دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > القراءة المنظمة في التفسير وعلوم القرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #76  
قديم 5 جمادى الأولى 1443هـ/9-12-2021م, 03:53 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,480
افتراضي

(58) النصارى:
قال محمود رؤوف عبد الحميد أبو سعدة: ( (58) النصارى
«النصارى» في القرآن (ومفردها «نصراني»، هم أتباع المسيح عليه السلام، نسبة إليه، لنعته في الأناجيل بأنه «يسوع الناصري»، أي الذي من «الناصرة» وهي بلدة في الجليل شمال فلسطين نشأ فيها المسيح، فيقال «الجليلي»، «الناصري». وقد كانت تقال فيه من خصومه على التحقير والاستهانة، لأنه «لا يأتي من الجليل شيءٌ صالحٌ. ولكن يشاء ربك بهذا الجليلي المبارك أن يستطير ذكر الجليل والناصرة خفاقًا في العالم، ولولا لما كان للناصرة في العالم ذكر.
كان الأوروبيون قبل شيوع النصرانية فيهم يُومئون إلى المسيح عليه السلام بأنه ذلك الرجل الذي من الناصرة استخفافًا، يريدون الحط من شأنه ومن شأن أتباعه، فاصطبغ اللفظ عندهم بصبغة الذم. وعندما فشت النصرانية فيهم ودخلوا هم أنفسهم في دين «الناصري»، أنفوا أن يقال فيهم نصارى من تلك الناصرة، وآثروا الانتساب إلى المسيح نفسه، فقالوا «مسيحي»، «مسيحيون»، أتباع هذه «المسيحية» التي جاء بها المسيح.
لم يكن هذا هو تاريخ لفظة نصارى ونصراني في المشرق، فقد تمسك أتباع المسيح في فلسطين بالانتماء إلى هذا الناصري الذي من الناصرة، بل قُل وجدوا فيها شرفًا لا يعدله شرف، يتحدون به المُعَرِّضَ والمستهزئ. ومن فلسطين شاعت اللفظة في كل شبه الجزيرة على أتباع المسيح، لا يُقال إلا نصارى، ونصراني، يعتنق «النصرانية»، منسوب إلى هذا الناصري المبارك، صلوات الله عليه.
وقد ظلت لفظة نصارى ونصرانية علمًا على أتباع هذا الدين عند جميع الناطقين بالعربية حتى أوائل هذا القرن العشرين، خاصتهم وعامتهم، نصارى وغير نصارى، لا تعرف غيرها ألسنتهم وأقلامهم. ولكن، ما أن غلب هذا الشرق العربي على أمره تحت وطأة الغزو الأوروبي الكاسح ماديًا وفكريًا منذ أواخر القرن التاسع عشر،
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/324]
وفشت في الناس لوثة التطبع بطباع الغالب، واطلع «المثقفون»، أو قل أدعياء الثقافة، على تاريخ لفظة «النصراني» في الغرب، حتى أنفوا منها هم أيضًا، فأمسكوا عن إطلاقها على أتباع المسيح، واستبدلوا منها «المسيحي»، «المسيحية»، لا تكاد تسمع اليوم غيرهما في موضع «نصراني» ونصارى، ونصرانية، حتى بات يقع اللفظ – أعني نصراني ومشتقاتها – في سمعك غريبًا، وربما جفل منه «المسيحي» حين يسمعه منك. وما ذاك إلا لأن فكر هذا الشرق العرب يالمغلوب على نفسه وعقله وفكره، بات فكرًا مترجمًا، ينطق بما يسمع لا بما يحس: يقرؤها Christian أو chretien فيقول «مسيحي»، ولو وقع فيما يقرؤه بلسانهم على Nazarene أو nazareen لقال «نصراني»، غير مبال. ولو فطن وفطنوا لأدركوا أن المسيح والناصري سواء، كلاهما منسوب إلى المسيح الناصري، عيسى ابن مريم صلوات الله عليه. لا مسيح سواه.
والذي ينبغي التنويه به أن العبرية المعاصرة لم تفعل ما فعله العرب بلغتهم فلا تزال العبرية تقول «نوصري»، «نوصريم» (وأيضًا «نصراني»، «نصرانيم») تعني النصراني والنصارى. وتقول أيضًا «نصروت»، تعني النصرانية دين المسيح.
أما القرآن فقد قال «النصارى»، على أصل ما نطق به أصحاب الملة أنفسهم: {الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82].
وقد علم مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 62 من سورة البقرة)، كما علم العرب جميعًا قبل نزول القرآن بستة قرون – أي منذ نشأة النصرانية – أن لفظة «النصراني» هي نسبة إلى بلدة «الناصرة» بالشام التي جاء منها المسيح وانتسب إليها أتباعه، ففسروا لفظ «النصارى»، «النصراني» في القرآن على هذا المعنى، الذي أصبح علمًا على دين المسيح، لا مجال للقول بغيره.
على أن بعض المفسرين (راجع القرطبي في نفس الموضع) حاولوا اشتقاق لفظ «النصارى» من النصر والنصرة، ربما لأن «النصارى» تصلح جميعًا لــ «نصير»، مثلما تقول «ندامى» في جميع «نديم»، فهم «الأنصار»، الذين انتصروا للمسيح، فسعوا في نشر دينه بعد أن رفعه الله إليه. وربما أيضًا تنسيقًا على قوله عز وجل: {قال الحواريون نحن أنصار الله} [آل عمران: 52] فهم النصارى، أنصار الله.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/325]
ولا يصح هذا من وجهين: الأول أنه لو كانت نصارى بمعنى أنصار لكان المفرد «نصير» أو «أنصارى»، لا «نصراني»، التي وردت في القرآن مرة واحدة في قوله عز وجل: {ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا} [آل عمران: 67]، والثاني الذي لم يعلمه هؤلاء المفسرون الذين لا يعرفون العبرية والآرامية – لغة الحواريين أتباع المسيح – أن الحواريين حين قالوا «نحن أنصار الله» التي في القرآن، لم يقولوها بالعربية، وإنما قالوها بلغتهم هم، فلم تقع في عبارتهم مادة «نصر» العبرية الآرامية، لأن «نصر» عبريًا وآراميًا ليس هو بمعنى «نصر» العربي من النصر والنصرة كما سترى، فلا يصح افتراض تطابق المعنى بين «نصارى»، «أنصار».
على أن نصرة الله عز وجل لا تصح في تسمية ملة بعينها دون غيرها من الملل، كي تختص بها النصرانية فحسب، وإنما الانتصار لله عز وجل فرض على كل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقوله عز وجل في خطاب المسلمين: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف: 14] لا يصح بالطبع فهمه على أنه دعوة للمسلمين إلى الدخول في النصرانية ترتيبًا على أن النصارى هم أنصار الله على قول هذا القائل، وإنما هي دعوة إلى الاقتداء بالذين قالوا نحن أنصار الله ثم عملوا بها فكانوا أنصار الله. لا يصدق هذا في كل الذين قالوا «إنا نصارى»، وإنما هو فحسب فيمن قالها واصطبر عليها فكان من أهلها، حواريًا وغير حواري، نصرانيًا وغير نصراني.
ليس أنصار الله من صحابة عيسى – من صدق منهم ما عاهد الله عليه فعمل بها واصطبر عليها – إلا كأنصار يثرب، رضي الله عنهم جميعا ورضوا عنه.
ولئن كانت «النصراني» في أصل اشتقاقها نسبة على الموضع، أعني إلى تلك «الناصرة» التي بالشام التي نشأ فيها المسيح فسمي المسيح الناصري، فليس مفهوم لفظة «النصراني» كذلك، وإنما هي نسبة إلى المسيح نفسه، فهي نسبة إلى «الناصري» لا إلى «الناصرة»، ومن هنا يفتقر مفهوم «الناصري» عن مفهوم «النصراني» التي لا تصح إلا في أتباع المسيح، وإن لم يكن «النصراني» ناصريًا من أهل الناصرة.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/326]
والذي تتوقعه من القرآن – وفق منهجنا في هذا الكتاب – أن يفسر لفظة النصراني والنصارى لا على التبعية للمسيح الناصري، فهذا مفهوم معلوم لكل عربي يتلو القرآن أو يتلى عليه القرآن، وإنما الذي تتوقعه من القرآن أن يفسر «النصراني» ومشتقاتها على أصل مادتها التي نحتت منها في لغة المسيح العبرية – الآرامية، فيفسر لك معنى «الناصرة» ذاتها المنسوب إليها الناصري، أعني أن يفسر لك مادة «نصر» العبرية الآرامية، التي اشتق منها اسم «الناصرة».
فماذا تعني مادة «نصر» عبريًا وآراميًا؟ ليست هي النصر والنصرة كما في العربية، وإنما هي بمعنى حرس وحفظ وراقب ورعى، فهي كفء «نطر» العربي بالطاء. ومن شواهد هذا، تقرأ في سفر أشعيا: «في ذلك اليوم غنوا للكرمة المشتهاة، أنا الرب حارسها» (أشعيا 27/2- 3) تجد حارسها في الأصل العبراني «نصراه». فكأن «نصير» (زنة الفاعل عبريًا من «نصر» العبري) يعني «الناطور» التي في شطر بيت المتنبي: «نامت نواطير مصر عن ثعالبها». وتجيء الرعاية أيضًا في «نصر» العبري بمعنى المراعاة والتقيد والالتزام والاتباع، ومنها «نصرى بريتو»، يعني «حفاظ عهده»، أي عهد الله وميثاقه، يعني المتبعون وصايا التوراة الذين يراعون تعاليمها.
وبهذا المعنى الدقيق، الاتباع والمراعاة، حفاظ العهد، فسر القرآن الأصل الأصيل للفظة «النصارى» الذي في مادة «نصر» العبري. وسبحان العليم الخبير.
وردت لفظة «النصراني» على المفرد مرة واحدة في القرآن كما مر بك. وجاءت لفظة «النصارى» على الجمع أربع عشرة مرة في القرآن. وليس في أي من هذه المرات الخمس عشرة تفسير لأصل مادة النصراني والنصارى.
ولكنك تجد هذا التفسير جليًا بينًا في قوله عز وجل يصف أتباع عيسى ابن مريم: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/327]
ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 27]. أي ما كتبنا عليهم من هذه الرهبانية التي ابتدعوها إلا ما كان منها يراد به ابتغاء رضوان الله. ولكنهم لم يرعوا هذه «الرهبانية» حق رعايتها، أي لم يحسنوا ابتغاء رضوان الله بها. فكأنهم أهدروها ولم يرعوها (وهي «لو نصروها» عبريًا).
ليس بعد هذا بيان، فأي إعجاز وأي علم.
ولا ينقضي القول في مبحث «النصارى» قبل التصدي لتأصيل معنى لفظة «الحواريين» التي سمى بها القرآن صحابة عيسى عليه السلام. وخلاصة قول المفسرين في هذا (راجع تفسير القرطبي للآية 52 من سورة آل عمران) - ولم يوفقوا فيه – هو اشتقاقها من «الحور» على معنى البياض، واخترعت في تأييد هذا روايات لا سند لها في المصادر المسيحية، قيل لبياض ثيابهم (وليس بلازم) وقيل كانوا «قصارين» صنعتهم تبييض الثياب (وليس بصحيح) وقيل كانوا صيادين (وهذا وإن صح لا يوجب التزام الثياب البيض) وقيل على المجاز لبياض قلوبهم أي نقاء سريرتهم (ولا يصح هذا في حق يهوذا الاسخريوطي بالذات الذي وشى بالمسيح). وقيل أيضًا أن الحواري هو الصاحب الناصر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير» وهذا الحديث وحده كافٍ في امتناع تأصيل معنى «الحواري» على «الحور» بمعنى البياض، بياض الثياب أو تبييض الثياب أو الاشتغال بصيد السمك، فلم يكن الزبير بن العوام رضي الله عنه هذا أو ذاك، ولا على المجاز من بياض القلب ونقاء السريرة، لا لمغمز – معاذ الله – في بياض قلب الزبير رضي الله عنه ونقاء سريرته وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وإنما لأنه واحد من كثير من صحابة رسول الله بيض القلوب أنقياء السرية فلا يصح أن ينفرد وحده بلفظ الحواري على هذا المعنى. ولا يصح أيضًا انفراده وحده بالتسمية على معنى الصاحب والناصر وصحابة رسول الله رضي الله عنهم جميعًا كانوا كلهم هذا الصاحب الناصر، فضلاً عن أن الصحبة والنصرة لا مجال لاشتقاقهما من الحور على معنى البياض.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/328]
الصحيح أن «الحواري» مشتقة من حار / يحور، بمعنى رجع، ومنه في القرآن: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]، أي ظن الكافر أنه ليس براجع إلى ربه. وعلى هذا المعنى، قيل لولد الناقة منذ ولادته إلى أن يفطم وينفصل: «حوار» بضم ففتح، لأنه يلازم أمه لحاجة الرضاع، لا يبعد عنها قدر رمح في لهوه ومراحه حتى يثوب إليها، أي «يحور»، فهو «حوار». «الحواري» إذن منسوب إلى هذا «الحوار» على المماثلة، لأن صحابة عيسى عليه السلام كانوا فتيةً أيفاعًا، شأن الزبير رضي الله عنه يوم أسلم، وكانوا يلازمون «معلمهم» لا يفارقونه، يرتضعون منه نفحات علم النبوة.
أما لماذا لم يقل القرآن «التلاميذ» (Mathetai اليونانية في أصول الأناجيل المترجمة إلى كل اللغات بلفظ «التلاميذ»، وهي في الترجمة العبرية «تلميذيم»)، وانفرد وحده بتسميتهم «حواريين» ولماذا أيضًا عدل القرآن عن ضم الحاء في «حوار» الناقة إلى فتحها في «الحواريين»، فهذا وذاك من إعجاز القرآن العلمي الذي لم يفطن إليه أحد، وامتن اللهُ علينا به سبحانه فضلاً منه ونعمة.
في العبرية الآرامية (لغة المسيح وحوارييه) اللفظ الآرامي «حـﭭـار» بالفاء المثلثة وبجمع آراميا على «حـﭭـارين»، ومعناه الصاحب الرفيق المخالل (ومنه «حـﭭرون» العبرية اسم مدينة «الخليل»)، وهو في العبرية إلى الآن «حـﭭـير» وتجمع على «حـﭭـريم» بنفس المعنى، الصحبة والرفقة والخلة، على التصغير، أي «الصويحب». وكل هذا يكتب في الخط العبري – الآرامي بالباء المنطوقة ﭬـاء مثلثة على ما مر بك من قواعد النطق في هاتين اللغتين. وليس أقرب في عالم الصوتيات من الانتقال بتلك الـﭭـاء المثلثة الآرامية التي في «حـﭭـار»، «حـﭭـارين» إلى الواو العربية فتقول «حوار»، «حوارين».
والقرآن كما تعلم لا يترجم عن يونانية الأناجيل التي لم ينطق بها المسيح وحواريوه، ولكنه يترجم عن «الأصل» الآرامي التي تنادى به أصحاب عيسى عليه السلام، فيقولون ويقال لهم بالآرامية «حـﭭـارين» (وعلى النطق العربي «حوارين»)، أما كتبة الأناجيل فقد آثروا النسبة إلى «المعلم»، فكتبوها Mathetai أي التلاميذ. وهم لمي فعلوا ذلك على الراجح عندي تواضعًا منهم، وإنما تسجيلاً للواقع وخطابا
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/329]
للقارئ اليوناني بما يفهمه ولا يشتبه عليه، لاختلاط معنى Philos و Syntrophos إلخ. في اليونانية بمعاني أخرى لا تنطبق على الصاحب الملازم: «حـﭭـار» الآرامية، فضلاً عن أن «التلاميذ» أدل في اليونانية على معنى «المصاحب لطلب العلم» الذي كانه صحابة عيسى عليه السلام، أي حواريوه.
«الحواريون» إذن في القرآن تعريب مفسر للفظة «حـﭭـارين» الآرامية (التي تنطق «حوارين» عربيًا)، جاء بها القرآن منسوبة على المماثلة إلى «حوار الناقة»، على ما مر بك من معناه، فأضاف ياء النسب في آخره فأصبحت «حواري»، وعدل عن ضم الحاء إلى فتحها فأصبحت «حواري»، التزامًا لأصلها الأعجمي.
وسبحان العليم الخبير، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/ 324-330]


رد مع اقتباس
  #77  
قديم 5 جمادى الأولى 1443هـ/9-12-2021م, 03:55 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,480
افتراضي

(59) الصابئون:
قال محمود رؤوف عبد الحميد أبو سعدة: ( (59) الصابئون
وردت لفظة «الصابئين» في القرآن ثلاث مرات، هي بترتيب ورودها في المصحف:
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ع ند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62].
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [المائدة: 69].
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} [الحج: 17].
والقرآن في الآيتين الوليين، التي في «البقرة» والتي في «المائدة» يخاطب أربع فرق: المسلمين – اليهود – النصارى – الصابئين، فقد علمت أن الذين هادوا هم اليهود، أما «الذين آمنوا» فهي اصطلاح قرآني يراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم الذين آمنوا به وبالنور الذي أنزل معه، أي هذا القرآن، فهم أهل القرآن، فهي على الصفة، لا على المدح، في هذا السياق بالذات وفي أمثاله في القرآن، يعني أنهم المسلمون، لا أكثر ولا أقل، برهم وفاجرهم. لذلك اشترط القرآن في الآيتين على أهل الفرق الأربع جميعًا – ومنهم المسلمون – لنيل الأجر والدخول في رضوان الله – شرطين: الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم عمل الصالحات، شرطان متلازمان، لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا يقبل شطر دون شطر، فليس الإيمان بالذي يكتن في السرائر، وإنما هو الذي تصدقه الجوارح من قول وعمل. لا إيمان
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/331]
بغير عمل على مقتضى هذا الإيمان، ولا عمل يصح إن لم ترد به وجه الله عز وجل واليوم الآخر. لم يستثن القرآن من هذين الشرطين أنبياء الله ورسله، وهم المؤمنون سريرة ضربة لازب، فخاطبهم بقوله عز جل: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} [المؤمنون: 51].
وليس معنى هذا أن القرآن يُقِرُّ أهل الكتاب والصائبين على ملتهم وقت نزوله أو أنه يسلم لمعاصريه من أهل الكتاب والصابئين وتابعي هؤلاء وهؤلاء إلى يوم القيامة بصواب ما هم عليه، أو أنه يترك لهم الخيرة من أمرهم إن شاءوا دخلوا في الإسلام وإن شاءوا بقوا على ملتهم، والكل ناجٍ، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا!
هذه سفسطات وأغاليط لا تنفع المحتج بها من غير أهل القرآن يوم يقوم الحساب لأنه يومئذ يحتج بآية أو آيتين من القرآن الذي أنكره هو من قبل وجحده، ومات وبعث على إنكاره وجحوده، شأنه شأن من يتقدم إلى مصرف بحوالة ينكر هو توقيع صاحبها، فلا يصرف له شيء، إن لم يضبط بتهمة التدليس. الذي يصدق بخبر القرآن في آية أو آيتين فقد لزمه القرآن كله، والذي يكفر بحرف واحد من القرآن فقد كفر به كله، فلا أحد يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، كالذي نعاه القرآن على بني إسرائيل: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 85]. وإذا كان هذا كذلك، وهو كذلك بالفعل، أفليس في القرآن: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85]؟ وأليس يأمر الله في القرآن الخلق أجمع باتباع خاتم النبيين: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158]؟ فما جزاء من يفرق بين الإيمان بالله وبين تصديق رسوله؟ استمع إلى قوله عز وجل: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/332]
ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء: 150 – 151]. قد قالها خاتم النبيين: «وأيم الله لو سمع بي موسى بن عمران لما وسعه إلا اتباعي» وقال أيضًا، وهي الحاسمة القاطعة: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار».
وقد علمت أن القرآن اشترط على هذه الفرق الأربع جميعًا لاستحقاق ثواب الله ورضوانه، الإيمان بالله واليوم الآخر وإتيان الصالحات. ومر بك أنه لا يصح إيمان بغير عمل، ولا يصح عمل بغير إيمان. ومن ثم تقطع بأن أهل هذه الملل الثلاث، اليهود والنصارى والصابئين – من سمع منهم بخبر القرآن ولم يأبه به – قد افتقدوا بعد القرآن شرطي الإيمان والعمل الصالح، فلا إيمان بالله عز جل لمكذب برسول الله، ولا يصح عمل بغير هذا الإيمان.
فمن المخاطب إذن من أهل هذه الفرق الثلاث بهاتين الآيتين التي في سورة البقرة والتي في سورة المائدة؟ إنهم اليهود والنصارى والصابئون الذين لم يصل إلى أسماعهم نبأ البلاغ الخاتم: الذين تقدموه ولم يهل بعد زمانه، أو الذين أعقبوه فحيل بينهم وبينه أو تقطعت بهم الأسباب، فلا إلزام بغير تكليف، ولا تكليف بغير بلاغ.
على أن هذا أيضًا لا يُعفى أهل هذه الملل الثلاث، الذين حيل بين أسماعهم وبين نبأ القرآن، من واجب تصحيح إيمانهم بالله واليوم الآخر بتنقيته مما لم تجئهم به رسلهم، لا يقال ثالث ثلاثة وعندهم في الإنجيل أن الله واحد وليس آخر سواه، ولا يقال نحن أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وعندهم في التوراة في الوعيد ما ترتعد له الفرائص وتشيب الرؤوس.
أما الآية الثالثة – التي في سورة الحج – فهي تختلف عن الأوليين بأنها تضيف إلى الفرق الأربع، المسلمين واليهود والنصارى والصابئين، فرقتين أخريين، هما المجوس والذين أشركوا.
وقد ترتب مباشرة على دخول المجوس والذين أشركوا في هذه الآية، ارتفاع الوعد بثواب الله ورضوانه لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، ليحل محله
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/333]
الوعيد بيوم الفصل: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} [الحج: 17]، يوم يجيء كل أناس بإمامهم، أي يشهد عليم رسولهم وكتابهم فيحاجون بوحي الله عليهم، الذي حفظوه، والذي أضاعوا منه أو أنسوه. ولم يفت القرآن المعجز – وقد دخل المجوسي والمشرك – أن يدحض دعوى المحتج بالمشعوذ والعراف والكاهن. فقال عز من قائل: {إن الله على كل شيء شهيد} [الحج: 17].
أما لماذا ارتفع بدخول المجوسي والمشرك في الآية الوعد بثواب الله ورضوانه لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فلأنه لا رجاء عند الله عز وجل لمشرك، والمجوسي أيضًا كذلك لأنه «ثَنَوِيٌّ» كما سوف ترى في موضعه، يتقرب بالعبادة لإلهين، إله الخير وإله الشر، الضار والنافع، يضرب هذا بذاك.
وربما قيل لك أن النصراني أيضًا مشرك، لأنه يعدد آلهته، فيقول ثلاثة. وهذا صحيح في ظاهره، غير صحيح في جوهره، لأن المشرك يعبد آلهة متفرقة، متضادة الإرادة، متعاكسة الفعل، يغيظ هذا بذاك، ويستعين على هذا بذاك، ويسترضي هذا بقربان لذاك. أما «الثالوث» عند النصراني فهو وحيد الإرادة، وحيد الفعل، المسيح عنده يصنع مشيئة «أبيه» الذي في السموات، والروح القدس جبريل لا يتكلم من عنده وإنما يتكلم بما يسمعُ من الآب، والصلاة عند النصراني صلاة للآب، لا لعيسى ولا لجبريل: «أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء فكذلك على الأرض»، والتقرب بالابن تقرب إلى الآب، و«موهبة» الروح القدس نعمةٌ من الآب، وخلق السموات والأرض وما بينهما خلق الآب، ولاملكوت ملكوت الآب، فهل بقى لعيسى وجبريل شيء أم هما ذات الآب؟ بل قل هل بقى من عيسى وجبريل شيء وقد فنيا أخيرًا في ذات الآب الذي انبثقا منه ليعودا إليه؟ هذا اللاهوت أخطأ الطريق إلى تبجيل عيسى وتعظيم جبريل، فوقع في المحال على الله عز وجل، والمحال على عيسى وجبريل، وما ذاك إلا لأنه تصدى لما لا يحسنه، فليس هو بالواقف عند وحي الله على عيسى شأن المؤمن المذعن، وليس هو أيضًا بالمتفلسف الجيد الذي يحكم مقولته فلا يقع في المحالات. هذا اللاهوت خائض في ذات الله عز وجل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، بل الأدلة من
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/334]
وحي الله عز وجل كلها ضده، ولكن ليس ثم إن تمعنت، جحود لذات الله أو إنكار، فالله الذي يعبده النصراني هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب والأسباب والنبيين من قبل ومن بعد، ولكن اللاهوت وقع في الإثم الغليظ فأضاف إليه عيسى وجبريل، ظانًا أنه يكرم بها عيسى وجبريل، فأضاع عيسى وجبريل. هذه الأغلوطة التي وقع فيها هذا اللاهوت اعتاصت عليه هو نفسه قبل أن تعتاص على من زينها لهم، فما برح يرقع قولاً بقول: إنه يريد التوحيد، لا يملك القول بغيره، فالله واحد وليس آخر سواه، ولو قال غير هذا لذبح القائل قبل أن يقوم من مقامه، ولكنه يريد أيضًا تأليه عيسى وجبريل، شأن الرومان في تأليه عظمائهم وملوكهم بعد رحيلهم، وكأنه مضطر إلى هذا لا يستطيع منه فكاكا، فلا تدري ما الذي اضطره إليه. إنها معضلة بلا شك، فماذا فعل اللاهوت مجمعًا بعد مجمع؟ أدمج عيسى وجبريل في ذات الله عز وجل فلم يعد لهما خارج ذات الله وجود، فاحتفظ بمقولة التوحيد في وجه المنكرين عليه، أو هكذا ظن، ثم أخرج من ذات الله عز وجل عيسى وجبريل يعملان الأعمال في زي نبي وملك. أفليس الأنبياء رسل الله؟ وأليس الملائكة جند الله؟ فما حاجة الله إلى التزيي بزي عيسى وجبريل؟ أسئلة لا تجد لها جوابًا عند النصراني المؤمن الذي لا التواء فيه، بل هو يحترز كل الاحتراز من مناقشتها بعقله الذي لا يحتمل كل هذا الخلط والتخليط: إنه فحسب يعبد الآب الذي في السموات، ويحب المسيح، ويعظم الروح القدس، على القرب من الله عز وجل قربًا يعلو على فهم البشر، ويترك التفصيل والتقعيد لأصحاب هذا اللاهوت. وقد علم القرآن هذا قبل أن يعلمه غيره فقال في خطاب أهل الكتاب مريدًا النصارى بالتحديد: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرًا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} [النساء: 171]، خاطب النصارى بيا أهل الكتاب، يذكرهم بكتاب موسى الذي يتعبدون به، وفيه الله واحد وليس آخر سواه، فكيف تقولون ثلاثة وإلهكم هو إله موسى؟ ويذكرهم أيضًا بأن قائل هذه المقولة كافر، وتوعد المصر عليها بالعذاب الأليم يوم يأتي كل أناس بإمامهم: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/335]
مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} [المائدة: 72: 73]. وينبههم أيضًا إلى أن هذا التوحيد المثلث غير مقبول، عبث عابث لا طائل من ورائه إلا الوقوع في الشرك الغليظ، يضاهئون به قول قوم قد كفروا من قبل، فضلوا وأضلوا. أما الذين تولوا كبره من قبل، ففي النار هم فيها خالدون.
هنا تجد في الله رجاء للنصراني المؤمن الذي لا التواء فيه – لا لأصحاب هذا اللاهوت – إن هو نزه ذات الله عز وجل عما لا يليق بجلاله، وأصم أذنيه وقلبه عن سفسطة أصحاب اللاهوت، والله يهدي من يشاء بقرآن وبغير قرآن، وهو أعلم بالمهتدين.
والذي تستنبطه من هذه الآيات الثلاث، فتقطع به جازمًا آمنًا مطمئنًا، هو أن دخول الصابئين في معيه اليهود والنصارى في الآيتين الأوليين التي في سورة البقرة والتي في سورة المائدة – الداخلين في الوعد بثواب الله ورضوانه لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا – يفيد أن الصابئين هم من اليهود والنصارى قريب، إن لم يكونوا بعض هؤلاء وهؤلاء «صبؤوا» عليهم. أعني أنهم يعبدون ذات الإله الذي عبده إبراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط والنبيون من قبل ومن بعد، الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت، الله الذي لا إله غيره. وإلا لما جاز دخولهم مع اليهود والنصارى في جملة المؤمنين بالله واليوم الآخر، وثبوت الوعد للصابئين – من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا – بثواب الله ورضوانه، لم يرتفع في الآية الثالثة، التي في سورة الحج، إلا بدخول المجوس والذين أشركوا.
وتلاحظ أيضًا من النسق القرآن في الآيات الثلاث جميعًا، توسط الصابئين بين اليهود والنصارى في الآيتين الثانية والثالثة، التي في المائدة والتي في الحج،
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/336]
حيث قال عز وجل {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} [المائدة: 69]، {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} [الحج: 17]، بينما هم يجيئون بعد اليهود والنصارى مباشرة في الآية الأولى، التي في سورة البقرة: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} [البقرة: 62]، فتستخلص من توسط الصابئين بين اليهود والنصارى في الآيتين الثانية والثالثة أن «الصابئين» فرقة من اليهود، سبقوا النصارى في الصبوء (أي الخروج) على توراة موسى القاطعة بتوحيد الله عز وجل لا ولي من دونه، لا «ابن» ولا «روح قدس»، وتستخلص من مجيئهم بعد اليهود والنصارى في الآية الأولى أن الصابئين أخلاط من هؤلاء وهؤلاء، أي من الصابئين من قد كانوا من قبل نصارى، أو أن عقائد الصابئة تجمع نتفًا من عقائد اليهود ونتفًا من عقائد النصارى.
وربما استوقفك ما استوقف النحاة من قبل، أعني تعليل ارتفاع لفظ «الصابئون» في الآية 69 من سورة المائدة «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون»، وهو في موضع نصب، عطفا بالواو على اسم «إن» الذي انتصف به «الذين آمنوا»، وقد علمت أن القرآن لا يخالف «ظاهر» النحو إلا لعلة. يعني أن ارتفاع لفظ «الصابئون» على خلاف ظاهر النحو، مقصود. وقد علمت أن الآية التي في المائدة، التي ارتفع فيها لفظ «الصابئون» على خلاف ظاهر النحو، هي آخر الآيات الثلاث نزولاً، لأن سورة «المائدة» من أواخر القرآن نزولاً، نزلت قطعًا بعد «البقرة» وبعد «الحج». والرأي الذي به أقول هو أن ارتفاع لفظ «الصابئون» في الآية التي في «المائدة» جاء ليلفت النظر إلى واقع تاريخي مقطوع به وهو أن «الصابئين» هم بعض الذين هادوا، سبق وجودهم نشأة النصرانية، أعني أنهم فرقة من الذين هادوا، لا فرقة من الذين قالوا إنا نصارى، وإن دخلت في عقائدهم من بعد عقائد نصرانية، أو دخل في زمرتهم من بعد نصارى «صبؤوا» على نصرانيتهم. ومن هنا تعلل ارتفاع لفظ «الصابئون» وهو في موضع نصب، بأنه ارتفاع على «القطع»، يعني على الاستدراك، كما لو قيل «إن الذين آمنوا والذين هادوا – والصابئون منهم – والنصارى، إلخ». والارتفاع على القطع هو التعليل الوحيد المقبول عند النحاة لتفسير مجيء الاسم مرفوعًا وهو معطوفٌ على غير مرفوع. «الصابئون» إذن تجيء في الآية التي في سورة المائدة رفعًا على الابتداء
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/337]
بعد القطع، فلا يجوز تفسير الآية إلا به. وهذا عندي من دقيق القرآن في تحديد هوية «الصابئين» كما سترى.
يجيء الجذر العبراني «صبا» (ويهمز قبل ضمائر الرفع كما في «صبئو»، «يصبئو» وأمثالهما) في أصله بمعنى «احتشد». بينما يجيء كفؤه العربي (صبأ، يصبأ، صبوءا) بمعنى برز وانتقل وخرج، وأيضًا هجم (وهذا الأخير باق في معاني «صبا» العبري). وغير بعيد عن هذا صبا / يصبو، صبوا، صبى / يصبي / صباء، العربيان بمعنى مال إليه وحن واشتاق، وتقول من «صبأ» العربي أيضًا «صبأت النجوم» يعني طلعت.
ومن «صبا» العبري بمعنى احتشد وهجم، يجيء الاسم «صبا» (ويجمع عبريا على «صبؤوت») بمعنى الجيش والجند. وكثيرًا ما تلتقي في الترجمة العربية للعهد القديم بعبارة «رب الجنود» التي أصلها العبراني «إلوهي هصبؤوت»، مرادًا منها الله عز وجل، فلا تفهم على التحقيق – مسلمًا كنت أو أهل كتاب – المعنى المقصود من تلك «الجنود».
والذي يقرب لك المعنى – إن كنت من أهل القرآن – قوله عز وجل: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31]، يعني «ملائكة» الله عز وجل، وهم جنده تبارك وتعالى.
استعارت العبرية إذن لفظ «الجند» لمعنى «الملائكة»، تضع هذا في موضع ذاك. وفي العبرية كذلك «صبؤوت هشمايم» يعني «جند السماء» يعني الملائكة أيضًا.
وكما استعارت العبرية لفظ الجند لمعنى الملائكة، استعارته أيضًا لمعنى «الأجرام السماوية»، أي الشمس والقمر والنجوم. هذا الخلط بين «ملائكة» السماء ونجومها يدلك بمحض اللغة على اختلاط عقيدة اليهود بديانة البابليين عبدة الكواكب، الذين «يشخصون» أجرام السماء يجعلون منها آلهة، مثل «مردوخ» (المريخ على الراجح كما
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/338]
مر بك)، رقباء وحفظة، أو عتاة مردة، أو يجعلون منها في أقل القليل كائنات عاقلة مريدة، مؤثرة فعالة. من هذا في تراث أهل الكتاب تسميتهم إبليس «كوكب الصبح» Lucifer يعني «كوكب الزهرة»، وإبليس في عقائد أهل الكتاب كان رئيس الملائكة قبل سقطته في عداوة آدم. ويكفيك هذا مثلاً على توحيدهم بين الملائكة والكواكب. وهذا عندي هو أصل الاعتقاد بالتنجيم وبتأثير النجوم عمومًا ما دامت كائنات مشخصة مريدة فعالة، تضر وتنفع، لا ما يقال لك اليوم بتأثيرها جذبًا أو إشعاعًا في محاولة مغلوطة لتأصيل عقائد باطلة.
ومما يدلك على عقائد البابليين عصر إبراهيم عليه السلام – وقد علمت أنه نشأ ببلدة «أور الكلدانيين» بنواحي بابل جنوبي العراق – ما يحكيه القرآن عن إبراهيم قبل أن يهديه الله إليه: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما افلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 76 – 79]، وقوله «يا قوم إني بريء مما تشركون» يعني أن شركهم كان عبادة الكواكب. والذي ينبغي التنبيه إليه أن «الكواكب» في عربية القرآن – لا في عربية المعاجم العربية الحديثة – تشمل أجرام السماء جميعًا، نجمًا وغير نجم، المضيء بذاته والمستضيء بغيره، كما تستظهر من قوله عز وجل: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} [الصافات: 6]. ومجيء الكوكب بصورة الجمع في هذه الآية يمنع من فهمها بمعنى القمر وحده وما في حكمه، أعني الأجرام السماوية «الترابية» التي تضيء ليلاً بانعكاس ضوء الشمس عليها، وإنما الكواكب هنا تعني هذا وذاك، فتدخل فيها النجوم النيرات خاصة.
وقد كان لعقائد البابليين تأثير بالغ القوة في ديانات الشرق الأدنى القديم، لا عبرة بالذي «يحكم» في بابل، الآراميين أو الأشوريين أو الفرس، وقد اتسع نطاق هذا التأثير في العصر «الهليني» بعد غزوة الإسكندر المقدوني، فتسللت عقائد البابليين إلى أوروبا ذاتها، حيث اختلط الحابل بالنابل، واستطاع هذا الفكر البابلي أن
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/339]
يغزو العقيدة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى. وتكونت من مرقعات هذا الفكر البابلي ملل ونحل، اشهرهم «الغنوصيون» (من gnosis اليونانية ومعناها «المعرفة») يعني معرفة الحكمة، وهي معرفة «لدنية» كما يقول المتصوفة، تهبط على أصحابها من «فوق» فيوضا. والغنوصية بلا شك ترجمة يونانية لمذهب «المندعيين» Mandaeanism أي المعرفيين، وهي من الآرامية «يداع» يعني «عرف» (والمصدر «ميدع»، «مندع»، فهو «مندعيا» أي «المعرفي»)، وقد مر بك غلبة الآرامية على أقطار الشرق الأدنى كله منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وقد عانت المسيحية كثيرًا من هؤلاء الغنوصيين في بواكير نشأتها، فدانت بالغنوصية أو اتهمت بها طوائف مسيحية عديدة، طاردها المسيحيون من بعد بسيف قيصر بيزنطة الذي آل إليه منذ القرن الرابع سلطان المسيحية وصولجانها، وكان طبيعيًا أن تلجأ فلولها إلى تخوم نفوذ بيزنطة، حيث «الفرس» أعداء القيصر، فيتجمعون في جنوبي العراق حيث كانت «بابل».
هذه الفرقة المسيحية «المندعية» أي المعرفية (أعني الغنوصية إن آثرت اللفظ اليوناني الشائع في كتب الفلسفة)، تسميها الكنيسة باسم «مسيحيي القديس يوحنا»، ليس هو بالطبع يوحنا الحواري أو يوحنا صاحب الإنجيل الرابع، وإنما هو يوحنا بن زكريا، يعني بقية من تلاميذ يحيى عليه السلام.
ولا شك أن هذه الملل والنحل التي أضافت إلى وحي الله عز وجل ما لم ينزل به سلطانًا، خلطت سيئًا بصالح، تأخذ نتفا من هنا ونتفا من هناك، فأضاعت الأصل وجاءت بمسخ مشوه. مثلما فعلت تلك الفلسفات المتهافتة التي نشأت في مدرسة الإسكندرية فجمعت بين أساطير اليونان واباطيل البابليين، تحاول صهرها في بوتقة فكر أرسطو وأفلاطون فتكون النتيجة المحتومة فكرًا شائها غير متماسك، تلخصه لك فلسفة أفلوطين الأسيوطي الإسكندري.
وتستطيع أن تقول أن عقيدة نيقية التي استمدت من عقائد المصريين في أسطورة إيزيس، لم تبرأ رغم نضالها الضخم ضد «هرطقات الغنوصيين». من تأثير بابلي قديم، يؤله النجوم، أو الملائكة، أي الوجهين شئت في فهم «صبا» العبرية – الآرامية، عندما ارتأت، بعد رفع المسيح بثلاثة قرون ونصف قرن، تأليه جبريل «النجم – الملك».
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/340]
أما تلك الفرقة «الغنوصية» المنسوبة إلى يحيى بن زكريا، فقد وفدت في بابل على سلالة من بني إسرائيل تسموا بالصابئة من قبل، وسرعان ما اختلط هذا بذاك.
فقد مر بك أن نبوخذ نصر ملك بابل اجتاح أورشليم وهدم هيكل سليمان أوائل القرن السادس قبل الميلاد (586 ق.م) وجعل أهلها أثلاثًا: ثلث في القتلى، وثلث استبقاه في أورشليم، وثلث أخذه سبيًا رجع به إلى بابل. فكان أول جلاءات بني إسرائيل. قضاء قضاه الله في بني إسرائيل جزاءً وفاقًا، مصداقًا لقوله عز وجل: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 4 – 5]، أي كان هذا عقابًا على ظلمهم وإفسادهم. وكم بغى اليهود وأفسدوا من بعد سليمان على نحو ما تقرأ في كتبهم (العهد القديم: الملوك الثاني – أخبار الأيام الثاني): نبذوا عهد الله وراء ظهورهم، فاستحلوا ما حرم الله، واستعان بعضهم على بعض بعبدة النجوم والأوثان، وسجدوا لغير الله، وطاردوا أنبياء الله، بل وقتلوا أنبياء الله. كان منهم زكريا بن برخيا، الذي ذبحوه بين يدي المذبح في الهيكل، فكانت النازلة الكبرى في دينهم هدم هذا الهيكل على رؤوسهم، واقتلاعهم من أورشليم، وسبيهم في بابل، وبقي منهم من استبقاه البابليون في أورشليم يلطم على أطلالها وينوح، أو يطلب التقية فيتقرب إلى الغزاة بالمودة، وزاغ منهم من زاغ فشاركوا الغزاة عبادتهم وأضاعوا كتاب الله.
أما سبى بابل، أساري نبوخذ نصر، فقد كان منهم من نجع فيه تأديب الله عز وجل فعكف على توراته، يستمسك بالعروة الوثقى، مؤمنًا بعدل الله عز وجل فيما أجراه على قومه، الذي جره بنو إسرائيل على أنفسهم بنبذهم هذه التوراة، لا مهرب من الله إلا إليه. وكان منهم أيضًا – كما تتوقع – الفريق الآخر، الذي يلتمس الرفعة بالذلة، فيرتضي الدنية في دينه، لينال الحظوة، فلاينوا واستلانوا، وكان لهم ما تمنوا، بل كان منهم من تسلل إلى بلاط الملك فكان بعض خدامه وحجابه وأعوانه، على ما رأيت في قصة «مردخاي» الذي دفع بابنة أخيه «إستير» إلى أحضان الملك
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/341]
غير مبال متعللاً بأنه يستنقذ بها شعب بني إسرائيل في بابل من مكيدة كادها لهم عند الملك كبير بلاطه، فصارت بها «إستير» بطلة من أبطال اليهود، ليس هذا فحسب، بل سجل لها العهد القديم هذه البطولة في سفر باسمها في «الكتاب المقدس». والذي يجب التنبيه إليه أن هذا الاسم «مردخاي» معناه بالبابلية الآرامية «المريخي» عابد كوكب المريخ، وهذا يدلك على أن سبى بابل كان منه فريق استهوته عبادة البابليين، عبدة الكواكب، لا يأنف من الاعتزاء باسمه إلى بعض آلهتهم.
وليس معنى هذا الذي قلناه، أن هذا الفريق المنافق من سبى بابل ارتد عن توراة موسى إلى عبادة البابليين، وإنما معناه أنهم مزجوا بتوراة موسى شيئًا من عقائد البابليين، عبادة الكواكب، أو تعظيم الكواكب، أو في أقل القليل الاعتقاد بتأثيرها وأنها فعالة.
وقد مر بك أن الملك أذن من بعد لعزرا الكاتب بالعودة بهذا السبى إلى أورشليم لإعادة بناء الهيكل الذي هدمه من قبل نبوخذ نصر. وقد عاد عزرا بلفيف فقط من هذا السبى ولم يعد بهم جميعًا، لقول الملك في رسالته إلى عزرا: «كل من أراد في ملكي من شعب إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع معك إلى أورشليم فليرجع» (عزرا 7/13). وقد حرص عزرا في سفره على تعيين العائدين معه إلى أورشليم بأسمائهم وأنسابهم. ولم يسم بالطبع الذين لم «يريدوا» الرجوع معه، الذين آثروا مصالحهم في بابل على الرجوع إلى أورشليم وإعادة بناء الهيكل.
بقيت إذن باقية من هذا السبى في بابل. وكان لا بد مما ليس منه بد. فقد تسللت إلى عقيدة التوراة القاطعة بتوحيد الله عز وجل لا ولي من دونه، التي يدين بها هؤلاء الذين آثروا بابل على أورشليم، تأثيرات بابلية تعظم النجوم – أو الملائكة إن شئت – فجمعوا بين توحيد الله عز وجل وبين الاعتقاد بتأثير النجوم.
والذي يجب أن تعلمه أن البقية الباقية من «الصابئين» في العالم لا تزال تعيش إلى الآن في جنوبي العراق، حيث كانت «بابل».
إنهم إذن سلالة من «الذين هادوا» صبؤوا عليهم. والصابئ في العربية يعني الخارج على ملة آبائه، الذي انتقل من عبادة قومه إلى عبادة لم يعرفوها.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/342]
ولا ينفع تحيد الواحد الأحد من عبد معه غيره، مهما عظم جرمه، أو مهما بلغ قربه من الله عز وجل، فكل ما عدا الله خلق من خلقه، لا معبود سواه، ولا توسل إليه إلا به، ولا ولي من دونه.
أما اسمهم بلغتهم، فهو «صبائيين» آراميًا، «صبائيم» عبريًا، نسبة إلى «صبا» العبري – الآرامي يعني «النجم – الملك»، والنسبة إليه في الآرامية «صبائي» والجمع «صبائيين»، وفي العبرية «صبائي» والجمع «صبائيم».
إنهم «النجوميون» أو «الملائكيون»، عباد الكواكب أو عباد الملائكة.
وإلى هذا الخلط في مجاز العبرية – الآرامية بين الملائكة والنجوم في مادة «صبا» العبرية – الآرامية، يرجع فيما أرى تفاوت مفسري القرآن في عبادة الصابئين، فريق يقول عباد الكواكب وفريق يقول عباد الملائكة، لتفاوت من ترجم معنى «صبا» العبري – الآرامي لمفسري القرآن من رواتهم الآخذين من أفواه الصابئة هؤلاء أنفسهم.
اختلف مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 62 من سورة البقرة) في عبادة الصابئين فقالت طائفة إنهم فرقة من أهل الكتاب (وهو الصحيح كما مر بك)، وقالت طائفة هم قوم يشبه دينهم دين النصارى (وهذا يؤكد لك اختلاط الصابئة بمسيحي القديس يوحنا الغنوصيين أو المندعيين المعرفيين) قبلتهم مهب الجنوب يزعمون أنهم على دين نوح (وقد علمت أن العهد القديم ينسب نوحًا إلى بابل)، وقيل دينهم يتركب من اليهودية والمجوسية لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم (وهذا يدلك على تأثر بعض الصابئة بدين سادتهم الفرس قبل الإسلام)، وقيل بل قوم يعبدون الملائكة يصلون إلى القبلة ويقرءون الزبور ويصلون الخمس (وليس بعد هذا تخليط ولكن الراوي ينقل بلا شك عن صابئة يتملقونه في أرض الإسلام).
وانتهى القرطبي رحمه الله إلى أن خلاصة القول فيهم عند أشياخه هو أن الصابئين موحدون يعتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة، وهذا كفرهم.
هذا الخلط في أقوال رواة مفسري القرآن بين عبادة الصابئين النجوم وبين عبادتهم الملائكة، ناشيء بلا شك عن ازدواج معنى «صبا» العبري – الآرامي لدى
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/343]
أصحاب الملة الذين نقل عنهم الرواة تفسير عبادتهم، طائفة تقول للراوي النجوم وطائفة تقول الملائكة، وهم في حقيقة الأمر يعنون شيئًا واحدًا، لأن الملك عندهم نجم والنجم ملك.
قد جمع الصابئون إذن بين عبادة إله موسى وبين عبادة تلك النجوم التي في بابل، جند السماء، أو «صبؤوت هشمايم» في العهد القديم، وقد زين لهم التخفيف من غلظة عباد النجوم التي نعاها آباؤهم على بابل فألبسوا تلك النجوم ثياب الملائكة وفي وهمهم من مجاز عبرية العهد القديم أن النجم والملك واحد: «صبا»، «صبؤوت».
وقد كفر الملائكة في القرآن من عبدوهم وتبرءوا منهم: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40 – 41].
وها هنا يلتقي الصابئة بالنصارى الذين جمعوا إلى عبادة الله عز وجل عبادة روح القدس جبريل صلوات الله عليه وعلى ملائكة الله أجمعين.
أما «الصابئون» التي في القرآن فهي عربية بلا شك، زنة جمع الفاعل من الجذر العربي صبأ / يصبأ / صبوءا، يعني انتقل، أي انتقل من عبادة آبائه إلى عبادة لم يعرفها آباؤهم. وقد قيلت لمحمد صلى الله عليه وسلم وصحابته على الاستنكار من مشركي قريش، فقيل صبا محمد، وصبأ عمر، إلخ. يعني خرج خاتم النبيين وأتباعه على عبادة قومهم مشركي قريش. وقائلها يقولها على الذم ولا يقولها قط على المدح، صح قول القائل أو لم يصح. وهو لم يصح بالطبع في خاتم النبيين المبعوث لهداية الخلق، ولكنه يصح في الصابئين، صابئة بابل، الذين صبؤوا بعبادة النجوم أو الملائكة على توراة موسى.
وقد تقول فلماذا يفرد القرآن «الصابئين» بهذا الاسم، وقد صبأ من قبل ومن بعد كل خارج على دين القيمة، الذين تبدلوا قولاً غير الذي قيل لهم؟
مر بك أن العرب تقول من «صبأ» العربي: صبأت النجوم، يعني طلعت، من صبأ بمعنى برز، كماي قولون صبأ ناب الصبي يعني انشقت عنه لثته، فالصابئ بمعنى
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/344]
البارز البازغ. وعباد النجوم لا يعظمونها وهي في محاقها، وإنما يعظمونها وهي صوابئ، على ما مر بك من قول إبراهيم عليه السلام في القرآن: {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي} [الأنعام: 77].
على أن «النجم» في العربية تسمية بالمصدر من الجذر العربي «نجم» بمعنى ظهر وبزغ، فهو الذي «نجم» يعني الذي بزغ وصبأ، فالناجم والصابئ واحد حين تعني بها نجوم السماء، ولكن العربية اشتقت اسم النجوم من مادة «نجم، واشتقته العبرية – الآرامية من مادة «صبا».
من هنا تستطيع أن تقول إن «الصابئين» هم الذين يعظمون نجوم السماء وهي صوابئ: يصبؤون إليها كلما صبأت.
احتفظ القرآن بلفظ «صبائيين» الآرامي أو «صبائيم» العبري على ما أسمى به الصابئون أنفسهم، فجاء به على التعريب المفسر: إنهم الصابئة، أصحاب النجوم الصوابئ.
وفي هذا التعريب المفسر أيضًا إضافة ومزيد بيان: ليسوا هم عباد النجوم بإطلاق شأن البابليين مخترعي هذه العبادة، ولكنهم الذين «صبؤوا» بعبادتهم على توراة موسى.
وسبحان العليم الخبير).
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/ 331-345]


رد مع اقتباس
  #78  
قديم 5 جمادى الأولى 1443هـ/9-12-2021م, 03:57 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,480
افتراضي

(60) المجوس:
قال محمود رؤوف عبد الحميد أبو سعدة: ( (60) المجوس
وردت «المجوس» مرة واحدة في كل القرآن، بين «النصارى» و«الذين أشركوا» في قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} [الحج: 17] وقد مر بك.
وهي من الأعجمي المعرب الذي نطق به العرب حوالي القرن الثالث الميلادي قبل نزول القرآن بأكثر من ثلاثة قرون، فهي ليست من معربات القرآن، وإنما هي من مواضعات العرب أنفسهم، يصفون بها جيرانهم الفرس عبدة النيران، وقد أجمع المفسرون (راجع تفسير القرطبي للآية 17 من سورة الحج) على عجمة هذه اللفظة، إلا من شذ منهم فقال على الذم والتحقير إن الميم في «مجوس» مبدلة من النون فهم «نجوس»، توصلاً إلى وصفهم بالنجاسة، وربما كان هذا القائل ينظر إلى قوله عز وجل: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]، وهذا عام في كل مشرك، فلا يصح اختصاص المجوس به حتى يسموا على معنى «نجوس». وهو لا يصح أيضًا لأنه لم يسمع من العرب «مجس» بمعنى «نجس». ولا يصح أخيرًا لأن «مجوس» لفظة فارسية بلا مراء كما سترى – إن اعتبرت الميم فيها أصلية لا زائدة – لا أصل لها في العربية لأنه لا أصل لمادة «مجس» الثلاثية في اللغات السامية الثلاث: العربية والآرامية والعبرية.
ومع ذلك، أي على الرغم من فارسية هذه اللفظة في أصلها، فهي تصلح من العربية ذاتها وصفًا للمجوس بعبادتهم، إن أخذتها على المفعولية من الجذر العربي جاس يجوس جوسا وجوسانا، وهو التردد بين الشيئين، وأجاسه يعني جعله يجوس، وأيضًا جاس به، فهو «مجوس» على معنى «مجوس به». ولب عقيدة المجوس كما تعلم هو التردد بين إلهين، إله الخير وإله الشر، يغدو المجوسي عليهما ويروح. ولكن لم
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/346]
يفطن العرب إلى هذا يوم سموا المجوس مجوسًا، فلم يكن لهم علم بما رواه عبادة النيران، ومن ثم لم يفطن إليه أيضًا المفسرون.
والذي ينبغي التنبيه إليه أن لفظة «المجوس» ليست اسم جنس يطلق على شعب أو أمة أو جيل من الناس، كما تقول المصريون والبابليون والفرس والهنود. فلا يجوز على سبيل المثال إطلاقه على شعب إيران اليوم بحسبانهم سلالة من هؤلاء الفرس الذين كانوا أول شعب غير عربي يعتنق الإسلام فيسهم في بناء حضارته إسهامًا ذا شأن. لا يجوز هذا ليس لأن آباء هؤلاء الإيرانيين أسلموا فحسن إسلامهم وكان منهم أئمة أمثال أبي حنيفة النعمان أقدم أئمة الفقه الأربعة، وإنما أولاً وبالأخص لأن «المجوس» ليست اسم الشعب الذي انحدروا منه وإنما اسم «الملة» التي كانوا عليها قبل إسلامهم، يعني كانوا «فرسا» قبل أن يكونوا «مجوسا» بل لم تكن المجوسية هي الملة التي خلقهم الله عليها، وإنما طرأت عليهم المجوسية حوالي القرن السادس قبل الميلاد، جاءهم بها «زرادشت»، فهم الزرادشتيون أتباع زرادشت، ولكن «الزرادشتية» لم يكتب لها انتشار خارج حدود موطنها عدا الذي أبق من أتباعها إلى الهند عقيب الفتح الإسلامي فرارًا بملتهم (وهم آباء طائفة Parsee «فارسي» التي لا تزال إلى اليوم في الهند يتعبدون النيران في معابد لهم)، ولذا شاعت لفظة المجوس عند العرب علما على الفرس أنفسهم، وصفًا لهم بملتهم.
وقد وقعت لفظة «المجوس» بمادتها في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وهذا قاطع حاسم في أن المجوسية دين لا جنس. وبهذا المعنى أيضًا وردت لفظة «المجوس» في القرآن: إنهم إحدى الفرق الست (المسلمون واليهود والصابئون والنصارى المجوس والذين أشركوا) يفصل الله بينهم يوم القيامة.
على أن «المجوس» أتباع هذه الديانة لم يسموا أنفسهم «مجوسًا» على الرغم من فارسية هذه اللفظة، وإنما أسماهم بها العرب قبل الإسلام، تسمية للديانة باسم كهنوتها.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/347]
ولم تقع هذه اللفظة الفارسية في عبرية التوراة إلا مرة واحدة فقط، في عبارة وحيدة وردت في سفر إرميا الذي عاصر السبي البابلي: «ودخل كل رؤساء ملك بابل وجلسوا في الباب الأوسط، نرجل شراصر وسمجرنبو وسرسخيم رئيس الخصيان ونرجل شراصر رئيس المجوس وكل بقية رؤساء ملك بابل» (ارميا 39/3). وليست هي رئيس المجوس كما ترجمها المترجم العربي لأسفار العهد القديم متأثرًا بلفظة «المجوس» التي في القرآن، وإنما هي في الأصل العبراني لسفر ارميا «راب – ماج» أي «الماج الكبير» يعني كبير كهنة هذا الكهنوت الفارسي الزرادشتي الذي واحده في الفارسية القديمة «ماجو»، «ماجوس». ورغم وقوع كاتب هذا السفر في خطأ تاريخي بين، هو إقحامه رئيسًا لكهنة الفرس بين رؤساء ملك بابل في بلاط ملك بابل على عهد نبوخذ نصر ولم تكن بابل قد سقطت بعد في أيدي الفرس حتى يكون للفرس كهنوت في بلاط بابل، فالذي يعنينا هنا أن لفظة «ماج» العبرية المأخوذة من الفارسية «ماجو» لا تعني عنده «المجوس» أتباع زرادشت وإنما هي تعني فقط واحد هذا الكهنوت «الزرادشتي». وهذا «الماج» هو أيضًا الذي تجده على لسان متى في إنجيله: «ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمه في المشرق وجئنا لنسجد له» (متى 2/1- 2). وقد جاء لفظ «مجوس» هذا في الأصل اليوناني بصيغة الجمع magoi على الجمع من magos (السين فيه زائدة للرفع) وهي الصورة اليونانية للفظة «ماج» العبرية المأخوذة من «ماجو» الفارسية. ورغم أن متى أخطأ هنا نفس الخطأ الذي وقع فيه كاتب سفر إرميا من قبل بخلطه بين كهنة بابل عبدة النجوم (فإننا رأينا «نجمه» في المشرق) وبين كهنة المجوس أتباع زرادشت عبدة النيران فالذي يعنينا هنا أن magos اليونانية لا تعني عنده وعند اليونان واحد المجوس أتباع زرادشت كما يقول العرب، وإنما هي تعني فقط – ولا تزال تعني في كل لغات الأرض عدا العربية وحدها - «الماج» واحد الكهنوت الزرادشتي لا غير. ورغم أن العبرية المعاصرة استعارت من العرب لفظة «مجوس» بعد تشيين السين كدأبها، فقالت «مجوش»، «مجوشيم»، فهي لا تعني بها واحد المجوس أتباع الملة، أو واحد الفرس عبدة النيران وصفًا للفرس بملتهم كما يقول العرب، وإنما تعني بها نفس الذي أراده منها
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/348]
ارميا ومتى من قبل: الـ «ماج» واحد كهنوت المجوس، أي على أصلها عند الفرس لا على مجازها العربي الذي بات عَلَمًا على أهل الملة جميعًا، كهنوتًا وغير كهنوت.
وهذا يدلك على أن العرب انفردوا بتسمية المجوس مجوسا، على معنى أهل الملة أجمع، لم يستعيروها من يهود أو يونان أو نصارى، وإنما أخذوها مباشرة على الراجح عندي من أفواه عرب الحيرة الواقعين من قديم في دائرة نفوذ فارس.
أما «ماجو» الفارسية هذه، فمعناه في تلك اللغة «ذو الحول والحيلة»، اسم غلب على رتبة من هذا الكهنوت الزرادشتي برعت في الإتيان بالعجائب حتى نسبت إليهم الخوارق. ومن هذا الجذر البعيد تجيء في الألمانية مثلا mögen و Macht (وهما في الإنجليزية على الترتيب الفعل may والاسم Might على معنى القدرة والاستطاعة). ومن «ماجوس الفارسية» أيضًا واحد هذا الكهنوت ذي الحول والحيلة ولدت في اللغات الأوروبية جميعًا اللفظة الإنجليزية magic ونظائرها ومشتقاتها في أخواتها الأوروبيات بمعنى السحر الذي يعتمد على الحيلة فيخلب اللب، لا sorcery ونظائرها في اللغات الأوروبية بمعنى السحر الذي يعتمد على الجن والأرواح الشريرة، ولعله قد كان من حيل أولئك الكهنة المجوس تلك النيران التي لا تنطفيء في معابدها وأصلها – كما لعلك حدست الآن – سحابات غاز تتسرب من أرض تعج ولا تزال بالنفط الخام.
ورغم انقطاع الصلة بين معنى الحَوْل والحيلة في «مجوس» على أصلها في لغة أهلها وبين مضمون العقيدة الزرادشتية الثنوية التي تتعبد لإلهي الخير والشر، فقد وفق العرب كل التوفيق – دون أن يدروا – في تسمية المجوس مجوسا. إذ ليس لديك شيء من تعاليم زرادشت «الحقيقي» الذي تنتسب إليه هذه الملة، إلا هذه الأﭬـستا (Avesta ومعناها النص الأصلي) التي شرع في كتابتها او تجميعها هذا الكهنوت في الربع الأول من القرن الثالث الميلادي بعد ثمانية قرون من وفاة زرادشت وانتهوا من تدوينها في القرن السابع الميلادي، لا تدري على وجه القين ما الذي في الأﭬـستا من قول الكهنة والذي فيها من قول زرادشت. ومن ثم يقتضي الإنصاف – وإن لم يتعمده العرب في هذه التسمية – نسبة أصول الملة إلى هذا الكهنوت نفسه، لا إلى معلمهم.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/349]
ولعله لن يفوتك وقد علمت الآن أن الأﭬـستا كتاب دونه الكهنوت الزرادشتي ما بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين، لم ينزل على نبي لهم، زرادشت أو غير زرادشت، مبرر آخر يضاف إلى ما ذكرناه في مبحث «التوراة» يقطع بامتناع إدخال «المجوس» ضمن أهل الكتاب المعنيين في القرآن، أي اليهود والنصارى فحسب، لا عبرة بمن يقول العكس.
تقول عقيدة « الأﭬـستا» التي يدين بها المجوس، أن هذا الكون تحكمه قوتان، الخير والشر، أو النور والظلمة. الأول «هرمزدا» (وأصلها من الفارسية القديمة أهورا + مزدا) أي إله الخير، والثاني «أهرمن» (وأصلها أهرى + من) يعني روح الشر. لا تزال بينهما المغالبة والمدافعة، جولة هنا وجولة هناك، والشر أغلب، حتى ينتصر الخير في النهاية. والإنسان الذي زج به في هذا الصراع – أي هذا العالم – لا يدري علة ما يدور من حوله، إذ ليس هو طرفًا فيه، فهو صراع بين عمالقة. ولكن الضربات تكال له من حيث لا يحتسب، في ظلام دامس لا يدري من أين يؤتي، فهو يصانع هذا الإله وهذا الإله، يدرأ الواحد بالآخر: الأخيار يستعينون هرمزدا على أهرمن، والأشرار يستعينون أهرمن ليكف أذاه عنهم ويحقق أهواءهم.
وربما قلت أن الأشرار أحصف وأحكم، لأنهم لا يريدون ما وراء هذه الحياة الدنيا فقد علمت أن الشر أغلب، وأن إله الخير أو النور «هرمزدا» لا يحقق انتصاره الحاسم إلا في نهاية العالم. ولكن الأﭬـستا تضع جائزة للأخيار: «الكمال والخلود» في حياة أخرى ينتقلون إليها بعد الموت، لا مكان فيها للشر والأشرار.
ولن هرمزدا إله الخير مرموز إليه بالنور، كما يرمز بالظلمة إلى روح الشر أهرمن، فقد كان لا بد من تعظيم الشمس والقمر، ضياءً يطرد الظلمة ونورًا يخفف من حلكة الليل. وهاهنا فقط نقطة الالتقاء في مظاهر العبادة بين البابليين عبدة النجوم والكواكب وبين المجوس عبدة النور والنيران. وليست عبادة النيران التي شهر بها المجوس إلا شيئًا من هذا: إنها الاستضاءة، أي استحضار «الإله النور» الذي يطرد «الظلمة» أي روح الشر أهرمن. ولا يصلح في هذا بالطبع الاستعانة بضوء
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/350]
مصباح ثابت اللهب، بل لا بد من نار تتأجج فتبعث «الحياة» في هذا الصراع المحموم بين هرمزدا وخصمه اللدود أهرمن.
وتستطيع أن تقول أن المجوس أحرزوا بعض «التقدم» على الذين أشركوا، ليس فقط لأنهم اجتزءوا بإلهين اثنين عن العديد الذي لا يحصى من آلهة الشرك، ولا لأنهم صنفوا الآلهة في جبهتين، جبهة الخير وجبهة الشر، الضار والنافع، وإنما أيضًا وبالأخص هذا التنظير الذي استحدثوه في عبادات الشرك ليجعلوا لها مغزى، فقالوا بهذا «الصراع» بين إله الخير وإله الشر، يغالبه حتى يغلبه في نهاية العالم.
ولكن المجوس بتجميعهم قوى الشر في واحد، جعلوا من أهرمن عملاقًا لا يغالب لا بد لهم من تعظيمه حتى يكف أذاه عنهم إن ضعف هرمزدا عن نجدتهم أو تباطأ.
أما الذين أشركوا فهم يتعاملون مع آحاد آلهتهم فرادى، يضربون هذا بذاك، فضلاً عن أنهم لا يشخصون الخيرية أو الشرية في إله دون إله، ليس من آلهتهم خير بذاته أو شرير بذاته، بل الكل يقبلون الرشوة، أي الأتاوات والقرابين. والكل أيضًا خرب الذمة، لا يبالي إلا بمن يزايد عليه فيدفع أكثر. إنهم إن تمعنت جند مرتزقة لا آلهة تعبد، خدام لا سادة، ولا خير بالذات ولا شر بالذات، وإنما هما الضر والنفع الفرديان هاهنا والآن تختار لنفسك ما يحلو وبيدك الميزان، لا حاجة بك إلى هرمزدا أو أهرمن.
المجوس إذن هم الثنوية، فرقة من الفرق الست يفصل الله بينهم يوم القيامة.
ومن إعجاز القرآن في أنباء القرآن أنه يلخص لك في الآية 17 من سورة الحج عبادات الخلق جميعًا عصر نزوله وإلى يوم القيامة، لا تخرج عن هذه الفرق الست ملة من الملل، متدرجًا بهم من الذين آمنوا، أصحاب التوحيد الخالص، إلى الذين أشركوا أصحاب الآلهة المتعددة المتضادة، يحجرونها أوثانًا وأصنامًا، أو يتمثلونها في «قوى الطبيعة»، المياه والرياح والأفلاك والنجم والشمس والقمر، والبراكين والصخر والشجر والجبل، إلى آخر ما تعلم. ولا يخرج عن هذا بالطبع «المبطلون» الذين يقولون ليس البتة من إله بل هو العالم السائر بذاته، بمحض قوانينه، التدافع والتضاد والتفاعل، لأن إله هؤلاء المبطلين هو هذا «العالم» بكل أشتاته، ومن يُهِن الله فما له من مُكِرم.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/351]
بين هذين الطرفين – الذين آمنوا والذين أشركوا – تجيء على التتابع الفرق الأربع: اليهود الذين هادوا ثم لم يهودوا، والصابئون الذين «ملأكوا» النجوم ثم جعلوها بينهم وبين الله وسائط، والنصارى الذين وحدوا ثم ثلثوا ثم قالوا ثلاثة في واحد، والمجوس الذين ثنوا فقالوا بإلهينِ اثنين على التضاد والتعاند.
وهو ترتيب تنازلي للفرق الست، من قمة التوحيد إلى حضيض الشرك.
والذي قضى على الثنوية والمعددة، أي على المجوس والذين أشركوا، بالحرمان من وعد الله دون وعيده – على ما مر بك في مبحث الصابئين – هو غفلتهم جميعًا عن مبدأ الخلق والإيجاد، الذي لا يصح فيه إلا خالق غير مخلوق، واحد أحد تفرد بالألوهية لتفرده بالملك، الرازق المانع، الضار النافع، المنشيء المعيد. ولكن الثنوي والمشرك اكتفيا بالعالم عن صاحبه، أي بالمصنوع عن الصانع، وإن كانت كل ذرة في أحياء هذا الكون وجماده تنطق بالذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أحكم فأمضى، القاهر فوق خلقه، لا ينازع سلطانه. كان أجدر بهذين – الثنوي والمشرك – وقد غفلا عن الخالق المالك واكتفيا بهذا العالم عن صاحبه، ألا يلتمسا غيره، آلهة من هذا العالم تلاعبهم ويلاعبونها. ولكن هذا أيضًا من آيات إعجاز الخالق فيمن خلق، الذي فطرهم على فطرة لا يملكون منها فكاكا: التماس «الإله» الذي يدينون له بالعبادة، حتى المبطل الذي قال ليس البتة من إله وهو محكوم بقوانين هذا العالم، يسير في إسارها ولا يملك الخروج عليها، فيؤله العالم.
أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى، فحقت عليهم الضلالة.
لا شك أن فكرة الصراع بين الخير والشر فكرة ورثتها الأﭬـستا عن شعراء اليونان، الذين استهوتهم «مأساة» هذا الصراع الخالد المزعوم بين الخير والشر، يلونونها لك ألوانًا، ويحبرونها تحبيرصا، ويشخصونها لك حتى لتكاد تتوهم معهم أن في هذا الكون قوتين فاعلتين لا ثالث لهما، الخير والشر، ندان متصارعان، لا هم لأحدهما إلا إيقاع الضر بك، ولا شغل للآخر إلا السعي في دفع الأذى عنك، وكأن ليس في الكون إلا أنت، لعبة يتقاذفونها. وتبلغ المأساة عندهم ذروتها بانتصار قوى
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/352]
الشر قدرًا مقدورًا، ويتوارى الخير مثخنًا بجراحه، يستجمع قواه لجولة قادمة، وقلما يكون الظفر من نصيبه.
ومع أن الفلسفة والتفلسف ليسا من مقاصد هذا الكتاب، فلا بأس بقسط منهما لاستقصاء مدلول الخير والشر في أفهام الناس. فعند الذين آمنوا حق الإيمان يجيء الخير والشر بمعنى البر والإثم: البر هو إتيان ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه والإثم هو اجتراح ما نهى الله عنه وتعطيل ما أمر الله به. والخير والشر عند هؤلاء أيضًا، إن أخذته بمعنى الضر والنفع، أي النعمة والنقمة، ليسا هما بذاتهما هذه أو تلك، وإنما هما معًا ابتلاء من الله عز وجل: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35]، من شكر في النعمة وصبر في النقمة فهو خير له، ومن بطر في النعمة وجزع في النقمة فهو شر له، ولكنه يسأل العافية، لقوله صلى الله عليه وسلم وهو يناجي ربه: «إلا يكن بك على غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي». وهذا هو منتهى الحكمة، لأن الغاية الأولى والعظمى لا غاية غيرها هي رضوان الله عز وجل، فالخير والشر بيده تبارك وتعالى، ولأن يرضى الله عنك في النعمة وأنت شاكر غير بطر أهنأ لك من أن يرضى الله عنك في النقمة صابرًا محتسبًا، قد جمعت في الأولى خير الدنيا وخير الآخرة. فلا شك أن الراحة أهنأ من التعب، والفرح أهنأ من الحزن، واللذة أهنأ من الألم، واليسر أهنأ من العسر. ولكن الله عز وجل أعلم بالذي هو خير لعبده المؤمن، فيبتليه بالذي هو خير له، القمينة نفسه بالصبر عليه نعمة أو نقمة، لقوله عز وجل: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان عباده خبيرًا بصيرا} [الإسراء: 30].
أما عند غير هؤلاء، فالخير والشر عند عامة الناس هما الضر والنفع، يعني مباهج هذه الحياة الدنيا أو مصائبها، مثل الغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والرفعة والضعة، والنصر والهزيمة، والسعادة والشفاء، واللذة والألم، والاستمتاع بالأهل والولد والصديق أو المصيبة في الأهل أو الولد أو الصديق، إلى آخر ما تعلم من خيرات هذه الدنيا وشرورها. أولئك هم أصحاب العاجلة، لا يفطنون إلى ما وراء هذه الحياة الدنيا، الذين نسوا الغاية من وجودهم فيها: لم يجيئوها للتلذذ والتنعم، وإنما جاءوها ليفتنوا فيها، ثم ليشهد كل على نفسه بما
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/353]
قدمت يداه. قال عز وجل في أصحاب العاجلة: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 28 – 20]. أصحاب العاجلة أقمن أن يضحوا بالخير الأعظم، رضوان الله عز وجل، ليشتروا به في هذه الدنيا ثمنا قليلا، قد غفلوا عن أن متاعها متاع الغرور، فالموت آت والحساب قريب، والساعة كلمح البصر أو هي أقرب.
ومن الناس أيضًا فلاسفة شعراء، الخير والشر عندهم قضاءٌ أعمى، بل هم بالأحرى لا يرون في هذا العالم إلا شرًا، سواءٌ في هذا «الشر الكوني» من أمثال القحط والفيضان والمجاعات والزلازل والبراكين التي تهلك الحرث والنسل، أو «الشر الاجتماعي» المتمثل في إفساد الطغاة البغاة الظلمة. نسى هؤلاء أن هذا العالم مسير بقوانينه الطبيعية والاجتماعية، كل شيء فيه بقدر، أي موزون بميزان، مقصود متعمد، سلاسل أحداث يركب بعضها رقاب بعض، ويفضي بعضها إلى بعض. إن سخطت على «الشر الاجتماعي» أي الظلم والإفساد، فلا تنس أنهما بفعلك أنت ظالمًا كنت أو مظلومًا: إن كنت الظالم فما عليك إلا أن تكف النفس عن الظلم والإفساد. وإن كنت المظلوم المبغي عليه فلأنك تخاذلت وجبنت عن نصرة الحق والعدل أو تموت دونهما شهيد الحق والعدل. أما «الشر الكوني» الذي لا ترى غيره في هذا العالم، الذي تسميه كوارث طبيعية تهلك الحرث والنسل، فهو فعل «الكون» في نفسه، لا سائل ولا مسئول، بل يهلك الله بعض الناس بذنوبهم أو يتخذ منهم شهداء، ويرى الخلق آياته، لتتعظ أنت وتعتبر. ولكنك أيضًا جاحد، تغمط حق هذا «الكون» عليك وأنت بعض ترابه، المنعم في خيراته، تجار في الضراء، والسراء ملء حياتك. وما كان الله ليصنع هذا العالم على حسب دماغك، وإنما جاء بك إلى هذا العالم على ما هو عليه ليفتنك فيه، وما أنت فيه بمخلد، فلا تتبطر وابتغ إلى الله سبيلا. قال عز وجل: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} [الحج: 11].
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/354]
ثمة أيضًا فلاسفة يرون، لنكد فيهم، أن هذا العالم ليس هو أفضل العوالم الممكنة. يعنون أن الله كان يستطيع خلق هذا العالم أكثر كمالاً وأقل نقصًا، فالخير والشر عندهم بمعنى الكمال والنقص. ولا بأس بهذا بالطبع إن أريد به التنويه بقدرة الله عز وجل اللامتناهية على الخلق والإبداع، لا حدود لكلماته تبارك وتعالى، بل لا شك أن جنات عدن التي عَرْضُها السموات والأرض أفضل من هذا العالم بما لا يُقاس، كما أخبر عز وجل. ولكن هذا القائل وأمثاله لا يقصدون هذا، وإنما ينصبون أنفسهم نقادًا لإعجاز الله في خلقه فيقولون إن هذا العالم الذي نعيش فيه ليس مبرأ من النقص، بل مليء بعيوب كان يمكن تلافيها، بل لا يخلو من أوجه خلل تشوه النظام، ثم يتطاولون والكفر ملء أشداقهم بأنه لا يصح الاستدلال بهذا العالم على خالقه إن كان ثمة خالق، لأن الناقص لا يخرج من الكامل. وتستطيع بالطبع أن ترد بأن هذا القائل أعمى أو جاهل، وأن ما يراه هو نقصًا بضآلة علمه وكلال بصره ليس إلا محض الكمال والجمال والإحكام، على مقتضى مقصوده عز وجل، وأن هذا القائل بحاجة قبل غيره إلى قراءة القرآن وإن لم يكن من أهل القرآن، ليستدل على إعجاز الخالق فيما خلق، فليس في الكتب السابقة من هذا شيء، وليتوقف طويلاً عند قوله عز وجل: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 1 – 4]. وتقول له أيضًا من القرآن: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} [لقمان: 11]. ولكنك تعلم أن على قلوب هؤلاء غشاوة، فتختصر الطريق وتقول لهذا القائل: إن لم يعجبك هذا العالم فلتخرج منه. وما هو بخارج. فليس له بعد هذا العالم عالم. إلا النار وبئس مثوى الظالمين.
وتستطيع أن تقول أن هذا العالم لو خلا من أحيائه فكان كوكبًا قفرًا كغيره من كواكب السماء، لما كان ثمة معنى لخير أو شر. فما شأن بركان يثور في كوكب الزهرة، أو زلزال تنقصف له الجبال في زحل؟ بل ما شأن ما وقع على هذه الأرض نفسها حقبًا متطاولة وهي تتشكل وتتهيأ لاستقبال الأحياء عليها؟ لا خير ولا شر
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/355]
بالطبع، فليس هناك كائن يدرك ويحس، يتقي الضر ويتحرى النفع. بل ليس ثمة ذات تعقل خيرًا أو شرًا. الإنسان هو وحده المعني بالخير والشر.
وتستطيع أن تقول أيضًا أن الخير والشر نسبيان، أي محكومان بالغاية والمآل، ما هو خير لهذا فهو شر لذاك، فالموت جهادًا في سبيل الله عز وجل خير لا شك فيه، بل هو الخير، والموت صدًا عن سبيل الله أو إعلاءً لباطل شرٌ لا شك فيه، وكلاهما موت.
الذين آمنوا بالله عز وجل حق الإيمان، ثم اتقوه حق تقاته، هم وحدهم الذين فهموا حقيقة الخير والشر، إذا أمرهم صدعوا، وإذا نهاهم انتهوا: الخير في طاعته عز وجل، والشر في معصيته.
وهم أيضًا أصحاب اليقين الثابت أن خالق كل شيء هو نفسه خالق كل فعل، لا فاعل في كونه غيره، ولا ولي من دونه، يبتليهم بالخير والشر فتنة، وإليه يرجعون.
أما أصحاب الأﭬـستا فقد لبس عليهم إبليس أن يتقوا بأسه، لأنه رب الشرور في هذا العالم، فنصبوه إلهًا.
وربما قيل لك أفليس «أهرمن» هذا عند المجوس هو نفسه «إبليس» في عقيدة المؤمنين بالواحد الأحد. وأليس «هرمزدا» إله الخير عندهم هو نفسه الله عز وجل، فماذا تنكر من عقيدة المجوس؟
لا مقارنة البتة. في المجوسية لا خالق ولا مخلوق، بل العالم مسرح لا يعرف صاحبه لمباراة بين ندين وفدا عليه، يتواثبان ويتغالبان، وباقي الخلق نظارة، يتقربون إلى هذا أو ذاك بالهتاف، أي بالخضوع والعبادة.
ما كان الخاسيء الذليل، يوم خرج من الجنة مذءومًا مدحورًا، ليطمع من بني آدم في مثل هذا: أن يكون له نصيب في عبادتهم، إلهًا مع الله، أو يتصوروه لله ندًا يصاوله، ويبادله الضربات.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/356]
كان منتهى أمله يوم انتصب لعداوة آدم وبنيه – ليس في جعبته سهم إلا الإيهام والتلبيس – أن يصيبهم ببعض سخط الله عليه، فلا يجد الله أكثرهم شاكرين: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 14 – 17]، وإذا هم يجعلونه كفوًا لله عز وجل، ويتوجونه «أمير الظلام» رئيسًا لهذا العالم إلى نهاية العالم.
أفقد كان إبليس يطمع في أفضل من هذا وقد علم من قبل أنه مقضي عليه، لاحظ له في الآخرة إلا العذاب الأكبر؟
هذه «الأﭬـستا» وثيقة استسلام للشيطان في هذا العالم يفعل فيه ما يريد.
كان عصر تدوين الأﭬـستا وما قبله وتلاه، عصر شقاء وآلام طحنت في نفوس الناس كل أمل في خلاص قريب. ولو أنصفوا لعلموا أن هذا الشر من أنفسهم، والبغاة هم، والطغاة منهم، والعلاج بأيديهم. ولكن قعدت بهم همتهم، فجلسوا في الظل ينتظرون «المُخَلِّص»، ويثرثرون السلامة في التسليم للباطل، بحجة زينوها لنفسهم: تلك حرب بين الخير والشر، بين النور والظلام، بين هرمزدا وأهرمن، لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فلينتصر هرمزدا لنفسه أو يدع، ولن ينتصر هرمزدا إلا في نهاية العالم.
تجد قريبًا من هذا في الفكر الإنجيلي الذي ينتظر مجيء الملكوت: «أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء فكذلك على الأرض» (إن فهمت الملكوت بمعناها في الأصل اليوناني Basileia أي الملك والمملكة) أي قد انفرد الشر، إبليس أو أهرمن، بالملك والمشيئة في هذا العالم حتى مجيء الملكوت في نهاية العالم، وكأن ليس لله على هذه الأرض مشيئة. وقد رد القرآن على هذا بقوله عز وجل: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إليه} [الزخرف: 84]. تجد أيضًا في الأناجيل أثارةٌ من تعظيم إبليس في تسميته «رئيس هذا العالم» (يوحنا 14/30 و 16/11)، وفي الإشارة إليه بعبارة «سلطان الظلمة» (لوقا 22/53)، وهي قريبةٌ من وصف أهرمن روح الشر أمير الظلام.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/357]
أفاستقت الأناجيل من الأﭬـستا أم استقت الأﭬـستا من الأناجيل؟ لا هذا ولا ذاك، بل شاعت في الناس فكرة «الخلاص المجاني» لا الخلاص بأيديهم هم، أي الخلاص بمخلص، لا الخلاص بالإيمان والعمل الصالح.
ليس الخير والشر ذاتين حتى يتجسدا في آلهة أو غير آلهة بينهما صراع ونزال بل هما معًا فعلك أنت، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. الخير بالذات هو الإيمان والعمل الصالح، والشر بالذات هو الكفران واجتراح السيئات. والصالحات هي ما أمرت به في وحي الله على رسله، والسيئات هي ما نهاك عنه هذا الوحي. وليس بعد هذا في الحياة الآخرة إلا رضوان الله أو سخطه.
وليس للشيطان صراعٌ مع الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإنما صراع الشيطان معك أنت، يضلك عن سبيل الله، فيعميك عن الحسنة ويزين لك السيئة، حتى إذا قُضي الأمر راح يبكت أولياءه الذين ينحون عليه باللائمة يوم الحساب، فقول لهم ما قاله القرآن على لسانه: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل عن الظالمين لهم عذاب أليم} [إبراهيم: 22]، يعني أنه كافر بما أضلهم به، ينكر أن يكون ثمة إله مع الله. وكفى بهذا حسرةً وتحسيرًا.
هذا الفكر الصبياني، أعني تصورك الله عز وجل طرفًا في صراع أو نزال بين الخير والشر – وإن جملته الأﭬـستا بانتصار الله («هرمزدا» إله الخير) في نهاية العالم – فكرٌ مريض، بل هو كفر صراح، لس لأن هذا العالم كما يراه المتفائلون خيرٌ كله أو كما يراه المتشائمون شرٌ كله، بحيث ينعدم التضاد فيمتنع الصراع، وإنما أصلاً وبالذات لأن الفاعل الأوحد في هذا الكون كله، النافذة فيه مشيئته، هو الله عز وجل وحده، له الخلق والملك والأمر، لا يقع في ملكه شيء دق أو عظم إلا بإذنه، يعني بعلمه وتمكينه وإنفاذه، إن شاء أمضى وإن شاء منع، لا حول ولا قوة إلا به.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/358]
أما أنه عز وجل لا حول ولا قوة إلا به، فهذا لأنه تبارك وتعالى هو المخول الممكن، لا يقع فعل في هذا العالم إلا بوسائط وأدوات هو خالقها ومالكها ومانحها، يؤتيها من يشاء من خلقه وينزعها ممن يشاء، حتى البصائر والجوارح.
وهي كما تعلم وسائط وأدوات مسخرة ذلول بتمكين الله عز وجل إياك: لا تعصاك قدماك إن مشيت بهما إلى طاعة أو معصية، ولا تعصاك يد بطشت بها باغيًا أو مددتها لتقيم معوجا، ولا يمتنع عليك لسان أسكته أو أنطقته حقًا أو باطلاً، ولا يمتنع عليك مالٌ وضعته في معروف أو ولغت به في منكر، ولا يمتنع عليك سلطان مكنت فيه أن تسخره في إعلاء كلمة الحق والعدل أو تعيث به في الأرض فسادًا تركب رقاب الناس ظلمًا وعلوًا. بل لا يمتنع عليك عقلك إن استهديته فهداك أو استغويته فغواك، ولا يمتنع عليك ضميرك إن استيقظته فسمعت له وأطعت ولم تحكم فيك هواك. أنت هنا فاعل مريد ذو اختيار، ممكن فيما مكنك الله.
ولكن هذا كله – التمكين والإنفاذ – معلق بمشيئته عز وجل إن شاء أمضى وإن شاء منع: لا تتحقق للخلق في هذا الكون مشيئة إلا مشيئة شاء لها الله أن تتحقق، يعني لا يخرج فعل الخلق من حيز الفكر إلى حيز التحقق إلا بإمضاء الله عز وجل، على الوجه الذي أراده تبارك وتعالى. وهذا هو الفهم الجيد لقوله عز وجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما}[الإنسان: 30]، يعني لا «يتشيأ» شيء مما شئتموه إلا بتشيئة الله عز وجل إياه.
فهل بقيت للخلق في هذا الكون إرادة؟ نعم، وبها وحدها أنت المحاسب المسئول: إرادة الخير الذي علمك الله في وحيه على رسله، تصر عليه وتبذل في سبيله قصارى جهدك، واتقاء الشر الذي نهيت عنه في وحي الله على رسله، تكف النفس عنه وتجاهده بما في وسعك. يعني أن تكون جنديًا لله عز وجل في أرضهـ تستهديه وتستعينه وتتوكل عليه. ولا عليك بما يحدثه الله من بعد: شئت وشاء الله، والله عز وجل بالغ أمره.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/359]
وربما قال لك المُعاند: وهل بقي لي فعل في ظل هذا القهر العام؟ فماذا لو أردت الخير ولم يرد لي الله أن أريده؟ ماذا لو أردت الهدى وشاء لي الضلال؟ بل ماذا لو أردت طاعته واجتناب معصيته وأراد هو لي عصيانه والفسوق عن أمره؟ فهل لي من الأمر شيء؟
هذا القائل يغش نفسه، يجادلك أنت بها ولا يجادل ربه. فقد علم هو من قبل أنه ما أراد الخير قط واستعان الله عليه إلا أعانه، وما طلب الهدى مخلصًا قط إلا ثبت الله عليه قلبه، وما دخل مخلصًا في طاعة قط فأخرجه الله منها إلى معصية.
إنما يقول هذا الذين يجترحون السيئات بعد أن يجترحوها، يزينون لأنفسهم سيئات ما عملوا. وهذا أقبح الفسوق والعصيان، لأن قائله لا يكتفي بركوب المعصية ولكنه أيضًا يستزيد من الإثم فينسب الأمر بالمعصية لله عز وجل، لا لنفسه وإبليسه. وهو افتراءٌ على الله عز وجل يراد به معذرة إبليس وأولياء إبليس. بل هي نفسها مقولة إبليس يوم فسق عن أمر ربه في فتنة الأمر بالسجود لآدم فحقت على إبليس اللعنة لمحض عصيانه، لا لخطئه في تفضيل نفسه على آدم، فما كان الله ليحاسب أحدًا من خلقه بضآلة علمه وكلالة بصره، وإنما هو يحاسبه بطاعته أو بعصيانه قال إبليس لما حقت عليه اللعنة: {قار ب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجميع} [الحجر: 39 – 42]. تجد إبليس هاهنا ينسب ضلالته إلى الله عز وجل، يعني أن الله كان يريد منه عصيانه فأغواه عن طاعته. ولو كان إبليس مصيبًا في قوله لكان مطيعًا لله في عصيانه، وكأنه قيل له: آمرك بالسجود يا إبليس فاعصني، أو اسجد يا إبليس ولا تسجد، أي الأمرين فعلت فأنت في طاعتي! وهذا هو العته بعينه. وإلا لكان إبليس مستحقًا ثواب الله بعصيانه، لا الطرد واللعن والإياس من رحمة الله كما أخبر القرآن.
وقد علمك الله من نبأ إبليس ليكشف لك أمره كي تتعظ بمصيره إن كنت من عباد الله الملخصين الذين ليس لإبليس عليهم سلطان، لا لتردد قوله وتحذو حذوه وتأتم به، شأن الذين اتبعوه من الغاوين فكان موعدهم جهنم أجمعين، يحمل إبليس لواءهم إلى النار وبئس القرار.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/360]
والذي ينبغي التنبيه إليه لا يمل من ترديده، أن الذين أكرمهم الله بوحيه لا يرون الخير خيرًا لخيرية فيه، ولا يرون الشر شرًا لشرية فيه، وإنما الخير بالذات صار عندهم خيرًا لأنه المأمور به، والشر بالذات صار عندهم شرًا لأنه المنهي عنه. والله عز وجل عند هؤلاء مؤتمن، لا يأمرهم إلا ما هو خيرٌ لهم، ولا ينهاهم إلا عما هو شرٌّ لهم. من هنا استقر عند الذين آمنوا حق الإيمان، أي عباد الله المخلصين الذين لا حيلة لإبليس معهم، أن الخير كل الخير في الطاعة، وأن الشر كل الشر في المعصية، قد سلموا بقوله عز جل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216]. إنه إسلام الوجه له، تصدع بأمره مريدًا غير كاره، تستهديه وتستعينه وتتوكل عليه. أولئك جند الله قد اختاروا قائدهم.
هذا القائل «ليس من الأمر شيء» منافق لا يعبد الله مخلصًا له الدين. لو أراد الخير لالتمسه في الطاعة، ولو أطاع الله حق طاعته يسارع في أمره لأمن الضلالة، فالله عز وجل لا يخادع الذين آمنوا به حق الإيمان ولا يضل جنده، ليس لأن الذي بيده ملكوت كل شيء لا يملك الهدى والضلال، وإنما فحسب لوعده عز وجل: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76]، وقوله عز وجل: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]. يعني أن نقطة البداية هي الكفرُ أو الإيمان، وهي لك وحدك لقوله عز وجل: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]. وما بعدها مترتب عليها، الذين كفروا يزيدهم الله ضلالاً إلى ضلالتهم: {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} [فاطر: 39] {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10]، والذين آمنوا يزيدهم الله هُدَىً إلى هُداهم كما مر بك. وهو عز وجل لا يزيدهم هُدَىً فحسب، وإنما هو أيضًا «يؤتيهم تقواهم» كما رأيت في الآية 17 من سورة محمد، أي يسلحهم بما به يتقونه، أي الإخبات والخشية، لا يخشون إلا إياه، ولا يتقون سواه، فلا يضلوا من بعد.
هذا هو مقطع الفصل في فهم قوله عز وجل: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24]، {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17]، {كذلك يضل الله من يشاء
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/361]
ويهدي من يشاء} [المدثر: 31] وأمثالها في كل القرآن، الذي تشابه على المتفلسفة وأهل الكلام فخاضوا، وهو مقيد بما تلوناه عليك آنفًا، مفسر بقوله عز وجل: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [القلم: 7]. وفي هذا القدر كفاية، والحمد لله.
أما أنت بالذات أيها القائل «ليس لي من الأمر شيء» فأنت وما قلت: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن ترعوى فتندم وتتوب، ليس لك إلا هذا، وإلا فقد حقت عليك الضلالة.
يترتب على ما تقدم أن إبليس، أو الشيطان، أو «أهرمن»، أو ما شئت من أسمائه، لا فعل له في هذا العالم إلا ما استمهل الله من أجله لا يملك غيره، أي الغواية والإضلال، لا سلطان له إلا على الذين اتبعوه، هو وهم في سواء جهنم.
والذي ينبغي التنبيه إليه لا يمل من ترديده، الذي يذهل الناس عنه في خضم هذه الحياة وصخبها، أن هذه الدنيا ليست بدار شقاء أو دار نعيم، وإن شقى فيها بعض الناس أو نعموا، وإنما هي «دار الفتنة»، أي الاختبار والتمحيص، كلهم مفتون مختبر ممحص بما أوسع له الله أو ضيق، رفعه أو خفضه، عافاه أو أسقمه، سره أو أحزنه، أعطاه أو حرمه، بسط له في الرزق أو أمسك. ليس في هذا أو ذاك خيرٌ أو شر، فما جئت هذه الدنيا لهذا أو ذاك، وإنما جيء بك إليها لفتن بهذا أو ذاك فتخرج منها بما عملت فيها إلى دار البقاء. إن فهمت الخير والشر بمعنى النفع والضر في هذه الدنيا فأنت مخطيء، إلا نفع أو ضر ينفعك أو يضرك في دار البقاء.
على أن النفع والضر بمفاهيم هذه الدنيا هم أيضًا بيد الله عز وجل: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107]. بل هما معا على سواء ابتلاء من الله عز وجل: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] قد شهد كل على نفسه وقامت البينة: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة} [الأنفال: 42]. يفتن الله من شاء بالنعمة، ويفتن من شاء بالنقمة، والمقصود في الحالتين هو الفتنة، أي الاختبار والتمحيص.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/362]
وهو عز وجل أيضًا يفتن بعض خلقه ببعض خلقه: فتنةُ القوي بالضعيف وفتنة الضعيف بالقوي، فتنة العالم بالجاهل وفتنة الجاهل بالعالم، فتنة المظلوم بالظالم وفتنة الظالم بالمظلوم، وفتنة الذين آمنوا بالذين كفروا، وفتنة بني آدم بإبليس.
وينفرد إبليس في هذه الحياة الدنيا من دون الخلق جميعًا (ولا تنس أن إبليس خلق من خلق الله) بأنه فاتن غير مفتون. فقد هلك إبليس من قبل في فتنته بآدم يوم فسق إبليس عن أمر ربه فتأبى على السجود، لا فتنة له من بعدها يفتتن بها، فقد تمحص واختبر وحوكم وأدين قضاء غير مردود، لا يملك الإتيان بصالحة تخفف عنه العذاب، لأن الله عز وجل لا يُجري الصالحات على يد كافر مُصر على عصيانه قد باء بالإثم الأكبر – عصيان الله عز وجل في حضرته كفاحًا دون وسيط فلا تزيده فتنته الخلق في هذه الدنيا إثما على إثمه ولا تزيده عذابًا وهو محكوم عليه بأشد العذاب. ما هو بنافع أولياءه وما هم بنافعيه، بل هو وهم سواءٌ في النار، قد أرجأ الله عذابه إلى يوم يبعثون، ليكون بعض أدواته عز وجل في فتنة الخلق بالخلق اختبارًا وتمحيصًا. وقد تمنى إبليس على الله هذه المهلة عالمًا أنها لا تُجديه شيئًا بعد ما حقت عليه اللعنة التي لا فكاك منها، وكأنه أراد ألا يسبق أولياءه إلى النار وإنما يدخلها مع الداخلين يحمل لواء العصاة، فكان له ما تمنى. وقد كان الله عز وجل، في تمحيص عباده بالخير والشر في هذه الدنيا غنيًا بالطبع عن هذا الدور الذي تمناه إبليس نفسه، فالله عز وجل قادرٌ على فتنة الخلق بما شاء وكيفما شاء، وقد فتن إبليس نفسه بغير إبليس. ولكنه عز وجل – رحمةً بعباده – شاء أن يكون «ريس فتنتهم» عدوًا افتضح عندهم بعداوته لأبيهم آدم: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27]، إضعافًا لكيده، وفضحًا لفتنته، فيصموا الأذن عن وسواسه، إلا الذين يختانون أنفسهم، فلا عذر لهم عند الله عز وجل بعد الوحي ولا معذرة.
إبليس في هذه الدنيا كالذي مات فانقطع عمله، مات يوم لعن. وإنما الذين يستحيونه هم الطوافون على قبره، المتعبدون في ضريحه، النافخون في رماده لتحرقهم ناره.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/363]
وإذا كان لا فعل لإبليس في هذه الدنيا إلا الغواية والإضلال، فهو أيضًا فعل غير نافذ فيك إلا باستجابتك أنت إليه: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22]، واستجابتك هي فعلك أنت، لا وزر فيها على إبليس، بل أنت بها وحدك المسئول المحاسب. لا تتمحك بإبليس وقد حذرك الله منه، ولقنك الاستعاذة بالله منه، وعلمك الله إن زللت فضللت بإبليس كيف تستغفر وتتوب، وسن لك العبادات التي تجعلك على ذكر من ربك لا يغيب، فتأمن الفتنة والضلال، وطمأنك بأنه لا سلطان لإبليس إلا على الذين يتولونه، لا سلطان له على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 99 – 100].
هذا «الشرك» المعني في الآية 100 من سورة النحل، هو تعظيم إبليس، اتقاء بأسه واستجداء رضاه، الذي لا يملك لك ولا لنفسه ضرًا أو نفعًا، إلا ما شاء الله الذي خلقك وخلق إبليس وخلق السموات والأرض وما فيهن من دابة، فتترك تقوى الله إلى اتقاء إبليس، وتترك عبادة الله الواحد الأحد إلى عبادة إبليس الذي وضعه الله أسفل سافلين: أهنت نفسك فأهانك الله، ومن يهن الله فما له من مكرم.
هذا «الشرك» - الذي هو عبادة تلك المجوس أصحاب هرمزدا وأهرمن – هو أيضًا شرك كل متق غير الله، وكل متوسل بغير الله، وكل متوكل على غير الله، إنه شرك الذي يدعو من دون الله ما لا يضر ولا ينفع، بل يدعو من ضره أقرب من نفعه: {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} [الحج: 12 – 13].
ومن إعجاز القرآن في بيان القرآن – بعد تسمية الفرق الست الباقية إلى يوم القيامة – تبكيته الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر وكل له ساجدون، فيحصر معبوداتهم في دائرة لا يخرج عنها مألوه ألهوه. قال عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ألم تر أن الله يسجد له من في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/364]
والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} [الحج: 17 – 18]. ترى في هؤلاء الذين أهانهم الله، عبدة الملائكة والأنبياء، وعبدة إبليس، وعبدة الشمس والقمر، وعبدة النجوم والكواكب، وعبدة الصخر والجبل والشجر، وعبدة البقر والبهائم، وكل له داخرون.
مر بك أن عبادة المجوس هي التردد على إلهين، هرمزدا وأهرمن، يغدو المجوسي عليهما ويروح، فهو «الجائس»، من جاس / يجوس / جوسًا وجوسانا، يعني الذاهب الجائي. وهو أيضًا «مجوس» به على المفعولية، لأن جوسانه ما بين هرمزدا وأهرمن إنما كان بتلبيس إبليس، فهو في هذا الجوسان ملبوس لبس عليه، كما يقال «مسعود» والمراد سعيد. ولكن العرب لم تنظر إلى هذا المعنى حين أسمت المجوس مجوسًا، وإنما أسمتهم باسم كاهنهم، «ماجوس» الفارسية، لا تدري أصل معناها في لغة الفرس، وهو ذو الحول والحيلة كما مر بك، تريد عبدة النيران، لا علم للعرب بما وراء هذه العبادة.
ولأن «المجوس» ليست من معربات القرآن، بل نزل القرآن وهي من معربات العرب أنفسهم، تواضعوا عليها في تسمية جيرانهم الفرس عبدة النيران، فلا تصح نسبتها إلى القرآن حتى يقال أنها جاءت فيه مفسرة بالتعريب، بل لا يصح هذا أصلاً لأننا كما تعلم اشترطنا في التفسير بالتعريب اتحاد الجذر في اللفظ والمعنى بين لغتين من ذات الفصيلة اللغوية كالذي بين اللغات السامية، وليست الفارسية منها حتى يقال أن الجوس والجوسان – إشارة إلى تردد المجوسي أو جوسانه بين هرمزدا وأهرمن – تصح مقابلاً للفظة «ماجوس» الفارسية التي معناها ذو الحول والحيلة. بل لم يرد العرب هذا حين قالوه، فضلاً عن أنهم لم يريدوا بها «ماجوس» واحد كهنوت المجوس كما يقول الفرس، وإنما أرادوا بها أهل الملة جميعًا كهنوتًا وغير كهنوت.
اللفظة إذن من مواضعات العرب أنفسهم، استقر معناها عندهم على ما وضعوها له قبل نزول القرآن بأكثر من ثلاثة قرون، لا تعتجم عليهم. وما كان القرآن ليفسرها لهم بأصل معناها في لغة الفرس – الحول والحيلة – وقد نقل العربُ هذا اللفظ
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/365]
عن أصل معناه عند أصحابه. لهذا لم يفسر القرآن لفظة «المجوس» بأي من أدوات التفسير المعول عليها عندنا في منهج هذا الكتاب.
ولكن القرآن المعجز لم يفته أن يقول لك من هم المجوس بمحض عبادتهم فخاطبهم بقوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51]. والمخاطب هاهنا هم المجوس بلا مراء، فلا ثنوية إلا المجوس، وسبحان علام الغيوب.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/ 346-366]


رد مع اقتباس
  #79  
قديم 5 جمادى الأولى 1443هـ/9-12-2021م, 03:58 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,480
افتراضي

(61) الروم:
قال محمود رؤوف عبد الحميد أبو سعدة: ( (61) الروم
وردت الروم مرة واحدة فحسب في كل القرآن، في سورة افتتحت بهم فسميت باسمهم «الروم» قال عز وجل: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 1 – 6].
وهذه الآياتُ الست كما ترى، من فرائد إعجازات القرآن في نبوءات القرآن.
ولكن علماء القرآن الذين طالما استدلوا بهذه الآيات على إعجاز القرآن في نبوءات القرآن، لم يوفوا هذه الآيات حقها من الإعجاز، لأنهم تابعوا قدامى المفسرين (راجع تفسير القرطبي لهذه الآيات من سورة الروم) الذين احتفلوا لتحقق النبوءة بانتصار الروم في بضع سنين من نزول الآيات – والبِضْعُ هو من الثلاثة إلى ما دون العشرة، وقد تحققت النبوءة بالفعل، فتوقفوا عند هذا ولم يلتفتوا إلى أن الآيات لا تحتفل لانتصار الروم بعد هزيمتهم، فتوقفوا عند هذا ولم يلتفتوا إلى أن الآيات لا تحتفل لانتصار الروم بعد هزيمتهم، فلله الأمر من قبلُ ومن بعد، ولكنها توقت للمسلمين يوم انتصارهم في بدر، يوم ينصر الله المؤمنين فيفرحون بنصره، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
أما «الروم» المعنيون في الآيات، فهم الروم البيزنطيون، أصحاب القسطنطينية (استانبول من بعد أو الآستانة)، الناطقون باليونانية، لا الروم الغربيون، أصحاب روما، الناطقون باللاتينية. فقد انهارت إمبراطورية الروم الغربية نهائيًا بسقوط روما في أيدي القوط عام 476م، ولم يَعُد من «الروم» عصر نزول القرآن مطلع القرن السابع الميلادي سوى رومُ المشرق، أعني روم «بيزنطة» التي ورثت
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/367]
مجد روما القديم وخلفتها على أقاليمها في مصر والشام، بالإضافة إلى أراضيها الأصلية في البلقان، وآسيا الصغرى (الأناضول).
ولأن حكام بيزنطة كانوا سلالة من قياصرة روما عند انقسام الإمبراطورية عام 395م إلى غربية في روما وشرقية في بيزنطة، فقد تسمى الملوك البيزنطيون أيضًا باسم القياصرة (المأخوذ من اسم قيصر كما تعلم): قيصر في روما وقيصر في بيزنطة. وما أن سقطت روما في أيدي القوط وآل فيها الحكم إلى أقوامٍ من غير الروم، حتى بات قيصر بيزنطة وحده هو القيصر، وباتت بيزنطة، أو القسطنطينية، الوريث الشرعي لمجد روما القديم. بل باتت بيزنطة هي «روما»، ليس فقط في أعين البيزنطيين أنفسهم، الذين لم يتردد بعضهم في إطلاق اسم روما مجازًا على عاصمتهم وإنما أيضًا وبالأخص في أعين أهل الأقاليم التابعة الذين لمي روا في انتقال تبعيتهم من روما إلى بيزنطة سببًا يدفعهم إلى تعديل مسمى الدولة التي يخضعون لها: إنهم القصير وولاة القيصر، وهم أيضًا «الروم»، لاتينيين بالأمس أو بيزنطيين اليوم، أصحاب «روما الأولى» أو أصحاب «روما الثانية». إنهم «الروم» في كل حال.
لهذا كان العرب عصر نزول القرآن يقولون «الروم» يعنون «اليونان». بل ما زلت تسمع في العربية العامية لفظة «الرومي» في موضع «اليوناني». بل لم تعرف العربية الفصحى «اليونان» واليوناني إلا منذ العصر العباسي في سياق ترجمات فلاسفة «اليونان» إلى العربية. على أن العرب كانوا يتوسعون فيطلقون اسم «الروم» على سكان شمالي البحر الأبيض المتوسط (بحر «الروم» عند قدامى الجغرافيين العرب)، فهم إذن الأوروبيون بوجه عام.
ورغم ذلك كله، فإن لفظة «الروم» هي في أصلها نسبة إلى «روما» بلا جدال، سواء أردت روما التي في إيطاليا، أو «روما» الثانية التي على ضفاف البُسفور، أي بيزنطة المعنية في الآيات. ويتعين من ثم عند التماس التفسير القرآني للفظة «الروم» على منهجنا في هذا الكتاب التماس معنى «روما» هذه في لغة أهلها، وسيأتي.
أما الطرف الآخر في «المغالبة» المشار إليها في الآيات فهم الفرس، الذين لم تسمهم الآيات، اكتفاءً بذكر عدوهم اللدود الغالب يوم يفرح المؤمنون بنصر الله، ولاستفاضة شهرة هذا الصراع الأزلي بين قطبي العالم القديم: كسرى وقيصر.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/368]
كانت الحرب بين هاتين الدولتين سجالاً بين كسرى وقيصر، يُدال من الروم للفرس ليُدالَ من الفرس للروم، في صراع طال أمده، منذ بدأ اليونان ينازعون الفرس – ورثة بابل وآشور ومصر – سلطانهم في هذا الشرق الأدنى القديم. استمر الصراع – جولة هنا وجولة هناك – منذ غارة الإسكندر في الربع الأول من القرن الرابع قبل الميلاد نحو ألف سنة حتى أواسط القرن السابع الميلادي، حيث أنهى «المؤمنون» الذين تتحدث عنهم الآيات هذا الصراع بقضائهم قضاءً باتًا على دولة الفرس، وطردهم الروم البيزنطيين، طردًا باتًا أيضًا، من مصر والشام، ليغزوهم من بعد في آسيا الصغرى ويناجزوهم حتى أبواب القسطنطينية، لينفردوا وحدهم بالسيادة المطلقة على أراضي طرفي النزاع معًا في هذه المنطقة من العالم.
كان هذا الصراع بين الفرس والروم، يقتل بعضهم بعضًا ويثخن بعضهم في بعض، الذي طال أمده حتى شهد مبعث خاتم النبيين، مقدمة ضرورية لهزيمتهما معًا في وقت واحد، على أيدي «حفنة» من العرب يقلون عنهما عددًا وعدة بما لا يقاس، فيفعلون بالفرس في سنين قلائل ما لم يستطعه الروم في ألف سنة، ولا يكتفون بهذا وإنما يفعلون بالروم – أيضًا وفي نفس الوقت – هذا الذي طالما تمناه الفرس ولم يتحقق لهم: القضاء البات على أطماع الروم في الشرق الأدنى كله وحصارهم في عقر دارهم لا يخرجون منه إلا مناوشات لا طائل من ورائها. ورغم هذا كله، فأنت بإزاء معجزة فذة من معجزات التاريخ، لا تملك أن تغمط أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه أقدارهم. كانوا رجالاً أفذاذًا لم يشهد التاريخ أمثالهم من قبل ومن بعد.
وتستطيع أن تقول أيضًا – من الناحية الاستراتيجية البحت – أن كرة الروم على الفرس كما تنبأت الآيات، أي عودتهم إلى اقتطاع سورية وفلسطين ومصر من نفوذ فارس، أعني عودة الدولتين إلى تقاسم السيادة على أرض الشرق الأدنى القديم، العراق في أيدي الفرس، ومصر والشام في أيدي الروم، هيأت مسرح الصراع المقبل بينهما وبين العرب، تهيئة مواتية للذين آمنوا، أفضل بما لا يقاس مما لو بقى الفرس في مواقعهم بمصر والشام يوم بدأ الفتح العربي لهذه الأقطار، يغالبون الفرس وحدهم عليها. كان العرب عندئذٍ – لو بقى الفرس في مصر والشام – سيلاقون عدوًا واحدًا متماسكًا متراصًا، تخضع جيوشه لقيادة فارسية موحدة في كل من العراق والشام ومصر، لا عدوين متناحرين يتربص كل منهما بالآخر – الفرس والروم – لا يأبه أي منهما بانتصار العرب على خصمه اللدود، ناهيك بالشماتة والاشتقاء.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/369]
وإلى هذا تشير الآيات بقوله عز وجل: «لله الأمر من قبل ومن بعد» ، أي كانت هزيمة الروم أمام الفرس، لينتصر الروم من بعد عليهم، بقضاء منه عز وجل وتدبير، لأمر هو بالغه، والله بالغ أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والذي غفل عنه أكثر من تكلموا في تفسير هذه الآيات فلم يوفقوا إلى فهمها على وجهها، أن «النصر» في اللغة هو العون والمظاهرة والتأييد، ليس هو بذاته كما يظن الأكثرون الفوز والفتح والغلب، وإنما هو العون والتأييد المؤديان إلى الفوز والغلب. ومن هنا تفهم عبارة «نصر الله» حيثما وقعت في كل القرآن بمعنى تدخله عز وجل بمدد من عنده، ملائكة وغير ملائكة، لنصرة فريق وتخذيل فريق، فتنقلب على الفور موازين القوى لصالح الفريق الذي «نصره الله»، يعني أيده وأعانه، فينتصر الذين كان نصر الله في معيتهم ليكونوا هم الغالبين.
ومن دقيق القرآن أنه حين تحدث عما كان بين الفرس والروم: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ...} [الروم: 1 – 4] استخدم مادة «غلب» ولم يستخدم مادة «نصر»، لأن الغلب هنا وهناك كان بأمر الله، أي بقضائه وتدبيره: {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4]، ولم يكن بانتصاره عز وجل لفريق على فريق، أي بتدخله عز وجل لصالح فريق ضد فريق، بمدد من عنده، ملائكة وغير ملائكة. وإلا لقلت أن الله كان مع الفرس يوم غلبوا الروم، يعني كان راضيًا عن الفرس ساخطًا على الروم، ثم سخط على الفرس ورضي عن الروم فانتصر للروم عليهم، ولا يصح هذا لن الله عز وجل لا يجوز عليه البُداء، «يبدو» له الأمر فيمضيه، ويبدو له العكس من بعد فيمضيه، إن صح هذا في البشر – وهو مذموم لأنه تذبذب بين النقيض ونقيضه – فهو محال في حق العزيز الحكيم. وقد كان الفرس مجوسًا يوم كانت الكرة لهم، وكانوا مجوسًا أيضًا يوم كانت الكرة عليهم. وكان الروم أيضًا أهل كتاب يوم غلبهم الفرس المجوس، وبقوا أهل كتاب يوم أديل لهم من الفرس. أما حين تحدثت الآيات عن «نصر الله» فهي تريد انتصار الله عز وجل للمؤمنين الذين يفرحون بنصره. والمؤمنون كما مر بك في مبحث «الصابئين» اصطلاحٌ قرآني يُراد منه «المسلمون» أهل القرآن لا أهل الكتاب. وإنما ينتصر الله عز وجل لجنده فحسب، أي للذين آمنوا.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/370]
والأصل في هذا أن الله عز وجل الذي لا ينصر باطلاً على حق، لا ينصر باطلاً على باطل، وإنما هو ينتصر فحسب للحق على الباطل: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18]. يعني لا يتعلق «نصر الله» حين ينسب الله النصر إليه تبارك وتعالى إلا بانتصاره عز وجل لجند هو قائدهم، أي بانتصاره للذين آمنوا. وقد انتصر الفرس من قبل، فلا يقال الله نصرهم، وانتصر الروم من بعد، فلا يقال قد نصرهم الله على الفرس، وإنما يقال – في المرتين – الذي قالته الآيات: {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4]. لم ينهزم الفرس لأنهم مجوس أصحاب هرمزدا وأهرمن، ولم ينتصر لأنهم نصارى أهل كتاب يرببون المسيح وجبريل، فالكفر كما تعلم ملة واحدة، وكلتا العبادتين عند الله باطل. وليس الباطل عند الله درجات بعضها دون بعض، بل الكل باطل، لا «يؤازره» الله بنصره، وإنما «يقضي» فيه قضاءه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فليس أهل الكتاب – يهود ونصارى – بأولياء للذين آمنوا حتى يفرح المؤمنون – كما تنبأت الآيات – بنصر الله يوم ينتصر الروم على الفرس المجوس كما توهم المفسرون. بل قد نهى الله الذين آمنوا عن توليهم: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51]، يبين لك عز وجل علة النهي عن توليهم، أي لأنهم أولياء بعض، يعني أولياء بعض عليك، لا تستنصر بإحدى الطائفتين على أختها، ولا تستنصر بطائفة منهما على عدو لك، فلن يصدقوك الولاية، بل هم معًا عليك، لا يألونك خبالا. ومن يتولهم فقد ظلم، لأنه صار في معيتهم وبات منهم، فلا يهديه الله سبيلا، والله لا يهدي الظالمين.
هذا النهي عن تولي أهل الكتاب من إعجاز القرآن في توجيهات القرآن، فلم يعرف التاريخ قديمه وحديثه – بل وحديثه بالذات – موقفًا انتصر فيه أهل الكتاب للمسلمين على عدوهم، وإنما هم ينتصرون لعدو المسلمين عليهم، أو ينتصرون لبعض المسلمين على بعض نكاية فيهم جميعًا، وإذكاءً للفرقة بينهم، ليفشلوا وتذهب ريحهم وأنت تعلم بالطبع أن توجيهات القرآن للذين آمنوا توجيهات عاملة، ماضٍ فيهم حكمها إلى يوم القيامة، لا تخص عصر التنزيل فحسب، بل انطباقها على هذا العصر أظهر وأبين.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/371]
لن أذهب بك بعيدًا، فعندك من هذا في الانتصار لعدو المسلمين عليهم، مثل فلسطين. وعندك من هذا في الانتصار لبعض المسلمين على بعض، مثل حرب البسوس بين العراق وإيران. وعندك من هذا في التحريش بين المسلمين ثم التحريق عليهم. مثل حرب النفط في الخليج التي أتت على الأخضر واليابس في أرض المستغيث والمستغاث منه على السواء. المستجير بهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، تحرقك كما تحرق أخاك المسلم الذي استنصرت بهم عليه، حليف الأمس وحليف اليوم، لا يرعون فيهما إلا ولا ذمة، فلا يبالون أين يصبون نيرانهم هنا أو هناك، يتبرون ما علوا تتبيرا، فينسفون الفريقين نسفًا ويدمرون عليهم. وتدفع أنت ثمن هذه النيران التي أحرقوا بها دارك ودار أخيك، وتدفع ليه أيضًا أجر تعمي رما خربوه بأيديهم، بل وتدفع أيضًا نفقات جيش الاحتلال الذي استدعيته ليفصل بينك وبين أخيك، فما جاءوا لتحرير الكويت كما قد تظن أو لصد العراق، فقد استنفدوا أغراض التفويض الذي استصدروه لأنفسهم بتحرير الكويت وتجاوزوه إلى تركيع العراق، وما زالت قواتٌ لهم ماضية في احتلال العراق ونحن نكبت ما نكتب، بحجة تأمين جيشهم في جنوبي العراق، وما خفي كان أعظم، وإن كان قد برح الخفاء. وليس بعد هذا غفلة. ولولا أن نخرج عن مقاصد هذا الكتاب لزدناك.
وليست آفة المسلمين اليوم أنهم تشرذموا دولاً، فالقرآن لم يستبعد هذا ولم يؤثمه، لقوله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 9 – 10]. افترض القرآن في «أخوة المؤمنين» انقسامهم طوائف، يعني دولا، وافترض في هذه الدول قتالاً بين دولة ودولة، كما حدث بين العراق وإيران، ثم بين العراق والكويت، وافترض فيهم أيضًا باغيًا ومبغيًا عليه. ولكنه افترض قبل هذا وذاك وجود «الجماعة» التي تنتصر للمبغي عليه وترد بالقسط والعدل على الباغي، أي «الجماعة» المأمورة في هاتين الآيتين
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/372]
بإقامة القسط والعدل. التي تحمل غيرها على الفيء إلى أمر الله. وقد غابت هذه «الجماعة» كما تعلم في حرب العراق وإيران، بل قد ظاهر مسلمون لا تشك في إسلامهم هذا العراق الباغي على إيران، معتلين بشعوبية جاهلية تقسم المسلمين إلى عرب وأعاجم، قد نسوا قوله عز وجل آنفًا «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم» لا فرق في هذه الأخوة بين مسلم ومسلم، بل الكل في «أخوة المؤمنين» سواء. وما أسرع ما استدار الباغي على حلفاء الأمس، فحسبك الله ونعم الوكيل.
وإنما صار المسلمون اليوم إلى ما صاروا إليه لفقدانهم الإحساس بأنهم وحدهم من دون الخلق «أمة»، الجامع بينهم هو الإسلام وحده.
وليس الإسلام شعارات وبطاقات هوية، ولكنه تحكيم القرآن والسنة في كل شأن من شؤون حياتك، لا تأخذ نتفًا من هنا ونتفًا من هناك – كالذين يكتفون بإقامة الحدود وتغليظ الحجاب على استحياء في هذا وذاك – وإنما هو أولاً وبالأخص تحكيم القرآن والسنة تحكيمًا باتًا في «القرار السياسي» الذي يحدد مسار المجتمع وغاياته وأهدافه، ويحدد ولاءاته وانتماءاته.
الذي يؤثمه القرآن هو غياب هذه «الجماعة» المأمورة وحدها في هاتين الآيتين بإقامة القسط والعدل، العاملة بأمر الله في مجتمعاتها، تعرف ما هو، فتحمل غيرها من المجتمعات المسلمة على أن «تفيء إلى أمر الله».
ولم تعد في المسلمين اليوم «الجماعة» المؤهلة لهذا الدور، لأنه لم يعد في المجتمعات المسلمة اليوم مجتمع واحد يحكم حقًا وصدقًا بالكتاب والسنة، يعني أولاً وآخرًا يحكم القرآن والسنة في «قراره السياسي» داخل المجتمع المسلم وخارجه، ناهيك بمن يرجمون الداعين إلى هذا أو يصمونهم بالرجعية والتخلف.
الذين لا يرتضون تحكيم الكتاب والسنة في أنفسهم بحجة أن الاحتكام إلى الكتاب والسنة رجعية وتخلف، لا يقبل منهم التصدي للكلام بالإسلام في نزاع كلا طرفيه مسلم. وإنما يحتكم المسلمون اليوم في أنزعتهم إلى بطانة من غيرهم لا يألونهم خبالا، قد نبذوا من القرآن – فيما نبذوا – قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/373]
إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 118 – 120].
هذه البطانة، الذين لا يألونك خبالاً، الذين تحبهم ولا يحبونك، الذين إن تمسسك حسنة تسؤهم وإن تصبك سيئة يفرحوا بها – إن لم يكونوا هم الساعين فيها المعينين عليها – الذين لا يودون إلا إعناتك وتعنيتك، هم هؤلاء الأوروبيون – الأمريكيون شرقًا وغربًا، ورثة الروم الذين في القرآن بالدم والفكر والتوجه جميعًا. شهدت هذا في مواطأتهم إسرائيل عليك، وما زلت تشهده، ولن تزال. حتى تواضعت أحلامك فبات منتهى أملك وقد سلمتهم أمرك أن يردوا عليك جزءا فحسب من فلسطين التي غصبوك عليها، متشفعًا لديهم بتلك «الشرعة الدولية» التي أعملوها فيك بهمة لا تعدلها همة يوم تداعوا عليك في الخليج كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. وهيهات هيهات. إنها شرعتهم هم، ليس لك فيها نصيب. ما زلت تحلم حتى تفيق. ولن تفيق حتى يرد الله عليك بصرك. ولن يرد الله عليك بصرك حتى تفيء إلى إسلامك، أي تفيء إلى «أمر الله»، وإلا فما أنت بمسلم.
وإذ لم تعد مسلمًا إلا شعارات وبطاقات هوية، فانتصر بمن شئت وما تشاء. قد خلى الله بينك وبين قوانين النصر والهزيمة، تفعل فيك فعلها، لا يؤازرك بنصره. وليتك وقد خليت لما اخترت، تعمل في إطار هذه القوانين فتتلمس أسباب النصر والغلبة، ولكنك لا تقلد غالبيك الذين فتنت بهم إلا في هزلهم ولهوهم ومباذلهم، لا شأن لك بجدهم وعلمهم وصنائعهم.
قال عز وجل: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47]، أي قد تكفل الله بنصر الذين آمنوا حقا وصدقا فعملوا بإيمانهم. أما أنت فقد أسلمت ولم تؤمن.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/374]
وإذا كان الله عز وجل لا ينصر المسلمين اليوم لأنهم فحسب يخالفون عن أمره، فما ظنك بمن توهم أن الله كان في نصر نصارى الروم على مجوس الفرس، وكلا الفريقين من غير جنده؟ قد قالت الفرس هرمزدا وأهرمن، وقالت الروم آب وابن وملك.
لم ينتصر الله للفرس على الروم يوم كانت الغلبة للفرس، ولم ينتصر أيضًا للروم يوم تحققت نبوءة القرآن بكرة الروم عليهم. ولكنه عز وجل – في المرتين – أعمل في كلا الفريقين قوانين النصر والهزيمة، فانتصر الذي اتخذ للنصر عدته، وانخذل الذي قصر وتوانى. أي أنه عز وجل خلي بين الفريقين وبين تلك القوانين، ولم «يتدخل» لنصرة فريق على فريق، فيقلب موازين القوى لصالح أولئك الذين كان نصره في معيتهم، كما فعل مع المسلمين في «بدر».
بل إن الله عز وجل الذي نصر المسلمين في بدر وهم أذلة: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} [آل عمران: 123] يعني وهم مستضعفون لا يملكون من أسباب الفوز إلا هذا الإيمان الذي استحقوا به «نصر الله» على عدو يتفوق عليهم بالعدد والعدة، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم – القادر عليها في كل حين – لم ينصر هؤلاء المسلمين أنفسهم يوم أحد، وفيهم رسول الله، بل خلي بينهم وبين قوانين النصر والهزيمة، لا لشيء إلا لأن فريقا منهم – والمعركة دائرة وبوادر النصر تلوح – أطمعتهم الغنائم: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152] فتركوا مواقعهم وخالفوا عن أمر رسول الله، وكانت العاقبة التي تعلم: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون} [آل عمران: 153]. قال عز وجل في أولئك الذين كانوا يوم أحد سببًا في هزيمة جند الله وجند رسوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل عمران: 155]. وإنما وسعهم حلم الله وغفرانه رحمة
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/375]
منه عز وجل فلم يهلكهم بذنبهم، بل استتابهم من زلتهم، لا يعصون نبيهم من بعد. وكانت «أحد» هي الموعظة والعبرة.
قال عز وجل يحذر الذين يخالفون عن أمر رسول الله الذي هو أمره تبارك وتعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63].
والذي حدث في «حنين» قريب من هذا وإن اختلف السبب: كانت الهزيمة في أحد عاقبة العصيان، أي عاقبة المخالفة عن أمر رسول الله، وكانت الكسرة الأولى في حنين عاقبة الاستنصار بغير الله، أي الاستنصار بالعدد والعُدَّة، قالوا: لن نغلب اليوم من قلة! يعني أنهم في كثرة من العدد ووفرة من العُدَّة، لا يحتاجون إلى مدد من الله. فحجب الله عنهم نصره وخلى بينهم وبين قوانين النصر والهزيمة، لأنه عز وجل غنى عمن استغنى بنفسه. ولكنه لقنهم بها درسًا لا ينسونه من بعد.
قال عز وجل يذكر بنصره الذين آمنوا إذ هم مستنصرون به، ويبكتهم بخذلانه إياهم يوم استغنوا بأنفسهم: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25].
ولو راجعت سجل هزائم المسلمين وانتصاراتهم على مدى التاريخ منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العصر وإلى ما شاء الله، لما وجدت إلا هذين السببين وراء هزائمهم: الاستنصار بغيره عز وجل أو النكول عن أمره. عندئذ ينخلع «المسلم» من صفة «المؤمن»، الطاعة والتوكل. وإنما يتكفل الله عز وجل بنصر «المؤمنين» فحسب.
انظر إلى بديع قوله تبارك وتعالى يشترط «الإيمان» على الذين آمنوا أنفسهم، كي يكون الله في نصرتهم: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139]: قد علم أنه يخاطب الذين آمنوا، ولكنه يشترط عليهم الاستمساك بهذا الإيمان والعمل به، وإلا فلينتصروا لأنفسهم بأنفسهم إن استطاعوا.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/376]
تستظهر من هذا أن الله عز وجل لا ينتصر لجند، أي لا يمدهم بمدد من عنده، إلا جندًا هو قائدهم. لا ينتصر لروم أو فرس، ولا ينتصر لعرب أو عجم، بل ولا ينتصر للمسلمين أنفسهم، وإنما ينتصر فحسب للمؤمنين «الذين آمنوا»، لا يصح فهم عبارة «نصر الله» في كل القرآن إلا بهذا المعنى وحده.
وإذ قد تقرر هذا، فلا يصح فهم قوله عز وجل في الآيات الست من مفتتح سورة الروم «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» على أنه – كما توهم مفسرون – فرح المؤمنين بانتصار الروم على الفرس، وإنما النصر المبشر به نصر آخر، تتنبأ به تلك الآيات للمؤمنين – أي المسلمين – على عدوهم، مشركي قريش، فيفرح المؤمنون بنصر الله إياهم.
دليلك في هذا – فوق ما تقدم – تعقيبه عز وجل على هذه البشرى بقوله: «ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم»، ولا معنى للرحمة هنا في انتصار يحرزه الروم على الفرس، وإنما كانت رحمته عز وجل بالمؤمنين، يوم قلب موازين القوى لصالح هؤلاء المستضعفين في بدر.
أما القاطع الحاسم، فهو تعقيبه عز وجل يؤكد وعده: {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 6]، فلسي لروم أو فرس وعد عنده عز وجل، وإنما الوعد للمؤمنين الذين آمنوا.
ولا يصح أيضًا – كما توهم مفسرون – فَهْمُ «الوعد» على أنه وَعْدٌ للمؤمنين بتحقق نبوءة القرآن بانتصار الروم على الفرس فيفرح المؤمنون في مواجهة المنكرين الوحي على القرآن بأن القرآن صدق. هذا تافهٌ لا يعتد به. فقد ظل مشركو قريش على تكذيب القرآن بعد تحقق النبوءة بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، وما كان ليعجزهم أن يقولوا في محمد صلى الله عليه وسلم: عراف يرجم بالغيب صدف.
ولا يصح أخيرًا قول من قال أن المسلمين اغتموا لهزيمة الروم من الفرس لأن الروم أهل كتاب والفرس مجوس عبدة نيران أشبه بقريش عبدة الأوثان، الذين تهللوا لانتصار الفرس وعدوه انتصارًا لآلهة الشرك، أمثال آلهة قريش، وإن الآيات نزلت لتبشر المسلمين بأن فرحة قريش لن تدوم، فسينتصر الروم من بعد على الفرس،
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/377]
ويومئذ «يفرح المؤمنون» وتغتم قريش. هذا الكر والفر بين الفرس والروم لغو يتنزه القرآن عن إنزال آيات فيه، فضلاً عن أن يحتفل له، ناهيك بأن يكون قضية تشغل بال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، بل ما كان صلى الله عليه وسلم لينحاز إلى روم أو فرس، وكلاهما عدو للذين آمنوا. لو صح هذا لتحالف المسلمون مع الروم على الفرس، ولكن المسلمين الذين أجهزوا من بعد على الفرس، لم يفلتوا الروم.
الصحيح أن موقع عرب شبه الجزيرة من المعارك بين الفرس والروم كان موقف المتفرج لا موقف المشارك، لا تستثنى من هذا إلا مناذرة الحيرة في العراق، موالي فارس، وغساسنة الشام، موالي الروم، وكلاهما على دين النصرانية، الغساسنة على مذهب قيصر بيزنطة آنذاك وأصحاب الحيرة نساطرة يخالفونهم في المذهب، ومن هنا تفهم حلف الغساسنة مع الروم، ولواذ المناذرة بالفرس، أعداء القيصر. أما قريش وغيرها من قبائل العرب فما كانوا يرون مصلحة لهم في هذا أو ذاك، وإنما وقفوا موقف المتفرج على حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إلا لهو الحديث وتزجية الفراغ، ذلك الترف السياسي الذي ينعم فيه المتبطلون، شهود مباراة بين فريقين لا تكتمل لذتهم إلا بالشيع لهذا الفريق أو ذاك. وتستطيع أن تقول أنه قد كان من سادة مشركي قريش من كان هواه مع المناذرة موالي فارس، هللوا لانكسار الروم، أي هللوا لانتصار حزب المناذرة على حزب الغساسنة، وكلا الفريقين نصارى كما مر بك، لا مجس ولا أهل كتاب. بل لم تكن حرب الفرس والروم أصلاً حربَ تنصير أو تمجيس، وإنما كانت حربًا على السيادة والنفوذ في الشرق الأدنى القديم. دليلك في هذا أن الفرس يوم انتصروا لم يسعوا إلى نشر المجوسية في مصر والشام، وأن الروم لما انتصروا لم يسعوا في تنصير أعدائهم المجوس.
وتستطيع أن تقول أيضًا أن هذا الفريق من سادة قريش الذين هللوا لانكسار الروم – كما تقرأ في كتب السيرة وكتب التفسير – أرادوا أن يغيظوا بها النبي وصحابته جادين أو هازلين: لو كان إله السموات والأرض، إله محمد وإله المسيح، هو الإله الحق، أفكان ينكسر أمام آلهة النيران؟ يخلطون بين ثالوث النصارى وبين الواحد الأحد لا إله غيره، ويظنون ظن الجاهلية في تصورها «آلهة» تمشي على الأرض تحارب على أتباعها، فهو صارع بين «الآلهة» لا صراع بين البشر.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/378]
لم يكن هذا بالطبع موضع «الرهان» بين أبي بكر رضي الله عنه وبين هذا النفر من سادة قريش عقب نزول هذه الآيات من سورة الروم، أعني رهانه مشركي قريش على انتصار الروم من بعد على الفرس في بضع سنين من نزول الآيات. فلست ترتضي للصديق رضي الله عنه أن يغتم لانتصار آلهة النيران على ثالوث النصارى، أو أن يراهن على أن «الآب والابن والروح القدس» أقوى شكيمة من «هرمزدا وأهرمن». هذا عبث يتنزه عنه أبو بكر. وإنما قال هذا مفسرون ينسقون مقولتهم على أن بعض الشر أهون من بعض، ومن ثم فبعض الكفر أهون من بعض. ولا تصح هذه «النسبية» في الدين بالذات. لأن الكفر كما تعلم ملة واحدة. وقد كفر القرآن عباد المسيح وجبريل كما كفر عباد هرمزدا وأهرمن، فلا ينتصر الله لهذا الفريق أو ذاك. تسمع قريبًا من هذا ممن أفتاك أواسط هذا القرن بالوقوف مع الغرب «المسيحي» ضد الشرق «الملحد»، وكلاهما عدو للذين آمنوا. وهو كما ترى تنسيق على ما قاله المفسرون من قبل في تأصيل فهمهم تلك الآيات من سورة الروم، أي أن بعض الكفر أهون من بعض. وهو خطأ محض. فموقف المسلمين من غير المسلمين واحدٌ لا يتلون: إنهم سلم لمن سالمهم، حرب على من حاربهم: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة: 7].
وإنما راهن أبو بكر مشركي قريش الذين هللوا لانكسار الروم على صدق قوله عز وجل: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 3 – 4]، ولم يزد. وقد صدقت النبوءة بتمامها كما تعلم، وربح الرهان أبو بكر.
الفهم الصحيح لهذه الآيات الست من سورة الروم هو أن الله عز وجل يعد جنده الذين آمنوا – وهم يومئذ قليل مستضعفون في الأرض – بالنصر على عدوهم مشركي قريش نصرًا ما كان أحدٌ من الذين «لا يعلمون» كما وصفتهم الآيات، يحسبه
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/379]
ممكنًا بأي معيارٍ أردت، لولا أنه وعد من الله عز وجل لا يخلف الله وعده. وحددت الآيات لموعد هذا النصر علامة: ينتصر المسلمون يوم يبلغهم نبأ انتصار الروم على الفرس في بضع سنين من نزول الآيات. لم تقل الآيات «ينصر الله المؤمنين في بضع سنين» كيلا يقال أنه وعدٌ على التراخي في أي يوم شئت خلال تسع سنين (والتسعة أقصى غاية البضع)، ولكنها وقتت لانتصار المسلمين على عدوهم موعدًا ربطته بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين من نزول الآيات، غير مقصود من الحديث عن المعارك بين الفرس والروم إلا هذا وحده.
وأنت تعلم بالطبع أن رابطة السببية معدومة تمامًا بأي معيار أردت بين انتصار يحرزه هرقل قيصر بيزنطة على كسرى أبرويز ملك الفرس وبين أول انتصار يحرزه الذين آمنوا على مشركي قريش. بل الحدثان منفصلان كل الانفصال في المكان، منفصلان كل الانفصال في المقدمات والنتائج. لم يكن كسرى حليف قريش ولم يكن قيصر حليف الذين آمنوا، ولم تكن مكة أو المدينة داخلتين في استراتيجية الحرب بين الفرس والروم، حتى يكون ثم مجال للقول برابطة التداعي بين الحدثين، يؤذن وقوع أولهما بوقوع الثاني. أعني أن النبوءة بوقوع الحدث الأول وهو انتصار الروم على الفرس، لا تتضمن بذاتها النبوءة بوقوع الحدث الثاني وهو انتصار الذين آمنوا في بدر، تضمن السبب للنتيجة. وإنما هما نبوءتان منفصلتان، تجمع بينهما نبوءة ثالثة، هي التنبؤ بتزامن تحقق النبوءتين الأولى والثانية.
وهذا هو لب الإعجاز في هذه الآيات، الذي يتحدى به القرآن منكري الوحي عليه. لو وقفت النبوءة عند «توقع» انتصار الروم على الفرس في بضع سنين لقيل حكيم حصيف، قدر أن الحرب بين الفرس والروم كر وفر، كالعهد بالحرب بين كسرى وقيصر، جولة هنا وجولة هناك، وأن كرة الروم على الفرس لن تتأخر بحساب الزمن سوى بضع سنين، يضمد فيها قيصر جراحه، ويستجمع قواه، ويعيد تنظيم فلول جيشه، ويعبيء حشوده، طالما أن القسطنطينية عاصمة الروم وقلب الإمبراطورية صمدت لهجمات الفرس وردتهم على أعقابهم. ليس هذا تنبؤًا يحتاج إلى وحي، وإنما هو تقدير حصيف يستطيعه خبراء الإستراتيجية العسكرية في كل العصور، بل ما كنت لتعدم من يقول به من العرب أشياع الروم في شبه الجزيرة، بل ما كنت لتعدم بين قادة جيوش الفرس أنفسهم من يحسب حسابه ويعد العدة لمواجهته.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/380]
ولو قد توقفت النبوءة – من جهة أخرى – عند التنبؤ للذين آمنوا بالنصر على مشركي قريش في غد قريب، بضع سنين، والمسلمون يومئذ في قبضة قريش تنكل بهم وتسومهم العذاب ألوانا، لا أمل لهم في مغالبة قريش، إلا رجاء أن تكفكف قريش أذاها، لقلت أنها نبوءة جريئة بكل المقاييس، لا يتورطُ في مثلها من خبراء الإستراتيجية أحد. ولكنك تفوتك خصوصية النبوءة التي في هذه الآيات، فالقرآن من قبل سورة الروم ومن بعدها لا يخلو من مثلها، أعني لا يخلو من موعدة المسلمين بالنصر على عدوهم في غد قريب: {ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214]، أما هذه الآيات من سورة الروم فهي توقت موعد هذا النصر على الجزم والتأكيد: «وعد الله لا يخلف الله وعده». ومع ذلك فما كنت لتعدم بين كفار قريش من يقول لك: وماذا في هذا؟ صحت النبوءة أو لم تصح، رجل (يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم) يستنهض همه أتباعه، فيمنيهم الأماني، ويعدهم بالمحالات.
ولكن النبوءة التي في الآيات لم تتوقف عند هذا أو ذاك، ولكنها تنبأت بتزامن وقوع حدثين منبتي الصلة والأسباب، الأول وهو انتصار الروم على الفرس في بضع سنين، حدث محتمل غير مستبعد بمنطق مسار الصراع بين ندين متكافئين تدور الحرب بينهما سجالاً، يدال لهذا من ذاك، فتقول جازمًا مطمئنًا إن الكرة التي كانت اليوم للفرس ستكون في الغد للروم غير بعيد. أما الحدث الثاني، وهو انتصار المسلمين على مشركي قريش (في بدر)، فالتنبؤ به يوم نزلت الآيات تنبؤ بالمُحال في منطق الناس، خبراء وغير خبراء، لا يتورط في مثله عراف أو كاهن. وأبعد من هذا وذاك التنبؤ بتوقيت واحد لوقوع هذين الحدثين المنفصلين، المُمكن والمُستحيل. لم تقل الآيات ينتصر الروم في بضع سنين، وينتصر المؤمنون أيضًا في بضع سنين، كي تستجيز أن ينتصر الروم في خلال خمس سنين مثلاً وينتصر المؤمنون في خلال سبع سنين، أو العكس، والخمس والسبع كلتاهما داخلتان في «البضع»، ولكن الآيات تقول «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، يعني ينتصر المؤمنون يوم يبلغهم نبأ انتصار الروم على الفرس، لا قبل ولا بعد. وقد حدث، فأي إعجاز وأي علم.
الوحيد الذي فهم النبوءة على وجهها يوم أنزلت الآيات هو بالطبع الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يفسِّرها لصحابته على معنى التزامن بين
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/381]
انتصار الروم في بضع سنين وبين «اليوم» الذي يفرح فيه المؤمنون بنصر الله، كما تستطيع أنت اليوم تفسيرها وقد تحققت النبوءة. وإنما فطن إلى هذا من فطن من المسلمين والمفسرين من بعد بدر. وكانت هذه حكمةً بالغة: لو فهم المسلمون النبوءة على وجهها وبتوقيتها يوم أنزلت الآيات لتهاونوا في مجاهدة قريش، ولقعدوا يتسقطون أنباء المعارك بين الفرس والروم، ينتصر المسلمون يوم ينهزم الفرس. وهذا يفسر لك لماذا اقتصر رهان أبي بكر على انتصار الروم في بضع سنين ولم يزد. وهو يفسر لك أيضًا احتفال المفسرين بربح أبي بكر الرهان وصدق نبوءة القرآن بانتصار الروم في بضع سنين، دون أن يلتفت أكثرهم إلى جوهر الإعجاز في نبوءة هذه الآيات: توقيت يوم انتصار المسلمين في بدر، يوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة.
ومما تقرؤه في كتب التفسير (ومنها تفسير القرطبي) أن جبريل عليه السلام نزل يوم بدر فأنبأ النبي بانتصار الروم على الفرس. هنا تفهم ما فهمه صلى الله عليه وسلم من هذه البشرى، ينتصر المسلمون يوم ينتصر الروم على الفرس، فما أن فارقه جبريل حتى خرج يستنجز ربه ما وعده في تلك الآيات من سورة الروم، وأكب في الدعاء حتى سقط عنه رداؤه: اللهم نصرك الذي وعدتني! وجاء نصر الله الذي كان فاتحة كل نصر يحرزه المسلمون من بعد، وصدق الله وصدق رسوله.
أما المفسرون الذين لم يربطوا بين انتصار الروم وبين توقيت النبوءة لانتصار يحرزه المسلمون على قريش، وفاتهم من ثم جوهر الإعجاز في تلك الآيات، فقد اضطروا إلى تعليل «فرحة المؤمنين يومئذ بنصر الله» بأنها الفرحة لانتصار أهل كتابٍ على مجوس، وهو خطأ محض كما مر بك، لا سندَ له من قرآنٍ أو سنة، ولكنه كان التكأة التي يتكئ عليها الذين يفتونك اليوم بموالاة أهل الكتاب على غيرهم، مهما لقيت منهم أو شقيت بهم.
وأما المفسرون الذين التفتوا إلى هذا الربط بين انتصار الروم وبين انتصار يحرزه المسلمون على عدوهم، فقد تفاوتوا في تحديد الغزوة التي انتصر فيها المسلمون يوم انتصر الروم على الفرس، لأنهم لم يعنوا بتحديد التواريخ الدقيقة لسجل المعارك بين الفرس والروم، كي يطابقوه على سجل المعارك بين المسلمين وبين قريش، فمن قائل
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/382]
أنها غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة (وهو الصحيح كما سترى)، ومن قائل أنها غزوة الحديبية سنة ست، وهذا يتعارض مع قوله عز وجل في «بضع سنين» أي دون العَشْر، وما بين نزول سورة الروم وغزوة الحديبية حوالي ثلاث عشرة سنة، ولكن قائل هذا لم يتلبث، وربما زعم أن البضع السنين هي من موعد رهان أبي بكر قريشًا، وهو تخريج سقيم يناقض نص الآيات، فلا تلفت إليه.
والذي لم يتلبث عنده أيضًا هؤلاء المفسرون هو قوله عز وجل «في أدنى الأرض»، يحدد مكان الموقعة التي انهزم فيها الروم من الفرس والمعنية في الآيات، والذي سيكون هو نفسه في بضع سنين مكان الموقعة التي سيدال فيها للروم من الفرس، لقوله عز وجل: «غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين»، أي غلبوا في أدنى الأرض وسيغلبون في أدنى الأرض أيضًا في بضع سنين من نزول الآيات. هذا هو الفهم المباشر لعبارة القرآن بمنطق اللغة العربية التي تجتزئ عن ذكر ظرف المكان في الشق الثاني بسبق النص عليه في الشق الأول حين يكون ظرف المكان في الشقين واحدًا، ولا سيما حين تكون مادة الفعل في الشقين هي نفسها «غلبت»، «سيغلبون»، والمسند إليه في الشقين واحد «الروم»، وذلك كراهية التكرار الذي هو حشو لا فائدة فيه. من ذلك قولك: «جئتك في دارك بالأمس، وسأجيئك غدا» فتفهم مني مباشرة أني سأجيئك غدًا في دارك أيضًا لا في غيرها، وإلا لنصصت لك على المكان الآخر الذي سأجيئك فيه غدا. بهذا وحده يكتمل فهم النبوءة بانتصار الروم على الفرس – المتزامن مع انتصار يحرزه المؤمنون فيفرحون به – فهما محددًا في المكان والزمان: في أدنى الأرض، وفي بضع سنين. أما إن تركت المكان غفلاً في النبوءة، فعندئذٍ تحتار في اختيار الموقعة من بين مواقع انتصر فيها الروم على الفرس بعد نزول الآيات، أهي انتصارهم على الفرس في مصر، أم الشام، أم في الأناضول، أم في أرض الفرس نفسها. ومن ثم يتفاوت قولك في تحديد الموقعة المتزامنة التي انتصر فيها المسلمون على عدوهم. على أن هذا الفريق من المفسرين اختلف أيضًا في مدلول «أدنى الأرض»، التي فهموها بمعنى «أقرب الأرض»، فمن قائل إنه أقرب الأرض إلى الفرس، ومن قائل أقرب الأرض إلى الروم، ومن قائل أقرب الأرض إلى العرب. هنا لا تدري على وجه القين أي مكان تعنيه الآيات بقولها «غلبت الروم في أدنى الأرض» فتحتار في اختيار الموقعة المعنية في سلسلة معارك
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/383]
الفرس والروم التي انتصر فيها الفرس على الروم، وتخبط خبط عشواء في تحديد التاريخ الذي تبدأ منه البضع السنين.
مفتاح فهم النبوءة على وجهها هو فهم معنى «أدنى الأرض» التي في الآيات لأنها هي التي تحدد لك مكان الموقعة المعنية في الآيات بين الفرس والروم كرًا وفرًا، الأولى والثانية، فتقطع بيقين لا شك معه بمبدأ ومنتهى الفاصل الزمني بينهما، الداخل في إطار المهلة المضروبة في القرآن لموعد كرة الروم على الفرس، الذي هو نفسه موعد انتصار المسلمين في بدر كما سترى. ولم يوفق المفسرون إلى فهم مدلول «أدنى الأرض» رغم أن منهم علماء في اللغة العربية، فتشبثوا بأن معنى «الأدنى» هنا هو «الأقرب» من دنا يدنو فهو دان، لا معنى له غير هذا. ولكن «الأدنى» كما يعلم هؤلاء المفسرون ويعلم علماء العربية جميعًا لا تجيء فقط بمعنى أفعل التفضيل من دناي دنو فهو دان، أي قريب، وإنما تجيء أيضًا على معنى الأسفل الوطيء. لا يقول العرب في أفعل التفضيل من «الدون» الأدون، وإنما يقولون «الأدنى»، وكأنها «الأدنأ» من دنوء يدنوء فهو دنيء، سهلت همزته. ومن هذا تجيء «الدنيا» التي نعيش فيها، مؤنث «الأدنى». ليست هي من القرب والدنو، وإنما هي من السفلية والتحتية والوطاءة، يعني التي أهبط إليها آدم. وقد استخدم القرآن لفظة «الأدنى» بالمعنيين كليهما، فجاءت على معنى الأقرب في مثل قوله عز وجل: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3]، أي أقرب. وجاءت بمعنى الدون والأدنأ في مثل قوله عز وجل: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61]، أي الأرذل لا الأقرب بالطبع، وفي قوله عز وجل: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة: 7]، يعني أقل أي دون. بل إن القرآن يستخدم أحيانًا مادة دنا يدنو نفسها لا بمعنى قرب، وإنما بمعنى هبط، في حديثه عن تنزل جبريل بالوحي: {ثم دنا فتدلى} [النجم: 8]، لا يصح فهمها بمعنى قرب فتدلى. واستخدمها أيضًا على معنى التحتية والدونية في قوله عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59]، يعني يرخينها إلى أسفل، وليس يقرينها من أجسادهن. الأدنى تجيء أيضًا بمعنى الوطيء الهابط قطعًا. والوطيء في اللغات العبرانية والآرامية
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/384]
والكنعانية هي «كنعان»، التي تجد أثارة منها في مادة «كنع» العربية حين تقول «كنعت الشمس إلى المغيب» أي مالت.
لم يوفق المفسرون إلى هذا المعنى الآخر في عبارة أدنى الأرض، لأنهم لم يعلموا أن القرآن يستخدم هذه العبارة لا على الصفة، وإنما على العلمية: إنها ترجمة القرآن المعجز لاسم فلسطين بلغة أصحاب الأرض «الكنعانيين» قبل أن يكون لبني إسرائيل في فلسطين وجود. إنها «كنعان» أو «إرص كنعان» (أرض كنعان)، يعني «الأرض الوطيئة». وسبحان العليم الخبير القائل بكل اللغات، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.
نزلت تلك الآيات من سورة الروم ما بين السنتين السابعة والسادسة قبل الهجرة (614م – 615م)، فهي تشير بالقطع إلى تلك الموقعة التي انهزم فيها الروم أمام الفرس على أرض فلسطين سنة 614م، وكانت فاتحة لهزائم الروم أمام الفرس في سورية، وفي مصر وليبيا (سنة 619م)، وتراجع الروم في الأناضول حتى أسوار القسطنطينية. ومفهوم الآيات المباشر أن «البضع السنين» - أي ما دُون الشعر – تحسب منذ بدء صولة الفرس على الروم سنة 614م إلى مبدأ كرة الروم عليهم: «وهم من بعد غلبهم سيغلبون»، يعني لن تتأخر كرة الروم على الفرس إلى أبعد من سنة 624م قبل اكتمال عشر سنين، متوافقة مع نصر الله الذي يفرح به المؤمنون في بدر يوم السابع عشر من رمضان سنة 2هـ (إبريل سنة 624م). والثابت تاريخيًا أن الروم قبعوا وراء أسوار القسطنطينية حتى سنة 622م، لم يخرجوا لمناجزة الفرس إلا يوم خرج هرقل بجيشه في تلك السنة في أول حرب صليبية عرفها التاريخ، وهو يرتدي المسوح ويرفع صورة مقدسة للعذراء، تهلل له أجراس الكنائس، وتدوي من خلفه صلوات وترانيم، تدعو له بالنصر على الفرس المجوس، واستعادة المدينة المقدسة أورشليم، واسترداد «عود الصليب» الذي استلبه المجوس يوم استولوا على أورشليم. لم يكن الرجل قديسًا يؤازره الله بنصره على الفرس المجوس كما توهم مفسرون، أو كما تصوره لك بعض كتابات مؤرخي المسيحية، فقد علم الذين قرعوا
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/385]
لمخرجه الأجراس وشيعوا جيشه بالصلوات والترانيم أن نكاح المحارم زنا صريح، وقد نكح هرقل «مارتينا» ابنة أخته فاستولدها تسعة بنين وبنات، وصحبته في حملاته وغزواته، ولكنها سياسة الملوك في استنهاض الهمم بالدين. لا تستثار نخوتهم لشأن من شؤون الدين إلا لهذا، يعصون الله ويتبجحون فيسألونه النصرة.
لم تكن أمام هرقل يوم خرج لمناجزة الفرس سنة 622م سوى سنة وبضع سنة من المهلة المضروبة في الآيات لكرة الروم على الفرس في بضع سنين تبدأ من سنة 614م كما مر بك. ولكن المعارك بين الروم والفرس طالبت بين كر وفر حتى حقق الروم نصرهم الحاسم على الفرس في فبراير سنة 628م على أرض الفرس نفسها، فسلم لهم الفرس بالسيادة على أراضي الروم في آسيا الصغرى وفي الشام ومصر وما يليها، وأعادوا إليهم «عود الصليب». وليست هذه بالطبع هي الموقعة المعنية في الآيات – وإن توافقت مع غزوة الحديبية سنة ست هجرية كما قال مفسرون – أولاً لأنها تجاوزت المهلة المضروبة في القرآن بسنوات أربع، إن قلت بها فقد خطأت القرآن، أعني لم تحسن الفهم عنه، لأن القرآن يريد مبدأ كرة الروم على الفرس لا منتهاها، كما أراد مبدأ صولة الفرس على الروم سنة 614م لا منتهاها سنة 622م. وثانيًا لأن القرآن يريد معركة بعينها بين الفرس والروم يغلب فيها الروم الفرس مثلما غلبوهم في أدنى الأرض منذ بضع سنين. أعني معركة تدور على أرض فلسطين. ورغ اضطراب المؤرخين في تحديد التواريخ الدقيقة لمعارك الفرس والروم منذ سنة 622م، فالثابت تاريخيًا أنه قد كانت للروم على الفرس كرتان، انتهت أولاهما بدخولهم أرض الفرس سنة 624م ثم تراجعوا إلى الأناضول. وكر الفرس عليهم حتى ألجئوهم إلى ضفاف البوسفور سنة 626م، ولكن كرة الفرس كانت تشبه صحوة الموت، فما لبث الروم أن كروا عليهم كرتهم الثانية التي انتهت بانتصارهم الحاسم في فبراير سنة 628م. ولا شك أن القرآن يعني كرة الروم الأولى التي انتهت سنة 624م لا كرتهم الثانية، دليلك في هذا من القرآن «البضع السنين» محسوبة ابتداء من سنة 614م كما مر بك إلى أوائل سنة 624م ميلادية على الأكثر (سنة 2هـ) قبيل انتصار الذين آمنوا في بدر يوم 17 رمضان سنة اثنتين للهجرة (إبريل سنة 624م). وقد حفلت كرة الروم الأولى بانتصارات للروم على الفرس في القوقاز وأرمينيا والأناضول حتى نهر الفرات، وفي أرض الفرس نفسها حتى تبريز، ومنها الذي يعنينا هنا استعادة القدس أواخر 623م أو أوائل 624م، قبيل انتصار المسلمين في بدر (إبريل 624م).
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/386]
هذه النبوءة التي ربطت بين انتصار الروم على الفرس في أدنى الأرض وبين انتصار الذين آمنوا في بدر، أي بين الممكن والمستحيل في منطق الناس، هي نبوءة بغيب محض، لا يستطيعها إلا علام الغيوب.
فسبحان عالم الغيب لا يظهر على غيبه أحد، إلا من ارتضى من رسول.
أما لفظة الروم التي تعنينا في مباحث هذا الكتاب، فهي كما مر بك نسبة إلى «روما» الأصلية التي في إيطاليا وإن انتسب إليها البيزنطيون المعنيون في القرآن.
وأنت تعلم بالطبع أن «روما» الأصلية في لغة أهلها اللاتين تكتب وتنطق Roma، ولكن الذي لا تعلمه إن كنت لا تعرف اليونانية، لغة البيزنطيين المعنيين في القرآن، فهو أن روما هذه نفسها في لغة اليونان تكتب وتنطق «رومي» Romi. وقد حار اللغويون في تفسير أصل معنى «روما» Roma في لغة أهلها، إذ لا اشتقاق لها ترد إليه في لغة اللاتين، فقيل أنها منحوتة من لغة أهل إتروريا، قوم في إيطاليا سكنوا قديمًا تُسكانيا وجزءًا من أمبريا على الساحل الغربي من إيطاليا، بادت لغتهم. وفي أساطير الرومان أن روما بناها حوالي 753 قبل الميلاد الأخوان رومولوس وريموس، فربما جاء اسم روما على النسب إلى هذين. وهذا عند اللغويين لا يقدم ولا يؤخر، لتعذر تفسير اشتقاق هذين الاسمين كذلك من اللغة الإترورية.
ولكن القرآن المعجز يفطن إلى ما لم يفطن إليه أولئك اللغويون، فيدرك منذ أربعة عشر قرنًا أن تحول اليونان في لغتهم باللفظ Roma الإتروري إلى Romi اليونانية لم يأت من فراغ بل أرادوا إصابة المعنى الذي أراده الإتروريون من لفظة Roma في لغتهم، وهو القوة وشدة البأس. ذلك أن «رومي» Romi اليونانية كما تعني اسم مدينة روما تعني أيضًا في اليونانية بذات حرفها ولفظها «القوة وشدة البأس».
قال عز وجل يجانس على «الروم» ذوي القوة وشدة البأس، يفسر معناها بالتقابل والترادف معا وفق منهجنا في هذا الكتاب: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} [الروم: 1 – 3]، يعني غلب
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/387]
الشديد القوي وسيغلب أيضًا، يكرر مادة الغلب في شأنهم ثلاث مرات، فعل القائل المتثبت، المتمكن مما يقول.
لم يكن هذا موقف أصحاب المعاجم الذين تصدوا مؤخرًا لتفسير معنى «روما» الإترورية، تنسيقًا على «رومي» اليونانية، فقالوا متظننين غير متثبتين (?) Rome = strength (روما = القوة؟) يُتبعون تفسيرهم بعلامة استفهام، فعل المتردد الذي لا يقطع بيقين. أما القرآن الذي قالها قبل أن يقولوها بأربعة عشر قرنًا فهو يقولها قوله العارف المتيقن.
ألا فسبح معي العليم الخبير، القائل بكل اللغات، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.
والحمد لله رب العالمين.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/ 367-388]


رد مع اقتباس
  #80  
قديم 5 جمادى الأولى 1443هـ/9-12-2021م, 04:00 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,480
افتراضي

في ختام البحث :
قال محمود رؤوف عبد الحميد أبو سعدة: ( في ختام البحث
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/389]
الحمد لله ولي النعم: استهديناه فهدانا، واستعناه فأعان.
بدأنا أول سطر في هذا البحث أوائل شوال سنة 1409هـ (مايو سنة 1989م)، وفرغنا منه بفضل الله وعونه وتوفيقه في أواخر رمضان سنة 1411هـ (إبريل سنة 1991م)، أي في عامين اثنين، بل في عامين لم يكتملا إن استبعدت نحو ستة أشهر صرفتنا خلالها عن هذا البحث صوارف لا تخلو من مثلها شواغل هذه الحياة. وكان متوسط ساعات العمل اليومي في البحث والكتابة والمراجعة نحوًا من أربع ساعات. وليس هذا بكثير على بحث بهذه الضخامة، وموضوع بهذه الجدية، ناهيك بما يقتضيه الكلام في كتاب الله عز وجل من تؤدة وأناة، ومن تحرز وتثبت. ولكنه توفيق الله تبارك وتعالى، له الحمد في الأولى وفي الآخرة.
ولئن كان الجهد المبذول في هذا الكتاب شاقًا مضنيًا، فما شقينا به البتة، بل قد سعدنا به ونعمنا. بل قل كان لنا لذة لا تعدلها لذة: صحبة القرآن، والجلوس إليه، والتمعن فيه. وكان نعيمنا الأعظم لحظة يمن الله علينا باستجلاء إعجاز القرآن في تفسيره معنى هذا العلم الأعجمي أو ذاك، أو بانكشاف وجه جديد في فهم آيات من القرآن لم يفطن إليه قدامى المفسرين. وأنت تعلم بالطبع كيف تدمع العين ويخشع القلب لحظة يقال لك وجه من وجوه إعجاز هذا القرآن لم تعلمه من قبل، فما بالك بالذي ينكشف له قبس من هذا الإعجاز بفضل من الله ونعمة فيعاين هذا الإعجاز كفاحًا أول مرة؟ تلك لحظات قصار ثقال، كنا فيها وجهًا لوجه مع فتوح الباري جل جلاله، نقبس من فيوض آلائه: القلب يرجف في جلال كنفه، تسبيحًا وتحميدًا، والقلم يجري بما شاء له الله أن يجري، والدموع ملء المآقي.
ما ذقت نعيما في هذه الدنيا كالذي عشته وأنا أكتب في ظل تلك اللحظات القصار الثقال. وما زال مذاقه يملأ كل وجداني، يغالبني الحنين إليه بين الفينة والفينة، فأعاود قراءة ما كتبته في لحظات التجلي، أستروح جلالها وجمالها، فيجيش القلب، وتدمع العين، وتتجدد النعمة.
وما أعظمه من أجر في هذه الدنيا لقاء عمل ما أردته إلا خالصًا لوجهه عز وجل، أبتغي به رضوان الله في الآخرة، طامعًا في جزيل ثوابه، وواسع رحمته،
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/390]
وكريم عفوه وغفرانه! أستقيلك رب من عثرات قلم لا يخلو من مثلها قول البشر، وأبوء إليك سبحانك بنعمة التوفيق فيما وفقت إليه.
أما فكرة البحث نفسها فقد لاحت لي منذ نحو عشر سنين سبقت الشروع فيه، عشتها في مدينة جنيف بسويسرا أثناء عملي بالأمم المتحدة هناك. كانت الفكرة تومض وتخبو، تغدو وتروح. وربما سنحت لي أمثلة من «إعجاز القرآن في أعجمي القرآن» طرحتها على إخوة زملاء من أهل الفضل والعلم والفكر والأدب، كانوا لي نعم الظهير في كتابة هذا البحث. منهم الذي دفعني إلى الكتابة دفعًا وليس لي بالكتابة سابق عهد، ومنهم الذي يسعى معي على قدميه إلى المكتبات نقلب رفوفها بحثًا عن المراجع شديدة التخصص التي يرتكز عليها هذا البحث بل وتطوع فأمدني بذلك المعجم النفيس في ألفاظ «توراة الأنبياء والكتبة» (هملون هحداش لتناخ) عبري / عبري، المطبوع في إسرائيل، ليكون لي على مقولات هذا الكتاب شاهد من أهلها. وكان منهم أيضًا الذي حدثني عن كتاب أعيد طبعه لمستشرق يتصدى للعلم الأعجمي في القرآن، ينبهني إلى أنني قد أكون مسبوقًا فيما أنوى أن أكتب، يخشى أن يكون قد سبقني إليه هذا المستشرق، ولكن علمي بخبيئة أهل الاستشراق حين يتكلمون في القرآن منعني من تصور مستشرق يكتب في إعجاز القرآن غير مؤمن بأنه وحي الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. القرآن في آذان هؤلاء وقر، وعلى أعينهم عمى. ولكني صابرت النفس على قراءة الكتاب، وما أن فرغت منه حتى أدركت أنه من أنفس المراجع المضادة لمقولات هذا البحث، لأنه يلخص أبلغ تلخيص مقولة الاستشراق في أعلام القرآن، لا حاجة بك معه إلى غيره، إن أردت الاطلاع على غثاثة أولئك المستشرقين وفساد طويتهم حين يتكلمون في القرآن. وقد أغلظنا على هذا المستشرق وإخوته في تضاعيف هذا البحث، فكان لا بد من الإشارة إلى مؤلفه في حواشي هذا الكتاب وإدراجه في قائمة مراجعه.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/391]
كان صحبة جنيف، الذين أدين لهم بالمودة والعرفان ما حييت، هم أول قراء هذا البحث، فقد حرصت على إقرائهم إياه تباعًا حتى اكتمل. وكان حماسهم البالغ لما أكتب، وتقريظهم الذين أعرف وزنه، وإلحاحهم الدؤوب علي بالإسراع في نشره فور الفراغ منه، دافعي إلى الخروج بهذا البحث على جمهور لم يقرأ بعد شيئًا لكاتبه.
على أن تلك السنوات العشر التي قضيتها في جنيف قبل البدء في كتابة هذا البحث، لم تمض عبثًا. فقد كان في ذهني مشروع كتاب في تأصيل مفهوم الحكم بالإسلام في المجتمع المسلم، قطعت فيه شوطًا يقرب من ثلثيه أو نصفه، ثم أرجأت المضي فيه، نزولاً على نصح أولئك الأخوة الزملاء، إلى أن أفرغ من هذا الكتاب الذي بين يديك.
ولن موضوع البحثين واحد – كتاب الله عز وجل – فقد شغلت طيلة تلك السنوات العشر بشيء واحد لا أعدوه إلى غيره إلا لماما، وهو تدارس القرآن في كتب التفسير، أبديء فيها وأعيد، فأقع على الدُرِّ الثمين، وأصطدم أيضًا بما هو دون ذلك، الذي تلقاه الخلف عن السلف دون تمحيص.
فأنت تعلم بالطبع أن علم التفسير يحتاج ممن يتصدى له إلى جملة علوم، أولها بإطلاق علوم اللغة العربية وعلم الحديث، وثانيها التاريخ، وثالثها العلوم الطبيعية والاجتماعية. ولكنه يحتاج أيضًا ممن يتصدى له إلى القدرة على تحقيق النصوص التي يستشهد بها من خارج القرآن والحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، في مصادرها المدونة بلغة الأصل الذي كتبت به، فلا يسمع لرواة أهل الكتاب – الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني كما وصفهم الحق تبارك وتعالى – دون تمحيص، وإنما يحقق ما يروى له في مصادره الأصلية، أي في التوراة والإنجيل. ولم تكن على عصر تفاسير القرآن ثمة ترجمة عربية للتوراة والإنجيل كما تجد لهما اليوم ترجمات بكل اللغات. ولم يكن من أهل التفسير من يستطيع قراءة التوراة والإنجيل في نصهما الأصلي، العبراني واليوناني، فيمحص ما يلقيه إليه رواة أهل الكتاب ليعلم أن قد صدق الرواة أم كذبوا ودلسوا، أو اخترعوا بغية لهو الحديث. ومن هذه تلك الإسرائيليات التي دسها صغار رواة أهل الكتاب من يهود على أهل التفسير
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/392]
وانخدع بها لفيف منهم، لا يخلو منها كتاب من كتب التفسير مهما جل قدر صاحبه، فيضل بها القارئ العام غير المتخصص، إلا من عصم ربك. وقد جرني هذا إلى تدارس «الكتاب المقدس» بشطريه – التوراة والإنجيل – في ترجماتهما العربية، ثم إلى مراجعة هذه الترجمة حين يُعضِل فهم وجه الصواب فيها، على الأصل العبراني للتوراة، والأصل اليوناني للإنجيل.
كنت – دون أن أدري – أعد لمادة هذا البحث الذي بين يديك، وأجمع أدواته. ولكن العبرانية – أعني عبرية التوراة لا العبرية المعاصرة – واليونانية الكنسية – لغة الأناجيل – لا تكفيان وحدَهما في تاصيل مقولات هذا البحث، بل لا بد من دراسة الآرامية – لغة أهل فلسطين على عصر المسيح – وأيضًا المصرية الهيروغليفية التي لا بد منها في تحليل أسماء بعض أعلام القرآن، كما رأيت في موسى وفرعون ومصر وسيناء. وقد أكرمني الله عز وجل منذ الصبا بشيء لا أحسبه اليوم إلا إعدادي لكتابة هذا البحث بالذات، وهو شغفي الذي لم أبرأ منه بعد بالدراسات اللغوية، الأمر الذي يسر لي العلم بعدة لغات، علم الباحث لا علم المتكلم ذرب اللسان. وكانت هذه نعمة من الله عز وجل، أتاحت لي الغوص في تلك اللغات – ومنها بائد – التي احتاجت إليها مباحث هذا الكتاب.
ولأن مقولة هذا الكتاب – القائلة بأن القرآن يفسر أعلامه الأعجمية في سياق الآيات بالترادف والتقابل والتعريب والترجمة والمشاكلة والسياق العام – مقولة جديدة غير مسبوقة، لا أعلم أحدًا لمح إليها من قبل، ناهيك بأن كتب فيها، فلن تجد بالطبع مراجع لهذا البحث في كتب سبقت، وإنما الأسانيد الأساسية لهذا البحث هي المراجع اللغوية فحسب، أي المعاجم المتخصصة. وقد عنيت في انتقاء هذه المراجع بما هو متاح منها في الأسواق، تيسيرًا على القاريء والناقد والخصم، ممن يودون التثبت من مقولات هذا الكتاب أو التصدي لها.
وقد اجتزأت من تفاسير القرآن بأوسعها في هذا العصر انتشارًا، وهو أيضًا أحكمها وأشملها، أعني تفسير الإمام القرطبي رحمه الله «الجامع لأحكام القرآن» الذي
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/393]
تتمنى ألا يخلو منه بيتُ مسلم. وفي هذا التفسير أيضًا فضيلة، هي اهتمامه بالتأصيل اللغوي، الذي يكمل النقص في معاجم اللغة العربية الحديثة المنتشرة في الأسواق، وأهما بالطبع «المعجم الوسيط» الصادر عن مجمع اللغة العربية بمصر.
أما كتب الحديث النبوي الشريف، فإني أرشح لك «صحيح مسلم» (بشرح النووي)، تجتزئ به عن غيره من كتب الصحاح الستة، ليس فقط لأنه رائج في المكتبات، وإنما أيضًا لأنه أخصر الصحاح بإطلاق فتأمن الزيادة والتزيد. وهو أيضًا – فيما تضمنه من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم - أدقها متنًا وأضبطها إسنادًا، إن استشهدت منه بحديث فقلت: خرجه مسلم! فقد كفيت. على أننا في هذا الكتاب لم نرد الاستكثار من الحديث، بل كان همنا الاستشهاد للقرآن بالقرآن نفسه، على ما يجدر ببحث في «التفسير القرآني» للعلم الأعجمي في القرآن.
أما القرآن كتاب الله عز وجل، فلديك مصحفك والحمد لله. وإني لأعوذ بوجهه الكريم أن يجنب هذا البحث هنات الطباعة في لفظ أو حرف من كلام الله عز وجل. وقد عينت في إيراد الآيات بذكر اسم السورة ورقم الآية، كي تراجعها معي على مصحفك فلا تتصحف عليك.
ولا تفوتني الإشارة إلى «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله، الذي يدلك – بكلمة واحدة تحفظها من الآية – على رقم الآية واسم السورة في كتاب الله عز وجل، فلا يستغني عنه دارس للقرآن في هذا العصر الذي شح فيه حفاظ القرآن عن ظهر قلب، جزاه الله عن أهل القرآن خيرًا.
هناك أيضًا – على الجانب الآخر – التوراة والإنجيل، ولديك في المكتبات ترجماتهما العربية المعتمدة من السلطة الدينية المختصة. وتستطيع أيضًا – إن أردت – الرجوع إلى نصهما الأصلي العبراني واليوناني، وقد اثبت لك في قائمة المراجع اسم الناشر واسم المكتبة.
وقد عنيت في كل نص استشهدت به من «الكتاب المقدس» بشطريه – أعني التوراة والإنجيل – بذكر رقم الإصحاح ورقم «الآية». والإصحاح من التوراة والإنجيل
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/394]
يعني في مصطلح أهل الكتاب ما تعنيه «السورة» عند أهل القرآن، وهو أيضًا من معناها قريب، فهو مصدر من «الصحة» لا بمعنى السلامة من المرض والآفة، وإنما هو بمعنى الكمال والبراءة من النقص، فهو المكتمل غير مزيد فيه أو منقوص منه. أما «الآية» فقد استعاروها من مصطلحات أهل القرآن، وليست هي أصلاً بآية، وإنما هي السطر أو البيت في القصيد ونحوه verse أو هي العبارة أو الجملة المتكاملة. ولكنه تشبيه لا بأس به، يقرب المعنى إليك، كما يقربه إلى أهل الملة القارئين بالعربية لا يعرفون غيرها.
وقد كان من شأن اختيارنا تفسر الأعلام الأعجمية في القرآن بترتيبها التاريخي، لا بترتيبها على حروف الهجاء، اهتمامُنا برسم الإطار التاريخي لصاحب الاسم العلم والتعريف به. وكان هذا ضروريًا لتحليل معنى الاسم العَلَم الذي فُسر به في القرآن، فهو يحدد لك اللغة التي صيغ منها الاسم الأعجمي العَلَم، كما رأيت في الاسم «موسى»، وهو أيضًا يحدد لك مناسبة التسمية وانطباقها على المسمى، كما رأيت على سبيل المثال في الاسم «إبراهيم» الذي لا تستطيع بعد قراءة هذا الكتاب إلا أن تفسر معناه بما فسره به القرآن: «إمام الناس» لا «أبو جمهور كثيرين»، كما يظن علماء العبرية وعلماء التوراة.
وقد عرجنا أيضًا في سياق البحث على موضوعات وقضايا ربما يظنها القاريء المتعجل دخيلة على مباحث الكتاب، وهي منه في الصميم. ومن ذلك على سبيل المثال شرح عقيدة المسيحيين في المسيح، فما كان يمكن تفادي هذا الشرح إن أردت تحليل الاسم «عيسى» (يشوع العبرانية التي أصلها «يهوشوع») ولفظة «إنجيل» (التي رددناها إلى «هجليون» العبرانية بمعنى المرآة الجالية المجلوة) بحيث لا يصح لك بعد قراءة هذا الكتاب إلا أن تفسر الاسم «عيسى» بما فسره به القرآن: المُخَلِّصُ الناجي، لا المُخَلِّص المُنَجِّي كما يظن أصحاب الإنجيل، وإلا أن تفهم من لفظة «إنجيل» أنه المرآة الجالية المجلوة، أي «البينات» كما قالها القرآن، لا البشارة أو الخبر السار كما يظن عامةُ أهل الكتاب. وقد أفَضتُ في هذا شرحًا وتعقيبًا، كما أفضت في غيره من مباحث
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/395]
الكتاب، لأني أحببت أن أوفر على من يتصدون لانتقاد مقولات هذا الكتاب مؤونة الكر والفر، فحرصت على أن أسد عليهم مقدمًا منافذ القول: بذلت في هذا قصاراي، وما أدعي الكما، فالكمال لله وحده، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
ولئن كان هذا البحث يتناول واحدًا وستين اسمًا علمًا – أعجميا أو مشتبهًا في عجمته – فقد تناولنا بالتفسير أيضًا أعلامًا أخرى غير منصوصٍ عليها في القرآن، عَرَضَت لنا في سياق البحث، وكان تناولها ضروريًا في الإطار التاريخي لصاحب الاسم العلم، ومن ذلك الاسم «حواء» أم البشر والاسم «يوكابد» أم موسى، والاسم «مريام» أخت موسى وهرون، وغيرها. كما تناولنا بالتفسير أيضًا ألفاظًا عربية من مثل «أخت هرون»، «السامري»، «ذي الأوتاد»، «الحواريين»، «أدنى الأرض»، وغيرها كثير، مما فات معناه على جميع المفسرين، وهدينا إليه بفضل من الله ونعمة.
إلى هذا وذاك ترجع ضخامة هذا البحث، وإليه يُعزي أيضًا تفاوت حجم فصوله فيما بينها. بل قد شغلت فصوله الثلاثة الأولى التي تمهد لمباحثه نحوًا من خمس حجم الكتاب، ولكنها كما رأيت كانت ضرورية للدخول في مباحثه، على الأقل بالنسبة للقاريء العام غير المتخصص في موضوعه. على أننا حاولنا التخفيف من صرامة هذا التمهيد الجاف بطبيعته، فبثثنا فيه قسطًا من المرح، وشيئًا من التفكه، وكثيرًا من التشويق.
أما انطبقا منهج هذا البحث على نتائجه، فهو بفضل الله عز وجل الانطباق التام: لا تنتهي من قراءة هذا الكتاب إلا وقد سلمت معي بمقولته الأساسية، وهي أن القرآن لم يترك علما أعجميا ورد به إلا وقد فسر معناه بإحدى أدوات التفسير الست المستخدمة في مباحثه. ولا تفرغ منه أيضًا إلا وأنت تسبح معي العلي الخبير، القائل بكل اللغات، ومنها البائد المنقرض.
لم يخرج عن فرضية هذا البحث إلا لفظ واحد، هو «المجوس» التي لم تفسر في القرآن بأي من أدوات التفسير الست على منهجنا في هذا الكتاب، وقد بينا لك السبب في مبحث «المجوس».
أما الاسم «هامان»، قرين فرعون موسى ورئيس كهنة آمون فيما نقول نحن، الذي تراوحنا فيه بين الترجيح واليقين، أهو في القرآن على الترجمة لاسم هذا الرجل
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/396]
أو لقبه بمعنى «عظيم الهامة» ، أو هو تعريب غير مفسر من المصرية القديمة «ها + أمان» (هوة آمون) يعني «المدلف إلى آمنون»، فمرد توقفنا فيه يرجع كما مر بك في مبحث «هامان» إلى انعدام النظير الذي تقيس عليه مما عرف من تاريخ «فرعون موسى» وهو ما نرجو أن تجليه الأيام.
أما فرائد إعجاز القرآن في تفسير أعلامه الأعجمية على منهج هذا الكتاب، فهي عديدة: أعظمها بإطلاق علم القرآن وقت نزوله بما لم يعلمه مخلوقٌ حتى أواسط القرن التاسع عشر لميلاد المسيح وأوائل هذا القرن، من مثل موسى وفرعون ومصر وسيناء بلغة آل فرعون. وثانيها في الترتيب مخالفة القرآن أهل الكتاب في تفسير معاني أعلامهم، من مثل آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى وأيضًا «إنجيل»: أخطأ أصحاب اللغة وأصاب القرآن.
وقد دأب لفيف من علماء القرآن في هذا العصر على التصدي لكل قائل بوجه من وجوه إعجاز القرآن «العلمي»، أعني سبق القرآن إلى هذه النظرية أو تلك مما ينكشف للعلم الحديث، يخشون أن تنهار «النظرية» فينهار وجه الإعجاز، فكم انتقل العلم بنظرياته في القرون الثلاثة الأخيرة من النقيض إلى النقيض. وقد بالغ بعضهم في هذا فرد القول بأن في الآية الكريمة: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون} [النحل: 88] ما يشهد لدوران الأرض حول محورها قبل أن يقولها جاليليو ويحاكم من أجلها في أوائل القرن السابع عشر، وهي الآن قانون لا يشك فيه أحد: آثروا الوقوف عدما قاله قدامى المفسرين فقالوا هذا من مشاهد يوم القيامة! وأهملوا تعقيبه عز وجل: «صنع الله الذي أتقن كل شيء» الذي لا يقال في مشاهد يوم القيامة. هذا التحرز، وإن حسنت النيات، مرذول، لأنه يطمس أعظم ما في القرآن: دليلُ العلم ودليل القدرة، الشاهدُ له عصرًا بعد عصر بأنه الحَقُ من الحَقِّ نزل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53]. على أن هذا اللفيف من علماء القرآن – حَسِنِي النية – الذين يضربون على أيدي «العلميين» المعاصرين المسلمين ليزجروهم عن التفسير «العلمي» للآيات «العلمية» في القرآن بغير ما فسرت به في
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/397]
كتب التفسير حتى عصر القرطبي في القرن السابع الهجري، لا يقفون من قُدامى المفسرين هؤلاء نفس الموقف، بل يغضون الطرف على اجتهادات أولئك المفسرين القدماء في فهم تلك الآيات العلمية في القرآن بحسب التصور «العلمي» الذي تحقق لهم في عصرهم. ولم يقل أحد أن انهيار قول المفسرين القدماء في تفسير هذه الآية أو تلك من الآيات العلمية في القرآن، قد نال من هيبة القرآن، فلا قداسة لقول إلا قول الله وقول رسوله: سقط التفسير القديم الذي صيغ في حدود التصور العلمي السائد في عصر هذا المفسر أو ذاك، وحل محله تفسير أصح منه، يطابق ما ارتقى إليه العلم. لا تثريب على هذا أو ذاك.
والذي ينبغي التنبيه إليه أن تفاسير القرآن في كل عصر، إنما يعكس كل منها علوم عصره، أعني «حالة العلم» في العصر الذي كُتِبَت فيه. ومن عجائب القرآن في مقولاته «العلمية» تلك الصياغة التي اتسعت لكل التفاسير في كل عصر بمفهوم العصر، يأخذ كل عصر بحظه من فهمها، وهي مع ذلك صياغة غاية في الدقة، لا يرقى إلى إحكامها قول بشر، وليس الإعجاز «العلمي» في القرآن هو فحسب سبقه إلى هذه الحقيقة العلمية أو تلك، وإنما هو أيضًا وبالأخص انطباقٌ مقولة القرآن على كل مقولة يكتشفُها العلم، أو «يصححها» العلم، لا تستطيع البتة مهما تقدم العلم وتبدلت النظريات أن تخطيء القرآن في مقولة علمية واحدة قال بها، وإنما تخطيء تفسيرك «القديم» لهذه المقولة التي في القرآن: ما أن تنبذ مقولة علمية اكتشف العلم خطأها حتى ترجع إلى تفسيرك «القديم» فتكتشف خطأ هذا التفسير الذي تعجلت فيه، وتندهش كيف فاتك هذا اللفظ أو ذاك، أخطأت وأصاب القرآن، كلام الله القديم.
هذا الإعجاز الدائم المستمر، دليل العلم الكلي المطلق، إعجاز يعظ به الله الذين آمنوا في كل عصر إلى قيام الساعة، فيزيدهم إيمانًا. أما الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، فذرهم في جهالتهم، وما لهؤلاء نكتب هذا الكتاب.
أما هذا الوجه الجديد من إعجاز القرآن الذي فتح الله علينا به في هذا الكتاب، فهو الإعجاز «المعجز»، لأنه إعجاز محسوم، مقطوع به، لا يستطيع المعاند له دحضا.
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/398]
قد يجوز في مقولات القرآن العلمية أن يتصدى لك الجاحد المكابر فيقول لك: ومن أدراك أن مقولة القرآن التي صدقت في الماضي والحاضر ستصدق أيضًا في المستقبل وباب العلم مفتوح، وربما ينكشف للعلميين غدًا قول جديد يناقض مقولة القرآن؟
مثل هذا لا يجوز على مقولات هذا الكتاب الذي بين يديك، فلفظة «فرعون» على سبيل المثال («ﭘرعا» في المصرية القديمة) التي تعني عند علماء المصريات «البيت الكبير» (أو «الصريح» كما فسرت في القرآن) لا يمكن أن تعني غدًا أو بعد غد وإلى قيام الساعة شيئًا آخر غير البيت الكبير أو الصرح، أو أن المصريين القدماء يمكن أن ينقلوا هذا اللفظ عن معناه في لغته، كما يحدث في غيرها من اللغات، فقد انقرض المصريون القدماء وبادت لغتهم. قد انتهى الأمر، وأصبحت مقولة «فرعون = الصرح» حقيقة علمية لا تقبل التعديل إلى قيام الساعة، كحقيقة دوران الأرض حول محورها التي عاينها رواد الفضاء مثلما عاينوا الليل الذي ينسلخ منه النهار. وقد قالها القرآن «فرعون = الصرح» قبل ثلاثة عشر قرنًا من يوم كانت اللغة المصرية القديمة، والتاريخ المصري القديم، طلاسم مطلسمة، لم يأخذ من أهل التوراة أن معناها «الملك» كما وهموا، بل قد علم القرآن منذ متى كني المصريون القدماء عن ملوكهم بلقب «فرعون» فخص به فرعون موسى وحده، لم يسم بها فرعون إبراهيم أو فرعون يوسف كما قال كتبة التوراة، وإنما قال «الملك». ولم يكتف القرآن بهذا بل حدد لك من هو الفرعون المعني، فقال «فرعون ذو الأوتاد».
هذا هو دليل العلم الكلي المطلق. ليس إلى نقضه من سبيل.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لوجهك، نافعًا لعبادك، تهدي به من تشاء إلى صراطك المستقيم.
الإسكندرية في 27 رمضان سنة 1411هـ 12 إبريل سنة 1991م).
[العَلَمُ الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن: 2/ 389-399]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأعجمي, العَلم


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir