دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 03:19 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,458
افتراضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(فَصْلٌ)
ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ


  #2  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:09 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

  #3  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:10 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروفِ، وينْهَوْنَ عن المنكر على ما تُوجِبهُ الشريعة([1])



([1]) أي باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب تبعاً للقدرة والمصلحة، ويسلكون أقرب طريق يحصل به المقصود بالرفق والسهولة، متقرِّبين بنصيحة الخلْق إلى الله، قاصدين نفع الخلْق، وإيصالهم إلى كل خير، وكفهم عن كل شر، ساعين في ذلك حسب وسعهم.


  #4  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:13 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

قولُهُ: (ثمَّ هُمْ معَ هذهِِ الأُصولِ …) إلخ. جَمَعَ المُؤَلِّفُ في هذا الفصلِ جمَاعَ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، التَّي يَتَخَلَّقُ بهَا أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ من الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، وهوَ مَا عُرِفَ حُسْنُهُ بالشَّرْعِ والَعَقْلِ، والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، وهوَ كلُّ قبيحٍ عَقْلاً وشَرْعًا، على حَسَبِ ما تُوجبُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ تلكَ الفريضَةِ؛ كمَا يُفْهَمُ مِنْ قولِهِ عليهِ السَّلامُ: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِلِسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ )).
ومِنْ شُهُودِ الجُمَعِ والجَمَاعَاتِ والحَجِّ والجِهَادِ معَ الأُمَراءِ أيًّا كانُوا؛ لقولِهِ عليهِ السَّلام: (( صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ )).
ومِنَ النُّصْحِ لكلِّ مُسْلِمٍ؛ لقولِهِِ عليهِ السَّلامُ: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )).
ومِنْ فَهْمٍ صَحِيحٍ لِمَا تُوجِبُهُ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ مِنْ تَعَاطُفٍ وتَوَادٍّ وتَنَاصُرٍ؛ كمَا في هذهِِ الأحاديثِ التَّي يُشَبِّهُ فيهَا الرَّسُولُ المؤمنينَ بِالبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ المُتَمَاسِكِ اللَّبِنَاتِ، أوْ بِالْجَسَدِ الْمُتَرَابِطِ الأعْضَاءِ مِنْ دعوةٍ إلى الخيرِ، وإلى مكارمِ الأخلاقِ، فَهُمْ يَدْعُونَ إلى الصَّبْرِ على المَصَائِبِ، والشَّكْرِ على النَّعْمَاءِ، والرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وقَدَرِهِ … إلى غيرِ ذلكَ مِمَّا ذَكَرَهُ.


  #5  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:15 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

هَذَا الفصْلُ كالمُتمِّمِ للفصْلِ الذي قَبلَه فيه بيانٌ لِصفاتِ أهلِ السُّنَّةِ التي هِيَ مِن مُكمِّلاتِ العقيدةِ فقولُه: (ثم هُم) أيْ: أهلُ السُّنَّةِ (مع هَذِهِ الأصولِ) أي: التي مَرَّ ذِكْرُها، أيْ: مع قِيامِهم بها عِلماً وعَملاً يَتحلَّوْنَ بصفاتٍ هِيَ مِن مُكمِّلاتِها وثَمراتِها، فهُم (يأمُرونَ بالمعروفِ ويَنهَوْن عن المنْكَرِ) كما وَصَفَهم اللَّهُ بذَلِكَ في قولِه {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} والمعروفُ: هُوَ اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما يُحبُّه اللَّهُ مِن الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، والمُنْكَرُ: اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما يَكْرَهُه اللَّهُ وينْهَى عنه.
(على ما تُوجِبُه الشَّريعةُ) أيْ: باليدِ، ثم باللِّسانِ، ثم بالقَلْبِ تَبَعاً للقُدرةِ والمصلحةِ. خِلافاً للمعتزِلةِ الذين يخالِفون ما تُوجِبُه الشَّريعةُ في هَذَا، فيَرَوْنَ أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المُنْكَرِ هُوَ الخروجُ على الأئمَّةِ،


  #6  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:16 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

((ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)): (52) على ما تُوجِبُهُ الشَّريعَةُ

فَصْلٌ فِي مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ وَغُيْرِها مِن الخِصَالِ
(52) ((هُمْ))؛ أَيْ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
((مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ)): السَّابِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَ هَذَا، وَهُوَ اتِّبَاعُ آثارِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاتِّبَاعُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَإِيثَارِهِمْ كَلَامَ اللهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَاتِّبَاعُ إِجْمَاعِ المُسْلِمينَ؛ مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ:
((يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَن المُنْكَرِ)):
وَ((المَعْرُوفُ)): كُلُّ مَا أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ؛ فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِهِ.
وَ((المُنْكَرُ)): كُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ؛ فَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ.
لِأَنَّ هَذَا هُو مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) [آلِ عِمْرَان: 104].
وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهونَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً)).
فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَن المُنْكَرِ، وَلَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ لِلأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أَنْ يَكُونَا عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ وَتَقْتَضِِيهِ.
وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ:
الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ؛ فَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا عَلِمَ أنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِهِ، وَلَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا عَلِمَ أنَّ الشَّرْعَ نَهَى عَنْهُ، وَلَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى ذَوْقٍ وَلَا عَادَةٍ.
لِقُولِهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ) [المَائِدَة: 48].
وَقَوْلِهِ: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) [الإِسْرَاء: 36].
وَقَوْلِهِ: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَاَ يُفْلِحُونَ) [النَّحْل: 116].
-فََلَوْ رَأى شَخْصاً يَفْعَلُ شَيْئاً الأَصْلُ فِيهِ الحِلُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْهَاهُ عَنْهُ حتَّى َيْعلَمَ أنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
-وَلَوْ رَأَى شَخْصاً تَرَكَ شَيْئاً يَظُنُّهُ الرَّائِي عِبَادَةً؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالتَّعَبُّدِ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بِهِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ بِحَالِ المَأْمُورِ: هَلْ هُوَ مِمَّنْ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ الأَمْرُ أَو النَّهْيُ أَمْ لَا؟ فَلَوْ رَأَى شَخْصاً يَشُكُّ هَلْ هُوَ مُكلَّفٌ أَمْ لَا؛ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَا لَا يُؤمَرُ بِهِ مِثْلُهُ حَتَّى يَسْتَفْصِلَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِحَالِ المَأْمُورِ حَالَ تَكْلِيفِهِ؛ هَلْ قَامَ بِالفِعْلِ أَمْ لَا؟
-فَلَو رَأَى شَخْصاً دَخَلَ المَسْجِدَ ثُمَّ جَلَسَ، وَشَكَّ هَلْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَأْمُرُهُ بِهِمَا، حتَّى يَسْتَفْصِلَ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: ((أَصَلَيتَ؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)).
-وَلَقَدْ نُقِلَ لِي أنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: يُحَرَّمُ أَنْ يُسَجَّلَ القُرْآنُ بِأَشْرِطَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِهَانَةٌ لِلقُرْآنِ عَلَى زَعْمِهِ!! فَيَنْهَى النَّاسَ أنْ يُسَجِّلوا القُرْآنَ عَلَى هَذِهِ الأَشْرِطَةِ؛ لِظَنِّهِ أنَّهُ مُنْكَرٌ!!
فَنَقُولُ لَهُ: إِنَّ المُنْكَرَ أَنْ تَنْهَاهُمْ عَن شَيءٍ لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مُنْكَرٌ!! فَلَا بُدَّ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ فِي دِينِ اللهِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ العِبَادَاتِ، أمَّا العِبَادَاتُ؛ فَإِنَّنَا لَوْ رَأَيْنَا رَجُلاً يَتَعَبَّدُ بِعِبَادَةٍ؛ لَمْ يَعْلَمْ أنَّها مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ؛ فَإِنَّنا نَنْهَاهُ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي العِبَادَاتِ المَنْعُ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ قَادِراً عَلَى القِيَامِ بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ؛ فَإِنْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ صَبَرَ وَقَامَ بِهِ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الوَاجِبَاتِ مَشْرُوطَةٌ بِالقُدْرَةِ وَالاسْتِطَاعَةِ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التَّغَابُن: 16]، وَقَولُهُ: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّّّا وُسْعَهَا) [البَقَرَة: 286].
فَإِذَا خَافَ إِذَا أَمَرَ شَخْصاً بِمَعْرُوفٍ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ حِينَئذٍ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الأَمْرُ وَالصَّبْرُ، وَإِنْ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ، مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ القَتْلِ. لَكِنَّ القَوْلَ الأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الآَمْرَ إِذَا لَحِقَهُ الضَّرَرُ بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَتْرُكُ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن المُنْكَرِ خَوْفاً مِمَّا حَصَلَ، حَتَّى فِي حَالٍ لَا يُخْشَى مِنْهَا ذَلِكَ الضَّرَرُ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَصِلْ الأَمْرُ إِلَى حَدٍّ يَكُونُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ مِن جِنْسِ الجِهَادِ؛ كَمَا لَوْ أَمَرَ بِسُنَّةٍ ونَهَى عَنْ بِدْعَةٍ، وَلَوْ سَكَتَ؛ لَاسْتَطَالَ أَهْلُ البِدْعَةِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَفِي هَذِهِ الحَالِ يَجِبُ إِظْهَارُ السُّنَّةِ وَبَيانُ البِدْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِن الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا يُعْذَرُ مَن تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِالخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ.
الشَّرْطُ الخَامِسُ: أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِن السُّكُوتِ؛ فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ أَوْ يَنْهَى عَن المُنْكَرِ.
وَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّ إِنْكَارَ المُنْكَرِ يَنْتُجُ مُنْهُ إِحْدَى أَحْوُالٍ أَرْبَعَةٍ: إِمَّا أَنْ يَزُولَ المُنْكَرُ، أَوْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَخَفَّ مِنْهُ، أَوْ إِلَى مِثْلِهِ، أَوْ إِلَى أَعْظَمَ مِنْهُ.
-أمَّا الحَالَةُ الأُولَى وَالثَّانيةُ؛ فَالإِنُكارُ وَاجِبٌ.
-وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ؛ فَهِي فِي مَحَلِّ نَظَرٍ.
-وَأَمَّا فِي الرَّابِعَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ الإِنْكَارُ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ بِإِنْكَارِ المُنْكَرِ إِزَالَتُهُ أَوْ تَخْفِيفُهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأَمُرَ شَخْصاً بِفِعْلِ إِحْسَانٍ، لَكِنْ يَسْتَلْزِمُ فِعْلَ هَذَا الإِحْسَانِ ألَّا يُصَلِيَ مَعَ الجَمَاعَةِ؛ فَهُنَا لَا يَجُوزُ الأَمْرُ بِهَذَا المَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ يُؤدِّي إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ أَجْلِ فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ.
وَكَذَلِكَ فِي المُنْكَرِ لَوْ كَانَ إِذَا نَهَى عَن هَذَا المُنْكََرِ؛ تَحَوَّلَ الفَاعِلُ لَهُ إِلَى فِعْلِ مُنْكَرٍ أَعْظَمَ؛ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الحَالِِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَن هَذَا المُنْكَرِ دَفْعاً لِأَعْلَى المَفْسَدَتَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا.
وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108]؛ فَإِنَّ سَبَّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ؛ لَا شَكَّ أنَّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، لَكِنْ لِمَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ مَحْظُورٌ أَعْظَمُ مِن المَصْلَحَةِ الَّتِي تَكُونُ بِسَبِّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ سبُّهُمْ للهِ تَعَالَى عَدْوَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ نَهَى اللهُ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الحَالِ.
وَلَوْ وَجَدْنا رَجُلاً يَشْرَبُ الخَمْرَ، وَشُرْبُ الخَمْرِ مُنْكََرٌ، فَلَوْ نَهَيْنَاهُ عَنْ شُرْبِهِ؛ لَذَهَبَ يَسْرِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَيَسْتَحِلُّ أَعْرَاضَهُمْ؛ فَهُنَا لَا نَنْهَاهُ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الآمِرُ أَو النَّاهِي قَائِماً بِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُنْتَهِياً عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ، وَهَذَا عَلَى رَأي بَعْضِ العُلَمَاءِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَائِمٍ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالمعروفِ وَلَا يَنْهَى عَن المُنْكَرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البَقَرَة: 44]؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَا يُصَلِّي؛ فَلَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ يَشْرَبُ الخَمْرَ؛ فَلَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
فَهُم اسْتَدَلُّوا بِالأَثَرِ وَالنَّظَرِ.
وَلَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَأْتِيهِ، وَيَنْهَى عَن المنكَرِ، وَإِنْ كَانَ يَأتِيهِ، وَإِنَّمَا وَبَّخَ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا عَلَى أَمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وَلَكِنْ عَلَى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الأَمْرِ بِالبِرِّ وَنِسْيَانِ النَّفْسِ.
وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الصَّحيحُ؛ فَنَقُولُ: أَنْتَ الآنَ مَأْمُورٌ بِأَمْرَيْنِ: الأَوَّلِ: فِعْلُ البِرِّ، وَالثَّانِي: الأَمْرُ بِالبِرِّ. مَنْهِيٌّ عَن أَمْرَينِ: الأَوَّلِ: فِعْلُ المُنْكَرِ، وَالثَّانِي: تَرْكُ النَّهْي عَن فِعْلِهِ. فَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ المَأْمُورينِ وَفِعْلِ المَنْهِيينِ؛ فَإِنَّ تَرْكَ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الآخَرِ.
فَهَذِهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ؛ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ لِلجَوَازِ، وَهُنَّ الأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالخَامِسُ؛ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، وَاثْنَانِ لِلوُجُوبِ، وَهُمَا الرَّابِعُ وَالسَّادِسُ.
وَلَا يُشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أُصُولِ الآمِرِ أَوْ النَّاهِي كَأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ، بَلْ رُبَّمَا نَقُولُ: إِنَّ هَذَا يَتَأَكَّدُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مِنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ أَنْ يَنْهَاهُمَا عَنْ فِعْلِ المَعَاصِي وَيَأْمُرَهُمَا بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ.
قَدْ يَقُولُ: أَنَا إِذَا نَهْيتُ أَبِي؛ غَضِبَ عَلَيَّ، وَزَعِلَ، وَهَجَرَنِي؛ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟
نَقُولُ: اصْبِرْ عَلَى هَذَا الَّذِي يَنَالُكَ بِغَضَبِ أَبِيكَ وَ هَجْرِهِ، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ، وَاتَّبِعْ مِلَّةَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ حَيْثُ عَاتَبَ أَبَاهُ عَلَى الشِّرْكِ؛ فَقَالَ: (يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً…) إِلَى أَنْ قَالَ: (يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَأَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ))؛ أيْ: أَبُوهُ (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا) [مَرْيَم: 42-46]. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ أَيضاً لِأَبِيهِ آزَرَ: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَالٍ مُّبينٍ) [الأَنْعَام: 74].


  #7  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:17 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

* فصلٌ في محاسنِ أهلِ السنَّةِ *
(فَصْلٌ: ثُمَّ هُمْ مَعَ هذه الأحوالِ يَأْمُرونَ بالمَعْروفِ، ويَنْهَوْنَ عنِ المُنْكَرِ على مَا توجِبُهُ الشَّريعَةُ.
وَيَرَوْنَ إِقامَةَ الحَجِّ والجِهَادِ والجُمَعِ والأعْيادِ معَ الأمَراءِ أَبْراراً كانُوا أَو فُجَّاراً، ويُحافِظونَ عَلى الجَماعاتِ.
ويَدِينُونَ بالنَّصِيحَةِ للأمَّةِ، ويَعْتَقِدونَ معنى قَـوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((المُؤْمِنُ لِلْمُؤِمِنِ كَالبُنْيانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً))، وشَبكَ بينَ أَصابِعِهِ، وقوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَراحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ: إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ)).
ويَأْمُرونَ بالصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، والشُّكْرِ [ عند الرَّخاءِ ] والرِّضا بمُرِّ القَضاءِ.
ويَدْعونَ إِلى مَكارِمِ الأَخلاقِ، ومَحَاسِنِ الأعْمالِ، ويَعْتَقِدونَ مَعْنى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَكْمَلُ المُؤمِنينَ إِيْماناً أَحْسَنُهُم خُلُقاً)).
وَيَنْدُبُونَ إِلى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتُعْطيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.
ويَأْمُرونَ بِبِرِّ الوَالِديْن ِ، وصِلَةِ الأرْحامِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والإِحسانِ إِلى اليَتَامى والمَساكِينِ وابنِ السَّبيلِ، والرِّفْقِ بالمَمْلوكِ.
ويَنْهَوْنَ عَنِ الفَخْرِ، والخُيَلاءِ، والبَغْيِ، والاسِتطالَةِ عَلى الخَلْقِ بَحَقٍّ أَو بغيرِ حَقٍّ.
ويَأْمُرونَ بِمَعالي الأخْلاَقِ، ويَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسافِها.


كما دلَّ القرآنُ والسُنَّةُ على ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَرِ} وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهِ بِيدِهِ. الْحَدِيثَ.
وإذا كَانَ جِماعُ الدِّينِ وجميعُ الولاياتِ هُوَ أمْرٌ ونَهيٌ. فالأمرُ الَّذِي بَعثَ اللهُ به رسولَهُ هُوَ الأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ الَّذِي بَعَثه به هُوَ النَّهيُ عَن المُنكرِ وهَذَا نعتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والْمُؤْمِنينَ.
وهَذَا واجبٌ على كلِّ مُسْلِمٍ قادرٍ وهُوَ فرضٌ على الكفايةِ ويصيرُ فرْضَ عَينٍ على القادرِ الَّذِي لم يَقمْ به غَيْرُهُ. والقُدْرةُ هُوَ السُلْطَانُ والولايةُ فَذَوو السُلْطَانِ أقدرُ مِن غَيْرِهِمْ وعليهم مِن الوجوبِ ما لَيْسَ على غَيْرِهِمْ فإنَّ مَناطَ الوجوبِ القُدْرةُ فيجبُ على كلِّ إنسانٍ بحسبِ قُدرتِه. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وجميعُ الولاياتِ الإسلامِيَّةِ مقصودُها الأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عَن المُنكَرِ وإذا كَانَ هُوَ مِن أعظمِ الواجباتِ فالواجباتُ والمُستحبَّاتُ لا بُدَّ وأنْ تكونَ المصلحةُ فيها راجِحةً على المَفسدةِ ؛ إذ بهَذَا بُعِثَتِ الرُّسُلُ ونَزَلَتِ الكُتبُ، واللهُ لا يُحبُّ الفسادَ بَل كلُّ ما أَمَرَ اللهُ به فهُوَ صلاحٌ، وقَدْ أثْنَى اللهُ على الصَّلاحِ والمُصلحينَ، والَّذِينَ آمنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ ؛ وَذمَّ المُفسدينَ فِي غيرِ موضعٍ. فحيث كَانَتْ مفسدةُ الأمرِ والنَّهْيُ أعظمَ مِن مصلحَتِه لم تكن مِمَّا أَمَرَ اللهُ به، وإنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ واجباً وفَعَلَ مُحَرَّماً. إذ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقيَ اللهَ فِي عِبادِه ولَيْسَ عَلَيْهِ هُداهم، وهَذَا معنى قَولِهِ تَعَالَى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} والاهتداءُ إنَّمَا يَتمُّ بأداءِ الواجبِ. فإذا قام المُسْلِمُ بما يَجبُ عَلَيْهِ مِن الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْيِ عَن المُنكَرِ كما قام بغَيْرِهِ مِن الواجباتِ لم يَضرَّه ضَلالُ الضُلاَّلِ، وذَلِكَ يكونُ بالقلبِ تارةً، وباللِّسانِ تارةً، وتارةً باليدِ. فأمَّا القلبُ فيَجِبُ بكلِّ حالٍ إذ لا ضررَ فِي فِعلِهِ.
ومنْ لم يَفعلْهُ فلَيْسَ بمؤمنٍ كما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذَلِكَ أدْنى أو أضعفُ الإيمانِ وقَالَ: ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِن الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ، وقِيلَ لابنِ مسعودٍ: مَن مَيِّتُ الأحياءِ؟ فقَالَ: الَّذِي لا يعرفُ مَعروفاً ولا يُنكِرُ مُنكراً.
وهنَا خَلَطَ فريقانِ مِن النَّاسِ: فريقٌ يَتركُ ما يَجبُ مِن الأمرِ والنَّهْيِ تأويلاً لهَذِهِ الآيةِ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} كما قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إنَّكم تَقرأونَ هَذِهِ الآيةَ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تَضَعونها فِي غيرِ مَوضِعها، وإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا المُنكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوَشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ منه.
والفـريقُ الثَّانِي: مَن يُريـدُ أنْ يأمُـرَ وَيَنْهى إمَّا بِلسانِهِ، وإمَّا بِيده مُطلقاً مِن غيرِ فِقْهٍ وحِلْمٍ وَصـبرٍ، وَنَظَـرَ فيما يَصلحُ مِن ذَلِكَ وما لا يَصلُحُ وما يَقـدِرُ عَلَيْهِ، وما لا يَقـدِرُ عَلَيْهِ كما فِي حَـدِيثِ أَبِي ثَعلبةَ الخُشنِيِّ: سألتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: ائْتَمِرُوا بِالْمَعْروفِ وَتَنَاهُوا عَن المُنكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ شُحّاً مُطَاعاً وَهَوًى مُتَّبَعاً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرأْيِه، وَرَأَيْتَ أَمْرَ النَّاسِ لا يُدَانُ لك به فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِك وَدَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكَ أيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فيأتِي بالأمرِ والنَّهْيِ مُعتقِداً أنَّهُ مُطيعٌ فِي ذَلِكَ اللهَ ورسولَهُ وهُوَ مُعتدٍ فِي حدودِه. كما انْتَصبَ كثيرٌ مِن أهلِ البِدعِ والأهواءِ كالخَوارِجِ والمُعتزِلةِ والرَّافِضَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ غَلطَ فيما أتاهُ مِن الأمرِ والنَّهْيِ والجِهادِ عَلَى ذَلِكَ وكَانَ فسادُه أعظمَ مِن صَلاحِه. ولهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصَّبرِ عَلَى جَورِ الأئِمَّةِ، وَنَهى عَن قِتالِهم ما أقَامُوا الصَّلاةَ وقَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللهَ حُقُوقَكُمْ ؛ ولهَذَا كَانَ مِن أصولِ أهلِ السُنَّةِ والجَمَاعَةِ لزومُ الجَمَاعَةِ وتَرْكُ قتالِ الأئِمَّةِ، وترْكُ القتالِ فِي الفِتنةِ، وأمَّا أهلُ الأهواءِ كالمُعتزِلةِ فيرَونَ القتالَ للأئمَّةِ مِن أصولِ دِينِهم. وجماعُ ذَلِكَ داخِلٌ فِي القاعدةِ العامَّةِ فيما إذا تعارَضَتِ المصالحُ والمَفاسِدُ والحسناتُ والسَّيِّئاتُ، أو تَزَاحَمت فإِنَّهُ يجبُ تَرجيحُ الرَّاجِحِ منها فيما إذا ازْدحَمت المصالِحُ والمَفاسِدُ وتَعارَضتْ. فإنَّ الأمرَ والنَّهْيَ وإن كَانَ مُتضمِّناً لتحصيلِ مَصلحةٍ وَدفعِ مَفسدةٍ فيُنظرُ فِي المُعارِضِ فإنْ كَانَ الَّذِي يفوتُ مِن المصالِحِ أو يَحصلُ مِن المفَاسدِ أكثرَ لم يَكُنْ مأمُوراً به. بَل يكونُ مُحرَّماً إذا كَانَتْ مَفسدتُه أكْثرَ مِن مَصلحتِه. لكنْ اعتبارُ مقاديرِ المصالحِ والمفاسدِ هُوَ بميزانِ الشَّرِيعَةِ، فمتى قَدرَ الإنسانُ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لم يَعدلْ عَنْهَا وإلا اجْتهدَ بِرأيِهِ لمعرفةِ الأشياءِ والنظائرِ. وقَلَّ أنْ تعوزَ النُّصُوصُ مَن يكونُ خَبِيراً بها وبِدلالتِها عَلَى الأحكامِ، وعَلَى هَذَا إذا كَانَ الشَّخصُ أو الطَّائِفَةُ جامِعينَ بين معروفٍ ومُنكرٍ بحيث لا يُفرِّقون بينهما. بَل إمَّا أنْ يَفعلوهما جَميعاً أو يَترُكوهما جميعاً. لم يَجُزْ أن يأمروا بمعروفٍ بَل ولا أن يَنْهوا عَن مُنكرٍ. بَل يُنظرُ فإنْ كَانَ المعروفُ أكثرَ أُمِرَ به، وإنِ اسْتلزمَ ما هُوَ دونَه مِن المُنكَرِ ولم يُنْهَ عَن مُنكْرٍ يَستلزمُ تَفويتَ معروفٍ أعظمَ منه. بَل يكونُ النَّهْيُ حينئذٍ مِن بابِ الصَّدِّ عَن سبيلِ اللهِ والسَّعيِ فِي زوالِ طاعتِه وطاعةِ رسولِهِ وزوالِ فعلِ الحسناتِ، وإن كَانَ المُنكَرُ أغلبَ نُهِيَ عَنْهُ وإنِ استلزمَ فواتَ ما هُوَ دونَه مِن المعروفِ ويكونُ الأمرُ بذَلِكَ المعروفِ المُستلزِمِ للمُنْكَرِ الزَّائدِ عَلَيْهِ أمْراً بمُنْكَرٍ وَسعياً فِي معصيةِ اللهِ ورسولِهِ. وإنْ تكَافَأَ المعروفُ والمُنْكَرُ المُتلازمانِ لم يُؤمرْ بهما ولم يُنهَ عنهما. فتارةً يَصلحُ الأمرُ، وتارةً يصلحُ النَّهْيُ، وتارةً لا يصلحُ أمْرٌ ولا نَهيٌ. حيث كَانَ الأمرُ والنَّهْيُ مُتلازِمين. وذَلِكَ فِي الأمورِ المُعيَّنةِ الواقِعةِ.
وأمَّا مِن جِهةِ النَّوعِ فَيؤمَرُ بالمعروفِ مُطلقاً ويُنهَى عَن المُنْكَرِ مُطلقاً وفِي الفاعلِ الواحـدِ والطَّائِفَةِ الواحدةِ يُؤمرُ بِمعروفِها وَيُنهى عَن مُنكرِها، وَيُحمدُ مَحمـودُها وَيُذمُّ مَذمومُها بحيث لا يَتضمَّنُ الأمرُ بالمعروفِ فواتَ أكثرَ منه أو حصولَ مُنْكَرٍ فوقَه، ولا يَتضمَّنُ النَّهْيُ عَن المُنْكَرِ حصولَ أنكرَ منه أو فواتَ معروفٍ أرْجحَ منه. وإذا اشْتبهَ الأمرُ اسْتبانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتبيَّنَ لَهُ الحقُّ ؛ فلا يَقدمُ عَلَى الطَّاعةِ إلا بعِلْمٍ ونِيَّةٍ. وإذا تَرَكَها كَانَ عاصِياً فَتركُ الأمرِ الواجبِ معصيةٌ وفِعلُ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن الأمرِ مَعصيةٌ.
ومِن هَذَا البابِ إقرارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وأمثالِهِ مِن أئمَّةِ النِّفاقِ والفجورِ لِما لهم مِن أعوانِ فإزالةُ مُنكرِهِ بنوعٍ مِن عِقابِه مُستلزِمَةٌ إزالةَ معروفٍ أكثرَ مِن ذَلِكَ بغضبِ قَومِه وَحَميَّتِهم. وبنفورِ النَّاسِ إذا سَمعوا أنَّ محمداً يَقتلُ أصحابَهُ.
وقَالَ ابنُ القيِّمِ: وقَدْ شرَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأمَّتِه إيجابَ إنكارِ المُنْكَرِ لِيحصلَ بإنكارِه مِن المعروفِ ما يُحِبُّهُ اللهُ ورسولُهُ فإذا كَانَ إنكارُ المُنْكَرِ يَستلزمُ ما هُوَ أنكرُ منه وأبغضُ إِلَى اللهِ ورسولِهِ فإِنَّهُ لا يسوغُ إنكارُه وإنْ كَانَ اللهُ يَبغضُه ويَمقُتُ أهلَه.
وهَذَا كالإنكارِ عَلَى المُلوكِ والوُلاةِ بالخروجِ عليهم. فإِنَّهُ أساسُ كلِّ شَرٍّ وِفتْنِه إِلَى آخِـرِ الدَّهرِ، وقَدِ استأذنَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قتالِ الأُمراءِ الَّذِينَ يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ عَن وقْتِها وقَالُوا: أفلا نُقاتِلُهم فقَالَ: لاَ مَا أَقَامُوا الصَّلاةَ. وقَالَ: مَن رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ وَلاَ يَنْزَعَنَّ يَداً مِنْ طَاعَةٍ.
ومنْ تَأمَّلَ ما جَرى عَلَى الإسْلاَمِ فِي الفِتنِ الكِبارِ والصِّغارِ رآها مِن إضاعةِ هَذَا الأصلِ وعدمِ الصَّبرِ عَلَى مُنْكَرٍ. فَطَلَبَ إزالَتَه فَتولَّدَ منه ما هُوَ أكبرُ منه فقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى بمكَّةَ أكبرَ المُنكراتِ ولا يستطيعُ تَغييرُها بَل لمَّا فَتحَ اللهُ مكَّةَ وصارتْ بَلدَ إسلامٍ عَزمَ عَلَى تغْييرِ البيتِ ورَدِّه عَلَى قواعدِ إبراهيمَ ومَنَعهُ مِن ذَلِكَ مَعَ قُدرتِه عَلَيْهِ خَشيةُ وقوعِ ما هُوَ أعظمُ منه فإنكارُ المُنْكَرِ أربعُ درجاتٍ:
(الأُولى) أنْ يزولَ ويَخلفَهُ ضِدُّه
(الثَّانيةُ) أنْ يَقلَّ وإِنْ لم يُزلْ بِجُملتِهِ
(الثَّالثةُ) أنْ يَخلفَه ما هُوَ مِثلُه.
(الرَّابِعةُ) أنْ يَخلفَه ما هُوَ شَرٌّ منه
فالدَّرجتانِ الأُوليانِ: مَشروعانِ. والثَّالثةُ: مَوضعُ اجتهادٍ والرَّابعةُ: مُحرَّمةٌ.
فإذا رأيتَ أهلَ الفجورِ والفسوقِ يَلعبونَ بالشِّطرنجِ كَانَ إنكارُك عليهم مِن عدمِ الفِقْهِ والبَصِيرةِ إلا إذا نَقلْتَهم منه إِلَى ما هُوَ أحبُّ إِلَى اللهِ ورسولِهِ كَرَمْيِ النُّشَّابِ وَسبقِ الخيلِ ونحوِ ذَلِكَ.
وإذا رأيتَ الفُسَّاقَ قَدِ اجْتمعوا عَلَى لَهْوٍ ولعبٍ أو سماعِ مُكاءٍ وتَصديةٍ فإنْ نَقلتَهم عَنْهُ إِلَى طاعةِ اللهِ فهُوَ المُرادُ وإلا كَانَ تَرْكُهم عَلَى ذَلِكَ خيراً مِن أنْ تُفرِّغَهم لِما هُوَ أعظمُ مِن ذَلِكَ فكَانَ ما هم فيه شَاغلاً لهم عَن ذَلِكَ. وكما إذا كَانَ الرَّجُلُ مُشتغلاً بكُتبِ المجونِ ونحوِها وخِفتَ مِن نقْلِهِ عَنْهَا انتقالَهُ إِلَى كُتبِ البِدعِ والضَّلالِ والسَّحرةِ فَدعْه وكُتُبَه الأولى. وهَذَا بابٌ واسِعٌ.
وسَمِعْتُ شيخَ الإسْلَامِ ابنَ تيميةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَه ونوَّرَ ضرِيحَه يقولُ: مَررتُ أنا وبعضُ أصْحَابِِي فِي زمنِ التَّتارِ بقومٍ مِنْهُمْ يَشربونَ الخمرَ فأنكرَ عليهم مَن كَانَ معي فأنكرْتُ عَلَيْهِ وقلتُ: "إنَّمَا حرَّمَ اللهُ الخمرَ لأنَّهَا تَصدُّ عَن ذِكرِ اللهِ وعَن الصَّلاةِ وهؤلاء يَصدُّهم الخمرُ عَن قتلِ النُّفوسِ وَسبيِ الذُّرِّيةِ وأخْذِ الأموالِ فَدَعْهم اهـ.


  #8  
قديم 1 محرم 1430هـ/28-12-2008م, 07:18 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

( فَصْلٌ: ثُمَّ هُمْ مَعَ هذه الأصولِ يَأْمُرونَ بالمَعْروفِ، ويَنْهَوْنَ عنِ المُنْكَرِ على مَا توجِبُهُ الشَّريعَةُ.( 231)



(231) (فصل) قولُه: (ثم هُمْ) أي: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ.

قولُه: (مع هَذِهِ الأصولِ المتقدِّمةِ يأمُرونَ بالمعروفِ ويَنهوْن عن المُنْكَرِ) كما وَصَفَهم اللَّهُ بِذَلِكَ فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}،
وقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}،
وقال تعالى: {وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وفي صحيحِ مسلمٍ والترمذيِّ وغيرِهما عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)).
فما تقدَّمَ دَليلٌ على عِظَمِ شأْنِ الدَّعوةِ إلى اللَّهِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، وأنَّهما مِن أعظمِ الواجباتِ، وأصلٌ عظيمٌ مِن أصولِ الشَّريعةِ، ولولا الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ لهُدِمَ بُنْيانُ الشَّريعةِ وتداعَى، وعمَّت الفَوْضى وساءت البلادُ، نسألُ اللَّهَ العافيةَ، والأدِلَّةُ على الحثِّ على الأمرِ بالمعروفِ والتَّرغيبِ فيه والوعيدِ الشَّديدِ في إهمالِه والتَّساهُلِ فيه كثيرةٌ جِداًّ. انتهى.
والمعروفُ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يُحبُّه اللَّهُ مِن الإيمانِ والعَملِ الصَّالِحِ، والمنكَرُ: اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما يَكرهُه اللَّهُ ونَهى عنه، انْتَهى اقتضاءُ الصِّراطِ المستقيمِ،

وقد تطابَقَ على وجوبِهما الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ، وهما أيضًا مِن النَّصيحةِ، ولم يُخالِفْ في ذَلِكَ إلاَّ بعضُ الرَّافِضةِ، كما ذَكرَه إمامُ الحرمَيْنِ،
والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ فَرْضُ كفايةٍ مُخْتصَّانِ بأهلِ العِلمِ والدِّينِ يَعرفِونَ كونَ ما يأَمُرونَ بِهِ وما يَنْهَوْن عنه مِن الدِّينِ، فإنْ كان الذي عَلِمَ بالمنكَرِ واحداً تَعيَّنَ عليه الإنكارُ، أو كانوا جماعةً لكن لا يَحصُلُ المقصودُ إلا بهم جميعًا تَعيَّنَ عليهم.
ويُشترَطُ في وجوبِ الإنكارِ أنْ يَأْمَنَ المنكِرُ على نَفْسِه وأهلِه ومالِه، فإنْ خافَ على نَفسِه السَّيْفَ أو السَّوْطَ أو النَّفْيَ أو نحوَ ذَلِكَ مِن الأذى سَقَطَ عنه أَمْرُهم ونَهْيُهم، فإنْ خافَ السَّبَّ أو سماعَ الكلامِ السَّيِّئِ لم يَسقُطْ عنه الإنكارُ بِذَلِكَ، نصَّ عليه أحمدُ،

فإنِ احتمَلَ الأذى وقَوِيَ عليه فَهُوَ أفضلُ، نصَّ عليه أحمدُ أيضًا، وقيل له: أليس قد جاءَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال: ((لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ)) أي يُعرِّضَها مِن البلاءِ ما لا طاقةَ له به، قال: ليس هَذَا مِن ذَلِكَ،
وهل يَجِبُ إنكارُ المنكَرِ على مَن عَلِمَ أنَّه لا يُقبلُ منه؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ، وصحَّحَ القولَ بوجوبِه، وهُوَ قولُ أكثرِ الصَّحابةِ كما ذَكَرَه ابنُ رجبٍ،
والمنكَرُ الذي يجبُ إنكارُه ما كان مُجْمَعاً عليه، أمَّا المختلَفُ فيه، فمِن أصحابِنا مَن قال: لا يجبُ إنكارُه على مَن فعلَه مجتهِدا أو مقلِّدا لمجتهدٍ تقليداً سابِقا، واسْتَثْنَى القاضي في الأحكامِ السُّلْطانِيَّةِ ما ضَعُفَ فيه الخلافُ،
ومَرَاتِبُ الإنكارِ ثلاثٌ كما تقدَّمَ مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وفيه دليلٌ على أنَّ إنكارَ المنكَرِ يجِبُ بحسَبِ القُدرةِ عليه، وأنَّ إنكارَه بالقَلبِ لا بُدَّ منه بخلافِ الذي قَبْلَه، وأفادَ وُجوبَ تَغْييرِ المنكَرِ بكُلِّ طريقٍ، فلا يَكْفِي الوعظُ إنْ أَمْكَنَه إزالةُ المُنكَرِ باليَدِ، ولا يكفي بالقلبِ إذا أمْكنَ باللِّسانِ.
قولُه: (على ما تُوجِبُه الشَّريعةُ) أي: أنَّه يجبُ أنْ يكونَ الآمِرُ بالمعروفِ والنَّاهِي عن المنكَرِ مَتَبَصِّرا عالِما بما يأمُرُ به، وأنَّه مُطابِقٌ للأمْرِ، قال تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}،

قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في المنهاجِ: ولا بدَّ مِن العِلمِ بالمعروفِ والمنكَرِ والتَّمييزِ بينهما، ولا بدَّ مِن العِلمِ بحالِ المأمورِ والمنْهِيِّ، ولا بدَّ في ذَلِكَ مِن الرِّفْقِ، ولا بدَّ أنْ يكونَ حَلِيماً صَبوراً على الأَذَى، فإنَّه لا بدَّ أنْ يَحصُلَ له أذًى، فإنْ لم يَحلُمْ وَيَصْبِرْ كان ما يُفِسدُ أكثرَ ممَّا يُصلِحُ، فلا بُدَّ مِن هَذِهِ الثلاثةِ: العِلمُ، والرِّفقُ، والصَّبرُ، العِلمُ قبلَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والرِّفقُ معه، والصَّبرُ بعدَه، اهـ.
وقال سفيانُ الثَّوريُّ: لا يأمُرُ بالمعروفِ ولا يَنْهَى عن المنكَرِ إلاَّ مَن كان فيه ثلاثُ خصالٍ: رَفيقٌ بما يأمُرُ رَفيقٌ بما يَنْهى، عَدلٌ فيما يأمُرُ، عَدلٌ فيما يَنْهى، عالِمٌ بما يأمُرُ عالِمٌ بما يَنْهى. انتهى.
وقال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في الأعلامِ: وقد شَرَعَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- لأُمَّتِه إيجابَ إنكارِ المنكَرِ ليَحصُلَ بإنكارِه ما يُحبُّه اللَّهُ ورسولُه، فإذا كان إنكارُ المنكَرِ يَستلزِمُ ما هُوَ أنكَرُ مِنه وأَبْغضُ إلى اللَّهِ ورسولِه فإنَّه لا يُسوَّغُ إنكارُه، وإنْ كان اللَّهُ يُبغِضُه ويَمقُت أهلَه، وهَذَا كالإنكارِ على الملوكِ والولاةِ بالخروجِ عليهم فإنَّه أسبابُ كُلِّ شرٍّ وفِتنةٍ إلى آخِرِ الدَّهرِ، وقد استأْذَنَ الصَّحابةُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في قتالِ الأُمراءِ الذين يؤخِّرونَ الصلاةَ عن وَقْتِها فقالوا: أفلا نقاتِلُهم؟ قال: ((لاَ مَا أَقَامُوا الصَّلاَةَ))، وقال: ((مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَداً مِنْ طَاعَةٍ)).

إلى أنْ قال: فَإِنْكَارُ المنكَرِ أربعُ درجاتٍ:
الأُولى: أنْ يَزولَ ويخلُفُه ضِدُّه.
الثَّانيةُ: أنْ يَقِلَّ وإنْ لم يَزُلْ بجُملَتِه.
الثَّالثةُ: أن يَخْلُفُه ما هُوَ مِثلُه.
الرَّابعةُ: أنْ يَخلُفُه ما هُوَ شَرٌّ مِنه.
فالدَّرجتانِ الأُولَيانِ مَشروعَتانِ، والثالثةُ موضعُ اجتهادٍ. والرَّابِعةُ محرَّمةٌ، فإذا رأيتَ أهلَ الفُجورِ والفُسوقِ يَلعبونَ بالشَّطَرَنْجِ كان إنكارُها عليهم مِن عَدمِ الفِقهِ والبصيرةِ، إلاَّ إذا نَقَلْتَهُم مِنه إلى ما هُوَ أحبُّ إلى اللَّهِ ورسولِه، كرَمْيِ النشابِ، وسَبْقِ الخيلِ ونحوِ ذَلِكَ، انتهى مُلخَّصا، وقال بعضُهم:

ومَن أزالَ منكَرا بأنْكَرا ....... كغاسِلِ الحيْضِ ببولٍ أَغْيَرا

وقال النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ثم إنَّه يَأْمُر ويَنهى مَن كان عالِما بما يأمُرُ بِهِ ويَنْهَى عنه، وَذَلِكَ يَختلِفُ باختلافِ الشَّيءِ، فإنْ كان مِن الواجباتِ الظَّاهرةِ والمحرَّماتِ المشهورةِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والزِّنا ونحوِها فكُلُّ المسلِمِينَ عُلماءُ بها، وإنْ كان مِن دقائقِ الأفعالِ والأقوالِ، وما يَتعلَّقُ بالاجتهادِ لم يكُنْ للعَوامِّ مَدخَلٌ فيه، ولا لَهُم إنكارُه بل ذَلِكَ للعُلماءِ. انتهى.


  #9  
قديم 6 رجب 1447هـ/25-12-2025م, 02:35 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,419
افتراضي شرح العقيدة الوسطية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

قضايا كلية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا لي ولكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً، اللهم استعملنا فيما تحب وترضى ونعوذ بك من وجوه الردى.
هذه الجملة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذه العقيدة المباركة بيّن فيها أصول مذهب أهل السنة والجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي أنواع التعاملات مع الولاة، ولاة الأمور الذين ولاهم الله جل وعلا على المسلمين.
وهذا الأصل وهو الأمر والنهي من الأحكام العملية، وإدخاله في العقيدة جاء من جهة أن الفرق الضالة كالخوارج والرافضة والمعتزلة خالفوا في هذا الأصل وتركوا ما كانت عليه الجماعة الأولى، فخالفت الخوارج طريقة الصحابة، وخالفت الشيعة والرافضة طريقة الصحابة والتابعين في هذا الأصل وكذلك خالف المعتزلة أهل السنة في هذا الأصل.
فذكر شيخ الإسلام كغيره من أئمة الإسلام والسنة، ذكروا مسألة الأمر والنهي لأنها من المسائل الكبيرة التي خالف فيها أهل السنة أهل الضلال.

ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المسائل العظيمة في الدين لأن الصلاح في الدين سببه الأمر والنهي والدعوة إلى الخير، والفساد في الدين أو في حياة الناس سببه ترك ما توجبه الشريعة في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لهذا صار من المسائل العظام وعده طائفة من أهل العلم من أصول الدين ومبانيه العظام.
قال شيخ الإسلام رحمه الله هنا: (ثمّ هم مّع هّذه الأصول - يعني ثم أهل السنة والجماعة مع هذه الأصول التي سلفت - يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشّريعة).
والأمر والنهي جاء في الكتاب وفي السنة في مواضع كثيرة منها قول الله جل وعلا: { كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه} ومنها قوله جل وعلا: {ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ومنها قوله جل وعلا (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ومنها قول الله جل وعلا (الّذين إن مّكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللّه عاقبة الأمور) والآيات في هذا الأصل كثيرة.

ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وفيه أيضاً في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: (ما من نبي بعثه الله إلا كان له من أمته حواريون يستنون بسنته ويهدون بهديه ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) وأيضاً كما جاء في السنن والمسند من حديث أبي بكر رضي الله عنه إذ خطب الناس فقال لهم (أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها وهي قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم مّن ضلّ إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأطرن السفيه أو قال على يد السفيه تأطرونه على الحق أطرا أو يوشك أن يعمهم الله بعقابٍ من عنده) أو كما جاء في الحديث. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة يضيق المقام عن ذكرها وبسطها.
قد أجمعت الأمة أيضاً على هذا الأصل وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه الجملة لا شك أنها مهمة وتحتاج إلى تفصيل وبيان لأن شيخ الإسلام أجمل أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله على ما توجبه الشريعة.
فهذه الكلمة هي التي فيها تفاصيل كثيرة، تفاصيل أقوال أهل السنة وأهل العلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن نذكر ذلك في مسائل حتى يكون أوضح للمقام.
* الأولى من تلك المسائل في تفسير كلمة المعروف والمنكر:
فإن المعروف في النصوص الذي جاء الأمر به هو ما عرف حسنه في الشرع.

والمنكر ما عرف قبحه في الشرع.
وقال بعض أهل العلم المعروف إسمٌ جامع لكل ما يحبه الله جل وعلا ويرضاه من أمور الخير.
والمنكر إسمٌ جامع لكل ما يسخطه الله جل وعلا ويأباه من أمور الشر.
فدخل في المعروف الواجبات والمستحبات، ودخل في المنكر المحرمات.
وأعظم المعروف توحيد الله جل جلاله، وأبشع المنكر وأقبح المنكر وأردؤه الشرك بالله جل جلاله ولهذا قال أبو العالية في قول الله تعالى: {الّذين إن مّكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} قال أمروا بتوحيد الله ونهوا عن الشرك.
وكل معروف في القرآن فهو التوحيد وكل منكر في القرآن فهو الشرك، ذلك أن الطاعات وأبواب الخير كلها من فروع التوحيد ومن آثار التوحيد، والمعاصي من آثار الشرك.
فلهذا أعظم ما يؤمر به التوحيد ويؤمر بفروعه ومسائله ومستلزماته من الطاعات وكذلك أعظم ما ينهى عنه وينكر الشرك بالله جل جلاله.
المعروف درجات والمنكر أيضاً درجات ولهذا كان من قواعد أهل السنة أن المعروف الذي يطلب إذا تزاحم معروفان ما كان أعلى، والمنكر الذي ينهى عنه إذا تزاحم منكران ما كان أعلى فتترك الأقل لما هو أعلى، فتنكر الأعلى لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح ودرء المفاسد.
* المسألة الثانية حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفصيل الكلام على أحواله.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سمعت في النصوص مأمور به وهو واجب وهذا الوجوب هل هو وجوب عيني أم كفائي؟
في المسألة تفصيل: وهو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب عيناً، يجب على المعين إذا رآه كما جاء في الحديث (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع) الحديث، فيجب على من رآه عيناً مع القدرة.
وإنكار المنكر له مراتبه هذه التي سيأتي بيانها، ويجب إنكار المنكر على الأمة على وجه الكفاية.

والمنكرات قسمان، والواجبات قسمان:
واجبات يشترك في معرفتها الجميع ومنكرات يشترك في معرفة أنها منكرة جميع المسلمين.
مثاله في الواجبات: الصلاة والزكاة وصلة الأرحام وما شابه ذلك وقراءة القرآن.
ومثاله في المنكرات شرب الخمر والزنا والسرقة وأخذ الرشوة وشهادة الزور ونحو ذلك.
فهذا الذي يشترك في معرفته الجميع يجب الإنكار فيه على الجميع، لا يختص في الإنكار فيه لأهل العلم.
وأما ما كان من مسائل الإجتهاد ومن المسائل التي فيها أدلة وفيها بيان من أهل العلم لا يشترك في معرفتها الجميع وإنما تحتاج إلى بيان واستدلال ونحو ذلك مما لا يعلمه إلا الخاصة أو إلا طلبة العلم وأهل العلم، فهذه يشترط فيها لمن أنكر العلم.
والمسائل التي يكون المورد فيها مورد اجتهاد فإن العلم فيها منوط بأهل العلم الراسخين فيه.
وما كان من المسائل تتعلق بالفرد فإنه يكون الإنكار فيه بحسب علمه، يعني إذا علم شيئاً أنكر بحسب العلم كما ذكر ذلك النووي وغيره.
فتفصيل المقام في هذا لا بد منه وهو أنه يشترط لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العلم قبل الأمر والنهي، لا يأمر ولا ينهى إلا عالم.
هناك مسائل العلم بها مشترك هذا يأمر بها كل أحد، أي مسلم يجب عليه أن يأمر بالصلاة وأن ينهى عن الزنا لأن هذه مشتركة.
وأما المسائل الإجتهادية أو المسائل الخفية أو المسائل التي تحتاج إلى نظر ورعاية مصالح ونحو ذلك يعني من مسائل الإجتهاد فهذه لا بد فيها من علم، لكن علم أهل العلم، علم الراسخين فيه لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول (إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب عليه أن يكون عالماً قبل أن يأمر وينهى وأن يكون متيقناً بحصول المصلحة في أمره ونهيه ودرء المفسدة، فإن دخل في الأمر والنهي بظنٍ ولو كان ظناً راجحاً أثم لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
فهذه القاعدة أظنها مجمعاً عليها فيما ذكره شيخ الإسلام من أن الأمر والنهي المقصود منه تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا كان الآمر والناهي على علمٍ بأن المصلحة من الأمر راجحة وأن المصلحة ستكون برجحان وأن المفسدة لن تكون عنده برجحان فإذا تيقن ذلك دخل في الأمر والنهي ولم يأثم،وأما إذا كان مظنوناً يقول نقول هذا أو نعمل هذا العمل ننكر على فلان قد يكون معه مصلحة، إذا قال ذلك يأثم لأنه لا بد فيه من التيقن لا بد فيه من العلم أما الظن فلا يكتفى به.
فتحصل من هذه المسألة أن أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجملة واجب، وقد يكون واجباً عينياً وقد يكون واجباً كفائياً إذا قام به طائفة من الناس كفى البقية، والمسائل العامة العظيمة الأمر فيها والنهي يكون لأهل العلم لا يدخل فيه العامة أو من لم يكن راسخاً في العلم.
* المسألة الثالثة في قول شيخ الإسلام هنا على ما توجبه الشريعة:
فيه أن من أمر ونهى دون رعاية لأحكام الشريعة في الأمر والنهي فليس على طريقة أهل السنة فأهل السنة يأمرون وينهون على ما توجبه الشريعة لا على ما توجبه الأهواء أو الآراء فلا بد أن يكون عند الآمر والناهي معرفة بالحكم الشرعي ودليلاً يعتمده وإلا يكون أمر على غير ما توجبه الشريعة، وهذا لأجل مخالفة الخوارج والرافضة والشيعة والمعتزلة في هذه المسألة.
وقوله: (على ما توجبه الشّريعة) أخرج طوائف، أخرج من ذكرنا لأن هؤلاء غلوا في الأمر بالمعروف ونهوا عن المنكر حتى جعلوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخروج على ولاة الجور والولاة الذين يظلمون أو الفجار من الولاة، جعلوا الخروج عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا من الغلو وهذا باطل مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة.
ويقابل هؤلاء من ترك الأمر والنهي أصلاً كحال المتصوفة وحال الذين يرون القدر ماضياً في الناس فلا يحتاج إلى أمر ونهي.
وبسبب هؤلاء المتصوفة دخل أعداء الملة والدين وأعداء الإسلام بلاد الإسلام.
وقد يشابههم غيرهم ممن يتركون الأمر والنهي بحججٍ واهية.
فمن أسباب دخول الفرنجة ودخول الصليبين بلاد الإسلام كثرة المتصوفة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، فكثرة أولئك سببت دخول الصليبيين لأنهم أقعدوا الناس عن الأمر والنهي وأحبطوا في النفوس الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فعندنا طائفتان وأهل السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
قوم غلوا كالخوارج ومن شابههم، وقوم جفوا وهم الصوفية ومن شابههم.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشّريعة يتطلب كما ذكرنا علماً وغيرةً، لابد أن يجتمع هذا وهذا.
فالعلم فات الخوارج والمعتزلة ومن شابههم، والغيرة على دين الله فاتت الصوفية ومن شابههم.

فلا بد من علم صحيح ومن غيرة فمن فاتته الغيرة وكان عنده علم فإنه لن يأمر.
ومن كانت عنده غيرة وليس عنده علم بما توجبه الشريعة في الأمر والنهي أفسدته.
ومن جراء هذين الفريقين حصل الفساد وحصل إضعاف الشريعة في عصور الإسلام من أوائل الزمن إلى زمننا هذا.
فأناس دخلوا بغيرة دون علم، وأناس علموا ولكن لم يغاروا على دين الله جل وعلا.
وهدى الله من تمسك بأصول أهل السنة فغاروا على حرمات الله وأمروا ونهوا لكن على ما توجبه الشّريعة فحققوا المصالح ودرؤوا المفاسد.
* المسألة الرابعة في قوله عليه الصلاة والسلام (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)
هذا فيه الأمر بتغيير المنكر عند رؤيته (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) وفقه هذا الحديث مهم وذلك أن كلمة (رأى) فيه، هذه جاءت بالشرط.
(من رأى منكم منكراً فليغيره) فعندنا:
* أولاً الشرط الذي جاء في الحديث وهو أنّ شرط وجوب التغيير أن يكون ثمّ رؤية.
* والثاني المنكر.
* والثالث التغيير.
والمنكر تكلمنا عنه وهو ما علم قبحه بالشرع، أو أن مثارته كانت بالشرع لا بمقتضى الهوى أو مقتضى ما يكون عن اجتهاد ناقصي العلم.
أولاً قوله: (من رأى منكم منكراً) رأى هنا هي البصرية وليست العلمية، ليس معنى رأى هنا علم وإنما معناه رؤية البصر لأنه عداها إلى مفعول واحد.
فرأى إذا تعدت في النحو إلى مفعول واحد كانت رؤيةً بصرية (من رأى منكم منكراً).
فتفسيرها بعلم ليس بصحيح.
فالرؤية هنا التي علق عليها وجوب الإنكار هي الرؤية البصرية،فيجب أن تنكر باليد فإن لم تستطع فباللسان إذا رأيت المنكر بعبينيك مع شرط القدرة.
أما إذا لم تره ولكن سمعته سماعاً محققاً كأن سمعت امراة تصرخ أو سمعت بسماع محقق رجل يراود امرأة أو سمعت سماعاً محققاً ملاهي ونحو ذلك فهذه وإن لم ترها تلحق بالرؤية.

ألحقها أهل العلم بالرؤية لأنها متيقنة بحاسة السمع كتيقن المرئي بحاسة الرؤية.
وأما غير ذلك مما يخبر يه المرء فليس المجال فيه مجال إنكار، وإنما يجب الإنكار على من رأى أو سمع سماعاً محققاً أما من أخبر فمجاله مجال النصيحة.
والنصيحة غير الإنكار، النصيحة باب والإنكار فصل منه.
يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب من أبواب النصيحة.
النصيحة عامة ومن النصيحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالنصيحة أوسع.
والأمر والنهي ما كان نصيحةٌ لها شروطها ولها أحوالها بما جاء في الشريعة.
والنصيحة هذه عامة كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، ثلاثاً، قلنا لمن يا رسول الله - يعني - قال الصحابة لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم)
فالنصيحة عامة، الدين كله نصيحة.
والنصيحة هذه لأئمة المسلمين ولعامتهم تشمل الأمر والنهي.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض النصيحة لكن له شروط خاصة فهو كالمخصص من العام.
والتخصيص من العموم بشروطه، هذا له أحكامه المعروفة.
فإذن ليست كل أحكام النصيحة جارية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليست كل أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جارية على النصيحة بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصيحة لعباد الله ولأئمة المسلمين ولعامتهم ولكن بشروطه الشرعية.
o ومن الفروق بينهما أن النصيحة الأصل فيها السر.
النصيحة تكون سراً وتكون مجملةً بدون تحديد، هذا الأصل فيها كما قرّره أهل العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون في بعض أحواله سراً ولكن الأصل فيه أن يكون علناً.
o الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون إذا رؤي المنكر أو سمع سماعاً محققاً، والنصيحة تكون بأوسع من ذلك فيما إذا رؤي أو سمٍع أو أبلغته، أو بلغك أنه حصل كذا وكذا.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فيما إذا حصل المنكر أمامك، أما إذا حصل في غيبة عنك فإنه نعود إلى الأصل العام وهو النصيحة لأن النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام قيّد وجوب الإنكار بقوله: (من رأى منكم منكراً)، فمن رأى وجب عليه ومن لم يرى بل سمع أو قيل له فلان حصل منه كذا وكذا أو الأمر الفلاني حصل فيه كذا وكذا فالمجال فيه مجال نصيحة.
o من الفروق أيضاً أن النصيحة تحتاج إلى تثبت واستفصال والأمر والنهي بما حصل أمامك فإنك متيقن منه، يعني أن النصيحة لمن يحتاج النصيحة تكون بما علمته وتثبت منه وأما الأمر والنهي فهو لا بد فيه من اليقين كما قال شيخ الإسلام وغيره.
o من الفروق بينهما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعلق بالمنكر، أن النهي عن المنكر يعني في حديث أبي سعيد هذا (من رأى منكم منكراً فليغيره) هذا متعلق بالمنكر، وأما النصيحة فهي متعلقة بمن ينتفع من الأمر أو النهي عن المنكر.
فحديث أبي سعيد متعلق بالمنكر وليس فيه ذكر لفاعل المنكر، قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، يعني ليغير المنكر، أما الواقع في المنكر فهذا يختلف الحال فيه.
مقامه يحتاج إلى تفصيل:
الحال الأولى أن يكون المنكر للذي رآه من أهل الحسبة، يعني من نواب الوالي في الإنكار، فهؤلاء حالهم غير حال عامة الناس، فهذا له أن يعاقبه بتخويل السلطان له، بتخويل ولي الأمر له، له أن يعاقب برؤية المنكر، إذا رأى الفاعل للمنكر له أن يعاقب بحسب ما جعل له من السلطة في ذلك.
أما عامة الناس، يعني غير أهل الحسبة يعني مثل ما نقول الآن غير رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير الهئية، فهؤلاء في حقهم لا بد أن يفرّقوا بين المنكر وبين فاعل المنكر.

المنكر يجب إنكاره وفاعله - يعني من قام به المنكر - فهذا المقام فيه مقام نصيحة {ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن}.
مثال ذلك إذا رأيت مع أحد المسلمين رأيت معه خمراً أو رأيت معه أمراً منكراً أو رأيته يمارس أمراً منكراً، فإنكار المنكر بإزالته، بتغييره باليد إن أمكن أو باللسان، أما صاحب المنكر الواقع فيه فهذا تستعمل معه الرفق والأناة وما هو أنفع وأصلح له.
ولهذا قال العلماء إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشترط له ثلاثة شروط:
- الأول قبل أن يأمر وينهى، وذلك الشرط هو العلم.
- والثاني حين يأمر وحين ينهى، وذلك الشرط هو الرفق.
- والثالث بعد أن يأمر وبعد أن ينهى وهو الصبر.
فثّمّ ثلاثة شروط:
علم قبل ورفق مقارن وصبر بعده كما قال: {واصبر على ما أصابك} {يا بنيّ أقم الصّلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} فلا بد من الصبر بعد الأمر والنهي، لأن الآمر والناهي يخالف ما يشتهيه الخلق، أكثر الناس ولو كانوا من المسلمين تبع لأهوائهم، فيحتاج من يأمر وينهى إلى الصبر، ولا بد من رفق مقارن فهذا رفق بمن عمل المنكر.
والإنكار للمنكر نفسه هذا لا بد فيه من قوة (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) ما يكون فيه مثل ما يقول أهل العصر مجاملة في المنكر نفسه.
أما فيمن فعله فهذا تهاديه وتدعوه بالتي هي أحسن.
رأيت معه شيء تكسر المنكر الذي معه أو تقطعه أو تحجز بينه وبينه بحسب ما تقتضيه المصلحة.
إذا كان كذلك فتعلق المنكر بفاعل المنكر يحتاج أيضاً إلى تفصيل:
ذلك أن المنكر مع فاعله تارة يكون منفكاً وتارةً يكون ملازماً:

فإن كان منفكاً بمعنى أن المعصية منفكة عن فاعلها أو المنكر منفك عن فاعله، مثل ان تدخل على أحد - نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة والهداية - تدخل على أحد فتجد أمامه كأس خمر أو تجد انه يسرق أو تجد أن أمامه صورة عارية ينظر إليها ونحو ذلك، فهذه الجهة فيها منفكة لأن كاس الخمر منفصل عن من يريد أن يشربه.
الصورة العارية منفصلة عن من يريد أن يشاهدها.
والمال الذي يريد أن يسرقه منفصل عنه.
فهذا إنكار المنكر بأن تغير هذا الذي بين يديه - يعني المنكر - بيدك فإن لم تستطع فبلسانك بمعنى تحجزه عن ذلك باللسان، أو تكسره بيدك إن كان ذلك بالامكان.
من كان مريداً لإتيان هذا المنكر فهنا إذا كان منفكاً يكون معه النصيحة والرفق والأناة.
فالمنكر نفسه لا تكن رفيقاً به، وأما من وقع فيه فلا بد فيه من الرفق لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه).
هذا بحسب تحقيق المصلحة فإن كانت المصلحة هنا هي أن تكون رفيقاً في إنكار المنكر ورفيقاً أيضاً في تعليم أو دعوة أو نصيحة من فعل هذا المنكر أو من يريد أن يواقعه فإن تحقيق المصلحة ودرء المفسدة في هذا المقام لابد منها، ولكن الأصل أن الإنكار يكون بقوة إلا إذا كان ثمّ مفسدة ستكون فإنك تكون رفيقاً في الأمر والنهي وفي إنكار المنكر، والإنكار على من واقعه.

الحالة الثانية أن يكون المنكر ملازماً لصاحب المنكر مثل أن يكون حالقاً للحيته أو أن يكون مسبلاً لإزاره أو أن يكون لابساً لذهبٍ أو أن يكون سكراناً أو ما شابه ذلك، فهذه فيها اختلاط المنكر بفاعله، لا تستطيع أن تغير فتجعل الحليق ملتحياً ولا أن تجعل المسبل مشمّراً، هذا ليس مستطيع، فيكون هنا الإنكار باللسان (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه) يكون الإنكار باليد لأهل الإختصاص، لمن له ولاية أو باللسان، هذا ما يكون هناك فرق بين الفاعل والمنكر، فيكون هنا الرفق والأناة في الأمر والنهي.
في قوله عليه الصلاة والسلام هنا (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) عرفنا معنى رأى وأن الرؤية هنا بالبصر أو بالسماع المحقق، أما إذا سمعت قيل قال هذا لا بد فيه من التثبت ثم النصيحة، والنصيحة تكون سراً والأمر والنهي يكون بحسب الحال التي ذكرتها.
قال: (فليغيره بيده) بل قبل (فليغيره بيده) (منكراً) هنا المنكر المراد هنا فيه ما علم كما ذكرنا ما علمت نكارته بالشريعة، وهذا يدخل في صورتين:
* الصورة الأولى ما كان مجمعاً عليه.
* والصورة الثانية ما كان مختلفاً فيه ولكن الخلاف فيه ضعيف، فهذا ينكر.
ما أجمع عليه ينكر وما اختلٍف فيه ولكن الخلاف فيه ضعيف أيضاً تنكره.
ما أجمع عليه واضح مثل إنكار الزنا والسرقة والرشوة إلى آخره.
وما اختلف فيه ولكن الخلاف فيه ضعيف هذا أيضاً يجب إنكاره.
وما اختلف فيه والخلاف فيه قوي هذا لا ينكر، بل لا يجوز إنكاره ولكن يناظر فيه ويجادل فيه ويبحث فيه.

مثال ما كان الخلاف فيه ضعيفاً النبيذ الذي تبيحه بعض الحنفية ويبيحه بعض الأوائل أو العصير الذي اشتد وصار مسكراً يعني جلس ثلاثة أيام في حر، هذا يكون مسكراً، طائفة من أهل العلم يبيحونه، أو إباحة الفوائد الربوية، يعني إباحة الفوائد البنكية والعملات والفائدة أو المنفعة من وراء القرض أو تفصيل أنواع القروض بقروضٍ صناعية وقروضٍ استهلاكية ونحو ذلك، هذه فيها خلاف.
ولكن الخلاف فيها عندنا ضعيف لأنه ليس حجة لمن خالف في هذه المسائل حجة واضحة فهذه تنكر، تلحق بالمسائل المجمع عليها، ولا تدخل في قول من قال: (لا إنكار في مسائل الخلاف).
أما ما كان الخلاف فيه قوياً فهذا لا ينكر، مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، فمن تركها مثلاً هذا الخلاف فيه قوي، هل تجب في الصلاة على المأموم أم لا تجب، يتحملها الإمام، هذا الخلاف فيها قوي معروف، مثل زكاة الحل ومثل إعفاء اللحية بعدم أخذ شيء منها أو بما زاد عن القبضة ونحو ذلك من المسائل.
هذه المسائل فيها خلاف، واختلف فيها العلماء ومذاهب الأئمة فيها معروفة ونحو ذلك.
هذه المسائل الخلاف فيها قوي، الباب فيها باب دعوة ومجادلة لا باب إنكار.
وبهذه المناسبة نفصّل القول في مسألة من يقول (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وبما ذكرت يتبين لك أن هذا القول على إطلاقه غلط، بل الصواب فيه أن تفصّل القول في مسائل الخلاف، وذلك أن نقول مسائل الخلاف تنقسم قسمين:
- مسائل الخلاف فيها ضعيف فهذه ينكر فيها.
- ومسائل الخلاف فيها قوي فهذه لا إنكار في مسائل الخلاف فيها.
ولهذا قيّد طائفة من أهل العلم قول من قال: (لا إنكار في مسائل الخلاف) بما إذا كان الخلاف قوياً، أما إذا كان الخلاف ضعيفاً فإنه ينكر، وتشابهها عبارة قول من قال: (لا إنكار في مسائل الإجتهاد) هذه غير مسائل الخلاف لأن مسائل الإجتهاد غير مسائل الخلاف.

مسائل الإجتهاد التي اجتهد فيها أهل العلم في نازلة من النوازل.
نازلة من النوازل نزلت فاجتهد فيها العلماء، قال طائفة كذا وقال طائفة كذا.
فمسائل الإجتهاد ما يكون الإجتهاد فيها في إلحاق النازلة بالنص، ومسائل الخلاف ما كان الإجتهاد فيها راجعاً إلى فهم النص.
فإذا كان الفهم راجعاً إلى النص في مثل المسائل التي ذكرت لكم فهذه تسمى مسائل الخلاف.
لا إنكار في مسائل الخلاف التي خلافها قوي.
وأما مسائل الإجتهاد في إنكار فيها مطلقاً بدون تفصيل، لأنه اجتهد، ما دام أنه اجتهد في النازلة ليلحقها بالنصوص ولا نصّ فيها، فهذه لا يثرّب أحد المجتهدين على الآخر ولا ينكر عليه إلا إذا كان اجتهاده في مقابلة النص أو في مصادمة القواعد الشرعية على ما هو معلوم في أصول الفقه.
(فليغيره بيد) هنا أوجب تغيير المنكر، وإيجابه هنا كما ذكرنا مشروط بـ:
1- علمه بأن هذا منكر.
2 - وأن المصلحة متيقنة، يعني بشروطه.
إذا غلب على ظنه أن الإنكار لا ينفع، مثلاً يغلب على ظنه أنه إذا أنكر على....1
ولن يحصل ثمّ فائدة منه، فهل يجب الإنكار أم لا يجب؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
- قالت طائفة يجب الإنكار لأنه هو الأصل ولا دليل يخرج هذه المسألة عن ذلك، وهذا أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله وهو قول الأكثر من أهل العلم.
- والقول الثاني أن الرائي للمنكر إذا غلب على ظنه عدم الانتفاع بإنكاره فإنه يستحب له أن ينكر ولا يجب، ومال إلى هذا فيما يفهم من كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل بهذا بل ذكر شيخ الإسلام دليلاً على ذلك بقوله جل وعلا: {فذكّر إن نّفعت الذّكرى} قال معنى الآية إن نفعت الذكرى فذكر، فأوجب التذكير ويدخل فيه الأمر والنهي إذا غلب على ظنه الانتفاع.
مفهوم الآية أنه إذا لم يغلب على ظنه الانتفاع فإنه لا يجب عليه، ويكون الحال إذاً على الإستحباب.

وهذا القول أظهر عندي وأصح وهو قول جماعة كثير من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم ويؤيده أن الصحابة رضوان الله عليهم دخلوا على ولاة بني أمية ودخلوا على بعض الأمراء في زمنهم فوجدوا عندهم منكرات فلم ينكروا، حمل على أنه غلب على ظنهم عدم الإنتفاع لأنه أولى من أن يحمل على أنهم تركوا واجباً.
وإذا قلنا أنه لا يجب يبقى الاستحباب حمايةً للشريعة وصيانةً لهذا الواجب الشرعي وكما جاء في الحديث (إن بني إسرائيل أول ما دخلهم النقص كان الرجل يلقى الرجل فيقول له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وقعيده وشريبه) يعني أنه يأمره مرة ويترك ذلك فيبقى هذا على جهة الإستحباب دائماً إذا غلب على الظن أنه لا ينتفع في إنكار المنكر.
مثل ما ترى اليوم من وجود النساء كاشفات الوجه في المستشفيات أو في بعض الأسواق أو في المطارات أو في السيارات فإن هذا منكر لكن يغلب على الظن أن بعض ألئك النسوة لا ينتفعن بالإنكار.
فمن غلب على ظنه أن المرأة التي رآها على ذلك أنها لا تنتفع بالإنكار، فإنه لا يجب عليه الإنكار، بمعنى لا نؤثمه إن ترك.
وعمل أكثر أهل العلم على هذا، ولكن قول أكثر أهل العلم كما ذكرنا هو بالإيجاب مطلقاً، وتأثيم المسلمين فيه حرج سيما مع ظهور الدليل في قوله: {فذكّر إن نّفعت الذّكرى} وما ذكرنا من عمل الصحابة وأهل العلم.
(فليغيره) هنا التغيير - أنا أطلت في شرح هذا الحديث لأن شيخ الإسلام في قوله: (على ما توجبه الشّريعة) يستحضر هذه المسائل كما فصلها في كتابه منهاج السنة وفي غيره من كتبه رحمه الله -.
(على ما توجبه الشّريعة) هذه كلمة عظيمة تميّز بها أهل السنة عن غيرهم فلا بد من تفصيل المقام في ذلك.
......

لا، فرق بين هذا وهذا، وذاك تيقنٌ بأن المصلحة راجحة، ولا يكفي أن يغلب على ظنه حصول المصلحة، بل لا بد أن يتيقن أن المصلحة راجحة وأن المفسدة زائلة أو مهملة.
وتعلمون القاعدة المعروفة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) هذه لها ضابط:
وضابطها أن المصلحة والمفسدة إذا استوت عندك فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
إذا استوت هذه مصلحة وهذه مفسدة أو تقاربت فهنا نقول درء المفاسد مقدم.
وأما إذا كانت المصلحة راجحة والمفسدة قليلة مرجوحة، ضعيفة، فهنا لا نقول درء الفاسد مقدم على جلب المصالح، بل تحصيل المصلحة راجح لأنه ما من مصلحة يراد تحصيلها إلا وتكون مخالفة لأهواء الخلق، فلا بد أن يكون ثمّ نوع مفسدة، مثل تأمر واحد يزعل عليك صحيح إنه بينفذ أو يزول المنكر لكن هو بيزعل وبيغضب أو نحو ذلك، لكن لن تكون فتنة أو قطيعة رحم أو يكون هناك فساد أو اختلاف في القلوب لكن مجرد إنه يغضب أو يزعل أو نحو ذلك أو يتكلم عليك، هذه نعم مفاسد لكنها لا تقابل بالمصلحة الراجحة.
فقول من يقول من أهل العلم وهي قاعدة صحيحة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) فيما إذا تقاربت المصلحة والمفسدة أو تساوت المفسدة والمصلحة.
أما إذا كانت المصلحة راجحة بيقين والمفسدة مرجوحة وضعيفة جداً بيقين فإن هذا لا يقال فيه (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) لأنه ما من مصلحةٍ يراد تحقيقها إلا ولا بد يحصل شيء من مفسدة بتحقيقها لأن الشريعة لم تأت على موافقة أهواء الخلق.
قوله: (فليغيره) هذا اللفظ لا يساوي فليزله.
التغيير في الشرع لا يساوي الإزالة، يدل عليه أنه قال: (فإن لم يستطع) يعني أن يغير بيده (فليغيره بلسانه).
(فإن لم يستطع فبلسانه) يعني فليغير المنكر بلسانه، ومعلوم أن تغيير المنكر باللسان قد يكون معه إزالة وقد لا يكون.
قال: (فإن لم يستطع فبقلبه) يعني فليغير المنكر بقلبه.

فالتغيير قد يكون بإزالة وقد لا يكون، وهذا من توسعة الله جل وعلا على هذه الأمة.
فيجب التغيير ولكن الإزالة لا تجب إلا إذا كانت مستطاعة.
فقوله: (فليغيره بيده) التغيير باليد يكون بإزالته، والتغيير باللسان يكون بالإنكار ويسمّى مغيّراً.
فمن أنكر منكراً بلسانه يكون قد غيّر.
والأمة إذا كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتغير المنكر باللسان لا تقره ولا تسكت على المنكر فإنها تكون مغيّرةً لا يلحقها الوعيد الذي جاء في قول الله جل وعلا: {لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وّكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن مّنكرٍ فعلوه} إذا غيّر باللسان وذكر المنكر ونهى عنه فإن هذا يكفي ويحصل به التغيير إلا إذا استطاع اليد فإنه يكون مخاطباً بتغييره باليد.
من الأحكام التي في الحديث أن التغيير بالقلب له ضابط وهو أن يكره هذا المنكر بقلبه ولا يرضى فعله ويترك المكان الذي فيه المنكر إن استطاع، أو كانت المصلحة في ترك المكان.
فإذن التغيير بالقلب لا بد فيه:
o من كراهة المنكر، هذا واحد، البغض بغض المنكر.
o الثاني لا يرضى به وأن يمقته، لا يرضى بحصوله.
o الثالث أن يفارق المكان إن كانت مفارقته راجحة من حيث المصلحة.
هذا بعض ما يتعلق بالأحكام المهمة في الحديث.
* المسألة الخامسة وهي مسألة مهمة تتعلق بالفرق بين نصيحة الولاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للولاة، بل لعامة الناس.
النصيحة كما ذكرنا الأصل فيها أن تكون سراً والمنكر الأصل فيه أن يكون علناً.

وقد جاء في بيان هذا الأصل قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، وليأخذ بيده، وليخلو به، فإن قبل منه فذاك وإلا يكون قد أدّى الذي عليه) وهذا الحديث إسناده قوي، ولم يصب من ضعّف إسناده وله شواهد كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ويؤيده ما جاء في صحيح البخاري (من أنهم أرادوا أن ينكر أسامة بن زيد على عثمان، فأسامة بن زيد لم يفعل وقال أما إني قد بذلته له سراً لا أكون فاتح باب شر) وهذا موافق لهذا الأصل وهو أنه ما يقع في ولاية السلطان في ولاية الوالي من مخالفات للشرع فهذا بابه النصيحة، لأنها ما تعلقت به من جهة رؤيةٍ لفعله أو سماعٍ محقق له.
أما من رأى السلطان بنفسه يفعل منكراً فإنه مثل غيره يأمره وينهاه.
وأمر ونهي السلطان يكون عنده لا يكون بعيداً عنه لما جاء في الحديث (أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطانٍ جائر فأمره ونهاه فقتله)
فأمر ونهي السلطان يكون فيما رأيته منه بنفسك أو سمعته منه سماعاً محققاً، سمعته منه بأذنك فتنكر بحسب الإستطاعة، بحسب القدرة بحسب ما يتيسر علناً أو غيرها.
أما النصيحة فهي ما يجري في ولايته.
وأهل العلم فرقوا في هذا المقام بما ذكرت لك، بين النصيحة بما يقع في الولاية وبين ما يكون منكراً يفعله السلطان بحضرة الناس.
وكثير من الحوادث والأدلة والأحاديث أنكر فيها الصحابة وأنكر فيها التابعون على ذوي السلطان علناً، وكلها إذا تأملتها بدون استثناء يكون فيها الأمر أن المنكر فعله بحضرتهم، رأوه منه أو سمعوه سماعاً محققاً منه.
مثل ما أنكر الرجل على مروان في تقديمه خطبة العيد على الصلاة، فهذا شيء سمع منه، ولو كان السلطان إذا فعل منكراً فإنه ينكر عليه، ولا يقال هنا سراً بل ينكر عليه ولو كان بحضرة الناس بشرط أن يؤمن أن يكون ثمّ فساد أعظم منه من مقتلة أو فتنة عظيمة أو نحو ذلك.

وكذلك ما حصل من الإنكار على عمر في لبسه الثوبين.
وكذلك ما حصل من الإنكار على معاوية، وأشباه ذلك كثير.
فإن باب النصيحة غير باب الإنكار.
باب الإنكار يكون برؤيةٍ، سواء كانت رؤية المنكر من السلطان أم من عامة الناس.
إذا رأيته بنفسك.
أما باب النصيحة فما يقع في الولاية، وتأمل في ذلك النصوص جميعاً، وقد تأملتها رعايةً لتحقيق المقام في هذه المسألة المهمة وبراءةً للذمة، ووجدت أن هذا الذي ذكرت لك منضبط كما قال أهل العلم، كما ذكر ذلك محققاً ابن رجب في شرحه لحديث (من رأى منكم منكراً) وكما ذكره ابن النّحاس في كتابه (تنبيه الغافلين) بل قد قال ابن عباس رضي الله عنهما (لا تأمر السلطان ولا تنهاه عن منكر إلا فيما بينك وبينه) رواه عنه عبدالرزاق بإسناد صحيح.
وكلام السلف إذا تأملته يدور على هذا الفرق ما بين النصيحة وما بين الإنكار.
فباب الإنكار شيء وباب النصيحة شيء.
الإنكار بقيده برؤيةٍ ممن فعل أو سماع محقق، وتلحظ أن الإنكار يكون بحسب التفصيل الذي ذكرنا من انفكاك المعصية أو ملازمتها.
* المسألة السادسة في هذا الباب المهم أن الأمر والنهي يجب على العين أو على الكفاية بشرط أن يأمن أن يؤذى أذىً لا يناسبه.
يأمن أن يقتل أو يأمن أن يضرب أو يجلد أو يسجن، فإن خاف على نفسه القتل أو السجن أو خاف على نفسه قطع الرزق ونحو ذلك فإنه لا يجب عليه، يبقى باب بالاستحباب وهذا نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى (يشترط في الوجوب أن يأمن على نفسه، فإن خشي فتنةً فإنه لا يجب عليه بل يستحب إن قوي على البلاء) وليس كل أحد يقوى على البلاء.
وليس من الإيذاء الذي يسقط وجوب الأمر والنهي السب أو الشتم أو إشاعة الإشاعات الباطلة على الآمر الناهي، هذا لا يعذر به.

يجب عليه أن يأمر وينهى ولو قيل في عرضه ما قيل، إلا إذا كان ثمّ إيذاء لا يتحمله في نفسه أو في رزقه أو ما شابه ذلك.
* المسألة السابعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يحصل في هذه الأزمان في بعض البلاد من قتلٍ أو تفجيرٍ أو نحو ذلك، أو خروج على ولاة الكفر أو على الدول الكافرة هذه المسألة مهمة.
ومسألة الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نعلم فيها أن الخروج على أئمة المسلمين ما دام أن أصل الإسلام باقي لم يرتد عن الإسلام فإنه لا يجوز الخروج عليهم ولا الإعانة بالخروج عليهم ولا التثبيط عنهم.
هذا أصل عند أهل السنة والجماعة كما هو معلوم ويأتي تفصيله في الجملة التي تأتي بعدها.
وأما دول الكفر أو ولاة الكفر فإن الخروج عليهم جائز، لكن جوازه مع القدرة وتحصيل المصلحة ودرء المفسدة.
والمصلحة والمفسدة في ذلك منوطةٌ بقول الراسخين في العلم كما ذكرنا في أول الكلام، ليست منوطة باجتهاد المجتهد.
ولهذا ذكرنا لكم من كلام شيخ الإسلام أنّ من دخل في هذا الأمر غير متيقّنٍ أن المصلحة ستكون وتزول ويكون بعد المنكر خير فإنه لا يجوز له ذلك.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن مراتب إنكار المنكر أربعة:
* الأولى منها أن ينكر المنكر فيزول ويخلفه الخير، وهذه مشروعة وهي المطلوب الأعظم.
* المرتبة الثانية منها أن ينكر المنكر ويخف، يقل المنكر ولا يزول، لكن يقل.
* والثالثة أن يزول المنكر ويحصل منكر آخر مساوٍ له.
* والرابعة أن يزول المنكر ويحصل منكر أنكر منه.
الأولى والثانية شرعيتان والثالثة محل اجتهاد والرابعة لا تجوز باتفاق.

فما يحصل من أمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفجيرٍ ونحوه في بعض البلاد هذا في عمل أصحابه يقولون: إنه فيه تحقيق مصلحة، وهذا فيه إنكار منكر، ولا يشترط في إنكار المنكر عندهم الشروط التي ذكرنا، فيقولون فيه تحقيق مصلحة وفيه درء مفاسد ونحو ذلك.
فنقول هنا إن قاعدة أهل السنة أن تحصيل المصلحة في هذه المسائل ودرء المفسدة منوطةٌ باجتهاد أهل العلم، لأن هذه مسائل متعلقة بالعامة، وهي إنكار سيسبب قتلاً ويسبب أذىً على غيره، والمنكر إذا كان إنكاره يسبب أذىً على غيره لم يجز أن ينكره إلا برضى الآخرين لأنه قد تعلق بهم
وأما إذا كان الإنكار، إذا أنكر سيناله الأذى على نفسه فقط، مثل من يقوم إلى سلطانٍ جائر فيأمره وينهاه، فيقتله، فنقول لا بأس إذا رضيت بذلك لنفسك فلا بأس بذلك، وهذا خير الشهداء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
أما إذا أنكر سيؤذى غيره من النساء أو ستنتهك أعراض أو سيؤذى غيره من الناس ويسجن فيكون هناك بلاء فإنه لا يجوز الإنكار باتفاق أهل العلم.
فإذا كان الإنكار بمثل هذه المسائل فإنه لا يجوز باتفاق أهل العلم لأنه قد تعدى الضرر، وإذا تعدى الضرر فإنه لا يجوز إنكاره بمثل هذه التي فيها الإنكار بأبلغ ما يكون من أنواع الإنكار باليد.
فتحصّلنا من ذلك أنّ المصلحة والمفسدة منوطة بفهم بأهل العلم، وأنّ أهل العلم هم الذين يقدرون المصالح والمفاسد.
فلا يجوز لأحد أن يدخل في مثل هذه المسائل أصلاً إلا بفتوىً من أهل العلم، وأهل العلم لا يفتون في هذه الأمور بالجواز لأن تحريمها معلومٌ من أصول الشريعة لتعدّي الضرر ولأن مفسدتها أعظم بكثير من المصالح التي تظن.
بل كثير من أبواب الخير وكثير من الأذى نال بسبب عمل من لم يأمر وينهى على ما توجبه الشّريعة، والعباد يؤاخذون بذنوبهم.

المقام يحتاج إلى أيضاً تفصيلات في هذه المسائل لكن لعلنا نكتفي بذلك، وتنظرون كتب أهل العلم في هذا وتجمعون الضوابط، لأن من نفائس العلم معرفة الضوابط، ضابط هذا الحكم، لا تكن تأخذ المسائل بإجمال، أو تكن عاطفتك في بعض المسائل غالبة على علمك.
لا بد أن يكون هناك غيرة وعلم متوازنة خاصة في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يتحقق طريق ونهج أهل السنة والجماعة فيما ذكر شيخ الإسلام هنا في قوله: (ثمّ هم مّع هّذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشّريعة).
نكتفي بهذا القدر وأسأل الله جل وعلا لي ولكم الفقه في الدين والانتفاع بكلام أهل العلم.
قال ذكرتم أثناء الشرح انه لا ينكر على المجتهد، فهل إذا اجتهد أي أحد لا ينكر عليه؟
لا، المجتهد المراد أنه لا ينكر عليه الذي هو من أهل العلم ممن يجوز له الاجتهاد، أما إذا اجتهد جاهل أو شبيه الجاهل أو من ليس من أهل الاجتهاد فلا يجوز له أن يجتهد أصلاً فينكر عليه اجتهاده في مقابلة اجتهاد أهل العلم.
......
لا هذا غير صحيح إلا إذا أراد بمسائل الاجتهاد ما يدخل في فهم النصوص، هذا يرجع إلى الأول.
ما رأيك في هذه القواعد في إقامة الحجة في التكفير والتبديع؟

ما أحبذ سؤال عن الرأي لأن الرأي مذموم، ويسأل عن هذه القواعد هل هي صحيحة أم لا حسب ما يقتضيه العلم، أما الآراء لا يسأل الواحد عن رأيه، أنا رأيي لنفسي، لكن للناس ما نذكر لهم إلا ما يقتضيه العلم الذي عليه كلام أهله أو ما بيّنه أهل العلم من دلالات النصوص، أما الرأي ما يذكر العالم رأيه، يذكر فقهه في النصوص، فهمه لكلام أهل العلم، نعم، لأن العلماء إنما هم أدوات، العلماء وسطاء في إيصال معاني النصوص للناس، هذه وظيفة العالم وهي خير وظيفة وأعظم وظيفة أن تبيّن للناس معاني الكتاب والسنة، ليس مكان العالم عندنا أن يذكر آراءه، الرأي لا قيمة له، إلا أن يعمل فهمه في فقه النصوص ويستنير بأقوال أهل العلم نعم، أما الرأي المجرد والاستحسان وأرى كذا وهذا أحسن، ترجيحات ونحو ذلك فهذا لا قيمة لها، العلم قال الله وقال رسوله، قال اصحابة هم أولو العرفان، مثل ما قال ابن القيم أيضاً رحمه الله:
و العلم أقسامٌ ثلاثٌ ما لها
من رابع والحق ذو تبيان
علمٌ بأوصاف الإله ونعته
وكذلك الأسماء للديان
والأمر والنهي الذي هو دينه
وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكل في القرآن والسنن التي
جاءت عن المبعوث بالفرقآن
والله ما قال امرؤٌ متحذلقٌ
بسواهما إلا من الهذيان
أعظم ما ينعم الله جل وعلا به على طالب العلم أن يعتني بكلام أهل العلم في فهمهم للنصوص، يعتني بتصوير المسائل، وفهمها، وأحكام أهل العلم، ويربط ذلك دائماً بالنص، هذه من أعظم ما يكون من الفوائد.
المقصود قال هذه القواعد لإقامة الحجة في التكفير والتبديع:
- أولاً قولٌ وفعلٌ كفر ويكفر صاحبه من غير إقامة حجة مثل سب الله وسب الرسول.
- قولٌ وفعلٌ كفر ولا يكفر صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه، وإنما يبدع مثل تأويل الصفات.
- قول وفعل لازمه البدعة ولا يبدع صاحبه إلا بعد إقامة الحجة عليه مثل الموالد.

- خلاف أفهام مبني على الأدلة مثل صلاة التراويح وغيرها ليس فيه تبديع ولا تكفير.
مثل هذا التفصيل أو مثل هذا التقعيد لا يحسن أن يخوض فيه طلاب العلم في أجناسه، بسبب أن مثل هذه التقعيدات سواءً فيما ذكر أو في غيرها تكون مبنية على الواقع، والتقعيد أعم من رؤية الواقع، يعني بعض المقعّدين ينظر إلى الواقع فيستخلص الأحوال ويقسمها بحسب ما عنده من الرأي أو ما عند طائفته من الرأي، ثم بعد ذلك يقسّم على حسب الواقع الذي في زمنه، مثل من يشاهد في زمن معين الحال كذا وكذا وكذا يقول نقسمهم حتى يكون رأيه صواباً، هذا ليس مقتضى العلم، مقتضى العلم أن تنظر إلى ما دلت عليه النصوص وكلام أهل العلم قبل حصول هذا الواقع المعين ثم تنزل كلام أهل العلم في فهمهم للنصوص على الواقع، لا أن تجعل الواقع هو الأصل ثم تحمل الكلام والتقسيمات عليه، هذا لا يسوغ لأنه تعدٍ، ولهذا نقول نفهم كلام أهل العلم وتقعيداتهم وننزله على الواقع، أما كثرة التقسيمات فيما ذكر فلا أفهم أنها قواعد.
يقول عند النظر إلى بعض الدول الإسلامية نجد أن الأحداث التي تصلنا عن طريق الوسائل الإعلامية، أن هناك من الجماعات الإسلامية من يتبنى منهج العنف، أو قصد العنف بالسلاح والتفجير فهل صحيح أن هذه الأفعال تتبناها الجماعات الإسلامية؟ وإذا كان صحيحاً فهل يصح أن تطلق على هذه الجماعة جماعة إسلامية؟

هو الجماعة الإسلامية بحسب الاسم، هم يسمون أنفسهم الجماعة الإسلامية، مثل ما في مصر أو غيرها، أو الجبهة مثلاً في الجزائر أو نحو ذلك، هذه أسماء لم يطلقها الناس عليهم وإنما هم سمّوا أنفسهم بتلك الأسماء، وينظر في تلك الأفعال بحسب الأحكام الشرعية، هم عندهم مخالفات في فهم مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، البحث معهم في الأمر والنهي وأصوله الشرعية وكلام أهل السنة فيه والمصلحة والمفسدة والقواعد المرعية في ذلك والرجوع إلى الراسخين في العلم فيه.
يقول كيف الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام (أفضل كلمة حق قيلت عند سلطان جائر أو كما قال) وبين دخول بعض الصحابة على حكام بني أمية وعدم إنكارهم عليهم؟

ولاة بني أمية - أحسن من أن يقال حكام، نقول الولاة -، ولاة بني أمية فيهم معاوية رضي الله عنه وأرضاه وهو ملكٌ خليفة وخير ملوك الأرض، والصحابة رضوان الله عليهم خالطوا، والولاة في الزمن الماضي وفي كل زمن لا شك أنهم عندهم حماية بولايتهم، معاوية رضي الله عنه كان شديداً في أمر الولاية، كان لا يتكلم الصحابة في حضرته لأنه كان له حق في ذلك، وكان لا يرضى أن يتكلم أحد إلا بإذنه، ومن الحوادث التي كانت في ذلك ذكرها المؤرخون وهي ثابتة أن أحد الصحابة كان في الكوفية، أظنه حجر بن عدي، أو عدي بن حجر (كيف وحجرٌ على الطريق) أظنه حجر بن عدي، تكلم هو ومعه أصحابه في أمير الكوفة وأنكروا عليه مرة وهو يتكلم ونالوا منه فأمر معاوية أن يبعثوا إليه، وكان حجر هذا أحد الصحابة وأحد الفقهاء أو العباد منهم فأتى إلى الشام وهو في سبعة عشر نفراً من أصحابه، فلما كانوا على مقربة من دمشق أرسل لهم معاوية جنداً من جنده فقتلوهم جميعاً، ولما كانت بيعة يزيد بن معاوية قال للصحابة، قال لأنس وابن عمر فيما أحسب أو لغيرهما، قال إن أردتما الكلام فتقدما فإذا تكلمت فلا يتكلمن أحد بعدي، فقالا ليس عندنا كلام، فقام على المنبر معاوية رضي الله عنه وقال أيها الناس إني عقدت البيعة وولاية العهد لابني يزيد بن معاوية فقوموا فبايعوه، وهؤلاء صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاضرون، يعني ينبئ بذلك على أنهم مقرون بذلك، فقام الناس فبايعوا فما استطاع الصحابة أن يتكلموا في ذلك وإلا فيزيد ليس بذي حق في ولاية العهد، ونحو ذلك لما جاء الأحنف بن قيس إلى معاوية رضي الله عنه وكان في مجلسه وقد غصّ المجلس بالناس، ومعروف أن الأحنف رئيس قبيلة وكان حكيماً من حكماء العرب، فصاح معاوية فقال يا أحنف ما تقول في بيعتنا ليزيد، الأحنف أحرج فأسر لمعاوية بينه وبينه فقال يا أمير المؤمنين، فيما بينه وبينه، الناس لا
يسمعون، نخاف الله إن كذبنا ونخافك إن صدقنا، نخاف الله إن كذبنا وقلنا إنه أهل ونخافك إن صدقنا فقلنا ليس بأهل، هذا بينه وبينه، معاوية رضي الله عنه استغل هذا فصاح في الناس قائلاً جزاك الله خيراً عن الطاعة يا أحنف، أوهم أنه يقول إنها نعم البيعة، ومضت المسألة.
فمسائل الولاة وما يتعلق بها وأمراء المؤمنين في الزمن الأول إلى الزمن الحاضر ينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا بها وأن يقرؤوا التاريخ حتى يكون عندهم فقه كيف عامل العلماء الولاة في كل زمن وما الذي يحصل من الولاة ونحو ذلك حتى تحصل المصالح وتدرء المفاسد، لأن تحصيل المصالح ودرء المفاسد أمر عظيم وقاعدة من قواعد الشريعة ولها ولا بد من رعاية والنظر في سبر الأولين، فالصحابة رضوان الله عليهم خالطوا ولاة بني أمية ولم ينكروا عليهم إما لظنهم بأن الإنكار لا ينفع أو لخوفهم أو لضعفهم أو نحو ذلك مما يوجّه به فعله، قد تكون هناك مسائل إجتهادية بعضهم يراها منكراً وهي مسألة إجتهادية، والمسائل الإجتهادية لولي الأمر أن يجتهد فيها أو الوالي أن يجتهد فيها ولا تكون من باب الإنكار.
أرجو التفريق بين المصالح والمفاسد والانتفاع وعدم الانتفاع؟
المصلحة معروفة والمفسدة معروفة.
المصالح جمع مصلحة، والمصلحة هي ما أمر به في الشرع وكان فيه أداء حق الله أو أداء حق العباد.
والمصالح راجعة إلى تحصيل حق الله جل وعلا أو تحصيل حق العباد أو هما معاً.
والمفاسد ضدها، ما كان فيه تعطيل لحق الله جل وعلا أو تعطيل لحق العباد أو جرأة على حق الله أو على حق العباد.
فهذا وهذا متقابلان، المصلحة تقابلها المفسدة.
الانتفاع وعدم الانتفاع يعني يغلب على ظنه أن ينتفع المنكر عليه بالانكار، يعني يستجيب، ينتفع، قلبه يصلح، ينتهي عن المنكر ونحو ذلك.

عدم الانتفاع يغلب على ظنه أنه سمع هذا الكلام مراراً، يعرف أن هذه محرمة، يعرف أنه لا يجوز يفعل هذا الفعل ولن يتأثر، قلت له أو ما قلت واحد عنده لكثرة ما ورد عليه، مثل ما يحصل الآن مثل الإنكار على حالق اللحية يعرفون حلق اللحية محرم أو على تارك صلاة الجماعة يعرفون أن ترك صلاة الجماعة محرم وبعضهم يكون مستمرئ لذلك، أو مثل كشف بعض النساء خاصةً من ليست من أهل هذه البلاد، تكشف وجهها ونحو ذلك، عندها الأمر سيان، فمثل هذه هي التي يقال فيها ينتفع بمعنى يستفيد فيترك يحصّل الخير ويترك الشر، أو لا ينتفع بمعنى أن واحد عنده هذا أو هذا.
يقول ما الضابط في الخلاف الضعيف والقوي وقد يكون الخلاف عند شخص قوي وعند آخر ضعيفاً؟
إذا كان الخلاف عندك قوياً فلا تنكر وإذا كان الخلاف عندك ضعيفاً فأنكر، فبحسب ظن المكلف، بحسب ما بينه وبين ربه جل وعلا، يعني هذا بشرط أن يكون متأهلاً للنظر في المسائل الخلافية.
نخشى الإطالة عليكم، نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأمر, بالمعروف

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:19 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir