوبية عامة بالخلق والملك والإنعام والتدبير، وهذه عامة لجميع المخلوقات
وربوبية خاصة لأوليائه جل وعلا بالتربية الخاصة والهداية والإصلاح والنصرة والتوفيق والتسديد والحفظ.
والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها
فهذا هو معنى لفظ (الرب)
ويطلق في النصوص ويراد به المعبود ، لأن العبادة من لوازم الربوبية،
كما في كما في سؤال العبد في قبره: من ربك؟
المراد به من معبودك الذي تعبده؟
والرب الحق هو الله ، وهو المعبود الحق، فهذه المعاني تجتمع في حق الله تعالى اجتماعاً صحيحاً
وأما ما عبد من دون الله، فليس معبوداً بحق، وليس برب على الحقيقة، وإنما اتخذ رباً ، واتخذ إلها،
كما في الآية المستشهد بها في السؤال، وكما في قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه و يحلون ما حرم الله فتستحلونه ؟
قال عدي: بلى
قال صلى الله عليه وسلم : ( فتلك عبادتهم ) رواه أحمد والترمذي وحسنه جماعة من أهل العلم.
ففهم عدي - رضي الله عنه - من هذا اللفظ معنى العبادة، لأن اتخاذ الشيء رباً معناه عبادته، لأن الربوبية تستلزم العبادة
ولذلك قال الله تعالى في أول أمر في القرآن الكريم: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم...).

فإذا قيل: الرب هو المعبود، فهذا الإطلاق صحيح باعتبار
وإذا قيل: من معاني الرب فصحيح باعتبار آخر.


  #10  
قديم 25 محرم 1433هـ/20-12-2011م, 02:51 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6,511
افتراضي إجابات على أسئلة طلاب الدورات العلمية بالمعهد / الشيخ عبد العزيز الداخل

السؤال الثالث :

اقتباس:
قوله : (والشمس والقمر) ، أي : ومن آيات الله الدالة على وجوده سبحانه وتفرده بالربوبية والإلهية : الشمس والقمر، وذلك من وجوه :
أولاً : جريانهما باستمرار منذ أن خلق تعالى الشمس والقمر إلى أن يأذن الله تعالى بخراب هذا الكون، والشمس والقمر يجريان باستمرار كما في قوله تعالى( والشمس تجرى لمستقر لها )، وفي قراءة ( لا مستقر لها ) ، أي أن الشمس ليس لها مستقر إنما هي دائماً تسير إلى أن يأذن الله تعالى بخراب الدنيا ولهذا إذا غربت على أُناس طلعت على آخرين، وهذا لا ينافي ما ورد في الحديث الصحيح أن الرسول قال : "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرُّ ساجدة ... الحديث" (3) ؛ لأنه يمكن أنها إذا غربت عن أناس تسجد تحت العرش بالنسبة لغروبها عنهم وهي مستمرة في جريانها.(4)

أريد من فضيلتكم توضيحا لهذا الكلام وكيف يمكن الجمع بين القرآتين ففى الأولى إثبات أنها تجرى لستقر لها وفي الثانية نفى وجود مستقر لها ؟
وما معنى الحديث وتعليق الشيخ عليه ؟
الجواب :
في قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها}
اللام هنا فيها معنى التعليل والعاقبة أي أنها تجري حتى تبلغ مستقرها الذي تستقر فيه ليسكن جريها، وهي في هذه الحياة الدنيا لا تبلغ ذلك، وهذا معنى القراءة الأخرى {لا مستقر لها} أي في هذه الحياة الدنيا، وهي قراءة تنسب لابن عباس وابن مسعود وليست من القراءات المتواترة.
ففي القراءتين إثبات الجري، إلا أنه في القراءة الأولى (تجري لمستقر لها) بيان الغاية من هذا الجري، وفي القراءة الأخرى بيان حال الشمس في جريها وأنها لا تبلغ هذا الاستقرار فيما يراه الناس في هذه الحياة الدنيا إلى أن يأتي اليوم الموعود الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.
وأما الحديث ففيه بيان أن مستقر الشمس تحت العرش، وأنها تمر به في أثناء جريها اليومي فتسجد سجوداً الله أعلم بكيفيته، وتستأذن في الطلوع فيؤذن لها، حتى إذا جاء اليوم الموعود استأذنت فلم يؤذن لها ، ويقال لها: ارجعي من حيث جئت؛ فتطلع من مغربها.
فالشمس لها جَرْيٌ يومي، وهذا الجري اليومي مستمر إلى أجل مسمى هو اليوم الموعود الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.
فجريها اليومي هو لأجل أن تبلغ مستقرها تحت العرش فتسجد وتستأذن، وهي في حقيقة الأمر لم تستقر في هذه الحياة الدنيا بل هي جارية على الدوام.
فالحديث فيه زيادة بيان موضع مستقر الشمس الذي تمر به في جريها اليومي وأنه تحت العرش، وهو كذلك الموضع الذي ينتهي عنده جريها عند نهاية هذه الحياة الدنيا حيث تطلع من مغربها، حين تبلغ مستقر جريها المقدر لها.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
بم, يعرف

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:27 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir