دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > الدعوة بالقرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 8 رمضان 1444هـ/29-03-2023م, 02:28 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

عاشوراء والفرجُ المُرتقب
عاشوراء ورحلة اليقين


ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى صيام يوم عاشوراء وهو العاشر من شهر محرم، واحتسب على الله عز وجل أن يكون صيامه سببا في تكفير ذنوب سنة مضت، وعلل صيامه صلى الله عليه وسلم بأنّ الله عز وجل نجَّى فيه موسى عليه السلام وقومه حين انفلق لهم البحر؛ فنجى الله المؤمنين وأغرق فرعون وملأه !
وإذ أستحضر هذا المشهد؛ أستحضر معه معاني الفرج رغم شدة الضيق واستحكام الحلقات، وأستحضر معه قوة اليقين، ومعنى الإيواء إلى ركن الله الشديد.
أتذكر موسى عليه السلام وكثيرا ما كان يناجي ربه: (رب إني أخاف أن ...)
{
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)} [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 12-14]
أتذكر حين أمره ربه بإلقاء العصا فاستحالت حية تسعى، فولى مدبرا ولم يعقب فناداه ربه:
{
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ}[سُورَةُ القَصَصِ: 31]

كلما استشعر الخوف، ناجى ربه، وفي كل مرة كان يستجيب لأمر الله عز وجل ويطمئن لوعده بأنه معه يسمع ويرى، وفي كل مرة كان يؤويه ربه وينجيه!
فكيف يخاف حين يقف بين البحر وبين جيش فرعون؟

وبالرغم من أن بعض مشاهد الخوف السابقة ظنية؛ مثل الخوف من تكذيب فرعون وملئه والخوف من أن يقتلوه، بينما مشهد وقوف موسى عليه السلام بين البحر من جهة، وجيش فرعون من جهة أخرى، مشهد حقيقي، مع ضعفِ أصحاب موسى إذ دبَّ الخوف بينهم حتى قالوا: {إنَّا لمدركون}
حصول الخوف أدعى مع كل هذا !
لكنَّ موسى عليه السلام -كليم الله عز وجل- يجني ثمرة اتباع هدى الله فيما سبق؛ فيقف ثابتا موقنا بالله عز وجل ويقول: {كلا إنّ معي ربي سيهدين}
فيأمره ربه بأن يلقي عصاه...عصاه التي ما كانت سوى وسيلة يتكئ عليها ويهش بها على غنمه!
حين أراد الله عز وجل، جعلها سببا في نجاة أمة مؤمنة، وهلاك أمة ظالمة؛ فانفلق البحر لموسى ومن معه، حتى إذا نجوا جميعا، عاد البحر ليغرق فرعون ومن معه!

هذا هو يوم عاشوراء
حين يقال غدا عاشوراء
أودّ أن أقول لكل منكسر القلب ... جبر الله قريب
لكل من ضاقت عليه الأرض بما رحبت ... فرج الله قريب
لكل من غلبه الهم والغم ... النجاة قريبة
فقط اشدد يديك بحبل الله، واعتصم بهداه وردَّ على كل مرجِفٍ لقلبك بيقين وثبات:
{كلا إنّ معيَ ربي سيهدين}

9 محرم 1444 هـ


رد مع اقتباس
  #27  
قديم 8 رمضان 1444هـ/29-03-2023م, 02:41 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ وتوكل على العزيزِ الرحيم }
قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: " فإنه عزيز رحيم, بعزته يقدر على إيصال الخير, ودفع الشر عن عبده, وبرحمته به, يفعل ذلك). اهـ

قلتُ: (ومن أسرارِ اجتماع اسمي الله العزيز والرحيم أيضا، هو أن تؤمن أن رحمته إياك ليست كرحمة مخلوقاته، يرقون لحالِك، وقد يطيبون خاطرك ببضع كلمات ثم يمضون ليبقى الحال كما هو عليه ؛ فهم وإن رحموا إلا أنهم عاجزون عن تفريج كربك وإزالة همومك
لكن الله هو العزيز الرحيم
فهو يرحمك وبعزته قادر على تفريج الكرب وإزالة الهم، ونصرة المظلوم، وتحقيق الآمال التي تبدو وكأنها مستحيلة بالنسبة لك، بل ويعطيك ما هو أفضل منها)!

12 جمادى الآخرة 1437 هـ

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 8 رمضان 1444هـ/29-03-2023م, 06:54 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلِ أَن یُنَزَّلَ عَلَیۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِینَ }
[سُورَةُ الرُّومِ: ٤٩]

الإبلاس يجمع بين اليأس والحزن والانكسار

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء الّذين أصابهم اللّه بهذا الغيث من عباده من قبل أن ينزّل عليهم هذا الغيث من قبل هذا الغيث {لمبلسين} يقول: لمكتئبين حزنين باحتباسه عنهم)
وفي مختار الصحاح: ( والإبلاس أيضا الانكسار والحزن يقال أبلس فلان إذا سكت غمًا)
وقال ابن كثير في بيان دلالة تكرار (من قبله) بعد قوله في أول الآية (وإن كانوا من قبل):
((ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التّأسيس، ويكون معنى الكلام: أنّهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله -أيضًا- قد فات عندهم نزوله وقتًا بعد وقتٍ، فترقّبوه في إبّانه فتأخّر، فمضت مدّةٌ فترقّبوه فتأخّر، ثمّ جاءهم بغتةً بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما كانت أرضهم مقشعرةً هامدةً أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: {فانظر إلى آثار رحمة اللّه} يعني: المطر {كيف يحيي الأرض بعد موتها}.))اهـ

فانظر إلى آثار رحمة الله في نفوسهم
كيف انقلب حالهم من هذه الحال إلى: (إذا هم يستبشرون)
سبحانك ربي، ما أرحمك!

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 8 رمضان 1444هـ/29-03-2023م, 08:13 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

أكثر المناهج التي تعتني بعلاج النفوس، تجعل المركزية للنفس ... فإذا تعرضتَ لأذى فانتصر لنفسك أو اعتزل ما يؤذيك - على سبيل المثال -
لكن القرآن، كلام الله الذي أنزله شفاء لما في الصدور
له منهج آخر،
فالمركزية دائما لله عز وجل
قال تعالى: { وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰۤ أَن تُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِیلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَیَّۚ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ }
[سُورَةُ لُقۡمَانَ: ١٥]

هذا المشهد عجيب حقا ...
شخص اختار أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا
وأبواه يجاهدانه ويؤذيانه ليصدانه عن عبادة الله وحده لا شريك له
ومع هذا يقول الله عز وجل: {وصاحبهما في الدنيا معروفا}
كيف يصاحب بالمعروف من يؤذيه؟
إذا كانت المركزية لنفسي، إما أن أرد إساءتهم بالإساءة، أو أعتزلهم وأعرض عنهم
لكنك اخترت أن تعبد الله وحده
فعليك أن تطيعه في كل ما أمر، وتتبع هداه في كل ما يعترضك من أمور
وتبدو المعادلة صعبة فيمكن أن يحمله مجاهدتهم على ترك الدين
لكن هل اخترت ربك؟ أم اخترت أبويك؟
فإذا اخترت الله تحمل أذاهم ولا تطعهم
ومع هذا (وصاحبهما في الدنيا معروفا)
كيف يحسن إليهما وهما يجاهدانه ليشرك بالله ويؤذيانه؟
هل اخترت الله؟ أم اخترت نفسك؟
إذا اخترت الله، أطع أمره وصاحبهما في الدنيا معروفا
واتبع سبيل المحسنين الذين أنابوا إلى الله عز وجل
في قانون النفس يبدو هذا شاقا جدا
لكن من أخلص لله وحده هان عليه تحمل كل أذى في سبيله، بل هانت عليه نفسه وكل ما يحب في سبيل الله
وإذا فعلت سكنت نفسك واطمأنت واستحال الأذى في سبيل الله نعيما، لأنك ترى عاقبته وحسن الجزاء من رب العالمين.
وبهذا الإخلاص
هان على الصحابة أن يصلوا آباءهم المشركين في حال السِّلم
وهان عليهم أيضا محاربة بل وقتل آبائهم المشركين وقت الحرب
لأنهم في كل مرة اختاروا الله عز وجل وآثروه على كل شيء
ويمكنك أن تقيس على هذا الأمر كل أذى تتعرض له
وتسأل نفسك
ما هدى الله الذي أمرني به لأدفع عني هذا الأذى؟
وما حظ نفسي وهواها؟
افعل أمر الله مخلصا له الدين، وخالف هوى نفسك، تنجو وتسعد.

7 رمضان 1443 هـ

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 10 رمضان 1444هـ/31-03-2023م, 02:23 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

مَعينُ الصابرين

اليقين هو المعين الذي يغترف منه الصابر؛ فكلما أوشك صبره على النفاد تزود باليقين، وذكر الله هو زاد اليقين.
دلَّ على هذا المعنى-والله أعلم- قول الله تعالى : {واصبِر لحُكمِ ربِّك فإنَّكَ بأعيننا وسبح بحمد ربِّك حين تقوم. ومن الليل فسبِّحه وإدبار النُّجومِ}. [سورة الطور: 48-49]
{واصبر لحكم ربِّك}: أمر بالصبر والاستسلام لحكم الله عز وجل، ودلَّ على معنى الاستسلام؛ تعدية الفعل {اصبر} بحرف الجر اللام، فقال: {واصبر لحكم ربك} ولم يقل: (واصبر على حكم ربك)
وحكم الله عز وجل يشمل الأمر بالطاعات، والنهي عن المحرمات، والصبر على الأقدار المؤلمة.
ومعنى الربوبية هنا من المعنى الخاص الذي فيه حفظ الله لأوليائه وتربيتهم بالإيمان والتوفيق لكل خير.
ثم علل هذا الأمر بالصبر بقوله: {فإنّك بأعيننا}: وهذا مما يبعث على اليقين بالله عز وجل ووعده؛ فإنّ من علم أن الله عز وجل يحفظه ويتولى أمره ومطلِّع عليه ولا يخفى عليه مجاهدته للصبر لحكم الله عز وجل، زاد صبره واحتسب عند الله أجره.

قال ابن جرير الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {واصبر لحكم ربّك} يا محمّد الّذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه، وبلّغ رسالاته {فإنّك بأعيننا} يقول جلّ ثناؤه: فإنّك بمرأًى منّا نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوءٍ من المشركين).


واذا تتبعت أمر الله عز وجل لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بهذا الذكر، ستجد أنه جاء مقرونا بالأمر بالصبر، والتوكل عليه.
قال الله عز وجل : {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}[سورة طه: 130]
وتأمل ختام هذه الآية: (لعلك ترضى)
وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)}[سورة الحجر: 97-98]

وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [سورة الفرقان:58]

وقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [سورة غافر 55]

وقال: {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [سورة ق 39]

وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}[سورة الطور 48 - 49]

ولعل السر في ذلك هو اجتماع التسبيح مع الحمد؛ والتسبيح تنزيه الله عن كل نقص مع تعظيمه، والحمد فيه إثبات صفات الكمال له.
فتستشعر أنه ما ابتلاكَ عن نقصٍ فيه، وما أخرَّ الفرجَ عليك عن عجز - سبحانه ، والحمد يثبت عكس ذلك من تمام حكمته وقدرته ، وعزته ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ أوامره كلها عدل وإحسان، وأخباره صدق، وأحكامه حكمة محكمة.
فسبحانه، لم يأمر عباده بما لا طاقة لهم به، وما كان ابتلاؤه لهم ليحرجهم، ولا يعجزه تفريج الكرب، ولا يغفل عن خلقه، يعلم بأمرك، وهمك، ويسمع دعاءك الذي خفي عن جلسائك، ويؤخر إجابتك لحكمة له فهو العليم الحكيم، البر الرحيم.

وإذا كان هذا أمر الله لخير الخلق -محمد صلى الله عليه وسلم-، فكيف بنا نحن!
فتأمل كيف أمر بهذا الذكر في مواضع الأمر بالصبر والتوكل عليه، كأنما هو عدة الصابرين في طريقهم.
قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {واصبر لحُكم ربك فإنّك بأعيننا}: "وهذه الآية ينبغي أن يقررها كل مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا".
تدبر
وتفكر
وإذا عرفت فالزم !
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.


مجموعة من أكثر من فقرة؛ أولها بتاريخ 26 صفر 1436 هـ، وآخرها بتاريخ 27 شوال 1443 هـ
تعديل: 9 رمضان 1444هـ


رد مع اقتباس
  #31  
قديم 11 رمضان 1444هـ/1-04-2023م, 10:14 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَـٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ }
[سُورَةُ المُجَادلَةِ: ١]

هذه الآية فيها بيان فضل هذه الصحابية الجليلة (خولة بنت ثعلبة) -رضي الله عنها-، ليس فقط لأنها تسعى لحفظ أسرتها، والاستفتاء من أجل تحري الحلال، والانتهاء عن الحرام، ولكن لأن الله عز وجل أخبرنا بخبيئة قلبها في تحاورها مع النبي صلى الله عليه وسلم
فقال الله عز وجل: {وتشتكي إلى الله}
ولك أن تتخيل أنها تقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشتكي، لكن ليس إليه، وإنما إلى الله عز وجل!
كأنها حين وقفت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لتخبره أمرها، فهي إنما تخبره لأنه رسول رب العالمين، فهي تنتظر الفرج من ربها أن يحكم الله في أمرها بما ييسر عليها !
وهذا بيان لتمام تعلقها بالله عز وجل، حتى وهي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم!

تصور هذا المشهد، ثم تصور من غلوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى محبته، وخالفوا هديه، وأمره!
وتصور من تعلقت قلوبهم بأسباب لا تنفع بل تضر.
وكفى بالله هاديا ونصيرا.
السبت
10 رمضان 1444 هـ

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 11 رمضان 1444هـ/1-04-2023م, 10:46 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ عَلَى ٱلطَّرِیقَةِ لَأَسۡقَیۡنَـٰهُم مَّاۤءً غَدَقࣰا (١٦) لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِیهِۚ وَمَن یُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ یَسۡلُكۡهُ عَذَابࣰا صَعَدࣰا (١٧) }
[سُورَةُ الجِنِّ: ١٦-١٧]
المراد بالطريقة هي طريق الحق والطاعة، على أحد القولين في تفسير هذه الآية.
فوعدهم الله عز وجل إذا استقاموا على الحق أن يسقيهم ماء غدقا، وفيه دلالة على النعيم في هذه الدنيا جزاء لهم على طاعتهم.
كما قال تعالى:
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ}
[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٩٦]

ولكن في آية سورة الجن قال تعالى:
(لأسقيناهم ماء غدقا. لنفتنهم فيه)
أي نبتليهم بهذا النعيم، تأكيدا على أنّ الحياة الدنيا ابتلاء بكل صورها، ولا ينفك المرء فيها عن الابتلاء أبدا.
وكم من أناس ابتلوا بالضراء فصبروا، ثم ابتلوا بالسراء ففُتنوا، والعياذ بالله.

لهذا كان ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمن في الحديث:
بأن قال: «عجبا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». رواه مسلم.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
السبت
10 رمضان 1444 هـ.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 11 رمضان 1444هـ/1-04-2023م, 10:55 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)}

نتعلم من سورة الشرح بعضا من آداب الابتلاء
منها:
1. استحضار نعم الله عز وجل على العبد، فمها اشتد بلاء الإنسان فهو غارق في نعم لا يستطيع إحصاءها ولا أن يوفي شكرها، كما ذكَّر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بما أنعم عليه من انشراح صدره للطاعات والهداية، وغفران ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ورفع ذكره، فلا يُذكرُ الله عز وجل إلا وذُكِر معه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الشهادتين والأذان.
قال الله عز وجل: (ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك)
2. أن نعلم أن النعم الدينية أفضل ما يحصل للإنسان، فانشراح الصدر للطاعات وقبول الهداية والقرب من الله عز وجل، أعظم نعيم يمكن أن يحصل للمرء في الدنيا وبه أنسه وطمأنينة قلبه، ولا يعوضه عنه كل ملذات الدنيا، فإذا كانت خسارته في مصلحة دنيوية، فينبغي أن تهون عليه مقابل ما هو فيه من نعم دينية.
3. أن نعلم أن ما أصابنا من بلاء إنما هو بتقدير الله، ثم نعلم أن الله عز وجل هو العليم الذي لا يخفى عليه أمرنا، وهو اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى، وهو الحكيم الذي يقدر كل شيء بحكمة، فينبغي التسليم لأمره.
ومن لطفه أن جعل اليسر مقارنا للعسر
فما من عسر قدَّره على الإنسان إلا وصاحبته ألطاف علام الغيوب.

4. اليقين بأن مع العسر يسرا، وقد جاءت الآيات مؤكدة ب(إنَّ) وكُررت مرتين زيادة في التأكيد، فلا يحيط العسر بك أبدا
قال الله عز وجل: {فإنَّ مع العسر يسرا. إنّ مع العسر يسرا}
فإذا عجزت عن تلمس مواطن اليسر فيما ألمَّ بك، فينبغي التسليم لله عز وجل، واليقين بوجود اليسر وإن لم تره.
والعسر جاء معرفا في الآيتين، بينما جاء اليسر نكرة، فدلّ على أن العسر مفرد، واليسر اثنين، لهذا قالوا: (لن يغلبَ عسرٌ يسرين)
وفي التمرن على عبادة التسليم لله عز وجل، نعيم كبير، يزيد القلب إيمانا وطمأنينة وثباتا مع كل ابتلاء يصيبه.
5. الانشغال بعبادة الله عز وجل، كل ما يستطيعه من العبادات
مع الجِّد في تحصيل الأسباب التي تدفع عنك العسر، فإذا فرغت من ذلك فانصب في بقية العبادات من الصلاة والذكر وكل ما تستطيعه، فهذا مما يهون عليك.
6. كمال تعلق القلب بالله عز وجل، فتقديم الجار والمجرور في قوله: {وإلى ربك فارغب} يفيد الحصر.
أي لا ترغب في غير ربك، والرب هو الذي يدبر أمور عباده بما تقتضيه الحكمة
فإذا علمت ذلك، كيف يتعلق قلبك بغيره؟

7 شعبان 1444هـ

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 12 رمضان 1444هـ/2-04-2023م, 04:04 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٠٧]
تأمل خاتمة الآية
إن لله عبادا باعوا أنفسهم وبذلوها خالصة لله - عز وجل -
نذروا أنفاسهم لله
فأخبر المولى أنه الرؤوف
ومن رأفته بهم أن يتقبلهم ولا يضيع أعمالهم
فإذا تجرعوا خيبات الرجاء من البشر
فأبدا والله لا يخيب رجاؤهم عند رب البشر
إنه رؤوف بالعباد !!

قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: (وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم) اهـ.

2 رمضان 1437 هـ

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 12 رمضان 1444هـ/2-04-2023م, 04:36 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{ وَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ (٣٦) }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٣٥-٣٦]

عجيبٌ هذا المشهد الذي يتكرر في حياتنا كل يوم، وبالرغم من أن الله - عز وجل - قصَّ علينا ما حدث مع أبينا آدم عليه السلام لنعتبر ونتعظ، إلا أننا -وبكل حمق- نُصِرُّ على تكرار الخطأ نفسه !
وإذا كان آدم عليه السلام فعله مرة واحدة، ثم تاب عليه ربه ، فاجتباه وهدى ، فنحن نكرره في كل يوم مرات ومرات !!

ولازالت حيلةُ الشيطان واحدة، يشغلُنا بما نفقدُ عما نملك، حتى نفقدَ ما نملك، ولا نحظى بما نفقد، وهذا هو الشقاء بكل ما تحمله الكلمة من المعنى….
ولو أننا انشغلنا بشكر نعم الله علينا قولا وعملا، مع بذل ما أقدرنا الله عليه من أسباب لتحصيل ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، والتسليم لأمره بعد ذلك، لما وجدنا أسى على ما نفقد، بل علمنا عظيم فضل الله علينا وما اختصنا به من نعم، لا نستطيع أن نوفي شكرها.
وتأمل لو أن آدم عليه السلام لم ينشغل بوسواس الشيطان له، ولم يقترب من الشجرة التي نهاه الله عنها
وانشغل بما أنعم الله به عليه في هذه الجنة كما قال له:
{اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة}
معه الجنة كلها إلا شجرة!
وقال الله عز وجل:
{ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَىٰ (١١٩) }
[سُورَةُ طه: ١١٨-١١٩]
ومع هذا استمع لوسواس الشيطان:
{قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}
ولعله مثل كتبه الله على أبينا آدم لنعتبر به، فنحن نكرر القصة نفسها كل يوم!
ولكل منا جنته التي رزقه الله بها، ولكل منا شجرته التي منعه إياها
فلا يزال المرء ينشغل بالشجرة وينسى شكر نعمة الجنة
حتى يفقد جنته فيشقى ويتحسر على ما فقد بعد فوات الأوان!
والشيء بالشيء يُذكر، فكثيرا ما يطلب الإنسان من ربه من نعم الدين والدنيا، ويُلح على ربه في المسألة أنه يريد شيئا صفته كذا وكذا، فيأتيه الله بما يحب كما سأل لكنه محفوف بما يكره، أو مشوب بصفة يكرهها، فيزهد فيه للصفة التي كرهها، ويغفل عما يحب ناسيا أنه كان يلح على ربه بالمسألة ليأتيه بهذا الشيء!
وهذا من كفران النعمة، والغفلة عن حقيقة أن الدنيا دار ابتلاء ولابد فيها من الابتلاء!
وإذا كان سؤاله هذا في نعمة من نعم الدين، أو النعم التي تعينه على طاعة الله عز وجل، ثم يسَّره الله له، وابتلاه بشيء واحد يكرهه، فزهد في النعمة لما يكرهه، فهذا بلاء أعظم، ومن أسباب الحرمان من الخير.
قال مالك بن دينار: «مَا مِنْ أَعْمَالِ ‌الْبِرِّ شَيْءٌ إِلَّا وَدُونَهُ عَقَبَةٌ فَإِنْ صَبَرَ صَاحِبُهَا أَفْضَتْ بِهِ إِلَى رَوْحٍ وَإِنْ جَزَعَ رَجَعَ». رواه أبو نُعيم في حلية الأولياء.
وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات». رواه مسلم.
وهكذا جنة الدنيا ونارها!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

25 جمادى الأولى 1437
تعديل: 11 رمضان 1444 هـ


رد مع اقتباس
  #36  
قديم 12 رمضان 1444هـ/2-04-2023م, 10:13 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}
[سُورَةُ البَقَرَةِ]

اختُلف في معنى قوله تعالى:(وتثبيتا من أنفسهم)
وذلك بحسب الخلاف في معنى تثبيتا، ومعنى حرف الجر (مِن)، ومتعلق الجار والمجرور، على أقوال تدل على سعة معاني آيات القرآن، وحكمتها.
ويمكن تصنيف الأقوال بحسب الخلاف في معنى حرف الجر (مِن)، وجاء فيها عدة أقوال:
القول الأول: أنها ابتدائية، ذكره الزمخشري والبيضاوي وأبو حيان احتمالا، واختاره النسفي.🔻
وعليه يكون الجار والمجرور متعلقا بـابتغاء، و(تثبيتا) معطوف على (ابتغاء) ويحتمل فيهما أنهما بمعنى المفعول لأجله، أو الحال، وسأقتصر في بيان المسألة على معنى المفعول لأجله.
والمقصود أنهم ينفقون أموالهم لأجل ابتغاء مرضات الله وتثبيتا حاصلا من أصل أنفسهم، وهو دلالة على تحقيقهم الإخلاص لله عز وجل، يقينًا في الثواب من عند الله عز وجل.
فيكون اليقين أيضا متحققا في أنفسهم، وهو يقين بوعد الله عز وجل أنه يثيب المنفقين ويخلفهم خيرا، واليقين باليوم الآخر.
ونظير هذا قول الله عز وجل: (فأما من أعطى واتقى. وصدَّق بالحسنى)
فهم يصدقون بجزاء الله عز وجل لهم، بعكس المنافقين الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، وذكر الله مثلهم في الآية السابقة: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)
وتثبيتا على هذا القول يحتمل أن تكون بمعنى تصديقا ويقينا في الثواب، أو احتسابًا لله عز وجل، وسيأتي تفصيل الأقوال أدناه.
ويحتمل أن تكون على بابها بمعنى التثبيت، وحُذف متعلق هذا المصدر، والمقصود: من يثبتون؟
‏ فيحتمل أنهم يثبتون بنفقتهم غيرهم من المؤمنين الفقراء، ويثبتون المؤمنين عموما بحثهم على النفقة وأعمال البر، ويثبتون أنفسهم بهذه النفقة.
وهذا لا يتعارض مع ما سبق تقريره من معنى التثبيت، بل يثبتون أنفسهم وغيرهم احتسابًا لله عز وجل ويقينًا في ثوابه.
والقول بأن معنى (مِن) ابتدائية، ومعنى الآية على هذا القول، يفيد أن نفوسهم زاكية، وقلوبهم عامرة بالإخلاص، وهم يزدادون من الطاعات بأثر صلاح قلوبهم.
ومن أقوال السلف الدالة على هذا المعنى:
القول بأن التثبيت بمعنى تحري الإخلاص في العمل:
قال أشهل عن على بن على، عن الحسن: "{الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم}، قال: إذا أراد أن ينفق تثبت، فإن كان لله مضى، وإلا أمسك". رواه ابن وهب.
قال سعيدٌ، عن قتادة: {وتثبيتًا من أنفسهم} يقول: احتسابًا من أنفسهم. رواه ابن جرير.

القول بأن التثبيت بمعنى اليقين في الثواب من عند الله عز وجل:
قال معمر عن قتادة في قوله تعالى وتثبيتا من أنفسهم قال ثقة من أنفسهم". رواه عبد الرزاق وابن جرير.
قال سفيان، عن أبي موسى، عن الشّعبيّ: "{وتثبيتًا من أنفسهم} قال: تصديقًا وتيقينًا". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قال يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قوله: {وتثبيتًا من أنفسهم} يقينًا من أنفسهم قال: التّثبيت اليقين". رواه ابن جرير.
قال يونس، قال: حدّثنا عليّ بن معبدٍ، عن أبي معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ، في قوله: "{وتثبيتًا من أنفسهم} يقول: يقينًا من عند أنفسهم". رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: "وَهَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْفِقِينَ ﴿أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه﴾ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: وَهُمْ مُتَحَقِّقُونَ مُثَبتون أَنَّ اللَّهَ سَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ، وَنَظِيرُ هَذَا فِي الْمَعْنَى، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. . . " أَيْ: يُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ، وَيَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابَهُ". اهـ


القول الثاني في معنى (مِن) أنها للتعدية، وعليه يكون الجار والمجرور متعلقا بـتثبيتا.
والمقصود أنهم ينفقون أموالهم لأجل ابتغاء مرضات الله عز وجل، ولأجل تثبيت أنفسهم.
وهذا القول يفيد أنهم يفعلون الطاعات لتزكية نفوسهم.
فهو بمعنى قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)
وعلى أحد القولين في معنى قوله تعالى: (الذي يؤتي ماله يتزكى)
والإنسان مأمور بالسعي لتزكية نفسه بفعل الطاعات وتجنب المحرمات، والتوبة من ذنوبه
كما قال الله عز وجل: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه)
وقال: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها)، على أحد القولين في مرجع الضمير في (زكاها).
ويلحق بهذا القول قول من قال أن مِن بمعنى اللام؛ أي تثبيتا لأنفسهم، ذكره البيضاوي وأبو حيان احتمالا.
ويلحق به قول الزمخشري أنها للتبعيض أي يثبتون بعض أنفسهم، وهو يرى أن النفس لها أحوال كل حال يستدعي عمل معين لتثبيته فبعض النفس يتثبت ببذل المال وبعضه ببذل الروح في سبيل الله.
قال الزمخشري: ( فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها (وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) ).اهـ
ومعنى الآية - والله أعلم - يحتمل جميع هذه المعاني.
قال ابن جُزي الكلبي: " ﴿وَتَثْبِيتاً﴾ أي تيقناً وتحقيقاً للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذل المال" اهـ.
ويستفاد من هذه المسألة:
1. أثر الإخلاص في قبول العمل، وسيأتي بيانه مع بيان الأقوال في معنى المثل الوارد في الآية بإذن الله.
2. على قدر زكاة النفوس يكون البركة في النية، وفي العمل، فهم لا يكتفون بإخراج النفقة احتسابًا لله عز وجل، وإنما يرجون بها ثباتًا لنفوسهم ولغيرهم من المؤمنين، ويرجون بها الثواب عند الله عز وجل.
قال الله عز وجل: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدَّ تثبيتا. وإذا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا. ولهديناهم صراطًا مستقيمًا}
3. أثر الاستزادة من الطاعات في تزكية النفوس، على القول بأن معنى (مِن) للتعدية.
4. أنَّ العمل داخل في معنى الإيمان.
5. أن الإيمان يزيد بالطاعات.

والله أعلم.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 13 رمضان 1444هـ/3-04-2023م, 08:41 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

{وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا }
[سُورَةُ النِّسَاءِ: ٣٦]
قال ابن عطية في مناسبة ختام الآية بقوله: (إنّ الله لا يحب من كان مختالا فخورا):
" هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ هُنا إذْ مُقْتَضاهُما العُجْبُ والزَهْوُ، وذَلِكَ هو الحامِلُ عَلى الإخْلالِ بِالأصْنافِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أمْرُ اللهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. ولِكُلِّ صِنْفٍ نَوْعٌ مِنَ الإحْسانِ يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَعُوقُ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ إلّا العُجْبُ أوِ البُخْلُ، فَلِذَلِكَ نَفى اللهُ مَحَبَّتَهُ عَنِ المُعْجَبِينَ والباخِلِينَ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ". اهـ

يعني الآية التالية:
{ ٱلَّذِینَ یَبۡخَلُونَ وَیَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَیَكۡتُمُونَ مَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣰا مُّهِینࣰا }
[سُورَةُ النِّسَاءِ: ٣٧]
فعلى أحد القولين في تفسيرها أن (الذين يبخلون) بدل من (مختالا فخورا)

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقنا سيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت.

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 14 رمضان 1444هـ/4-04-2023م, 01:29 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (70)} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 69-70]
بيّن سبحانه في هاتين الآيتين عظيم فضله على عباده، أن يرزقهم رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة، جزاء على طاعتهم لله ورسوله، هذا مع كون بعضهم لم يلحقوا بهم في العمل !
ثم قال الله عز وجل: {ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما}
وفي هذه الآية بيان لعظيم فضل الله على عباده ورأفته بهم، وفيها ما يؤنس السالك في طريقه إلى ربه، ويهون عليه مجاهدة العوائق، وقطع العلائق.
وهذا بعض ما وقفت عليه، وأسأل الله التوفيق:
1. اسم الإشارة (ذلك) للبعيد، مع قرب مرجعه، أفاد عظيم هذا الفضل وعلو مرتبته وقدره، وهو مما يحث العبد على تحصيله بتحقيق موجبه (طاعة الله ورسوله)، ويستوجب الشكر أن بشّر الله عباده في كتابه بمثل هذا الفضل.
2. اسم الإشارة (ذلك) مبتدأ، واختُلف في خبره:
- فقيل الخبر هو (الفضل)، و (من الله) حال، أو صفة للفضل.
وعلى هذا القول يكون المبتدأ والخبر معرفتين، وهو مما يفيد الحصر أنّ هذا الفضل من الله وحده.
- وقيل (الفضل) صفة لاسم الإشارة، والخبر (من الله).
وعلى كل حال ففي هذه الجملة بيان لأن هذا الفضل من الله ابتداء، وهذا مما يوجب كمال تعلق القلب بالله عز وجل، وألا يطلب هذا الفضل من غيره !
3. والمقصود بالفضل يحتمل أن يكون التوفيق للطاعة؛ فيستحقون عليها الجزاء.
ويحتمل أن يكون الفضل هو الجزاء برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة، وكلا القولين صحيح؛ فالله سبحانه هو المتفضل على عباده بالتوفيق للطاعات ابتداء وهو المتفضل عليهم بعظيم الثواب.
4. كلمة (الفضل) تفيد أنهم لم يبلغوا هذه الدرجة في الجنة بعملهم؛ وإنما هو فضل الله عليهم، وهذا يستوجب مزيدا من الشكر، والاجتهاد في الثبات على الطاعة.
وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب))".
وروى البخاري نحوه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ: ((وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا)).
قَالَ لاَ شَيْءَ إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)). قَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)). قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ.
5. جاء ختام الآية: (وكفى بالله عليما)
وفيها حثٌ أيضا على الثبات على طاعة الله ورسوله؛
- فإن من أيقن أن الله عليم به، مطلع على حاله وعمله، يستحي أن يراه الله عز وجل حيث نهاه، ويجتهد أن يراه حيث أمره.
- ثم من أيقن أن الله هو العليم، واكتفى به عليما أخلص عمله لله عز وجل، وثبت عليه غير مبال بمدح أحد أو ذمه.
- وإذا أيقن أن الله هو العليم واكتفى به عليما، علم أنه لا يخيب عند الله سعيه وهو مكافئه عليه.
كما قال تعالى:
{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10)} [سورة الغاشية: 8-10]
وقال:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)}[سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: 94]

- وفي هذه الجملة: (وكفى بالله عليما) إظهار في موضع الإضمار، فكان يمكن أن يقول: (ذلك الفضل من الله وكفى به عليما)
ولعل الحكمة منه والله أعلم- ، التأكيد على هذه المعاني السابق ذكرها؛ الإخلاص لله عز وجل، واحتساب الأجر عنده، واستحضار مراقبته واطلاعه على عمل العبد.
- وحذف متعلق العلم ليشمل ذلك كله؛ علمه بحالهم، وما في قلوبهم من الإخلاص واليقين واحتساب الأجر عند الله، وعلمه بطاعتهم لله ورسوله، وعلمه بالجزاء الذي يتفضل به عليهم.
كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} [سُورَةُ الأنعام: 53]
وقال: {
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)} [سورة الأنفال: 70]
والله أعلم.

12 رمضان 1444 هـ


رد مع اقتباس
  #39  
قديم 15 رمضان 1444هـ/5-04-2023م, 05:56 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل:
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا وَیُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ }
[سُورَةُ الأَنفَالِ: ٢٩]

جاءت هذه الآية مبشرة للمتقين أن الله يجعل لهم فرقانا، وحُذف متعلقه.
قال ابن عاشور:
((والفُرْقانُ أصْلُهُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ والبُهْتانِ، وهو ما يُفَرِّقُ أيْ يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، وقَدْ أُطْلِقَ بِالخُصُوصِ عَلى أنْواعٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ فَأُطْلِقَ عَلى النَّصْرِ، لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حالَيْنِ كانا مُحْتَمَلَيْنِ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرِ، ولُقِّبَ القُرْآنُ بِالفُرْقانِ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ - تَعالى - ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ هُنا لِقَصْدِ شُمُولِهِ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ مِن مَعانِيهِ، فَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصْرِ، وعَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، الفُرْقانُ: المَخْرَجُ، وفي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ أنَّهم سَألُوا مالِكًا عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: مَخْرَجًا، ثُمَّ قَرَأ ”﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]“ . وفُسِّرَ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ في الأحْوالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيها التَّمايُزُ في أحْوالِ الدُّنْيا، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ أحْوالُ النَّفْسِ: مِنَ الهِدايَةِ، والمَعْرِفَةِ، والرِّضى، وانْشِراحِ القَلْبِ، وإزالَةِ الحِقْدِ والغِلِّ والحَسَدِ بَيْنَهم، والمَكْرِ والخِداعِ وذَمِيمِ الخَلائِقِ.
وقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ ”لَكم“ أنَّ الفُرْقانَ شَيْءٌ نافِعٌ لَهم، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما فِيهِ مَخْرَجٌ لَهم ونَجاةٌ مِنَ التِباسِ الأحْوالِ وارْتِباكِ الأُمُورِ وانْبِهامِ المَقاصِدِ، فَيَئُولُ إلى اسْتِقامَةِ أحْوالِ الحَياةِ، حَتّى يَكُونُوا مُطْمَئِنِّي البالِ مُنْشَرِحِي الخاطِرِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونُوا مَنصُورِينَ، غالِبِينَ، بُصَراءَ بِالأُمُورِ، كَمَلَةَ الأخْلاقِ، سائِرِينَ في طَرِيقِ الحَقِّ والرُّشْدِ، وذَلِكَ هو مِلاكُ اسْتِقامَةِ الأُمَمِ، فاخْتِيارُ الفُرْقانِ هُنا لِأنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي لا يُؤَدِّي غَيْرُهُ مُؤَدّاهُ في هَذا الغَرَضِ وذَلِكَ مِن تَمامِ الفَصاحَةِ)) اهـ.

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 15 رمضان 1444هـ/5-04-2023م, 06:45 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}
وفي قوله تعالى: {وكونوا مع الصادقين} معنى بديع؛ فهو لم يقل (وكونوا من الصادقين) بل جاءت (مع) لتتضمن معنيين:

الأول: الأمر بأن نكون مع الصادقين يستلزم صحبتهم في الحال ، وأن نتصف بما اتصفوا به؛ فهو بمعنى (وكونوا من الصادقين)، وذكر نحو هذا المعنى ابن عطية وابن عاشور.
الثاني: تأييدهم ونصرهم؛ فيأتي على هذا المعنى معاتبة الثلاثة الذين خُلفوا بأن يكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين نصروه في غزوة تبوك، وهو كذلك دعوة لعموم المؤمنين أن يؤيدوا وينصروا الصادقين ومنهم الثلاثة الذين خُلفوا.
وبهذه الفائدة يتضح لنا وجه الجمع بين الأقوال الثلاثة في تفسير المراد بالذين آمنوا، والصادقين في الآية.

ولابن جرير الطبري في تفسيره بيان لمعنى بديع في تفسير الآية، وفائدة التعبير بـ (مع الصادقين)؛ فالمعنى عنده: (اتقوا الله فافعلوا أمره واجتنبوا نهيه لتكونوا مع الصادقين في الآخرة في جنة الخلد)

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين معرّفهم سبيل النّجاة من عقابه والخلاص من أليم عذابه: يا أيّها الّذين آمنوا باللّه ورسوله، اتّقوا اللّه وراقبوه بأداء فرائضه وتجنّب حدوده، وكونوا في الدّنيا من أهل ولاية اللّه وطاعته، تكونوا في الآخرة مع الصّادقين في الجنّة. يعني مع من صدق اللّه الإيمان به فحقّق قوله بفعله ولم يكن من أهل النّفاق فيه الّذين يكذب قيلهم فعلهم.
وإنّما معنى الكلام: وكونوا مع الصّادقين في الآخرة باتّقاء اللّه في الدّنيا، كما قال جلّ ثناؤه: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين})

وها هنا رسالة في تفسير هذه الآية:
http://afaqattaiseer.net/vb/showthre...581#post211581

رب أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا.

رد مع اقتباس
  #41  
قديم 17 رمضان 1444هـ/7-04-2023م, 12:50 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [سورة إبراهيم: 27]
والقول الثابت هو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهي المرادة في بالمثل المذكور في الآيات السابقة، في قوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [سورة إبراهيم: 24-25]
وهو المستفاد من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا أُقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} )). رواه البخاري ومسلم.
وفي الحديث إشارة إلى تثبيت الله عز وجل للمؤمنين بالقول الثابت في الآخرة.
وأفادتنا الآية سبيل تحصيل الثبات في الحياة الدنيا وهو بتحقيق كلمة التوحيد، وتحقيقها على درجات كما هو في مراتب الدين؛ فمن الناس من يحقق مرتبة الإسلام فيجتنب نواقض الإسلام، ومن الناس من يحقق مرتبة الإيمان فيأتي بالطاعات ويجتنب المحرمات، ومن الناس من يحقق مرتبة الإحسان فيكون أكثر مراقبة لله عز وجل وإخلاصا واحتسابا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الطويل: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). رواه مسلم.
والمرء بحاجة إلى الثبات أمام ما يعترضه من مِحن وكربات، وما يعرض له من فتن الشبهات والشهوات، وسبيل الثبات أمامها جميعًا هو تحقيق كلمة التوحيد.
والمتأمل للذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم لكشف الكرب يجد أنه متضمن لكلمة التوحيد
عن ابن عباس، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم». رواه مسلم.
عن عبد الله بن جعفر، عن أمه أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولها عند الكرب: " ‌الله ‌ربي ‌لا ‌أشرك ‌به ‌شيئا . رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
قال إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم، أو أحدثكم، بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من بلاء الدنيا دعا به فرج عنه؟» فقيل له: بلى، قال: " دعاء ذي النون: ‌لا ‌إله ‌إلا ‌أنت ‌سبحانك إني كنت من الظالمين". رواه النسائي في السنن الكبرى وصححه الألباني.
وتذكر كلمة التوحيد عند الكرب مما يذكر المرء أنه عبد لله عز وجل، وأن عليه الصبر لحكمه، واتباع هديه فيما أمره به، كما يطهر القلب من الشرك الأصغر خاصة التعلق بغير الله عز وجل؛ فيصدق المرء في توكله على ربه، لعل الله يكشف عنه كربه.

وأما فتن الشبهات والشهوات فمرجعها في الغالب إلى اتباع الهوى، كما قال تعالى: {وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم}، أي بسبب أهوائهم، واتباع الهوى ينافي كمال تحقيق التوحيد فهو من الشرك الخفي؛ لأنه يقدم هواه على أمر الله وأمر رسوله، والعياذ بالله.
فمن قال بلسانه صادقًا محتسبًا (لا إله إلا الله)، فهو يقر أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وإذا أقر بهذا لم يكن له أن يتبع هواه فيأتي بطريقة للعبادة لم يشرعها الله عز وجل، ومخالفة لهدي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا لم يكن له أن يستزل لفتن المعاصي والشهوات مخالفا أمر الله عز وجل ورسوله باجتنابها.
فعُرف من هذا أن السبيل للثبات أمام الفتن، وأمام الكربات هو تحقيق كلمة التوحيد.
وعُلم كذلك أن ضرورة سؤال الله عز وجل الثبات، لأن الله عز وجل هو الذي يثبت عباده كما جاء في الآية: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت}
روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: " ‌يا ‌مقلب ‌القلوب، ثبت قلبي على دينك ". قال: فقلنا يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: فقال: " نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها ". اهـ، ورُوي نحو هذا الخبر عن عائشة وأم سلمة وأنس بن مالك والنواس بن سمعان رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من هذا الدعاء؛ فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 17 رمضان 1444هـ/7-04-2023م, 01:13 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)} سورة النحل.

مسألة: دلالة التفريق بين الذين آمنوا والمسلمين؛ فجعل التثبيت للذين آمنوا، والهداية والبشرى للمسلمين.
هل يُراد بالإيمان والإسلام هنا مراتب الدين أو هما بمعنى واحد؟


قال ابن عاشور (ت:1393): "وفِي التَّعْلِيلِ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيتِ والهُدى والبُشْرى بَيانٌ لِرُسُوخِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وسَدادِ آرائِهِمْ في فَهْمِ الكَلامِ السّامِي، وأنَّهُ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ بِصِحَّةِ اليَقِينِ، وهُدًى وبُشْرى لَهم.
وفِي تَعَلُّقِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ بِفِعْلِ التَّثْبِيتِ إيماءٌ إلى أنَّ حُصُولِ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ؛ فَيُفِيدُ تَعْرِيضًا بِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ تَقْتَصِرُ مَدارِكُهم عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الحَقِّ فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الفَهْمُ، ويَزْدادُونَ كُفْرًا، ويَضِلُّونَ، ويَكُونُ نِذارَةً لَهم.
والمُرادُ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهُدًى وبُشْرى لَهم، فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ؛ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفٍ آخَرَ شَرِيفٍ".

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 18 رمضان 1444هـ/8-04-2023م, 12:28 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)} (سورة طه)
اللام في (لتشقى) تحتمل معنى التعليل، ومعنى لام العاقبة.
و (تذكرة) مصدر منصوب على الاستثناء المنقطع ويحتمل أن يكون بمعنى: (لكن لتُذكِّر به من يخشى)، ومعنى: (لكن ليتذكر من يخشى)، والتذكر هو العمل بالعلم، والخشية هي الخوف المصحوب بالعلم.

🔷 فعلى معنى التعليل يكون المعنى -والله أعلم-، ما كلَّفناك بأعباء الرسالة لتشقى لكن لتُذكِّر من يخشى؛ فيتذكروا به.
ففيه- والله أعلم- توجيه أن عليه البلاغ لعموم الناس، ولن يتذكر بهذا البلاغ إلا من يخشى، فلا تذهب نفسك على من أعرض حسرات، فلا يكلف نفسه ما لم يكلفه الله به من هداية التوفيق، وإنما عليه هداية الإرشاد والدلالة.

كما قال تعالى: {وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَیِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِی ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ}
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٦٤]
وقال: {لَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ أَلَّا یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ (٣) إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ ءَایَةࣰ فَظَلَّتۡ أَعۡنَـٰقُهُمۡ لَهَا خَـٰضِعِینَ (٤)}
[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٣-٤]

وقال: {وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَیۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِی ضَیۡقࣲ مِّمَّا یَمۡكُرُونَ}
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ١٢٧]
ونستفيد منه أن التكاليف الشرعية التي يكلف الله بها عباده، والابتلاءات التي يُقدّرها عليهم لا توقعهم في حرج ومشقة وعنت، وإنما يحصل الشقاء بمخالفة أمر الله ورسوله في هذا الابتلاء
كما قال تعالى: { وَجَـٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ مِّلَّةَ أَبِیكُمۡ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَـٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ }
[سُورَةُ الحَجِّ: ٧٨]

🔷 وعلى معنى لام العاقبة يكون المعنى:
ما أنزلنا عليك القرآن لتكون عاقبة أمرك شقاء لكن لتذكر به من يخشى فيتذكروا به
وهو بمعنى: {وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى}
ويفيدنا أن من تمسك بهذا القرآن وتذكَّر به لا تكون عاقبة أمره شقاء.
قال ابن جزي الكلبي:
" والمعنى أنه نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة".

وفي قوله تعالى: {إلا تذكرة لمن يخشى}
دلَّ على أنه إنما ينتفع بالقرآن فيتذكر به، من يخشى، والخشية خوف من الله مصحوب بالعلم به؛ علم بصفات جلاله وكماله، وعلم بنعيمه وعذابه، وعلم بعاقبة اتباع أمره، وعاقبة مخالفته في الدنيا والآخرة.
والله أعلم.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 18 رمضان 1444هـ/8-04-2023م, 03:36 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

عبادُ الله المخبتون



الإخبات عمل قلبي ورد في القرآن في ثلاثة مواضع:

قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)} [سورة هود:23]
وقال: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)} [سورة الحج: 34-35]
وقال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} [سورة الحج: 54]

وأصل معنى الإخبات في اللغة هو التخشع والتواضع، وهو مأخوذ من الأرض الخبت أي الأرض المنخفضة، ومن صفة هذه الأرض أن تكون صالحة للاستطراق ولغير ذلك من المنافع.
قال الخليل بن أحمد (ت:170 هـ): "الخَبْتُ: ما اتسع من بطون الأرض، وجمعه خُبُوت. والمُخْبِتُ: الخاشع المتضرع، يخبت إلى الله ويخبت قلبه لله" [العين: 4-241]
وتفسير السلف لمعناه يبدو كأن فيه شيئا من التناقض -وليس كذلك-:
قال عبد اللّه بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وأخبتوا إلى ربّهم} يقول: "خافوا". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قال معمرٌ، عن قتادة: "{وأخبتوا إلى ربّهم} الإخبات: التّخشّع والتّواضع". رواه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
قال ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: "{وأخبتوا إلى ربّهم} قال: اطمأنّوا". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قال سُنيد: ثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، "{وأخبتوا إلى ربّهم} قال: اطمأنّوا". رواه ابن جرير.
قال عطية العوفي عن ابن عباس: قوله: {إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وأخبتوا إلى ربّهم} قال: "الإخبات: الإنابة". رواه ابن جرير.
قال سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وأخبتوا إلى ربّهم} يقول: "وأنابوا إلى ربّهم". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

وأقوال السلف متلازمة، لكن فسر بعضهم بالمعنى المطابق مثل تفسير قتادة أنه التخشع والتواضع، وفسره بعضهم بلازم معناه إما بسبب التخشع وهو الخوف وإما بنتيجته وهو الإنابة والطمأنينة.
وبيان هذا في قوله تعالى:
{فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) [سورة الحج: 34-35]
جاء بيان معنى المخبتين في هذه الآيات ببيان أعمالهم، مع اختلاف في التعبير اللغوي لوصف كل عمل:
فأول وصفهم أنهم إذا ذُكر الله وجِلت قلوبهم، والوجل هو استشعار الخوف، وجاء هذا المعنى في صيغة الشرط (إذا) الدال على تكرره كلما حصل فعل الشرط وهو ذكر الله، يحصل جوابه وهو وَجَلُ قلوبهم، لكن هذا الخوف ليس خوف المضطرب القلق وإنما هو الخوف الذي يُترجم إلى عمل ثابت راسخ؛ فجاءت الأوصاف التالية معبرة عن ذلك:
{والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}
التعبير باسم الفاعل عن الصبر وإقامة الصلاة يدل على ملازمتهم لهذا الفعل حتى صار وصفًا لهم، والتعبير بالفعل المضارع عن النفقة مما رزقهم الله يدل على التجدد والاستمرار، و "ما" في و {ومما رزقناهم} تدل على العموم، أي ينفقون من كل ما رزقهم الله.
وكذلك قوله: {والصابرين على ما أصابهم} يدل على العموم، فهم صابرون على كل ما يصيبهم من أمر الله عز وجل، والصبر حبس النفس عن السخط، والسخط موجب للجزع والقلق والاضطراب؛ فإذا صبروا كان هذا أول طريقهم للطمأنينة، وكذلك إذا كانوا ممن يحافظون على إقامة الصلاة والنفقة مما رزقهم الله؛ فإن الله قال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)} [المعارج: 19-25]
فإذا كان هذا وصف فعلهم، فهو منبئ عن المعنى القائم بقلوبهم وهو الخشوع والخضوع لله عز وجل، فإذا انقادت قلوبهم لأمر الله عز وجل، ركنت إليه فاطمأنت، لأنها إنما تركن لأمر العليم الحكيم، الشكور الحليم، تعلم أن أمره حكمة وفي الإتيان به عين المصلحة للعبد، وتعلم أن الله لا يضيع عنده أجر المؤمنين.
ولعل تعدية الفعل بحرف الجر (إلى) في قوله تعالى: {وأخبتوا إلى ربهم} ليتضمن معنى التضرع إلى الله والركون إليه، وتعديته بحرف الجر اللام في قوله: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} على أصله من الخضوع لأمر الله عز وجل.

ولعل هذا المعنى يبين لنا وجه الجمع بين قوله تعالى:
{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَـٰبࣰا مُّتَشَـٰبِهࣰا مَّثَانِیَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِینُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ }
[سُورَةُ الزُّمَرِ: ٢٣]
وقوله تعالى: {وَیَهۡدِیۤ إِلَیۡهِ مَنۡ أَنَابَ (٢٧) ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَىِٕنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَىِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ (٢٨) }
[سُورَةُ الرَّعۡدِ: ٢٧-٢٨]
أنهم لما وجلت قلوبهم من ذكر الله خشعوا وخضعوا لربهم فأنابوا إليه فحصلت لهم الطمأنينة؛ آية سورة الرعد أثبتت الطمأنينة لمن أنابوا، وآية سورة الزمر فيها وصف الذين يخشون ربهم، والخشية وصف أخص من الخوف لأنه خوف مقرون بعلم بالله عز وجل وأمره ونهيه، ومن أثر خشيتهم أنهم يتذكرون بالذكر فينتفعون به ويعملون به.
وباختصار فالخبتُ هي الأرض المنخفضة الواسعة، التي يسهل إنشاء الطرق والبناء عليها، بعكس الأرض الوعرة التي تحتاج لكثير من الإصلاح قبل استعمالها.
وكذلك قلوب عباد الله المخبتين لما خشعت لله عز وجل تواضعت وانقادت لأمره؛ فركنت إلى جنابه واطمأنت.
ويحصل هذا الخشوع مع ذكر الله عز وجل، بالقلب واللسان والعمل؛ فإذا ذُكر الله وجلت قلوبهم تعظيما له وخوفا منه، فتخشع، فتخضع، فتركن لأمره؛ فتنيب إلى ربها وتطمئن.

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن دعوة لا يستجاب لها.
والله أعلم.


رد مع اقتباس
  #45  
قديم 19 رمضان 1444هـ/9-04-2023م, 12:53 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)} [سورة الأحزاب]
اختُلِف في إعراب الذين في قوله تعالى: (الذين يبلغون رسالاتِ الله):
القول الأول: صفة للذين خلوا من قبل، في الآية السابقة.
وعلى القول بأن المراد بهم الأنبياء، ففي هذا إيماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم، كما قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}
القول الثاني: منصوب على المدح، أمدح الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وفي مدحهم حث على الاتصاف بوصفهم.
القول الثالث: مرفوع على الابتداء، وإذا فخبره محذوف، ولعل ختام الآية: {وكفى بالله حسيبا} يدل عليه.
و{حسيبا} تحتمل معنيين محاسبا، ومحسِبا أي كافيا لهم.
قال أبو السعود: "﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى غَيْرُهُ، أوْ مُحاسِبًا عَلى الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حَقُّ الخَشْيَةِ مِنهُ تَعالى".
والمقصود أنه على القول برفع (الذين) على الابتداء يحتمل -والله أعلم- أن يكون المقصود:
الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله يكفيهم ربهم مخاوفَهم ولا يضيع أجرهم.
والله أعلم.


رد مع اقتباس
  #46  
قديم 19 رمضان 1444هـ/9-04-2023م, 09:17 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)} [سورة فاطر]
جاءت (رحمة) نكرة في سياق الشرط فأفادت العموم؛ فمهما يكن من رحمة يفتحها الله على خلقه فلا يقدر أحد على منعها عنهم.
وقال: {وما يمسك فلا مرسل له}
ذكر المتعلق في الفتح وهو الرحمة وحذفه في المسك؛ فلم يقل ماذا يمسك؟
أكثر المفسرين على أن المتعلق المحذوف هو الرحمة، وحُذِف لأنه ذُكر في الجملة قبلها.
ويظهر -والله أعلم- أن الحذف هنا للعموم أيضا، عموم ما يمسكه الله عن عباده من الخير والشر، وقال بالعموم أبو حيان وتبعه أبو السعود.
ولا يخلو حال العبد في كل وقت من النعيم برحمة الله عليه في نعم لا تعد ولا تحصى، وكذا يمسك عنه شرورا كثيرة مما يعلمه العبد وما لا يعلم.
لهذا جاء ختام الآية: (وهو العزيز الحكيم)
فاسم الله العزيز يدل على كمال قدرته وقهره وامتناع كل نقص وعجز عنه، واسم الله الحكيم يدل على أن أفعاله كلها من منع وعطاء حكمة محكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه.

فلئن أمسك الله عن عبده أمرا يطلبه فقد أعطاه الكثير الكثير، وفي إمساكه حكمة لئن تبصَّر بها العبد لَعلِم أن ما يمسكه الله عنه -مما يحسبه العبد خيرا له- هو رحمة به، وإذ لم يهتد العبد للحكمة من المنع، فعليه أن يركن لإيمانه بأن الله هو العزيز الحكيم، ويستسلم لأمره.
ولئن أصابه الله بأمرٍ يراه العبد شرا له، يؤلمه ويزعجه، فليعلم أنه بأمر الله، وحده كان يمنع هذا الشر عنه ووحده أرسله، فينبغي أن يتضرع إلى الله عز وجل مخلصا لينجيه منه.
كما قال تعالى: {وَمَا لِیَ لَاۤ أَعۡبُدُ ٱلَّذِی فَطَرَنِی وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ (٢٢) ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةً إِن یُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَـٰنُ بِضُرࣲّ لَّا تُغۡنِ عَنِّی شَفَـٰعَتُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُنقِذُونِ (٢٣) إِنِّیۤ إِذࣰا لَّفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ (٢٤)}
[سُورَةُ يسٓ: ٢٢-٢٤]
وقال تعالى:
{ وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَیۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِیَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦۤ أَوۡ أَرَادَنِی بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَـٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِیَ ٱللَّهُۖ عَلَیۡهِ یَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ }
[سُورَةُ الزُّمَرِ: ٣٨]

فإذا استسلم العبد لحكمة الله في منعه، وحكمته فيما أصابه بما يكره، علم أن كل ما أصابه خير له، وإنما يأتي الشر في حق العبد من سخطه وجزعه ومخالفته لأمر الله عز وجل.
وبعض الناس لا يرون وقت البلاء إلا ما هم فيه من كرب شديد، لكن إذا استحضروا ما هم فيه من النعم والرحمات التي فتحها الله عليهم، والشرور التي أمسكها عنهم، هان عليهم ما يجدون من الضر والأذى، وسارعوا بحمد الله عز وجل وشكره.
وبهذا نفهم مناسبة هذه الآية، للآية قبلها من بيان استحقاق الله عز وجل للحمد كله، والآية بعدها وفيها الأمر بذكر نعمة الله عز وجل وتوحيد الله عز وجل.
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)}
والله أعلم.
اللهم افتح لنا أبواب فضلك ورحمتك وبركاتك، ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.


رد مع اقتباس
  #47  
قديم 21 رمضان 1444هـ/11-04-2023م, 12:05 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) }

قال ابن القيم: " ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أنْزَلَ في قَلْبِ رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ مِنَ السَّكِينَةِ ما هو مُقابِلٌ لِما في قُلُوبِ أعْدائِهِ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتِ السَّكِينَةُ حَظَّ رَسُولِهِ وحِزْبِهِ، وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ حَظَّ المُشْرِكِينَ وجُنْدِهِمْ، ثُمَّ ألْزَمَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التَّقْوى، وهي جِنْسٌ يَعُمُّ كُلَّ كَلِمَةٍ يُتَّقى اللَّهُ بِها، وأعْلى نَوْعِها كَلِمَةُ الإخْلاصِ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهي الكَلِمَةُ الَّتِي أبَتْ قُرَيْشٌ أنْ تَلْتَزِمَها، فَألْزَمَها اللَّهُ أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ، وإنَّما حَرَمَها أعْداءَهُ صِيانَةً لَها عَنْ غَيْرِ كُفْئِها، وألْزَمَها مَن هو أحَقُّ بِها وأهْلُها، فَوَضَعَها في مَوْضِعَها ولَمْ يُضَيِّعْها بِوَضْعِها في غَيْرِ أهْلِها، وهو العَلِيمُ بِمَحالِّ تَخْصِيصِهِ ومَواضِعِهِ". اهـ

قال السعدي: "يقول تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حيث أنفوا من كتابة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وأنفوا من دخول رسول الله ﷺ والمؤمنين إليهم في تلك السنة، لئلا يقول الناس: ﴿دخلوا مكة قاهرين لقريش﴾ وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي ﴿لا إله إلا الله﴾ وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ من غيرهم ﴿و﴾ كانوا ﴿أهلها﴾ الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا". اهـ

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 21 رمضان 1444هـ/11-04-2023م, 05:31 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل في سورة العصر:
{وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
فجعل شرط التواصي أن يكون بالحق، فإذا كان بغير الحق فهو من البلاء، وفي القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يفرق به المرء بين الحق والباطل.

وها هنا رسالة في تفسير سورة العصر:
http://afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=45944

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 22 رمضان 1444هـ/12-04-2023م, 03:49 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: (واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا)

قال ابن القيم :(وَمَصْدَرُ بَتَّلَ تَبَتُّلًا كالتَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ، ولَكِنْ جاءَ عَلى التَّفْعِيلِ - مَصْدَرُ تَفَعَّلَ - لِسِرٍّ لِطَيْفٍ.
فَإنَّ في هَذا الفِعْلِ إيذانًا بِالتَّدْرِيجِ والتَّكَلُّفِ والتَّعَمُّلِ والتَّكَثُّرِ والمُبالَغَةِ.
فَأتى بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى أحَدِهِما، وبِالمَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الآخَرِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ المَعْنَيانِ مِنَ الفِعْلِ ومَصْدَرِهِ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وهو مِن أحْسَنِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ). اهـ


قال السعدي: (﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ شامل لأنواع الذكر كلها ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: انقطع إلى الله تعالى، فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه، هو الانفصال بالقلب عن الخلائق، والاتصاف بمحبة الله، وكل ما يقرب إليه، ويدني من رضاه). اهـ

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 23 رمضان 1444هـ/13-04-2023م, 04:34 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,741
افتراضي

قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيامًا معدودات}
كلمة "أيامًا" منصوبة على الظرف، ومتعلقة بالصيام.
والمعنى كما قاله الزجاج: "كُتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات"

وفي ختام آيات الصيام قال الله عز وجل: {يُريدُ الله بكم اليسرَ ولا يُريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولِتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}
وهذا المعنى وإن كان نزل في أحكام الصيام لكن ينبغي للعبد أن يستشعره في كل التكاليف التي كلفه الله بها والابتلاءات التي قدّرها عليه، ومن ذلك:
1. بيّن الله عز وجل لنا أن فرض الصيام في أيام معدودات، بيانًا لتخفيفه على عباده خاصة إذا شقّ عليهم الصوم، فإذا استشعر العبد أنها أيام معدودة وتنقضي، هان عليه الصبر على مشقة هذه العبادة، وهكذا كل ابتلاء يبتلي الله به عباده له مدة محددة، وينقضي، فعلى العبد الصبر على مراد الله عز وجل فيه، وتحري هدى الله عز وجل في هذا الابتلاء والعمل به.
2. اليقين بأن الله عز وجل يريد بعباده اليسر، ولا يريد بهم العسر، وشرع لهم من الرخص ما يخفف به عليهم ويرفع عنهم الحرج، كما رخص الفطر للمسافر والمريض.
وفعل العبادة على وجهها لغير المعذور هو في ذاته اليسر على العباد، والعسر في مخالفة أمر الله بالفطر في رمضان، أو العمل بالرخصة لغير ذي عذر حقيقي، كالذي يدعي العجز عن الصيام لمرضه، ومرضه يسير لا يحتاج معه إلى الفطر.
ووجه كون العسر في مخالفة أمر الله عز وجل أن العبد يأثم بذلك، فيستحق العقاب في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضًا أنه يفوته حظ من اتبعوا هدى الله عز وجل من الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
ومن الأجر في الدنيا حصول المقصود من التكليف، ولكل تكليف كلفنا الله عز وجل به، وكل ابتلاء قدّره علينا مقصد، في تحقيقه عظيم اليسر على عباده.
ومن مقاصد الصيام تحقيق التقوى، فإذا تدرب العبد في خلال أيام رمضان المعدودة على التزام أمر الله عز وجل واجتناب نهيه، كان في ذلك عونٌ له على تحقيق التقوى في سائر العام.
ومن مقاصد الرخص التي رخصها الله لنا أيضًا تحقيق التقوى، فإن العبد يتحرى أن يقوم بالرخصة في موضعها؛ فلا يُعرِضُ عنها فيقع في العنت وبالتالي يقع في الحرام، ولا يقوم بها في غير موضعها فيقع في الحرام.
والعبد إذا حقق التقوى فهو موعود من الله عز وجل ببشريات عظيمة في الدنيا والآخرة:
منها أن يكون من المفلحين وهم الفائزون بمطلوبهم الناجون مما يرهبون، كما قال الله تعالى: {واتقوا الله لعلكم تفلحون}
ومنها أنه موعود بنيل البركة والرزق الوفير كما قال تعالى: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}
والفوز بمعية الله عز وجل ونصره وتأييده كما قال: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}
ومنها النجاة من استزلال الشيطان له كما قال تعالى: {إنّ الذين اتقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون. وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون}
ومنها أن الله وعد المتقين بأن يكون لهم نورا ورحمة ووعدهم بالمغفرة كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم}
ومنها أنه وعد المتقين بأن يكون لهم فرقانًا يفرقون به بين الحق والباطل، وفرقانًا يكون لهم نصرًا وعزة كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم}
ومنها أن الله وعد بتعليم المتقين كما قال تعالى: {واتقوا الله ويُعلمكم الله}
ومنها أنهم موعودون بالنجاة في الآخرة من كل سوء وحزن كما قال تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. ويُنجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون}
والأيات والأحاديث التي فيها بيان فضل المتقين وجزائهم في الدنيا والآخرة كثيرة وإنما قصدتُ التمثيل.
وإذا استشعر العبد أنَّ تحريه اتباع هدى الله عز وجل في كل ما كلفه به، وقدره عليه من ابتلاءات أن هذا مما يورثه التقوى، ثم استحضر عظيم فضل المتقين، هان عليه ما يجد من ألم ومشقة، وعلم أن حقيقة اليسر في اتباع الهدى، وحقيقة العسر في مخالفة هدى الله عز وجل، فمن حُرم كل هذا الفضل وقع في المشقة والحزن والأكدار وإن كان غارقًا في ملذات الدنيا.

3. {ولِتُكملوا العدّة ولتكبروا الله على ما هداكم}
أي يريد بكم اليسر لتُكملوا العدة ثم عطف الله عليها: {ولتكبروا الله على ما هداكم}
وهو متعلق أيضًا بقوله: {يريد الله بكم اليسر} أي يريد الله بكم اليسر لتكبروا الله على ما هداكم
والتكبير هو تعظيم الله عز وجل بالقلب، ولهذا أثره على عمل المؤمن، وتعظيمه أيضًا باللسان بقول: (الله أكبر) كما هو في تكبيرات العيد
وهنا قال الله عز وجل: {ولتكبروا الله على ما هداكم} فهذا المعنى من مقاصد تكليف الله عز وجل عباده بالصيام، وتيسيره عليهم
وذكر الشيخ عبد العزيز الداخل - حفظه الله - لحرف الجر "على" في هذا الموضع ثلاثة معانٍ؛ التعليل، والتعدية، وتضمين فعل التكبير معنى الحمد، وذكر لـ "ما" في (ما هداكم) معنيين؛ المصدرية أي على هدايته، والموصولية أي على الذي هداكم.
وتفصيل هذه المعاني وبيانها كالآتي:
الأول: بمعنى التعليل: أي تكبروه وتعظموه لأجل هدايته لكم، ولأجل الذي هداكم إليه من الطاعات واجتناب المحرمات.
وتعظيم الله عز وجل يورث في العبد مزيدًا من التقوى، ويأخذ بيده لمرتبة أعلى وهي مرتبة الإحسان، ويورث في قلبه عبادات جليلة من الشكر والخضوع لله عز وجل ولأمره وقوة التوكل عليه والاستعانة به والصبر لحكمه وغير ذلك من العبادات الجليلة التي إذا قامت في قلب العبد شعر بالسكينة والثبات مهما اشتد به البلاء.
الثاني: بمعنى التعدية: أي تعظموا هدايته لكم وتعظموا الذي هداكم إليه، فإذا وقر في قلب العبد تعظيم ما هو فيه من الهداية سهل عليه الثبات عليها وشكر نعمة الله عز وجل عليه واستشعر الأمان بأنه على الحق.
الثالث: تضمين الفعل معنى الحمد: أي تكبروه وتحمدوه على ما هداكم؛ فيأتي على هذا المعنى جميع المعاني السابقة.

وهكذا مع كل تكليف وابتلاء يقدره الله على العبد، إذا تحرى العبد هدى الله عز وجل، حتى يأذن الله له بالفرج، فإنه يجد في قلبه فرحة أكبر من فرحة انقضاء الابتلاء، وهي فرحة منة الله عز وجل عليه بالثبات والهداية خلال أيام هذا الابتلاء، فيستشعر تعظيم الله عز وجل على ما هداه ويمتلئ قلبه حمدًا لربه، وسكينة وأمانا.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم في منظومته الميمية: "وصُم يومك الأدنى لعلك في غدٍ ... تفوزُ بعيد الفطرِ والناس صومُ"
ولعل فقه هذه المعاني يبين لنا فائدة ختام الآية بقوله تعالى: {لعلكم تشكرون}

فإذا امتنّ الله على عباده باستشعار هذه المعاني -ولو لمرة واحدة-، فعليه تذكرها مع كل ابتلاء يُقدره الله عليه، ليعلم أن عاقبة أمره خيرًا ما دام متبعا لهدى الله عز وجل، مهما ضاقت واستحكمت حلقاتها، فلكل ابتلاء مدة وينقضي، وله مقصد إذا تحقق كان الفرح بتحققه أعظم من الفرح بانجلاء الابتلاء، ولعلكم تشكرون.
فكيف ونحنُ نصوم رمضان كل عام، وفيه تدريب على استشعار هذه المعاني، كما جاء في الحديث: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرِح وإذا لقي ربه فرِح بصومه"

وفي هذا المقطع بيّن الشيخ عبد العزيز الداخل المعاني البيانية لقوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم} ودلالاتها:


والحمد لله رب العالمين.

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مع, وقفات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:18 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir