موقف أهل السنة والجماعة من كرامات الأولياء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: (ومن أصول أهل السّنّة: التّصديق بكرامات الأولياء)
هذا المبحث مبحث الكلام على كرامات الأولياء يذكر في كتب الاعتقاد لمخالفة المعتزلة والعقلانيين فيه.
فكرامات الأولياء ينكرها أهل الاعتزال ومن شابههم، وأهل السنة يقرّون بها ويصدقون بها لما جاء من الأدلة في ذلك.
فوضع أهل السنة بحث كرامات الأولياء في كتب العقيدة لمخالفة أهل السنة للفرق الضالة في ذلك.
وسبب الضلال في هذا الباب عند أهل الاعتزال وغيرهم ومنشؤه أنهم أصّلوا أصلا في آيات وبراهين الأنبياء.
لأن آية النبي وبرهان نبوته قائم على خرقه للعادة.
فما أجرى الله من الآيات على يد الأنبياء والرسل كعصا موسى عليه السلام وكمسح عيسى عليه السلام للمريض والأكمه والأبرص ونحو ذلك وكدخول إبراهيم عليه السلام النار ونحو ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صدق الأنبياء العمدة فيه في ذلك عندهم عند المعتزلة ومن شابههم أنها أمور خارقة للعادة.
قالوا فإذا كان ذلك خارقا للعادة فمعناه أن الآية قامت للنبي في نبوته.
فإذا كان هناك خوارق للعادة أخر يجوز أن تقع لغيرهم من السحرة والكهنة أو من الأولياء فإن النبوة تكون مشتبهة وليس لها دليل واضح لأن عمدة الدليل عندهم على خرق العادة، وكرامات الأولياء خوارق للعادات وسحر الساحر خوارق للعادات وهكذا.
لهذا لا يصدقون بكرامات الأولياء ولا بالخواق التي تكون على أيدي ممخرقين لأن ذلك عندهم يجعل حجة النبي غير قائمة كما ذكرت لك.
هذا أصل شبهتهم وأصل ضلالهم في هذا الباب.
فخالفهم أهل السنة في التأصيل وفي التفريع:
- خالفهم في التأصيل من أن خرق العادة الذي ذكروه لا يفهم على ما فهموه
- ومن حيث التفريع فإن النصوص ثبتت في كرامات الأولياء والأدلة عليها كثيرة جدا في الكتاب والسنة وفيما وقع وتواتر، فمن حيث التفريع أيضا تثبت لمجيء الأدلة عليها في الكتاب والسنة وقيام الدليل القطعي العقلي من حيث التواتر بحصول ذلك في الأمم المختلفة.
قال هنا رحمه الله (ومن أصول أهل السّنّة: التّصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات)
قبل أن نتكلم على الكرامات والأولياء والولي هذه الكلمة مهم أن تفهم فهما صحيحا وهي (خوارق العادات) ما المراد بذلك؟
وهذا اللفظ مخترع اخترعه المعتزلة وليس في نصوص الكتاب والسنة هذا الاسم (خارق للعادة) ولهذا يجب أن يفهم بما لا يعارض النصوص.
المصطلحات لا بأس بإحداثها لكن تقيّد بما دلت عليه النصوص.
لهذا نقول في قولهم (خارق العادة) هذا (العادة) هذه عادة من؟
فإذا فصّلنا في (العادة) هذه عادة من اتضح الفرق العظيم بين آيات الأنبياء وبراهين صدق الأنبياء وما بين كرامات الأولياء وما بين خوارق السحرة والكهنة ونحو ذلك.
* فآيات الأنبياء وبراهين الأنبياء خارقة لعادة الخلق جميعا ومن أعظمهم في ذلك الجن والإنس جميعا ولهذا قال جل وعلا: {قل لّئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا} فعصا موسى عليه السلام بانقلابها حية تسعى تلقف ما يأفك أولئك السحرة هذه خارقة للعادة.
عادة من؟
عادة المخلوقات جميعا، عادة الجن والإنس والملائكة إلى غيرهم، لا يمكن أن يأتي أحد بمثل هذا إلا الله جل وعلا لأن في ذلك تحويلا وخلقا وهذا إنما هو لله، إحياء الميت، إبراء الأكمه والأبرص بمسحة هذا ليس في عادة الإنس ولو اجتمعت أطباؤهم وليس في عادة الجن ولو اجتمعت حكماؤهم وأطباؤهم وليس في عادة أحد.
فإذن آيات وبراهين الأنبياء خارقة لعادة المخلوقات أو تقول خارقة لعادة الجن والإنس جميعا.
* وكرامات الأولياء خارقة للعادة، لكن عادة من؟
هل هي عادة الجن والإنس جميعا؟
لا، لو كانت عادة الجن والإنس جميعا لاشتبه ذلك بالنبوة لكن هي خارقة لعادة الناس في زمانهم.
ولهذا نقول كرامات الأولياء قد تكون من جنس آيات الأنبياء لكن يختلف خرق العادة في هذا وهذا، ويختلف أيضا جنس الآية بين هذه وهذه.
قد تشترك معها، مثل أن إبراهيم عليه السلام دخل النار فكانت بردا وسلاما عليه، كذلك أحد الصحابة في اليمامة دخل النار فلم تحرقه، فالنار هذه والنار هذه جنس لكن هذا من كونه من جنس تلك النار يعني نار إبرهيم والنار التي أججوها لهذا تختلف، وأيضا سلامة إبراهيم تختلف عن سلامة هذا، وآية إبراهيم في ذلك في تحديهم يختلف عما وقع للصحابي في ذلك.
هناك بعض آيات الأنبياء قد تكون من جنس ما حصل لكن لا تساويها في العظم وفي التحدي بها وفي إضطرار الناس على أن ذلك لا يكون إلا من عند الله جل جلاله.
فإذن نقول كرامة الولي خارقة للعادة كما قال شيخ الإسلام هنا لكن هي عادة الناس في زمانهم، ليست عادة الناس في كل زمان.
قد يكون يتقدم الزمان ويكون يفعل بمثل ما فعل.
مثل مثلا منهم من انتقل إلى مكانه إلى مكان آخر في مدة وجيزة، هذه كرامة، في ساعة انتقل من الرياض إلى مكة في ذلك الزمن هي كرامة لأنها ليست من عادة الناس.
إذن من الذي جعل ذلك للولي؟
الله جل وعلا فصارت كرامة له، حصلت في هذا الزمان.
خوارق السحرة والكهنة ونحوهم هي خوارق لمن ليس منهم، ليست للناس لكن خارقة لعادة من ليس ساحرا، خارقة لعادة من ليس كاهنا فصارت أظهر لأن الشياطين تساعدهم والسحرة والكهنة كل منهم يمدّه شيطان.
فإذن صار هذا المسمى (خارق للعادة) اصطلاح جديد يجب أن يفهم على ما يتفق مع ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.
فالقرآن العظيم خارق للعادة، عادة من؟
عادة الثقلين بل وجميع المخلوقات والملائكة لهذا قال جل وعلا: {قل لّئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} وقال جل وعلا: {قل إنّما الآيات عند اللّه} فالآيات هذه من الله جل وعلا.
فإذن التأصيل الذي تأصل به الضلاّل من المعتزلة وغيرهم في هذا الباب بما نفوا به كرامات الأولياء مبني على مقدمة غلط، لفظ اخترعوه ثم فهموه غلطا ونتج عن ذلك أن قيدوه ببعض الأحوال وهذا من جراء عدم استيعاب فهم نصوص الشريعة.
قال: (ومن أصول أهل السّنّة: التّصديق بكرامات الأولياء)
قوله: (التّصديق) فيه الإقرار بحصول ذلك، قد يحصل له وقد لا يحصل له لكن من حيث إيمانه بوقوع الكرامات للأولياء هو مؤمن بذلك مصدق ليس في شك من ذلك.
لم؟
لأنه قد جاء في النصوص في الكتاب والسنة.
فالتصديق بما دلت عليه النصوص واجب من الواجبات لذلك كان من أصولهم التصديق بكرامات الأولياء.
وقوله: (كرامات الأولياء) هذه فيها كلمتان:
- (كرامات) وهي جمع كرامة
- و(أولياء) وهو جمع ولي.
والولي له معنى في اللغة وهو المحب الناصر {إنّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم راكعون (55) ومن يتولّ اللّه ورسوله والّذين آمنوا فإنّ حزب اللّه هم الغالبون} الولي هو الناصر.
والولاية المحبة والنصرة {هنالك الولاية للّه الحقّ} الولاية - بالفتح فتح الواو - المحبة والنصرة، أما الولاية بالكسر فهذه هي الإمارة، هذا في اللغة، فالولي هو المحب الناصر تقول هذا وليي يعني محب لي وناصر لي، ومنه قول الله جل وعلا: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ}.
أما في الاصطلاح فالولي هو (كل مؤمن تقي ليس بنبي)، الولي عند أهل السنة كل مؤمن تقي ليس بنبي.
اشتمل التعريف على أن الولي من جهة الاسم الاصطلاحي لا يدخل فيه الأنبياء أما من جهة الأصل فإن الأنبياء أولياء بمعنى أنهم مؤمنون أتقياء لكن إذا قيل هنا كرامات الأولياء فنعني بهم كرامات المؤمنين الأتقياء الذين ليسوا بأنبياء، فلا تدخل في بحثنا براهين الأنبياء وآيات الأنبياء وما يحصل على أيديهم من خوارق العادات لا يدخل في هذا البحث لأن الولي هنا لفظ اصطلاحي يعنى به كل مؤمن تقي ليس بنبي.
قالوا (كل مؤمن تقي) لأن الله جل وعلا قال في سورة يونس {ألا إنّ أولياء اللّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (62) الّذين آمنوا وكانوا يتّقون} فالله جل وعلا جعل الأولياء هم المؤمنون الأتقياء..1 فالتعريف مأخوذ من الآية بظهور ووضوح.
إذا تأملت ذلك فالتعريف نفهم منه أن الولاية تتبعض لأن الإيمان والتقوى في أهله يتبعض.
فكل مؤمن تقي ليس بنبي ولي.
والإيمان يتبعض والتقوى تتبعض فينتج من ذلك أن الولاية تتبعض.
لكن اسم الولي يطلق على من كمّل الإيمان والتقوى.
فقولهم (كل مؤمن تقي) يعني من كمّل الإيمان والتقوى واجتهد في ذلك، وهذا هو الذي يطلق عليه الولي، وقد يكون هناك كرامات لمن لم يكمل الإيمان والتقوى بحسب ما يناسبه.
هذا تعريف الولي، هناك مباحث متصلة بذلك نتركها.
أما الكرمات فهي جمع كرامة وهي في الأصل نعمة خاصة، يعني في اللغة الكرامة هي النعمة الخاصة، ولهذا قال جل وعلا: {فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه فيقول ربّي أكرمن} {فأكرمه ونعّمه} هذا الإكرام نعمة خاصة، إنعام خاص مزيد على الإنعام العام.
أما في الاصطلاح فالكرامة عندهم هي - أعني تعريفها - أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي.
هذا تعريف الكرامة أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي.
وقولهم (خارق للعادة) هذا يقيد بأنه عادة الناس في زمانهم وليس هو عادة الجن والإنس، بل قد تفعل الجن بأصحابها، تفعل شياطين الجن بأوليائها كما يفعل أو كما يحصل للولي.
فقد تجد مثلا من حيث الإمكان هذا وهذا هذا يمضي على الماء يمشي عليه وكأنه جددٌ من الأرض يبس وذاك الآخر يمشي على الماء وكأنه جددٌ من الأرض يبس، وهذا يكون وليا وذاك يكون ممخرقا يعني خدمه شيطان.
ولهذا قال من قال من السلف (لا تغتر بهم وإن مشوا على الماء أو طاروا في الهواء حتى يكونوا على الكتاب والسنة) لا بد من شاهدين: شاهد من الكتاب والسنة يعني من حيث التزام هذا بالكتاب والسنة.
أهل البدع والضلال قد يحصل لهم شيء من الخوارق، ولهذا نقول الخارق ليس هو ميزان للولاية، بل الميزان أن يكون هذا الخارق جرى على يدي مؤمن تقي.
قلنا الكرامة أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي، والولي هو المؤمن التقي، فخرج بذلك ما يجري من خوارق العادات على يدي من ليس بمؤمن تقي من أصحاب الفسق والفجور والبدع المضلة ونحو ذلك.
وهذا فيصل مهم بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فيما يحصل لهم من خوارق العادات.
قال شيخ الإسلام هنا رحمه الله (وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات)
قوله: (يجري الله) هذا فيه أن الذي حصّل لهم الكرامة أو الذي أنعم عليهم بالكرامة هو الله جل وعلا، فليس باختياره أن تحصل أو لا تحصل بل الله جل وعلا هو الذي ينعم عليه بذلك (يجري الله على أيديهم) ينعم عليه بذلك قد يكون لحاجته وقد يكون تفضل من غير احتياج:
- من جهة حاجته كما حصل أن أحد الصحابة مات فرسه فدعا الله فقام حيا - الفرس - حتى أوصله إلى أهله لأنه مات في مكان ليس فيه أحد يخشى معه بهذا الهلاك فدعا الله فأحياه له فلما وصل إلى بيته ودخل الدار خر الفرس ميتا مرة أخرى،رؤية عمر لسارية وللجيش وسماع سارية لعمر هذا من جهة الحاجة.
- وقد يكون من غير حاجة ينعم الله جل وعلا عليهم ابتداء، سفيان الثوري والحسن البصري كان هناك من يطلبهم من السلطان سلطان زمانهم فدخل الشرط ينظرون في المنزل ويفتشون وكان الحسن جالسا في صحن الدار وسفيان أيضا كان جالسا في صحن داره ولم ير الشرط الحسن ولا سفيان، هذا من جهة إكرامه، إنعام، ليس هو بحاجة يعني يحتاج إلى ذلك أو هو وقع في نفسه أنه محتاج لكن إنعام من الله جل وعلا وإكرام.
ولهذا قال العلماء إن الكرامة لا تدل على رفعة من حصلت له.
وهذا من أصول أهل السنة في باب الكرامات أن الكرامة لا تدل على رفعة من حصلت له وأن من لم تحصل له أضعف ممن حصلت له، وذلك لأن أكثر الصحابة ما حصلت لهم كرامات، والكرامات في التابعين أكثر وهكذا.
وقد قال بعض أئمة أهل العلم إن كثرة الكرامات فيما بعد القرون المفضلة راجعة إلى ضعف الإيمان لأن منهم من لو لم تحصل له كرامة لشك في الله أو لشك في الرسالة لأنه جاهد نفسه في الإيمان والتقوى فلو حرم الكرامة لحصل له شك، وقد يكون ذلك من جهة ذنبه أو من جهة ضعف إيمانه، فحصول الكرامة لمن حصلت له إنعام وإكرام من الله جل وعلا وإجراء على يدي ذلك الولي أو من حصلت له الكرامة، وليس بدال على أنه أفضل ممن لم تحصل له.
قال: (من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتّأثيرات)
هذه الكلمة من شيخ الإسلام (أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتّأثيرات) هذا ذكر لنوعي الكرمات.
الكرامات نوعان:
- كرامات من جهة العلم والكشف.
- وكرامة من جهة القدرة والتأثير.
* الكشف والعلم قد يكون - هذا أحد نوعي الكرامة -:
* قد يكون من جهة كشف المعلوم العقلي.
* وقد يكون من جهة كشف الحجاب والغطاء عن البصر.
* وقد يكون من جهة كشف الحجاب والغطاء عن السمع.
مثال البصر ما حصل لعمر رضي الله عنه حيث كان يخطب في المدينة فرأى سارية ورأى جيش الفرس فقال: (يا سارية الجبل الجبل) في حديث حسّنه وقواه الحافظ ابن حجر وغيره خلافا لمن ضعفه، فهذا كشف من جهة عمر كشف بصري، انكشف عنه الغطاء لأن البصر له حجاب فإذا انكشف رأى شيئا لم يره بحجابه الموجود له كما قال جل وعلا: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديدٌ} إذا انكشف الغطاء عن البصر بالموت رأى أشياء بروحه بعينيه رأى أشياء لم يكن يراها في الدنيا: رأى الملائكة ورأى من يخاطبه ورأى أشياء لا يراها في حياته، هذا كشف الغطاء، فهنا الكشف هنا التعبير بالكشف لقول الله جل وعلا: {فكشفنا عنك غطاءك} فالكشف له أصله في الشرع، عمر رضي الله عنه انكشف عنه غطاء البصر، وسارية رضي الله عنه انكشف عنه غطاء السمع فسمع كلام عمر وعمر في المدينة وسارية في مكانه من بلاد فارس فانكشف عنه غطاء السمع فسمع كلام عمر يدوّي هذا إكرام من الله جل جلاله، فلزموا الجبل ونجوا.
أيضا من الكشف البصري أبو بكر رضي الله عنه رأى في بطن زوجته فقال: (فيها أنثى) فلما ولدت بعد مدة كانت كذلك، فهذا من الكشف كشف البصر.
أيضا الكشوف العلمية حيث يكشف له وينكشف له من العلوم ما لا يكون بقدرة غيره هذا إكرام من الله جل وعلا للعبد.
ولهذا نقول إن هذا النوع، نوع العلم والكشف من الكرامات مرتبط بكلمات الله جل وعلا الكونية وكلمات الله جل وعلا الشرعية:
- ارتباطه بكلمات الله جل وعلا الكونية راجع إلى الكشف البصري والسمعي ونحو ذلك.
- وارتباطه بكلمات الله جل وعلا الشرعية راجع إلى العلم فيعلم منها ما لا يعلم غيره فينكشف له من العلم بالنصوص ما ليس لغيره ويوفق حتى يكون ذلك كرامة له، هذا نوع.
* النوع الثاني من الكرامات قوله: (وأنواع القدرة والتّأثيرات) يعني أن يقدر على ما لا يقدر عليه غيره أو يؤثر بما لا يستطيع أن يؤثر غيره، يعني يكون عنده قدرة زائدة ليست في مقدور أهل زمانه.
مثل ما حصل لسعد حيث يبس الماء ومر الجيش هذا نوع من القدرة، مثل إحياء الفرس للصحابي هذا نوع من القدرة والتأثير.
والقدرة في قوله: (وأنواع القدرة) هو يقدر بما يجري الله على يديه وإلا فليس بوسعه أن يقدر لأنه خارج عن مقدوره لكن الله جل وعلا يعطيه قدرة خاصة من جهة الإكرام فصارت القدرة كرامة.
والتأثير قد يكون تأثيرا في الكون في الكونيات وقد يكون تأثيرا في الشرعيات، صار عندنا هنا في القدرة والتأثير صار عندنا قسمان:
- قدرة وتأثير في الكونيات.
- وقدرة وتأثير في الشرعيات.
وهذا أيضا نؤمن به ونصدق:
- فمن جهة الكونيات كما مثلنا لكم
- ومن جهة الشرعيات ما جعل الله جل وعلا لبعض الناس من الكرامة في التأثير في الناس فيؤثر فيهم ويقبل فيكون قوله فيهم مسموعا وإفهامه لهم مؤثرا وتكون دعوته لهم نافعة ووعظه لهم نافعا، وقد ذكر أهل العلم عن بعض الوعاظ من العلماء أنه ربما أسلم على يديه في المجلس الواحد كذا وكذا من جراء وعظه وتاب على يديه عشرة آلاف كما ذكروا في بعض مجالس ابن الجوزي رحمه الله، هذا نوع من الكرامة في التأثير، تأثير مرتبط بالشرع، تأثير في الشرعيات يعني أثّر بالشرع بالالتزام بالشرع ونحو ذلك، أثّر في فهم الشرعيات، أو تأثير في الكونيات بالإقدار على ما لا يقدر عليه غيره.
هذا خلاصة البحث في هذا التقسيم وهذه الجمل لها تفصيلات وتقسيمات تطلب من مظانها المطولة
إذا تقرر ذلك فبحث الكرامات بحث مهم، وذكرت لكم أن المعتزلة ينفون الكرامات ولا يصدقون بكرامات الأولياء، وأهل السنة يصدقون بكرامات الأولياء والأشاعرة يصدقون أيضا بكرامات الأولياء.
وهناك فرق بين قول أهل السنة وقول الأشاعرة:
- فأهل السنة يصدقون بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات بالقيد الذي ذكرنا من أن كرامة الولي لا تبلغ آية النبي.
- والأشاعرة يقولون كرامة الولي تساوي آية النبي والفرق بينهما أن كرامة الولي ليست مقرونة بدعوى النبوة وآية النبي أو كرامة النبي أو البرهان الذي يعطيه الله جل وعلا للأنبياء والرسل هذه مقرونة بدعوى النبوة.
فالفرق بينهما عند الأشاعرة من جهة اقتران الكرامة أو الخارق للعادة بدعوى النبوة، فإن كان مع الخارق للعادة دعوى النبوة صارت آية وبرهانا ومعجزة وإن خلت من دعوى النبوة صارت كرامة.
وهذا يخالف مذهبنا وطريقتنا وقول أئمة أهل السنة في أن كرامات الأولياء لا تبلغ آيات الأنبياء.
ولهذا نقول إن آيات الأنبياء وبراهين الأنبياء خارقة لجنس أو خارقة لمقدور جنس المخلوقات الجن والإنس والملائكة إلى آخره، أما كرامة الولي فهي محدودة، خارقة لعادة ناس زمانهم.
هذا فرق مهم، بالمناسبة ابن حزم مع المعتزلة في مذهبه يعني ينكر الكرامات.
خلاصة القول في مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء:
أن كرامات الأولياء لا تتساوى.
وعدم تساويها ليس لأجل تفاضل الإيمان، فقد يعطى الأكمل في الولاية من الكرامة ما هو أقل مما يعطى الأقل منه إيماناً وقد يعطى من عليه بعض المعصية أو من عصى شيء من الكرامة ولا يعطاها المؤمن التقي المسدد لأجل حاجة ذاك إلى ما يقوي إيمانه ولطف الله جل وعلا به وعدم حاجة ذاك.
من أصول أهل السنة في هذا أن أهل البدع والمحدثات والعصيان والكبائر ليسوا بأهل للكرامة فلا يجرى على أيديهم خوارق للعادات.
وهذا يعني أن ما يحصل لأهل البدع من خوارق العادات إنما هو من الشياطين أو من الاحتيال، يحتالون، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكرت له الرفاعية، طائفة صوفية منسوبة إلى أحمد الرفاعي المعروفة في الشام أنهم من آياتهم التي تدل على أنهم أولياء أنهم يدخلون النار ولا تحرقهم فقال شيخ الإسلام ابن تيمية إن هناك زيتا يباع في المشرق إذا اطلي به الجسد لم تصل النار إلى الجسد فإن كانوا صادقين فليغتسلوا قبل أن يدخلوا النار، يغتسلوا اغتسالا جيدا قبل أن يدخلوا النار، فأبوا أن يفعلوا ذلك، هذا من جهة الاحتيال.
من جهة أخرى قد يكون من جهة الشياطين كمن يدخل السكين في بطنه أو يأكل الأفعى ولا تصيبه ونحو ذلك، هذا من جهة تصوير الشياطين.
فإذن التقعيد أن أهل البدع ما يحصل لهم من الكرامات ليست هي كرامات وإنما هي خوارق شيطانية إلا في حالة واحدة:
وهي حالة قتال أهل البدع للكفار والمشركين فهذه حالة مستثناة عند أهل السنة وهي أن أهل البدع إذا قاتلوا المشركين والكفار فقد يكرمون وقد تكون لهم كرامات.
وهذه الكرامات ليست إكراما لأشخاصهم لأنهم أهل بدع وعصيان وضلالات ولكن إكرام لما حملوه من أصل الدين من أصل الإسلام، لهذا قال شيخ الإسلام في كتاب النبوات وفي غيره إن أهل البدع يعطون كرامات إذا كانوا في جهاد للمشركين إما جهاد لسان أو جهاد سنان:
- ففي جهاد السنان يعطى المبتدع كرامة لكن لا يدل على أن ما عليه من مخالفة الكتاب والسنة وأخذ البدع والعصيان أنه حق بل لأجل أن يفوق ما معه من أصل دين الإسلام على ما مع أولئك من الكفر والضلال.
فإذن يكون إعطاء المبتدع في حال القتال الكرامة لأجل إظهار أن الله جل وعلا أيد من على الإسلام ولو كان مبتدعا على من هو على الكفر.
ويمثّل لذلك بعدة أمثلة قاتل المبتدعة من هذه الأمة المشركين والملحدين في قديم الزمان وفي حديثه وهذا لأجل ما معهم من أصل الدين في مواجهة الكافر المشرك أو الملحد أيّدهم الله جل وعلا بالكرامات لبيان أن هذا الدين أعظم مما هم عليه لأجل التصديق بهذا الدين
- المواجهة بالبيان والجهاد باللسان أيد الله جل وعلا وأكرم بعض المبتدعة من هذه الأمة، بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة في حجاجهم ومواجهتهم لطوائف الضلال من التناسخية في الهند والحلولية واليهود والنصارى وأصحاب الملل المختلفة فيؤيّدون حال الحجاج.
فإذن في حال الجهاد المسألة تختلف فقد يعطى المبتدع الكرامة لا لذاته ولكن لنصرة ما معه من أصل الدين كأنه في مقام الجهاد الله جل وعلا أكرمه لأجل ما معه من أصل الديانة.
وهذا فرق مهم، وكثير ممن خاض في الزمن الأخير وفيما حصل للأفغان من أمور قالوا إنها كرامات من شاهدها قال إنها كرامات وتنوقلت وهناك من يكذب يقول هؤلاء مبتدعة والمبتدع لا يحصل له كرامة أصلا وهناك من يقول هي كرامات وهذا يدل على أنهم عند الله جل وعلا لهم مكانة الأولياء ونحو ذلك.
وبهذا التفصيل يفهم الفرق بين حال الكرامة في الجهاد وحال الكرامة في غير الجهاد فإنه في الجهاد ليست دليلا على أن المجاهد ولي بل قد يكون غير ذلك كما هو الواقع فإن الحال في أولئك كثير منهم مبتدعة وكثير منهم عندهم شركيات وخرافات فما حصل لهم من الكرامات فيما نقل النقلة قد يكون، وذلك لأجل تأييد ما هم عليه من دين الإسلام على ما عليه أولئك الكفرة من الإلحاد والظلم العظيم.
قال: (والمأثور عن سالف الأمم)
يعني التصديق بالمأثور عن سالف الأمة.
(في سورة الكهف وغيرها)
سورة الكهف فيها قصة أصحاب الكهف وأن الله جل وعلا أنامهم في الكهف {ثلاث مائةٍ سنين وازدادوا تسعًا} ومن العادة أن الإنسان لا ينام هذه النومة الطويلة ويسلم فيها والله جل وعلا جعل ذلك كرامة لهم.
قال: (في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمّة من الصّحابة والتّابعين وسائر فرقٍ الأمّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة)
يعني أن الكرامات لا تزال تحصل في هذه الأمة وذلك إلى يوم القيامة، ويقصد بيوم القيامة يعني ما قبل قيام الساعة يعني قبل هبوب الريح التي تقبض أنفاس المؤمنين لأن الكرامات مرتبطة بأهل الإيمان ويبقى الناس مدة طويلة لا يقال في الأرض الله الله كما جاء في صحيح مسلم يعني لا أحد يعظم الله فيقول للآخر اتق الله اتق الله، بل يتهارجون فيها كما تتهارج الحمر.
هذا خلاصة بحث كرامات الأولياء وهو بحث مهم والتوسع فيه له مجال كبير.
شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لهم في مؤلفاتهم الكلام الكثير عن ذلك لكن أصول هذا الباب ذكرته لك.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد...
ما حكم من عمّم وقال إن الخوارق هي خوارق للعادات الطبيعية؟
هي في عادة الإنس فيما يجري لهم عادة، عادة أهل الزمان في ما يجري لهم عادة.
العادات الطبيعية قد يكون شيء من جهة القدرة من جهة الكشف هذه ليس لها دخل - الطبيعة - فيها، يعني ينظر هكذا فيرى ما يفعله الناس، يكشف عما في قلبه يرى فلان ويعرف ما يدور في نفسه، ولهذا تجد أنهم يذكرون الكلام على الفراسة (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) يذكرون الكلام على الفراسة وأنواع الفراسة وأصناف ذلك في مبحث الكرامات لأن لها صلة بمبحث الكرامات لأن الفراسة كشف ونعني بالفراسة الفراسة الإيمانية هي كشف كما أن الكرامة كشف فهي في الواقع كرامة، وأما الفراسة الرياضية وأشباه ذلك فهذا يحصل بالتعلم وليس من جهة الإكرام.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا لي ولكم السداد في القول والعمل وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يجعل أعمالنا جميعا خالصة لوجهه وأن يجعلنا في كل حركاتنا وسكناتنا ناصرين هذه الدعوة التي هي دعوة التوحيد الخالص التي بعث بها المرسلون جميعا.
وما من شك أن الأزمنة تحتاج في إقرار الحق ودفع ضده إلى جهاد ومجاهده، وكل ذلك لا بد من القيام به، وإذا أتيح باب من أبواب الخير أو باب من أبواب المجاهدة في الصلاح والخير فإن العبد إذا أحسن نيته لله جل وعلا ورغب في الخير وصدق مع الله جل وعلا في تعامله واجتهد أن يكون كما أمر الله جل وعلا فإنه على باب من أبواب الفلاح والهدى لأن الله جل وعلا أمر بالجهاد، والجهاد يكون بالقرآن قبل أن يكون بالسنان كما قال جل وعلا: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} يعني جاهدهم بهذا القرآن.
والجهاد بالقرآن وبالعلم وبالدعوة يحتاج إلى صبر ومصابرة ويحتاج إلى طول عناء وسؤال للثبات، ولهذا كثيرون ممن راموا طريق العلم تركوه لأن العلم طويل، فتجد أنه طلبه بعض السنين ثم تركه لأجل طوله، والأمور كلها تحتاج إلى مجاهدة ومنها طريق العلم.
ومن الأبواب التي يحصل بها الخير في طريق طلب العلم والدعوة أن يتعاون الجميع لأن الدعوة إلى الخير والدعوة إلى هذه العقيدة الصافية الصحيحة التي ندرّس كتابا من كتبها وهو العقيدة الواسطية إن إقرار ذلك ونشره في الناس وتعليم الجاهل وبثه في المساجد وغير ذلك لا شك أنه من المهمات ويجب أن يتعاون طلبة العلم والدعاة إلى الخير وأهل العلم وكل منتسب إلى الخير يتعاونون في ذلك جميعا لأن الله جل وعلا أمر بذلك في قوله سبحانه: {وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وفي قوله جل وعلا: {ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} لهذا ربما ما حضر الدرس الماضي كثير منكم فابتدأنا بهذه الوصية العامة التي نرجو أن تكون على البال وفي القلوب وأن لا يترك بعضنا بعضا وأن يساعد بعضنا بعضا في الخير والصلاح والهدى.
وقد كنا شرحنا في الدرس الماضي جملة من كلام شيخ الإسلام ذكر فيها أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في الأولياء وقد رغب أن يكرّر ذلك لأن الحضور في الدرس الماضي كان نصف تقريبا الحضور اليوم وكثير من الإخوان ما حضروا فنستأذن الاخوة الذين حضروا الدرس الماضي وربما يكون فيه زيادة على ما ذكر إن شاء الله تعالى وفي التكرار إن شاء الله تثبيت.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (ومن أصول أهل السّنّة: التّصديق بكرامات الأولياء)
كرامات الأولياء البحث فيها جاء فرعا عن الكلام في دلائل النبوة وآيات الأنبياء وبراهين الأنبياء.
فالله جل وعلا أيد كل نبي بآية وببرهان وهي التي سماها بعض المتأخرين المعجزات والتسمية الشرعية لها الآيات والبراهين والبينات {قد جئتكم ببيّنةٍ مّن رّبّكم} قال: {في تسع آياتٍ إلى فرعون} وقال جل وعلا: {فذانك برهانان من رّبّك} وقال سبحانه: {لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتّى تأتيهم البيّنة}.
ويلحق بذلك ما هو أثر في الآية والبرهان وهو ما جاء في بعض الآيات أنه السلطان قال: {فأتونا بسلطانٍ مّبينٍ} والآيات لا يستملكها البشر وإنما هي عند الله جل وعلا كما قال جل وعلا: {إنّما الآيات عند اللّه}.
والآيات جمع الآية وهي الدليل الواضح البيّن على المراد حيث لا يتخلف عنه.
آيات الأنبياء وبراهين الأنبياء ودلائل صدقهم هذه خارقة للعادة.
ولفظ (الخارق للعادة) هذا كما ذكرنا استعمله المعتزلة والمتكلمون، فجعلوا الدليل على كون الآية والبرهان حجة للرسول ومعجزة للرسول أن فيها خرقا للعادة، وخرق العادة قالوا لا يكون إلا لله جل وعلا.
أصّل المبتدعة هذا التأصيل فلهذا أنكر طوائف: كالجهمية والمعتزلة وبعض الفقهاء، أنكروا كرامات الأولياء لأن كرامات الأولياء عندهم أمور خارقة للعادة، فالخارق للعادة هو ما يحصل بما لا يكون فيه إمكان للبشر أن يفعلوه، فصار خارقا للعادة، فأنكروا كرامات الأولياء لأن الكرامة شيء خارق للعادة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله هنا قال: (وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات)
فسبب ضلال من ضلال من ضلّ في هذا الباب وهو باب كرامات الأولياء أنهم جعلوا إثبات كرامات الأولياء بما جاءت به النصوص، جعلوا ذلك يطعن في دليل النبوة.
قالوا: ولو أثبتنا كرامة للولي لاشتبه ذلك بمعجزة النبي، ومعجزة النبي قامت على خرق العادة فلهذا لا يمكن أن يكون للولي كرامة تخرق بها العادة.
أهل السنة رضي الله عنهم وأرضاهم من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم خالفوا المبتدعة في الأصل وهو أن مبنى آيات الأنبياء على خرق العادة.
قالوا: ومبنى آيات الأنبياء على أنّ آية النبي ليست في إمكان المخلوقات بل لا يمكن أن يأتي بهذه الآية إلا الله جل جلاله سبحانه وتعالى.
فهي خارقة للعادة ولكن كلمة (العادة) هذه وكلمة (خرق العادة) كلمة محدثة لم تأت في النصوص وإذا كان كذلك وجب تقييدها بما جاءت به النصوص.
فالعادة هنا التي تخرقها آيات الأنبياء هي عادة الجن والإنس والمخلوقات.
فالعادة في آيات الأنبياء غير العادة في كرامات الأولياء، غير العادة في مخاريق السحرة والكهنة، لأن الساحر والكاهن والمشعوذ والبطّال يأتون بخوارق للعادات، لكن عادة من؟
هذه هي نكتة هذا الباب وهو مبني - يعني باب كرامات الأولياء والكلام على السحرة وإثبات ما جاء في النصوص في ذلك والرد على أهل البدع - مبني على هذا التأصيل الذي ذكرته.
لهذا نقول إن أهل السنة أثبتوا آيات الأنبياء وذلك بأنها خارقة لعادة المخلوقات، يعني لا يمكن أن يكون مخلوق يأتي بمثل تلك الآية، لا يمكن لمخلوق أن يقلب عصا حيةً لأن هذا من جهة الخلق، فيقلب العصا حية وتكون حية فعلا، ليست من جهة التمويه ولكن تكون فعلا حية، أو يجعل البحر رهوا، أو يجعل البحر يبساً، أو يجعل فرق البحر فرقتين هذه كذا كالطود العظيم وتلك كذا كالطود العظيم {فكان كلّ فرقٍ كالطّود العظيم} هذا ليس في وسع أي مخلوق بل هو لله جل وعلا، كذلك آية عيسى عليه السلام، كذلك آية سليمان عليه السلام، وآية عيسى أنه يبرئ الأكمه والأبرص بمسحة ويحيي الموتى وهذا لا يمكن إلا لله جل وعلا.
ولهذا نقول عمدة هذا الفصل أو هذا الباب في فهمه أن خرق العادة هنا يختلف.
فإذا قلنا بهذا اللفظ المحدث واستعملناه فلا بد أن نفهم أنه مقيد بالسياق الذي يجيء فيه، فإذا جاء في سياق ذكر آيات الأنبياء كانت العادة التي تخرق في آيات الأنبياء هي عادة المخلوقات جميعا، قال جل وعلا في القرآن {قل لّئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} فهنا وقع طلب المعارضة باجتماع الجن والإنس جميعا وهما الثقلان المكلفان قال: {لا يأتون بمثله} يعني قد يأتون بشيء يسمونه قرآنا أو يسمونه مصحفا أو يسمونه كتابا من عند الله لكن لا يكون مثل القرآن فيكون كذبا.
مثل ما يدعي الدّروز أن عندهم مصحفا خاصا بهم وصحف خاصة - وعندي من مصحفهم نسخة - شاكلوا به القرآن وأخذوا بعض الآيات ووسموه بأشياء وجعلوا له فواصل ونحو ذلك، لكنه بارد وليس فيه تحريك لا للنفس ولا للقلب ولا السلطان بل هو سمجٌ لا تمضي فيه حتى تكرهه، وكذلك بعض من ادّعى معارضة القرآن، فإذن المقصود هنا أن خرق العادة في آيات الأنبياء بعادة الجن والإنس أو تقول عادة المخلوقات يعني تدخل فيهم الملائكة إلا بأمر الله جل وعلا.
هذا التأصيل لا بد منه.
هنا خرق العادة في كرامات الأولياء غير خرق العادة في آيات الأنبياء لهذا نقول، مبنى هذا الباب أن أهل السنة خالفوا المبتدعة في تأصيل هذا الباب وفي فروعه:
في التأصيل بما ذكرنا
وفي الفروع بالقول بأن كرامات الأولياء حق، وأن سحر الساحر حق،وأن السحر يمرض حقيقة ويقتل حقيقة وهو موجود على الحقيقة،وأن مخرقة الكهنة والمشعوذين أن هذه هي مخرقة فعلا وحاصلة حقيقة ليست فقط تمويها لكنها تحصل حقيقة، بأن يأتي بشيء بدل شيء ويخفي شيئا ويظهر شيئا، وهذه خارقة للعادة.
ولكن العادة التي خرقت بكرامات الأولياء هي عادة الناس في ذلك الزمان.
والعادة التي خرقت بمخرقة السحرة هي عادة أهل ذلك البلد ممن ليس بساحر.
هذه هي القيود في هذا الباب.
قال رحمه الله (ومن أصول أهل السّنّة: التّصديق بكرامات الأولياء)
التصديق يعني اعتقاد أنها حق من حيث الوقوع ومن حيث الجنس، لا من حيث الشيء المعين الذي يحصل لأفراد الأمة، ما جاءت به النصوص من الكرامات نقول هو كرامة ونصدق بذلك لأن التصديق بالنصوص واجب.
قال: (بكرامات الأولياء) والأولياء جمع ولي، والولي في اللغة هو المحب الناصر كما قال جل وعلا: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ} يعني بعضهم يحب بعضا وينصر بعضا، وقال جل وعلا: {إنّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم راكعون (55) ومن يتولّ اللّه ورسوله والّذين آمنوا فإنّ حزب اللّه هم الغالبون} فالولي هو الناصر والمحب، هذا في اللغة.
أما في الاصطلاح فأهل السنة إذا قالوا الولي فيريدون به (كل مؤمن تقي ليس بنبي).
قولهم كل مؤمن تقي في التعريف لأن الله جل وعلا وصف الأولياء بأنهم المؤمنون الأتقياء قال سبحانه: {ألا إنّ أولياء اللّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (62) الّذين آمنوا وكانوا يتّقون} لكن اسم الولي عندهم يصدق على من كمّل الإيمان والتقوى بحسب استطاعته.
قد يكون عنده بعض الذنوب لكن هو مجتهد في الإيمان والتقوى على الكمال.
قد ينقص طبعا عن ذلك لأن الناس ليس فيهم من ليس له ذنب.
(كل مؤمن تقي ليس بنبي) أخرج الأنبياء عن اسم الولي، فإذا قيل في اصطلاح أهل السنة الولي وكرامات الأولياء فلا يدخل فيها الأنبياء مع أن النبي في اللغة والرسول في اللغة ولي لأنه محب ناصر لله جل جلاله، والله جل وعلا (من عادى لي وليا فقد آذنته في بالحرب) لكن من حيث الإصطلاح لا يطلق على الأنبياء.
أما الولاية - بفتح الواو - فهي المحبة والنصرة، وهذه لكل مؤمن تقي لكن تختلف درجاتها.
فكل مؤمن تقي له نصيب من الولاية.
ولا يقال لمن كان عنده بعض الإيمان والتقوى إنه ولي في الاصطلاح لكن له ولاية بقدر ما فيه من الإيمان والتقوى لأن الله جل وعلا علق ذلك بوصف الإيمان والتقوى فقال جل وعلا: {ألا إنّ أولياء اللّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (62) الّذين آمنوا وكانوا يتّقون} قوله: {الّذين آمنوا} هذا يفيد استمرار الإيمان وكماله {وكانوا يتّقون} كذلك.
أما الولاية فهو من عنده إيمان وتقوى.
فكل مؤمن له ولاية بحسبه، يعني أنه يحب الله وينصر الله جل وعلا بحسب إيمانه وتقواه وكذلك الله جل وعلا يحبه وينصره بقدر إيمانه وتقواه.
فالولاية، ولاية العبد لربه، وولاية الله جل وعلا لعبده متبعضة لأنها مبنية على وصفين كل منهما متبعض، قال جل وعلا: {الّذين آمنوا وكانوا يتّقون} والإيمان عند أهل السنة يتبعض والتقوى عند أهل السنة تتبعض فنتج من ذلك أن الولاية تتبعض أيضا.
فليست الولاية شيئا واحدا عند أهل السنة إما أن يأتي وإما أن يذهب، لكن صار اسم الولي لمن كمّل الإيمان والتقوى بحسب استطاعته.
أما الكرامات فهي جمع الكرامة، والكرامة في اللغة هي النعمة الخاصة أو الإنعام الخاص كما قال جل و{فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه} الإكرام عطف عليه الإنعام والعطف يقتضي التغاير في الصفات أو في الذوات.
لهذا نقول الكرامة شيء خاص على الإنعام، هي إنعام لكن إنعام خاص، في اللغة.
أما في الاصطلاح فالكرامة هي أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي ولهذا قال شيخ الإسلام هنا
(وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات)
عبر بـ (ما يجري الله على أيديهم) لأن الكرامة تجري على يدي الولي.
وقال: (من خوارق العادات) لأن الكرامة خارق للعادة.
فالكرامة إذن أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي.
(خارق للعادة) عادة من؟
ذكرنا لكم التفصيل في ذلك:
فإذا قلنا آيات الأنبياء خارقة للعادة نقول عادة كذا أو يكون مستحضرا.
وكرامات الأولياء خارقة للعادة نقول عادة الإنس أو عادة الناس جميعا أو أهل هذا البلد جميعا، وهذا ليدل على أنه ليس باستطاعته هو أن يأتي بذلك وإنما هي من عند الله جل وعلا.
قبل أن نأتي لتفصيل الكلام فيها على كلام شيخ الإسلام نقول الناس فيها - في الكرامات - لهم أقوال المشهور منها ثلاثة أقوال:
- الأول قول أهل السنة وهذا ما ندرسه ونوضحه على كلام شيخ الإسلام إن شاء الله تعالى.
- والقول الثاني قول المعتزلة والجهمية ومن حذا حذوهم من الفقهاء كابن حزم ونحوه، وهؤلاء ينفون كرامات الأولياء أصلا للشبهة التي ذكرت في أول الكلام.
- والقول الثالث قول الأشاعرة وهو أن كرامة الولي ثابتة وقد تكون مساويةً لآيات الأنبياء.
وأهل السنة يثبتون الكرامة لكن يقولون لا تساوي آيات الأنبياء، لا تبلغها، لأن آيات الأنبياء خارقة لعادة الجن والإنس جميعا وأما كرامات الأولياء فتخرق عادة الناس أو ناس جهة معينة.
قال رحمه الله (وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتّأثيرات)
قوله: (في أنواع العلوم والمكاشفات) هذا نوع من أنواع الكرامة، فإن الكرامة لها نوعان:
- إما أن تكون في علمٍ.
- وإما أن تكون في قدرة.
والعلم كشفٌ، يعلم الشيء بشيء يكون في روعه أو يعلمه بإبصاره أو يعلمه بسمعه.
يسمع ما لا يسمع غيره، يبصر ما لا يبصر غيره، يعلم ما لا يعلمه غيره.
هذا في أنواع العلوم والمكاشفات.
من جهة البصر ينكشف له ما لا ينكشف لغيره كما حصل لعمر رضي الله عنه فإنه انكشف له حال سارية وحال الجبل فقال: (يا سارية) وهو في المدينة (يا سارية الجبل الجبل) يعني الزم الجبل لأنه انكشف له حال المسلمين وموقع المسلمين وحال الفرس وموقع الفرس فنادى، فانكشف لعمر الوضع، والصورة اتضحت أمامه فرأى ما لم يره الناس.
هذه كرامة من جهة الكشف البصري.
سارية سمع، وكان سماعه من جهة الكشف السمعي أو من جهة الكرامة في السمع.
وهذا لا يكون بالعادة، ولكن عندنا مثلا في هذا الزمان يكون بالهاتف مثلا أو لا؟
قد يكون هناك تسليط صور بأقمار صناعية أو نحو ذلك فيرون المكان ويكون مراقب ويتصل بالهاتف ويقول انتبه تحرك كذا كما هو في الجيوش الحديثة.
ولهذا أهل السنة من القديم قيّدوا الكرامة بتقييد عظيم في نفسه وبيّن ما ظهر في الأزمنة المختلفة أنه تقييد حق في نفسه، وهو أنهم قيدوه بما هو خارق للعادة، عادة الناس في زمانهم، لا يمكن لأحد أن يتصور ذلك، فصار كرامة.
هنا العلم والمكاشفة لها ارتباط بكلمات الله جل وعلا لأن حصول الانكشاف قد يكون متعلقا بكلمات الله الكونية وقد يكون متعلقا بكلمات الله الشرعية:
فمثلا تعلقه بكلمات الله الكونية مثل ما حصل لعمر رضي الله عنه، ومثل ما حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث نظر في بطن امرأته وكانت حبلى فقال فيها أنثى، فولدت بعد فترة فصار أنثى، ومثل ما يحصل من هذا الجنس من جهة المكاشفة.
هذه مرتبطة بكلمات الله الكونية، يعني أنه انكشف له شيء راجع إلى كلمات الله الكونية لأنه نظر إلى كوّنه الله جل وعلا أو سمع ما كوّنه الله جل وعلا.
من جهة الكلمات الشرعية ينكشف له العلم بالشرعيات ما لا ينكشف لغيره، ولهذا تجد أن أكثر العصاة لا ينكشف لهم العلم الشرعي، وكلما كان العبد أتقى لربه جل وعلا وأحرص على طاعته وأكثر استغفارا من الذنب وأكثر الإنابة إلى ربه جل وعلا كلما كان انكشاف العلم له أكثر.
وبالمناسبة هناك استدلال يخطئ فيه كثيرون وهو أنهم يستدلون بقوله تعالى في سورة البقرة {واتّقوا اللّه ويعلّمكم اللّه} على أن التقوى مؤثرة في تحصيل العلم.
وهذا الاستدلال ليس بصحيح لأن قوله جل وعلا: {واتّقوا اللّه ويعلّمكم اللّه} هذا عطف، عطف {يعلّمكم} على التقوى، فليس العلم مرتباً في الآية على التقوى.
لهذا قال كثيرون من أهل العلم هنا لا ارتباط بين هذا وهذا لأنه لو كان العلم أثر للتقوى لكانت مجزومة (واتقوا الله يعلمكم الله) لأنه يكون بجواب الأمر كما في قوله: {أن اعبدوا اللّه واتّقوه وأطيعون (3) يغفر لكم مّن ذنوبكم} وهو معروف في النحو.
فقوله: {واتقوا الله} هذا يحسن الوقف عليها ثم تبتدئ فتقول {ويعلّمكم اللّه واللّه بكلّ شيءٍ عليمٌ} يعني بما كان قبل ذلك في الآية من الكلام على كتابة الدين وأحكام الشهادة ونحو ذلك.
النوع الثاني من أنواع الكرامات ما يكون في القدرة والتأثير.
يعني يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، يؤثر بما لا يستطيعه غيره بالقيد الذي أسلفنا، القيد الذي سلف.
فمثلا في القدرة، يقدر على ما لا يقدر عليه غيره كما حصل لأحد الصحابة رضوان الله عليهم أنه لمّا مات فرسه وكان في خلاة من الأرض دعا الله أن يحيي له الفرس فأحيا الله له الفرس، دعا الله أن يحيي له الفرس حتى يرجع إلى بيته وإلا سينقطع وستصيبه هلكة فأحيا الله له الفرس، فوصل إلى داره واستقبله ابنه، فلما استقبله ونزل من فرسه قال يا بني اذهب بالفرس بعيدا فإنه عاريّة، قال فذهب به الولد فلما أبعد به سقط ميتا.
هذا نوع من القدرة، قدرةٌ هذه راجعة إلى كلمات الله الكونية فإن الله جل وعلا أكرمه بأن أحيا له ميتا أحيا له نفسا ميتة، مثل ما حصل لسعد رضي الله عنه حينما مرّ بالجيش على الماء، دعا الله أن ييبس لهم الماء فيبس الماء فمر عليه الجيش بخيولهم وبأسلحتهم ومن هم عليه إلى ماءٍ يابس وكأنهم في أرض صلبة، هذا نوع راجع إلى القدرة.
هل هو قدر أو جرت على يديه القدرة؟
الجواب جرت على يديه كرامة له، لهذا تنتبه لقوله: (وما يجري الله على أيديهم).
والغلاة جعلوا ذلك من قدرة الولي، فغلوا في الأولياء جعلوهم يستحقون شيئا من ما لله جل وعلا.
(أنواع القدرة والتّأثيرات) التأثير أن يؤثر في غيره.
قد يؤثر في الذوات مثل ما أثر سعد في الماء، وقد يؤثر في الأزمنة مثل ما حصل لخبيب بأنه يأتيه عنب في غير وقته وتأتيه الفاكهة في غير وقتها، هذا تأثير راجع إلى قدرة لكن تأثير في الزمان.
مثل ما حصل ليوشع بن نون حيث حبست له الشمس فنادى الشمس فقال، أو خاطب الشمس فقال: (أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم فاحبسها علينا) فظلت الشمس وكانت قريبة من الغروب ظلت زمانا طويلا حتى صار ذلك فتحا.
وهذه آية ليوشع لأنه على أحد الأقوال أنه كان نبيا من الأنبياء ولأن هذه خارجة على قدرة البشر.
المقصود التأثير بنوع التمثيل، فالتأثيرات تختلف:
تأثير في الأزمنة وتأثير في الذوات وأحيانا يكون تأثيرا في الأمكنة وتأثير في الحواس، مثل ما حصل أن جند الحجاج بن يوسف أو شرط الحجاج بن يوسف دخلوا على الحسن البصري فدعا الله جل وعلا أن لا يبصروه فمروا وهو محتذ بفناء داره رحمه الله فنظروا ونظروا فلم يجدوا أحدا في الدار وهو ينظر إليهم وهم يتحركون بين يديه، هذه كرامة {وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}.
فالمقصود من هذا أن التأثير فيما مثّلنا به راجع إلى التأثير في الكونيات.
هناك نوع من التأثير والقدرة راجع إلى الكلمات الشرعية، يعني مرتبط بالدين.
الكلمات الشرعية يعني القرآن، السنة، الدين، الدعوة ونحو ذلك.
فيقدر في هذه الأمور على ما لا يقدر عليه غيره، يكرم.
تجد من أهل العلم من عاش زمانا قصيرا لكنه صنف من المصنفات وقدر على ما لم يقدر عليه علماء زمانه بمجموعهم، أو أثر في الناس من جهة الدعوة أو من جهة إصلاحهم ووعظهم تأثيرا بالغا فدخل إلى قلوبهم فأثّر في الشرعيات وأكرم بأن يؤثر.
كما ذكر عن ابن الجوزي وغيره أنه كان يتوب على يديه في المجلس الواحد أحيانا نحو عشرة آلاف وكان مجلسه في مسجده يحضره الآلاف المؤلفة، وكما قيل إنه أسلم في يوم وفاة الإمام أحمد بن حنبل كذا وكذا من اليهود والنصارى في بغداد ونحو ذلك.
هذا تأثر في الشرعيات، يعني أثّروا حتى جعلوا الشرعيات مقبولة واستسلم لها الناس.
ولهذا يقول أهل العلم إنّ كرامات الأولياء مرتبطة بكلمات الله الكونية وكلمات الله الشرعية، وتفصيل المقام في ذلك بما ذكرته لك.
قال: (والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف)
وقصة أصحاب الكهف واضحة (وغيرها) كما في قصة مريم، لأن مريم ولية من أولياء الله جل وعلا لأنه ليس في النساء نبية وإنما الرسالة والنبوة في الرجال.
(وعن صدر هذه الأمّة من الصّحابة والتّابعين وسائر فرقٍ الأمّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة)
وهذا الأمثلة عليه واضحه وكثيرة.
بقي هنا تتمات لهذا المبحث.
فأهل السنة يعتقدون أن الولي تابع للنبي، وأنهم لا يفضّلون أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ويقولون نبي واحد أفضل من جميع الأولياء كما قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته.
وأول من أحدث القول بختم الولاية وباحتمال أن يفضل الولي على النبي فيما يذكر عنه الحكيم الترمذي.
الحكيم الترمذي صاحب كتاب نوادر الأصول له كتاب سماه (ختم الولاية) وعنى بها (ختم الأولياء) ذكر فيه أصولا في هذا الباب، وكان سببا لضلال جهلة المتصوفة والاتحادية في هذا الباب.
فقالوا إن الولاية تختم كما تختم النبوة، وأنه يمكن أن يكون الولي أفضل من النبي.
وقد تبنى هذا والعياذ بالله، تبناه ابن عربي الحاتمي المعروف صاحب كتاب (الفتوحات المكية وفصوص الحكم) ذكره في كتابه الفصوص، وذكر أن خاتم الأولياء - قالوا يعني نفسه - أفضل من خاتم الأنبياء.
ولهذا كفّره العلماء بذلك وحكموا عليه بالزندقة بل قالوا وأي كفر أعظم من هذا حيث قال هو:
إن النبي عليه الصلاة والسلام مثّل لبناء الأنبياء بأنه لم يبق فيه إلا لبنة فكان هو عليه الصلاة والسلام تلك اللبنة.
قال وخاتم الأولياء ينظر نفسه في موضع لبنتين، لبنة في الظاهر ولبنة في الباطن.
فلبنة الظاهر تتابع رسم الشريعة، ولبنة الباطن تستقي من المعدن الذي يستقي منه الملك الذي أوصل الخبر إلى النبي.
وقد ألّف هو كتاباً فيه الأحاديث التي يرويها عن ربنا جل وعلا مباشرة، وهو مطبوع سمّاه الأربعين عن رب العالمين، فكانت جهة التفضيل هي هذه.
ولذلك تجد أن هؤلاء يرون أنه سقطت عنهم التكاليف لأنهم خوطبوا بما لم يخاطب به غيرهم، لكن في الظاهر يتبعون، لكن في الباطن هم معذورون أو لهم شريعتهم الخاصة.
وهذا لا شك أنه زندقة وهو الذي ذكره إمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام، هو هذا المعنى، وكان كثيرا في نجد وما حولها وفي الحجاز وفي البلاد الإسلامية الأخرى إلى يومنا هذا من أن من الناس من يعتقد أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، يعنون به هؤلاء الذين يقولون بختم الولاية.....1
مبتدعا مقيما على بدعته ولا صاحب كبائر، بل الولي هو الذي يتابع الكتاب والسنة ولا يغتر بما يجري لهم من الخوارق يعني بأهل البدع والمعاصي أنهم قد يحصل لهم خوارق فلا يغتر بهم، فليس برهان الولاية، أو كون هذا وليا، ليس برهان ذلك أنه جرى له خارق للعادة، بل برهان ذلك أنه تابع القرآن والسنة وأمّر السنة على نفسه ظاهرا وباطنا بقدر الإستطاعة.
ولهذا قالوا تحصل مخاريق من الشياطين والجن ليغووا الناس بهذا حتى يذهبوا عن السنة.
وهذا هو الذي حصل فإنه في الفرق المختلفة الذين ضلوا في هذا الباب أغوتهم الشياطين وجعلت لهم كرامات، أو جعلت لهم ما يشبه الكرامات فاغتر الناس وقالوا هذه كرامات وهي في الواقع من جهة الشياطين، وقد تأتي بصورته وقد يكون هو في أكثر من محل في نفس الوقت مثل ما يقال فلان رئي بدمشق يوم العيد - عيد الأضحى - ورئي بمنى يرمي الجمرة ذلك اليوم، وفلان رحمه الله خطب الجمعة في سبعة مساجد، شهد الناس بأنه خطب هنا وخطب هنا وخطب هنا وخطب هنا، ويقول الشعراني عن هذا الذي خطب في أكثر من موضع يقول: وكان رحمه الله يتلو آيات ليست في القرآن.
وهذا ضلال فوق الضلال، يتلو آيات ليست في القرآن لأنهم يعتقدون أنه يصل إلى أن يكلمه الله جل وعلا فأعطاه آيات ليست في القرآن.
وهذا لا شك أنه كفر وزندقة وخروج عن الملة، فالكرامة لا يؤتاها إلا المتابعين للكتاب والسنة المؤمنون الأتقياء.
هل يحصل لأهل البدع كرامات؟
نقول ما يحصل لأهل البدع والضلال والعصيان من خوارق للعادات هي من جهة الشياطين لتغوي الناس، بل قد يحصل لأحد الأولياء أن الشياطين تتمثل به في أكثر من مكان حتى تضل الناس، مثلما قال شيخ الإسلام عن نفسه، قال: وكانت الشياطين تتمثل بي فتأتي إلى أصحابي كما حصل مرة أنهم وقعوا في شدة وكانوا في مكان بعيد عني فرأوني أنظر إليهم فاستغاثوا بي، فأغاثهم، يعني زال ما بهم من الشدة، قال: فلما رجعوا أخبروني وشكروني على ذلك فقلت لهم لم أبرح دمشق وإنما كان الذي رأيتم شيطانا تمثّل في صورتي، فإياكم.
يحصل هذا كثيرا، ولهذا نقول الشيطان إذا كان يتمثل في صورة العبد الصالح فقد يتمثل في صورة المبتدع ليضل الناس أكثر فلهذا يقول أهل العلم الخوارق ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: ما يحصل للأنبياء وهذه آيات وبراهين.
- والنوع الثاني: ما يحصل للأولياء وهذه كرامات.
- والنوع الثالث: ما يحصل لأهل العصيان والمبتدعة وأهل الضلال أو السحرة أو الممخرقين وهذه خوارق شيطانية.
لأن كل واحدة لها اسم يجمعها اسم الخارق للعادة، لكن ما يحصل على يدي المبتدعة وأهل العصيان يسمى خارقا شيطانيا.
وأوضح ذلك شيخ الإسلام بتفصيل في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
المبتدعة قد تحصل لهم كرامات في حال واحدة، وهي حال جهاد من ليس من أهل الإسلام، إذا جاهدوا النصارى أو جاهدوا أهل الإلحاد والزندقة أو جاهدوا المشركين فقد يعطي الله جل وعلا الجيش الذي قاتل أولئك الملحدين أو اليهود أو النصارى، يعطيهم بعض الكرامات ولو كانوا مبتدعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذلك لما معهم من أصل الدين الذي هو دين الحق وهو الإسلام ليظهر على ما مع أولئك من الشرك والدين الذي هو باطل أو أبطله الله جل وعلا.
ومثّلت على ذلك بما حصل وما جرى فيه النقاش كثيرا في وقت من الأوقات بالكرامات التي نقلت عن الأفغان وما حصل لهم في ذلك، ومنهم من ينفي ومنهم من يثبت 5 ومنهم من يقول - يعني من إخواننا - من يقول إنهم مبتدعة والمبتدعة لا يعطون كرامات، بعضهم مشركين، يعني عندهم شرك أصغر، وبعضهم يكون عنده أعظم من ذلك، فنقول:
القاعدة في ذلك أن المبتدع، ومن عنده شرك أصغر، ونحو ذلك قد يعطى كرامة كما حصل، فلا نثبت أنها كرامة مطلقا، ولا نقول ليست بكرامة بل نقول قد تكون كرامة وذلك كما عليه التأصيل عندنا أن ذلك لتأييد ما معهم من أصل الدين والإسلام ليظهر على ما عليه أهل الإلحاد وتقوم حجة الله جل وعلا أو تظهر حجة من حجج الله على الناس.
كذلك في المناظرات، في المجاهدة بالقرآن فإن الله جل وعلا يؤيد ربما المعتزلي بكرامة، يؤيد الأشعري بكرامة، يؤيد المبتدع بكرامة إذا كان يحاج أهل الإلحاد أو النصارى أو الفرق التناسخية أو أهل الملل الباطلة ليظهر أن ما معه من أصل الدين خير.
ولهذا ذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله أن كثيراً من المبتدعة دعوا إلى الدين وأدخلوا في الدين طوائف من المشركين، ومن عبدة الأوثان ومن أهل الديانات كاليهودية والنصرانية، وأهل الملل الباطلة كملل أهل الهند والفرس ونحو ذلك، فكان ما حصل لهم من الإسلام الذي فيه بدع وخرافات وفيه ضلال عن السنة خير لهم من بقائهم على ملل الكفر والضلال.
وهذا لا شك أنه صواب كما قال رحمه الله تعالى لأن هذا يكون مسلما مبتدعا، يكون مسلما ضالا، لكن لو ترك وحاله الأولى لكان مشركا كافرا زنديقا، لو مات على تلك الحال كان من أهل النار إن قامت عليه الحجة.
من المباحث أيضا المتعلقة بهذا الباب مبحث الفراسة، والفراسة ثلاثة أنواع:
- فراسة إيمانية.
- وفراسة طبيعية.
- وفراسة رياضية.
o يعنى بالطبيعية ما يحصل من دلالة تقاسيم الوجه على خلق صاحبه، أو ما يستدل به في سعة أو عظم صدره خلقةً على أنه واسع البال، لا يضيق سريعا، على أنه حليم، ومثل ما يستدل بكبر الرأس على كبر العقل أو المخ، ومثل ما يستدل بصغر الرأس على البلادة، أو حدة العينين على قوة في الذكاء، وبرود العينين على فتور الذهن.
هذه أشياء طبيعية خلقيّة تكلم فيها الناس، وصنّف فيها مصنفات، والشافعي رحمه الله تعالى درس من هذا شيئا، وكان رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة وعفا عنه ورفع درجته في العليين كان لما درس هذا في الصغر كان يؤثر عليه وغلب عليه كما ذكروا في ترجمته حتى أتى له الربيع تلميذه مرة أتى له فقال له اذهب فاشتر لنا باقلاء وخضراً - يعني مأكولات أشياء للبيت - فذهب فاشتراها.
قال ما صفة البائع؟
فقال الربيع كان أعرج أعور. - أعرج يتكسب وأعور هذا خلقة الله جل وعلا -.
قال اصرفه عني، تصدق به.
غلب عليه هذا.
كان مما يقول الشافعي رحمه الله: ذهبت إلى اليمن لطلب كتب الفراسة - وولي إمرةً لأحد البلاد في اليمن فترة من الزمن -
ويقول: لما طلبت هذه الكتب فكان من الصفات في الكتب أن الرجل إذا كان من العرب وكان أشقر الشعر أزرق العينين فهي أخبث صفة.
قال: فبينا أنا سائر في تهامة وآواني الليل إلى مكان، يقول: فإذا بنار فأتيتها فإذا برجل فلما رأيت صورته كرهته فكان أزرق العينين وكان شعره أشقر.
وقلت: هذه أخبث صفة في كتب الفراسة، فقال: فرحب بي أعظم ترحيب،وأنزلني
وقال: انزل عندنا وعشاءك عندنا وما تريد؟
يقول: وأخذ دابتي بنفسه بيده فقال هيا اذهب، ووضع لي مكانا وأتى لي بالعشاء وأخذ الدابة وأعلفها وسهر علي وعلى دابتي ذلك الليل كله.
فقلت: يا خسارة ما أنفقت على هذه الكتب طيلة مسيري ومكثي في اليمن.
قال: فلما أتى الصباح قلت له لقد أسديت لنا يا فلان معروفا وإذا أتيت مكة فسل عن محمد بن إدريس حتى نكافئك.
فقال ذلك الرجل: ما رأيت رجلا مثلك قط، أكرم دابتك وأكرمك وأسهر عليك الليل وتقول إذا أتيت مكة اطلب فلانا؟ انقد لي خمسة دنانير
يقول: وليس معي إلا خمسة دنانير وكان هو في فعله لا يستحق إلا دينارا واحدا.
قال: فتمسكت بكتب الفراسة.
وأثرت هذه على الشافعي رحمه الله في أخبار من ذلك.
المقصود أن هذه تسمى فراسة خلقية طبيعية، يعني من الشكل يستدل بشيء، وفي كتاب للرازي في هذا وكتب يستدلون بالخلق على الخلق.
* النوع الثاني فراسة رياضية وهذه هي التي يتعلمها القضاة وكذا.
من نظرته لحركة الرجل ولكلامه ولهيئته يعلم تصرفه يعلم هل هو محق أم مبطل ونحو ذلك.
* وهناك فراسة أخرى ثالثة وهي فراسة إيمانية، هذه الفراسة الإيمانية هي التي جاء فيها الحديث الذي في الترمذي وغيره عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) هذه فراسة إيمانة ليست من جهة الفراسة الرياضية التي تتعلم بالرياضة بالتعود وبالخبرة، وليست خلقية طبيعية ولكن هكذا يقذف في روعه في نفسه أن هذا كذا وكذا، وهذه من جنس الكرامات بل هي كرامة، ولهذا أهل العلم يبحثون الفراسة إذا بحثوا الكرامة، فمبحث الفراسة في كتب العقيدة بعد كرمات الأولياء لأن من أنواع الفراسة الفراسة الإيمانة وهي جزء أو نوع من أنواع الكرامة.
هذا بعض ما يتصل بهذا الموضوع والبحث لا شك أنه متشعب وألفت فيه كتب كثيرة ولكن هذه أصول المسائل في هذا الباب.
يقول: ما معنى آيات الله الكونية وآيات الله الشرعية؟
آيات الله الكونية المراد بها ما جعله الله جل وعلا آية دالة عليه في الكون المنظور مثل الشمس والقمر والليل والنهار {ومن آياته اللّيل والنّهار والشّمس والقمر} هذه آيات كونية، آية لأنها تدل دلالة ظاهرة وواضحة على الله جل وعلا فإن من تأمل في الليل والنهار كفاه برهانا على وجود الحق جل وعلا وتقدس وتعاظم ربنا، الشمس والقمر وتسخير الشمس والقمر لأهل الأرض تجد أن ذلك من الآيات الدالة عليه.
أما آيات الله الشرعية فهي القرآن وكتب الله المنزلة، هذه آيات الله الشرعية وهي الكلمات الشرعية.
قال ما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟
الكرامة ذكرناها، المعجرة لفظ حادث، المعجرة لفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلمات الصحابة ولا في التابعين ولا تبع التابعين، وأول من استعمل لفظ المعجزة في آيات الأنبياء المعتزلة، لم؟
لأنهم بنوا آيات الأنبياء على العجز على عجز الناس عنها ولهذا أنكروا الكرامات، ولفظ المعجزة ما جاء كما ذكرنا ولهذا ضلّ فيه من أحدثه لكن معناه بما تعورف عليه أنه هو معنى الآية والبرهان، فإذا قيل معجزات الأنبياء يعني آيات الأنبياء براهين الأنبياء الدالة على صدقهم والبينات التي أيدهم الله جل وعلا بها، لكن لفظ المعجزة محدث وينبغي أن يقيّد ويفهم أنه محدث وأن تقييده بما لا يضع التباسا في فهم آيات الأنبياء ودلائل الأنبياء.
ولمن تقع كل واحدة منهما؟
الكرامة للولي وأما المعجزة وهي الآية والبرهان فهي للنبي.
وجاء في التاريخ أن صلة حصل له أشياء..... حتى وصل.
هذه هي القصة التي ذكرتها.
هذا سؤال جيد يقول أشكل علي إضافة العادة بالنسبة للنبي والولي إذ ما الفرق مثلا بين إحراق إبراهيم عليه السلام وبين إحراق أبي إدريس الخولاني؟
هذا الاستشكال أورده شيخ الإسلام في كتاب النبوات وقال الجنس مختلف، النار التي أجّجت لإبراهيم ليست هي النار التي أجّجت لأبي إدريس الخولاني فمن حيث إن هذه نار وتلك نار نعم، ولكن لا تساوي هذه تلك ولهذا قال أهل السنة إن كرامة الولي لا تساوي آية النبي، والأشاعرة قالوا إن كرامة الولي تساوي آية النبي ولكن الفرق بينهما أن الولي لا يدعي النبوة والنبي يقول هو مرسل من عند الله جل وعلا.
قال من ذكر هذا الضابط في العادة بين الولي والنبي والساحر من أهل العلم وأين نجدها بالتفصيل؟
المسألة مبحوثة في كتب كثيرة ولعل من أدق من تكلم عن هذا البحث شيخ الإسلام في كتاب النبوات فهو مؤصل في بيان هذه المسألة.
يقول ذكرتم أن ظهور الكرامات لأهل البدع والمحدثات عند قتال أهل الكفر والشرك، وضربتم مثالا بما ظهر من كرامات في الجهاد الأفغاني إن صح أنها كرامات، ولا يفوتكم أن الجهاد الأفغاني شارك فيه سلفيون من شتى أنحاء العالم الإسلامي وكان لهم أمارة بكنر، أفلا يصح أن تكون هذه الكرامات التي ظهرت ظهرت لأهل السنة منهم بعيدا عن القبوريين والخرافيين؟
لا، السلفيون ظهرت لهم كرامات والمبتدعة أيضا يقولون إنها ظهرت لهم أيضا كرامات، لا نكذب بظهور الكرامات ولا نصدق ولكن نقول من ظهرت منهم هذا هو التأصيل حتى لا يعتقد أنهم ما دان أنه ظهرت له كرامة فإن معنى ذلك أنه على الحق، نقول ظهور الكرامة وأنت مقيم على الشركيات الشرك الأصغر أو على البدع هذه تأييد لما معك من أصل الدين، لأنك إذا كلمته في أصل الكرامة هو شهد شيئا خارقا للعادة، وتأصيل أهل العلم على أنه لا يمنع من أن يكون مع أهل البدع كرامات لكن في حال مجاهدة الكفار والمشركين إما بالسنان أو باللسان كما ذكرت ذلك.
قوله: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} يستعملها بعض العامة عند إرادته إخفاء نفسه عن الناس كما فعله بعضهم فهل ورد في ذلك شيء؟ ثم أين نجد أسانيد القصص المذكورة في الكرمات؟
أسانيد القصص هذه موجودة في عدد من الكتب منها كتاب الزهد للإمام أحمد ومنها كتاب كرامات الأولياء للالكائي وكتب التاريخ أيضا ومناقب الصحابة فيها من ذلك شيءٌ كثير.
ما هو الفرق بين خوارق العادات وخوارم المروءة؟
خوارم المروءة الأشياء التي تقدح في العدالة وهي الخروج عن ما أوجبه الشرع وما هو معروف عند أهل العلم والتقوى والصلاح، أما خوارق العادات فهذه راجعة إلى أنه شيء ما يستطيع أحد يعني من الحاضرين أن يفعله إلا بقيود.
سؤال غير وجيه في مسألة النار وأن النار التي دخل فيها أبو إدريس الخولاني من الشياطين، هذا فيه نظر.
هل هناك فرق بين ابن عربي وابن العربي أم أنهما شخص واحد؟
ابن العربي هذا فقيه مالكي معروف صاحب كتاب أحكام القرآن وصاحب كتاب عارضة الأحوذي، صاحب شرح الموطأ، عالم من علماء المالكية معروف لكنه كان قليل العناية بالسنة كما سمعت ذلك من سماحة الشيخ عبد العزيز حفظه الله، ولكنه كان فقيها مالكيا وعالما وعنده ما عند غيره من أهل العلم، أما ابن عربي بحذف الألف واللام فأصله هو ابن العربي أيضا مثل الأول لأنه هو أندلسي كما أن الأول أندلسي والعربي اسم هناك في تلك الجهات يكثر التسمية به، لكن لمّا كان على تلك الزندقة والضلال فرق العلماء بينه وبين الأول بأن حذفوا منها الألف واللام لأن الألف واللام تشريف وتعريف فحذفت من ابن عربي لأنه لا يستحقها فقيل ابن عربي بالتنكير.
هل من كان من أهل الكبائر من المسلمين ثم تاب وأحسن هل يكون من أهل الكرامات؟
نعم يكون من أهل الكرامات، صاحب الكبيرة أو الكبائر إذا تاب منها فالتوبة تجب ما قبلها بل قد يكون في حقه أن الله جل وعلا يبدل سيئاته حسنات، هذا من اعظم فضل الله جل وعلا كما جاء ذلك في آخر سورة الفرقان {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} فصاحب الكبائر إذا تاب وأحسن التوبة وعمل صالحا وأخلص لله جل وعلا فإنه قد تبدل سيئاته حسنات وهذا ليس للجميع ولكن لبعض التائبن، لمن تاب توبة خاصة، فيأتي العبد ويكون ليس له من الزمن في الإسلام إلا أو في السنة أو في الصّلاح إلا فترة وجيزة ويكون أفضل ممن كان قبل ذلك لم؟ لأنه وقع في قلبه من تعظيم الله جل وعلا وتوقيره واحتقار نفسه وعظم ذنبه الذي يتراءى بين عينيه ما يجعله أفضل من غيره فيبدل الله سيئاته حسنات وهذا من فضل الله جل وعلا على بعض عباده، وفي هذا القدر كفاية وأسأل الله جل وعلا لي ولكم العفو والعافية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.