معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد

معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد (http://afaqattaiseer.net/vb/index.php)
-   منتدى المسار الثاني (http://afaqattaiseer.net/vb/forumdisplay.php?f=1072)
-   -   مجلس مذاكرة القسم العاشر من تفسير سورة آل عمران (http://afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=45570)

هيئة الإشراف 21 شعبان 1443هـ/24-03-2022م 04:36 AM

مجلس مذاكرة القسم العاشر من تفسير سورة آل عمران
 
مجلس مذاكرة القسم العاشر من تفسير سورة آل عمران
(الآيات 153-171)






اكتب رسالة تفسيرية في واحد مما يلي:
1: قوله تعالى: {
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)} بالأسلوب المقاصدي.
2:
قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)} بالأسلوب البياني.
3: قوله تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} بالأسلوب الوعظي.


تنبيه:
تذكر مراجع البحث في نهاية كل رسالة.


تعليمات:
- دراسة تفسير سورة آل عمران سيكون من خلال مجالس المذاكرة ، وليست مقررة للاختبار.
- مجالس المذاكرة تهدف إلى تطبيق مهارات التفسير التي تعلمها الطالب سابقا.
- لا يقتصر تفسير السورة على التفاسير الثلاثة الموجودة في المعهد.
- يوصى بالاستفادة من التفاسير الموجودة في جمهرة العلوم، وللطالب أن يستزيد من غيرها من التفاسير التي يحتاجها.

- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.



تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ = 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب = 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج = 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ = أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: صحة الإجابة [ بأن تكون الإجابة صحيحة غير خاطئة ]
2: اكتمال الجواب. [ بأن يكون الجواب وافيا تاما غير ناقص]
3: حسن الصياغة. [ بأن يكون الجواب بأسلوب صحيح حسن سالم من ركاكة العبارات وضعف الإنشاء، وأن يكون من تعبير الطالب لا بالنسخ واللصق المجرد]
4: سلامة الإجابة من الأخطاء الإملائية.
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.


_________________

وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم

صلاح الدين محمد 27 محرم 1444هـ/24-08-2022م 12:23 AM

اكتب رسالة تفسيرية في:
قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} بالأسلوب الوعظي.
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد
فهذه رسالة تفسيرية بأسلوب الوعظ لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}, فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على فوائد عظيمة, وحكم جليلة, ومقاصد إيمانية.
فبدأ بقوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم): أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك.
وفي هذا تربية إلهية للنبي صلى الله عليه وسلم, ولأمته تبعا أن يوقنوا أن الله تعالى هو الذي يمن على عباده بالرحمة, ولين الجانب, وينبغي على العبد أن يخفض الجناح للمسلمين, وأن يحسن خلقه في التعامل معهم, فإن ذلك يورث العبد قوة إيمان, ويورث المحبة والألفة بين العباد, وذلك سبب لاجتماع كلمة المسلمين, وامتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
فكن يا عبد الله لين الجانب رقيق في التعامل, يرفعك الله درجات, ويحبك الناس, حتى وإن رأيت شيئا يخالف ما تريده فارفق به, وألن جانبك, وارفق به, فإن ذلك يزيد من قدرك, ويعلي من شأنك, فاعتبر يا عبد الله بقدوتك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفق واللين وخفض الجناح.
ثم قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ): قال الراغبُ: الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخلُقِ, وقال الواحديُّ: هو الغليظُ الجانبِ السئ الخلُق. وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة، وتنشأ عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء.
أي: لو كنت سيء الكلام، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: «إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» .
ولذلك ينبغي على العبد أن لا يكون جافيا خشنا في معاملة الناس, وأن ينزع عن نفسه لباس الفظاظة والجفاء, ففظاظة القول سببا لتفرق الناس عنك, ونفورهم منك, فالغلظة في المظهر هي الفظاظة، والغلظة في الباطن قسوة القلب وكلا الوضعين من شأنه أن ينفر, فينبغي أن يكون أسلوبك لينا رقيقا, فإن ذلك مدعاة لقبول قولك, والتفاف الناس حولك, ومحبة الناس لنصحك, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في لين الجانب, ورقة الأسلوب, والتعامل بحكمة مع الأمور, ذاك أن المقصود من بعثة الرسل تبليغهم شرائع الله إلى الخلق، ولا يتم ذلك إلا إذا مالت قلوبهم إليهم، وسكنت نفوسهم لديهم، وذلك إنما يكون إذا كان الرسول رحيما كريما يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر والمكرمة والشفقة.
فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص
ثم قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ): ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان.
فمن صفات المؤمن العفو المسامحة, وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعفوا عن أصحابه وأن يستغفر لهم مع ما كان منهم من تقصير عن غير قصد مخالفة أمر رسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك يرشدك يا عبد الله أن تكون ممن يعفو عند المقدرة و ويسامح عند التجاوز, ويطلب المغفرة من الله تعالى.
قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ): أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر, فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره:
منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله: فإن العبد إذا قام بالمشورة في أموره, ونوى بذلك تأليف القلوب, وجمع الكلمة؛ فإن ذلك ذلك يكون قربة لله تعالى.
ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.
ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: {وشاورهم في الأمر} فكيف بغيره؟!
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الخلق قد أمره الله تعالى بأن يشاور أصحابه في أمور المسلمين, فكيف بك وأنت ضعيف, وليس لديك من الحكمة, تتجبر برأيك وتصدر عنه, ولا تشاور أحدا فيه, فينبغي عليك يا عبد الله أن تتشاور في أمرك مع أهل الصلاح والحكمة, وأن تصدر عن رأيهم ومشورتهم, فإن ذلك يورث قوة الرأي, وحسن العاقبة, وتماسك الجماعة, وتآلف المجتمع.
ثم قال تعالى: {فإذا عزمت} أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة.
{فتوكل على الله} أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، فإن من توكل على الله تعالى كفاه, فينبغي على العبد أن يجعل أموره كله واعتماده كله على الله تعالى, فهو نعم المولى ونعم النصير, وأن يعلق قلبه بالله تعالى, ولا يعلق قلبه بأحد إلا الله , فهو وحده الذي بيده النفع والضر, وبيده الرزق, وبيده كل شيء, وينبغي على العبد مع اعتماده على الله تعالى أن يأخذ بالأسباب الشرعية, فيطير بجناحي التوكل والأخذ بالأسباب , فلا يقول أنا متوكل على الله ولا يأخذ بالأسباب الشرعيه, فهذا حاله أنه متواكل وليس متوكلا, ولا أن يأخذ بالأسباب مع عدم اعتماد قلبه على الله تعالى فيقع في الشرك بالله العظيم, فالمؤمن كيس فطن, والمؤمن وسط بين طرفين, وحسنة بين سيئتين.
{إن الله يحب المتوكلين} عليه، اللاجئين إليه, فيالها من منة جليلة, وفرحة عظيمة, أن يحبك الله تعالى, فينبغي على العبد أن يحقق التوكل على الله تعالى حق التوكل؛ لأن ذلك يورث محبة الله تعالى للعبد, فاجتهد يا عبد الله في تحقيق التوكل على الله تعالى لتنال هذه المنزلة العظيمة ألا وهي محبة الله لك, ويالها من منزلة أن تكون من عباد الله الذين اصطفاهم بمحبته, وأدخلهم في زمرته, فإن ذلك هو الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين
والله أعلم
المراجع:
تفسير الزجاج.
تفسير الطبري.
تفسير ابن عطية.
المفردات في غريب القرآن للواحدي.
التفسير الوسيط لطنطاوي.
تفسير ابن كثير.
تفسير المراغي.
تفسير السعدي.
زهرة التفاسير.

أمل عبد الرحمن 7 صفر 1444هـ/3-09-2022م 06:45 PM

تقويم مجلس مذاكرة القسم العاشر من تفسير سورة آل عمران

صلاح الدين محمد أ+
أحسنت بارك الله فيك ونفع بك.

إيمان جلال 4 ربيع الثاني 1444هـ/29-10-2022م 01:43 PM

اكتب رسالة تفسيرية في واحد مما يلي:
1: قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)} بالأسلوب المقاصدي.



بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين،
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد،

إن مما لا يخفى على كل مسلم تال لكتاب ربه، أنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، تتنقل فيه من سورة إلى سورة في وحدة واحدة متكاملة، تروي بها ظمأك من المواعظ والعبر والدروس التي منها ما يرشدك في طريقك المسلوك إلى ربك، ومنها ما يعينك في هذه الحياة في التعامل مع كل ما حولك، ومنها ما يواسيك في أحلك ظروف عمرك، وصدق الله حين قال: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته". [1]

ولقد طالعتنا سورة آل عمران، والتي تناولت مواضيع شتى تدور رحاها حول إثبات وحدانية الله، وأقامت الأدلة الشافية نقلا وعقلا مما لا يدع مكانا للشك بأنه الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأن الإسلام هو الدين الحق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي مرسل من ربه، فلا تقعوا أيها المسلمون بما وقع به النصارى - الذين أسهبت السورة في الرد على حججهم – وذلك بالحديث عن حقيقة عيسى عليه السلام البشرية، فلا تغلوا في نبيكم – أيها المسلمون - كما غلت النصارى بعيسى، ولا تزدروه كما فعلت اليهود بموسى، فكلهم أنبياء أبناء علات، عليكم طاعتهم واتباعهم وإنزالهم المنزلة التي أمركم ربكم أن تنزلوه إياها، فقال تعالى في السورة آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصدح بالقول: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم". [2]

فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الاختبار الحقيقي الذي عليه مدار الفلاح في الدنيا والآخرة، ولهذا جاءت آيات آل عمران تحذر من المنافقين الذين دأبهم - على مر العصور - بث الشكوك في نفوس المؤمنين في صحة هذا الدين وصحة نبيه، وتخذيل المسلمين وإرجافهم من أعدائهم، وهذا ما حصل من المنافقين في غزوة أحد والذين كان يرأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.
ولندلف على معنى الآية الكريمة، لابد لنا من فهم أحداث غزوة أحد - والتي جاءت الآية في سياقها – لنعيش أجواء ما حصل فيها.
فبعد غزوة بدر، وما حققه المسلمون من انتصار في أول مواجهة عسكرية مع المشركين، ازدادت رغبة الكفار في الانتقام لهيبتهم التي مرغها المسلمون في التراب، خاصة وأن عددهم وعِدتهم فاقت ما عند المسلمين، فأرادوا الانتقام لمقتل صناديدهم، فتحركوا بجيش يملأ الغيظ قلبه لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه في المدينة، وفور وصول خبرهم للمسلمين، عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة يشاورهم في الأمر، فأشاروا عليه أن يخرجوا خارج المدينة لملاقاة العدو، وأيدهم رأس النفاق عبد الله بن أبي به – ليتسنى له التباعد مع من معه عن جيش المسلمين دون أن يلحظهم أحد، ومع أن رأيهم هذا مخالف لرأي النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نتعلم من هذا الموقف مبدأ الشورى الذي أقرته الشريعة، وهو ما جسده النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وعدم الاستبداد بالرأي، وما نخلص إليه من رباطة جأش النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يتراجع فيه عن نزوله على رأي الصحابة بالخروج إلى خارج المدينة، فقال لهم عندما شعروا بأنهم قد أكرهوه عليه: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل). [3]
فبدأ النبي بإنزال المجاهدين منازلهم، "وإذ غدوت من أهلك مقاعد للقتال"، ولنتأمل "مقاعد" التي تدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يبرح المؤمنون تلك الأماكن التي عينها لهم ولا تحت أي ظرف من الظروف.
فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا ‌اسْتَزَلَّهُمُ ‌الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا" يَعْنِي حِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَعَصَوْا أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لِلرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ: (لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا). [4]
وهذا في تلك الغزوة وفي حياته، أما بعد مماته، فلنحرص على ألا نبرح أماكننا التي شرفنا الله بها، من كوننا مسلمين موحدين، ومن كوننا طلبة للعلم، ودعاة إلى الله، نلتزم بحدود الله فلا نبتدع ما لم يعلمنا إياه نبينا، وألا نتزحزح عن هذا الدين حتى يتوفانا الله عليه، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
ومما ينبغي الالتفات إليه، هو أثر العامل النفسي على النفس البشرية، فعندما غادر المنافقون جيش المسلمين، أملا في إلحاق الهزيمة بهم، وكادت أن تتحقق مآربهم، فوصفهم تعالى: "إذ همت طائفتان أن تفشلا" فكادت إحدى طائفتي المؤمنين – وهم بنو حارثة وبنو سلمة - أن تنسحب فترددت في خوض غمار الحرب مع النبي لولا لطف الله بهم حيث قال: "والله وليهما". وهذا والله ما لا يجب أن يغفل عنه، ألا وهو دندنة المنافقين على مر الأزمان على وتر التشكيك والإرجاف، واللعب على وتر العامل النفسي وبث روح الهزيمة بين صفوف المؤمنين، فليستعن المؤمن بربه وليه نعم المولى ونعم النصير "وعلى الله فليتوكل المؤمنون". ولذلك، حرص ديننا على رفع معنويات أفراد الأمة، فقال تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، فشرعت الآية بتعزية المسلمين على ما أصابهم في أحد لئلا يضعفوا على ما أصابهم من الأذى، وهكذا علينا ألا نستسلم لليأس والإحباط، بل نستلهم العبر والدروس لئلا نخفق ونقع في الخطأ في قادم الأيام. ولم تكتف الآيات بالتسلية، بل عززت الأمر بالبشرى بأن الله ناصر دينه وناصر نبيه، قال تعالى: [color="blue"]"سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب"[/color]، وقوله: "ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه"، وذلك إن أطاعوا أمره وأمر نبيه، ولكن ولما وقع من الرماة "حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم" بمخالفة أمر نبيكم "من بعد ما أراكم ما تحبون"، من النصر والظفر بالمشركين، فبيّن تعالى أن سبب الهزيمة هو مخالفة أمر النبي وعصيان ما أمرهم به، وهذه هي الطبيعة البشرية المجبولة على الخطأ، فالصحابة – وإن كانوا خير البشر بعد الأنبياء – إلا أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأن منهم "من يريد الدنيا" من أجل الغنيمة، وذلك عندما كان النصر حليفهم في بداية المعركة، ومنهم "من يريد الآخرة" وهم من ثبت من الرماة في أماكنهم متبعين أمر نبيهم عليه الصلاة والسلام. "ثم صرفكم" أيها المسلمون "عنهم" أي عن قتال المشركين بعد أن كنتم منتصرين "ليبتليكم" ويختبركم، ثم بشرهم تعالى بعفوه عنهم "ولقد عفا عنكم" أيها المخالفون لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، "والله ذو فضل على المؤمنين" لا يستأصلهم بمعاصيهم، ولكن قد يعاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة.
فحري بالمؤمن إن كان يتطلع للنصر والتمكين أن يتبع قول النبي فلا يبتدع في الدين، ولا يعصيه ولا يخالف أمره، وليلزم غرزه ويثبت عليه حتى يتوفاه الله، وأن يوقن بأنه ما من شر محض، فكل محنة في باطنها منحة، فالحمد لله الذي علمنا.
وتواصل الآيات الامتنان على المؤمنين بالعفو رغم عظم ذنب مخالفة أمر النبي، إذ لم يستأصل الله شأفتهم عقابا على "إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم" فسعيكم وراء الغنائم دون أن تنعطفوا لنداء نبيكم من خلفكم بقوله: (إلي عباد الله، ارجعوا) وعدم التفاتهم له، وهو الذي ثبت "في أخراكم" مع ثلة قليلة معه كانوا في آخر الجيش وأقرب شيء للعدو.
يا لعظمة ديننا الذي لا يغفل حتى عن أدق الدقائق التي من شأنها رفعة معنويات أتباعه، حيث وصف تعالى ما أصاب المسلمين من مصاب أنه ثواب، فقال: "فأثابكم غما بغم"، فلم تكن المثوبة بالغم عقوبة، حيث أشيع في ذات المعركة بأن النبي قد قتل، فكان الغم الأول: نبأ مقتل النبي صلى الله عليه وسلم أقسى على نفوسهم من الجراح والقتل الذي أصابهم، فتسلية من الله لهم، أنساهم بالغم الجديد مصابهم القديم، وعندما تبين عدم صدق الشائعة حول مقتل النبي صلى الله عليه وسلم يفرحون وينسون غم الهزيمة وفقدان الغنيمة "لكيلا تحزنوا على ما فاتكم"، والجراح التي أصابتهم "ولا ما أصابكم"، فلم تكن المثوبة بالغم عقوبة، على أحد التفسيرين.
وتواصل الآيات طمأنة المؤمنين والاهتمام بمشاعرهم ف "أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا" فنزل النعاس "يغشى طائفة منكم" وهم المؤمنين في المعركة أمانا وطمأنينة وراحة، بخلاف الشاكين المنافقين وهم الطائفة الأخرى "قد أهمتهم أنفسهم" وشغلتهم عن دينهم ورسولهم، وما ذلك إلا لأنهم "يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، فلقد اعتقدوا أن وعد الله ورسوله لهم كاذب – تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا – وهذا هو شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تتسلل إلى قلوبهم ظنون السوء تلك، فلا يكتفون بخذلان المؤمنين وإرجافهم، بل أيضا يتمنون من العدو أن يستأصل شأفة الدين وأهله والعياذ بالله، لذلك علينا الحذر مما قد نقرأه على مواقع التواصل، وما يصلنا من مقاطع مرئية من شأنها أن تكون معاول هدم لديننا وولاة أمورنا وثوابتنا. وما هذه الأحداث إلا "ليبتلي الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبهم" من إيمان ونفاق ووساوس وظنون، وهذا ما يجب على المؤمن أن يعلمه: وهو أن كل ما يواجهه في هذه الحياة من أفراح أو أتراح إنما هي من قبيل الاختبار، يبتلي الله بها عباده ليميز الخبيث من الطيب، وتطهيرا لما في القلوب من نيات وعقائد، فيحذر أن ينطق أو يفعل ما من شأنه فشله ورسوبه في هذا الامتحان.

وقد وصلنا إلى الآية محل الدراسة، فلنضع رحالنا عند استقصاء معانيها ومن ثم تعيين أهم المقاصد التي تشير إليها الآية الكريمة:
اشتملت الآية على عدد من المؤكدات:
1) {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ}، (إنّ)، و (الذين) اسمها، وقوله: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} جملة خبر إن. وهذا يؤكد على أن هناك فعلا من الصحابة من تولى عن مواجهة المشركين، ولكن هذا لا يقدح في عدالتهم وفضلهم على الأمة، فهم من نقلوا لنا العلم، وهم من اختارهم الله لصحبة خير أنبيائه وخاتمهم، فلا يحق لكائن من كان أن ينتقص منهم أبدا.
2) وقوله: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}: جملة اشتملت على ثلاثة مؤكدات. وهي: القسَم، واللام، وقد.
وعلى اختلاف من الفاعل في "تولوا" سواء أكانوا كل من ولى الدبر عن المشركين في أحد فصعدوا الجبل، أو هربوا حتى دخلوا المدينة، أو رجالا بأعيانهم معروفين بالاسم، فإن هذا لا يقدح بهم رضوان الله عليهم، وهذا ما أكدته المؤكدات الواردة في الآية.
وقد عدّد مقاتل بن سليمان في تفسيره عددا من أسماء الصحابة الذين تولوا، ومنهم: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبه طار أهل البدع من الروافض وغيرهم ينتقصون منه – رضي الله عنه – ويقدحون فيه، وخير رد عليهم هو الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه:
حَدَّثَنَا ‌عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا ‌أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ ‌عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ». [5]
فهل بعد هذا يتجرأ المتجرئون على الطعن بثالث الخلفاء الراشدين، من حكم له النبي بالجنة، رضي الله عنه وأرضاه؟

ثم يقول الله عزّ وجل خبرًا عن هؤلاء المسلمين الذين تولوا يوم أحد وانهزموا: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}:
"تولوا": على وزن تفعلوا، من قولهم ولى فلان ظهره. رواه ابن جرير.
والمعنى: أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش حتى إنه لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، هؤلاء الذين تولوا يوم التقى الجمعان أي تلاقوا وجهًا لوجه.
وقد ذكر أهل العلم عدة أقوال لسبب توليهم، أفضل من لخصها هو القرطبي ضمن الأقوال التالية:
القول الأول: كَرِهُوا الْقِتَالَ قَبْلَ إِخْلَاصِ التَّوْبَةِ. حسنه القرطبي.
القول الثَّانِي بِمَعْصِيَتِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْغَنِيمَةِ.
القول الثالث: لَمْ يَكُنِ الِانْهِزَامُ مَعْصِيَةً، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّحَصُّنَ بِالْمَدِينَةِ، فَيَقْطَعُ الْعَدُوُّ طَمَعَهُ فِيهِمْ لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَسْمَعُوا دُعَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْهَوْلِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ.
القول الرابع: زَادَ عَدَدُ الْعَدُوِّ عَلَى الضِّعْفِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَمِائَةً وَالْعَدُوُّ ثَلَاثَةَ آلَافٍ. وَعِنْدَ هَذَا يَجُوزُ الِانْهِزَامُ.
ومهما كان سبب توليهم، فإن الِانْهِزَامَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ، وَلَعَلَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحَازَ إِلَى الْجَبَلِ أَيْضًا.
وهذا وإن حصل في الغزوة، إلا أننا نستطيع إسقاطها على واقعنا: وهو أن لا نتولى عن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم تحت أي ذريعة كانت ولا تحت أي مسوغ، فالفلاح كله في الاتباع سواء في المنشط أو في المكره.

أما الجمعان: فهي مثنى جمع، والمراد بهم جمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجمع الكفار، المسلمون بقيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والكفار بقيادة أبي سفيان.

{إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}:
أما "استزلهم الشيطان" ففيها معنيان، هما:
القول الأول: طلب زللهم. كما يقال: استعجلت فلانا. أي طلبت عجلته، واستعملته أي طلبت عمله قاله ابن قتيبة في غريب القرآن والنحاس في معاني القرآن.
أي إنما صدهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم.
القول الثاني: أزل يعني إنما أزلهم.
والمراد بـ "أزل" أي: أوقعهم في الزلل، والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواب.
وقيل أن استزل وأزل بذات المعنى.

وهنا، يجب التحذير من الطوائف المبتدعة، الذين استزلهم الشيطان فانتقلوا من الإسرار والتخفي في المعاصي إلى ممارستها جهارا نهارا، وبل وباعتبارها أنها من الدين، فيصبغونها بالصبغة الشرعية ليعتذروا بها عند أتباعهم. فقد كان الناس فيما مضى يستسرُّ أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقلّ العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جِهارًا، ثم ازداد الأمر إدبارًا، حتى بلغنا أن طائفة من المسلمين ‌استزَلَّهُم ‌الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطّقْطَقَة والنقير، واعتقدتْه من الدين الذي يُقرِّبهم إلى الله، وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقَّت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملةَ الدين، {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. [6]

ولنتوقف عند "استزلهم الشيطان" قليلا: فيا ليت شعري ما أعز الإنصاف! فقد أعذر الله الصحابة الذين هربوا من العدو بقول "استزلهم الشيطان"، فلم يتولوا على جهة المعاندة، ولا فرارا من الزحف، ولا رغبة في الدنيا وطمعا فيها، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها، فلذلك "عفا عنهم"، وإلا فأمر الفِرار والتولي في الجهاد إذا كانت العدة أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر عظيم كما ذكر ذلك الزجاج.

وأما الشيطان: فهو اسم جنس، ولكل إنسان شيطان قرين له يأمره بالشر وينهاه عن الخير. وأصله إما:
القول الأول: أنه مشتق من شَطَن إذا بَعُدَ؛ لبعده عن رحمة الله، ومن أجل ذلك كان منصرفًا.
كما قال تعالى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}. [7]
القول الثاني: إنه من شَاطَ، ولو كان كذلك لكان غير منصرف إذا قصد به العَلم؛ لأنه إذا كان من شاط صارت النون والألف زائدتين، وإذا كانت النون والألف زائدتين في عَلَمٍ أو في وَصْفٍ امتنع من الصرف. ذكره ابن عثيمين.
{إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}:
الباء هنا للسببية، أي ببعض الذي كسبوه.
وما أجمل ما ذكره ابن عاشور: وَأُرِيدَ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا مُفَارَقَةُ مَوْقِفِهِمْ، وَعِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالتَّنَازُعُ، وَالتَّعْجِيلُ إِلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ كَانَ مِنْ آثَار الشَّيْطَان، رماهم فِيهِ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا إِلْقَاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ الِانْهِزَامِ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَإِبْطَالُ مَا عَرَّضَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ رَمْيِ تَبِعَتِهِ عَلَى أَمْرِ الرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالْخُرُوجِ، وَتَحْرِيضِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ. وَذَلِكَ شَأْنُ ضِعَافِ الْعُقُولِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ مُقَارِنُ الْفِعْلِ بِسَبَبِهِ، وَلِأَجْلِ تَخْلِيصِ الْأَفْكَارِ مِنْ هَذَا الْغَلَطِ الْخَفِيِّ وَضَعَ أَهْلُ الْمَنْطِقِ بَابَ الْقَضِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ وَالْقَضِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ. اهـ

والكسب: هو المعاصي والذنوب.
أي أن المعاصي كانت هي السبب في إغواء الشيطان لهم.
وجاء في تعيينها ثلاثة أقوال، هي:
القول الأول: أن لديهم ذنوبًا كانت سابقة، ثم إن الشيطان استزلهم بها أي أوقعهم في الزلل لسبب هذه الذنوب، إما أنها ذنوب سابقة خشوا أن يموتوا قبل أن يتوبوا منها، أو أن الذنب الحاصل في ذات الموقع وهو تركهم للمراكز والمقاعد التي أنزلهم النبي إياها واشتغالهم بالغنائم. فتكون معاصي فعلية قاموا بها، فسهل عليهم اقتراف غيرها من المعاصي.

القول الثاني: محبتهم للغنيمة وحرصهم على الحياة. قاله المهدوي وذكره الماوردي وابن عطية.
أي أن تكون معاص قلبية.

القول الثالث: قبولهم تزيين الشيطان الهزيمة لهم. قاله الحسن وذكره عدد من المفسرين.

وعلينا التنبه إلى أن الذنوب تكون سببًا لذنوب الأخرى وتناديها أختي أختي، ولهذا قال بعض السلف: إن من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، ومن علامة ردها السيئة بعدها فالإنسان إذا أذنب ذنبًا فإنه إن لم يتب فإن الشيطان يوقعه في ذنب آخر، وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته، ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، يعني تنتقل بالإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي وهي الكفر.
ولذلك فعلى الإنسان أن يحصن ثغره بالعمل الصالح والعلم، ليسد طريق الشيطان على نفسه، لئلا يترك له ثلمة يدخل عليه منها.
وكما نلحظ أن فعل الزلل نسب للشيطان، بينما نسب الكسب للصحابة، لأن ذنوب القلب والجوارح التي وقعوا فيها، وقعت منهم، وما على الشيطان سوى الإغواء، فمن استجاب له زل، ومن نجى منه فقد عصمه الله.
وقد أحسن ابن عاشور في وصف ذلك بقوله: بعد أَنْ بَيَّنَ الله لَهُمْ مَرْتَبَةَ حَقِّ الْيَقِينِ بِقَوْلِهِ: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ انْتَقَلَ بِهِمْ إِلَى مَرْتَبَةِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْأَسْبَابِ تَأْثِيرٌ فَسَبَبُ مُصِيبَتِهِمْ هِيَ أَفْعَالُهُمُ الَّتِي أَمْلَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَيْهِمْ وَأَضَلَّهُمْ، فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا إِلَى السَّبَبِ، وَالْتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِالْمُقَارَنِ، وَمِنْ شَأْنِ هَذَا الضَّلَالِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْمُخْطِئِ وَبَيْنَ تَدَارُكِ خَطَئِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ مِنَ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَتَحْبِيبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَهُمْ، وَتَنْفِيرِهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.

وكما قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: (إنّ الشيطان يشم قلب العبد ويختبره).
فلنحذر من أن ينطوي القلب على ما يسوء العبد في الدنيا والآخرة، ولنحذر أيضا من استصغار المعاصي والاستهانة بها، فإن الشيطان لا يدع العبد حتى عند الغرغرة عله يظفر منه ببدعة أو كفر. والله المستعان والمستعاذ به من شر الشيطان وشركه، فمن اعتصم بالله عصمه الله، قال تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان"، فاللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.

ثم قال الله عزّ وجل لما بيَّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}. وهذه كالتي سبقت في قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} فكرر الله العفو مرتين.
{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}: أي عن الذين تولوا.
وقيل فيها قولان:
القول الأول: إما أن التوبة مضمرة فيه، وتقديرها: تابوا فعفا عنهم. ذكره الماتريدي في تأويلات أهل السنة.
وعلى هذا القول: فيكون التولي المذكور في الآية هو من الكبائر، كالتولي يوم الزحف التي لابد معها من توبة خاصة.

القول الثاني: أن عفو الله عنهم أن لم يقتلوا ويستأصلوا في ذات المعركة، فحلم عليهم فلم يعاجلهم بالعقوبة. ذكره الواحدي في التفسير البسيط.

القول الثالث: لا إضمار فيها ولكن العفو جاء بمغفرته سبحانه لخطيئة ترك المركز. ذكره الواحدي في التفسير البسيط.
وقد رجح الراغب الأصفهاني هذا القول ولكنه عمّمه بقول: بمغفرة الله لذنوبهم العاجلة والآجلة دون تعيين لنوع الذنب.
وقد أحسن القرطبي حين قال: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَنْبٍ مُحَقَّقٍ فَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى انْهِزَامٍ مُسَوَّغٍ فَالْآيَةُ فِيمَنْ أَبْعَدَ فِي الْهَزِيمَةِ وَزَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسَوَّغِ.
والعفو: هو ترك المؤاخذة على الذنب، ويكون في الغالب في ترك الواجبات، يعني أن الله عفا عمن ترك الواجب، والمغفرة وتكون فيمن فعل المحرم.
{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}:
الغفور من أسماء الله، والحليم من أسمائه سبحانه، والغفور معناه ذو المغفرة وهي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن أصلها من المِغْفَر وهو ما يلبس على الرأس ليتقى به السهام، وهو جامع بين الستر والوقاية، أما الحلم فهو التأني وعدم السرعة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
وهو الحليم فلا يعاجل عبده … بعقوبة ليتوب من عصيان
فالحليم معناها: الممهل للعباد المتأني في عقوبتهم، حيث لم يقتلوا جميعا بمعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

وإن من يتعرف على قصص القرآن، فعليه أن يتأملها فيستخلص منها الدروس التي تزيده علما وحكمة في التعامل مع الأحداث، والمسلم الفطن يعتبر بما حصل في التاريخ من أمور، فإن سنن الله تتكرر "ولن تجد لسنة الله تبديلا" [8] ف "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" آل عمران. وما كان لنا أن نستلهم العبر من هذه الآيات لولا أن أعلمنا تعالى عن تلك الأحوال في هذا الكتاب العظيم "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين". آل عمران.

وأخيرا دعوني أهمس في أذن كل مسلم يغار على دينه، وكل داعية يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكل مربية وأم تنشئ جيلا تقوم على مناكبه الأمة: إن كانت غزوة أحد قد انتهت، فإن مهمة الرماة الذين يحفظون ظهور المسلمين لم تنتهي بعد، فطوبى للمدافعين عن هذا الدين كل في مكانه، طوبى للقابضين على الجمر رافضين الانحاء والتلون، كلما وهنوا قليلا تعزوا بصوت النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبرحوا أماكنكم).

فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما تنفعنا وترفعنا به.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] سورة ص (29).
[2] آل عمران (31).
[3] رواه جابر بن عبد الله في تخريج المسند لشعيب الأرناؤوط.
[4] رواه البراء بن عازب ورواه البخاري في صحيحه (4043).
[5] صحيح البخاري [4066].
[6] النساء (115)
[7] سورة الحجر (17)
[8] سورة الفتح (23)


المراجع:
- تفسير مقاتل بن سليمان (150 ه).
- مغازي الواقدي (207 ه).
- مصنف ابن أبي شيبة (235 ه)
- مسند أحمد (241 ه)
- غريب القرآن لابن قتيبة (276 ه).
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير (310 ه).
- معاني القرآن وإعرابه للزجاج (311 ه).
- تفسير ابن المنذر (319 ه).
- تفسير ابن أبي حاتم (327 ه).
- تأويلات أهل السنة للماتريدي (333 ه).
- معاني القرآن للنحاس (338 ه).
- الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي (427 ه).
- النكت والعيون للماوردي (450 ه).
- التفسير البسيط للواحدي (468 ه).
- تفسير الراغب الأصفهاني (502 ه).
- الكشاف عن حقائق غوامض التنويل (538 ه)
- زاد المسير لابن الجوزي (597 ه)
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (671 ه).
- زاد المعاد لابن القيم (751 ه)
- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (751 ه)
- تفسير القرآن العظيم (774 ه).
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي (1376ه)
- التحرير والتنوير لابن عاشور (1393 ه).
- تفسير ابن عثيمين (1421 ه)
- الرحيق المختوم للمباركفوري. (1427 ه)
- التفسير الموضوعي للقرآن لمصطفى مسلم. (2021 م)


أعتذر عن المقدمة الطويلة نوعا ما، ولكني لم أجد بدا إلا أن أسرد قصة غزوة أحد ليكون العيش في أجوائها مقدمة جيدة للآية التي نحن في صدد دراستها، خاصة وأن الآية شديدة التعلق بسياقها، وقد حاولت أن أبين بعضا من مقاصد آيات السياق سيرا على ذات أسلوب الرسالة المقاصدي.

أمل عبد الرحمن 26 ربيع الثاني 1444هـ/20-11-2022م 11:18 AM

تابع التقويم

إيمان جلال أ+
أحسنت بارك الله فيك ونفع بك.
تصويب الآية: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال}
وأشكر لك الجهد المبذول في الرسالة، مع ملاحظة طول المقدمة بالفعل -كما ذكرتِ-
والتقديم للرسالة بالتعرّض للسياق وذكر شيء من أحداث القصة لا يُعترض عليه، لكن لا يكون لدرجة أن يطغى على الموضوع الأصليّ، لأن ذلك سيؤثّر في الغالب على المحتوى الأساسيّ للرسالة، ولو قدمنا باختصار لأمكننا البسط والتفصيل فيما يتعلّق بالآية موضوع الرسالة أكثر من ذلك.
ويلاحظ في بعض فقرات الرسالة ذكر تفصيلات علمية لا يحتاج إليها أسلوب الرسالة كما في تفسير معنى الشيطان ونحوه، وليس معنى ذلك عدم التعرّض لمثل هذا النوع من المسائل، وإنما العبرة بما يحتاج إليه المقام.

بارك الله فيك وزادك علما وفضلا.

رولا بدوي 4 جمادى الأولى 1445هـ/16-11-2023م 05:22 AM

رسالة تفسيرية بالأسلوب البياني لقوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}
بسم الله و الحمد لله و لا حول و لا قوة إلا بالله
جاءت هذه الآيات ردًا على شبهة ضعاف الإيمان والمنافقين، الذين ادعوا أن من مات و قتل لو لم يسير للقتال ما قتل.
قال تعالى( ..ثمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ..)
و قال تعالى(.. يَٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ (156)
هذه الشبهة التي نمت في قلوبهم؛ لضعف إيمان المؤمنين منهم و لتسلط الشيطان عليهم، بما كسبت أيديهم، و لخبث ما في نفوس المنافقين ، أراد الله أن يرُدها تثبيتًا للمؤمنين، و تسليةً لهم، و رفعًا لهمة من ضعف إيمانه، و فترت همته في سبيل الله، و تسربت لقلبه الشكوك، رحمة منه و عناية خاصة بعباده المؤمنين، هذه العناية التي تورث في القلب محبة الله فيقبل على طاعته معظمًا لأمره، راجيًا ثوابه، خائفًا من فواته و من أن يناله سخط الله و غضبه.
قال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}
قررت هذه الآيات أن الموت واقع و لا بد،قتلتم في سبيل الله، أو متم أو قتلتم و متم بأي سبب آخر، و ذلك تأكيدًا لما جاء في الآية التي سبقتها؛ قال تعالى(قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ ..)
كما بينت هذه الآيات خيرية القتل و الموت في سبيل الله، و ذلك تثبيتا للمؤمنين و ترغيبا لهم بما عند الله، و و بما في قلوبهم من إيمان بكلام الله يُرزقون يقينًا يزهدون به في المتاع القليل؛ الدنيا الفانية التي أقعدت غيرهم من ضعاف الإيمان و المنافقين و الكافرين، و أثقلتهم إلى الأرض، و جاء ذلك في نظم بليغ البيان، دقيق المعاني، يغدو بالقلب في رحلة من أعمال القلوب يزداد بها إيمانًا، و من خلال هذه الرسالة القصيرة أبين بعض ما ظهر لي من عظيم بلاغة القرآن، نبدأ و بالله نستعين:
بدايةً: ناسب الأسلوب الخبري الإنكاري مقصد الآيات الذي ذكرناه، كما ناسب حال المخاطبين من المؤمنين الذين شاب قلوبهم تردد بما بثه المنافقين من شبهة؛ فقد جاءت الآيات بأسلوب خبري به عدد من أساليب التوكيد و أدواته؛ من قسم، و إسلوب الشرط بإن المؤكدة، و التعبير بالجملة الإسمية،كل ذلك مما يثمر اليقين بالخبر، الذي هو بيان حقيقة الموت و الحياة، و ثمرة الموت و القتل في سبيل الله.
كما ناسب هذا الأسلوب التوبيخ و التهديد و الوعيد المكذبين المنافقين منهم.
- و بتفصيل أكثر نجد أن كل أداة و أسلوب في الآية أفاد منفردًا معنًا، ففي قوله تعالى(ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متّم)، فالقسم الذي أتى هنا مع - إن- الشرطية- أفاد تحقيق حصول الجواب عند حصول الشرط، فيكون المعنى إذا حقق الشرط و هو القتل و الموت في سبيل الله، نال الوعد و هو جزاء الشرط المغفرة و الرحمة.
- و كذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لِإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ﴾ يتحقق الحشر إلى الله تعالى بتحقق الموت أو القتل، ولما كان ذلك مجهول الزمن جاءت- إن- الشرطية لتناسب الندرة مع الجهل بالزمن و لتناسب ما دلت عليه الآية من المعنى المقطوع بحصوله والمتحقق .
- و قد حذف جواب الجزاء للاستغناء بجواب القسم في قوله: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ) و هذا لأن القسم له صدر الكلام، و أفاد هنا الجواب وعدًا خرج مخرج الخبر و المعنى( لَيَغْفِرَنَّ لَكُمْ)، و لأن ( وعد الله حق و من اصدق من الله قيلًا)، تجعل هذه الآية قلب العبد ممتلئ بالرجاء و محبة الله عز و جل، فيحدث مقصود الآية في الحث على الإقبال على الجهاد.
- كما أن التعبير بالجملة الإسمية (لمغفرةٌ من الله ورحمة خير مما يجمعون) دلالة على أن الأمر واقع و لا بد، و الحكم ثابت لا يتغير .
- و من بلاغة البيان في الآية أيضًا ؛ الجمع بين القتل و الموت ، فظاهر الأمر ان هناك ترادف، و لكن بالرجوع لمعاجم اللغة، نجد أن القتل : هو زهوق الروح بتسبُب ؛يفعل فيه فعل يضر به بأي آلة تؤدي إلى أن يموت ، و بناء الفعل لمن لم يسمى فاعله: قتلتم: أفاد عموم من تسبب في القتل.، أما الموت، فهو حَتْفَ الأنْفِ وأنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ فِعْلًا أوْ نِيَّةً، من غير جناية، من غير تسبُب، أو مُباشرة، و عدم ذكر سبب الموت دل على الموت بأي سبب في سبيل الله.
- و تقييد القتل ب( فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عُرف منه أن المراد به هو الجِهادِ، و ذلك لأنها مطلقة، و مما يدل على ذلك ما عند أبي داود، أن أعرابيًّا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليُحْمَد، ويقاتل ليغنَم، ويقاتل ليُرَى مكانُه؛ فمَن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
- و في الآيتين فن منتظم في باب التقديم والتأخير، فالقرآن غاية الدقة لا يقدم لفظا ولا يؤخره إلا لعلة، لتناسب كل كلمة سياقها المراد منها، نورد بعض ما قد يكون حكمة من التقديم و التاخير، مما ذكره المفسرين و أهل اللغة و مما تبين ، و الله أعلم:
- قدم القتل في قوله تعالى: ولئن قتلتم لأنه ابتداء إخبار، و سياق الكلام في الحديث عن الجهاد في سبيل الله للتحريضٍ عليه؛ فقدم لأنه الأشرف و الأهم و الأكمل، و دل على ذلك قوله تعالى (لمغفرة من الله ورحمة) فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله، و القتل في سبيل الله أعظم ثوابًا عند الله، فتَرتُب المغفرة و الرحمة عليه أقوى، كذلك مظنة القتل في الجهاد حاضرة، و هو الأغلب في حال المجاهدين فالآية نزلت في غزوة أحد ، وقد أصاب المسلمين ما أصابهم من المشقة والاستشهاد في سبيل الله .
و مِن حسن تقديم القتل عن الموت و تأخيره في الآيتين ؛ جعل القتل مبدأ الكلام و عوده، ذلك رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ ، فقدم في الأولى و أخر في الثانية، كما أن ذلك قد يكون ذلك من باب التنويع.
- و تقديم الموت في قوله تعالى: ولئن متّم أو قتلتم ، ناسب مقصد الآية في الوعظ بالآخرة و التذكير بالحساب ، كما أنها آية تزهيد في الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها غير مقيد؛ فهو موت على الإطلاق سواء كان في السبيل أو في المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه، وأنه الأغلب في الناس من القتل.
- و في قوله تعالى ( في سبيل الله)، الذي هو الجهاد ، حمل التعبير هنا بحرف الجر (في) القصد و النية ،التي هي لله ،كما أن فيه تصوير لمن انطلق للجهاد مخلصا قصده ومطلبه بأنه إنما سائر في سبيل الله، كما حمل حرف الجر (في ) معنى الانغماس في الشيء حتى يحيط به فيكون معنى الإحاطة حاضرًا، فهو سائر في سبيل الله محاطًا بمعية الله، و عنايته، ومن كان كذلك فإن قلبه غارق في الطمأنينة، و السكينة.
- و مما قيل في اصطفاء كلمة " سبيل" إيماء إلى أنَّ فيه امتدادًا وسهولة، وفي هذا إيماء إلى أن سبيل الله إلى الجنة ممدود لا يتناهى يتفاوت العباد في اجتيازه، وهذا فيه حثٌ على أن يسعى العبد سعيها، كما أن السبيل منبثق من الطريق الواسع، و الطرق المتفرعة سبل، فكأنما الجهاد واحد من سبل الله تعالى التي يسير فيها العبد و سبل الله كثيرة، فكل عمل صالح (أي أريد به وجه الله تعالى ووافق الشرع) فاعله سائر في سبيل الله تعالى.
- و في إضافة السبيل لله دون باقي الأسماء: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾،المقام مقام عبودية، يراد فيه تذليل للقلوب لله: فتخضع لأمره و تستسلم، فهو المألوه الذي إذا أمر اطيع، و هنا موضع طاعة لله لأمر يشق على النفوس، فيذكرهم الله بمن يعبدون، ليعظموا الأمر، و يستسلموا له، و يخلصوا النية.
- و بمفهوم المخالفة إن لم يكن في سبيل الله ؛فلن يكون هناك مغفرة و لا رحمة، و إن لم يكن في سبيل الله فهو في سبيل الطاغوت و سبيل الشيطان، ففيها دعوة لتخليص القلب من عبودية غير الله، و التعلق بالدنيا و زينتها؛ تعلق المنافقين و الكافرين.
و ذلك كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ٧٦ النساء.
و في الأثر: رأى شابًّا قويًّا يسرع إلى عمله، فقال بعضهم: "لو كان هذا في سبيل الله" فرد عليهم النبي صلى الله عليه و سلم: "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان خرج يسعى على ولد له صغارًا فهو في سبيل الله، وإذا كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان"،
- و قيد القتل في سبيل الله ،و لم يكرر مع الموت و حذف، و ذلك لدلالة الكلام عليه و دفعًا للتكرارِ ، و للملل و للإيجاز .
- و معنى المغفرة في قوله ( لمغفرة) يسترَ الله عى العبد ذنوبه و لا يفضحه، و كان الوعد بالمغفرة لا العفو و الله أعلم ؛لأن الوعد بالمغفرة أعظم من الوعد بالعفو، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" الْعَفْوُ مُتَضَمِّنٌ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ قِبَلِهِمْ وَمُسَامَحَتِهِمْ بِهِ، وَالْمَغْفِرَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِوِقَايَتِهِمْ شَرَّ ذُنُوبِهِمْ، وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُ عَنْهُمْ؛ بِخِلَافِ الْعَفْوِ الْمُجَرَّدِ؛ فَإِنَّ الْعَافِيَ قَدْ يَعْفُو ، وَلَا يُقْبِلُ عَلَى مَنْ عَفَا عَنْهُ ، وَلَا يَرْضَى عَنْهُ ، َالْعَفْوُ تَرْكٌ مَحْضٌ، وَالْمَغْفِرَةُ إحْسَانٌ وَفَضْلٌ وَجُودٌ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (14/ 140).
- أما الرحمة: فهي إنعامٌ من الله، وكرم منه في زيادة الحسنات، والصَّفْح عن السيئات، وذلك بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا.
- ذكر الوعد بالمغفرة و لحقها وعد بالرحمة، و المغفرة هي من رحمة الله ، و خصت بالذكر هنا و الله أعلم؛ لأن من أسباب خوف العبد من الموت ذنوبه، و أن يحاسب على معاصيه، فكان ذلك مما يدفع العبد للسير في سبيل الله طلبًا لهذه المغفرة.
- و أيضًا -والله تعالى أعلم- لأن بالمغفرة يمحو الله الذنوب و يستر عبده فهي من باب التخلية، وبالرحمة يدخل الجنة ، فهي من باب التحلية، فالتخلية تسبق التحلية،و بالمغفرة يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب، و في هذا كمال السعادة للعبد.
- و لمزيد تحريض للإقبال على الجهاد و هو عبادة يسير فيها العبد بجناحي الخوف و الرجاء، فجاء الوعد بالمغفرة ليتعبدوا الله بالخوف من العقاب، و تذكيرًا لحاجتهم لهذه المغفرة، و في وعد بالرحمة إعلاء للرجاء في قلوبهم.
- حذف متعلق المغفرة و تنكيرها مع التَّنْوِينُ أفاد أنها مغفرة عظيمة حتى لما قل من الذنوب، و رحمة عظيمة تناسب الله المعبود الكامل الأسماء و الصفات المستحق للعبودية و الطاعة مالك الملك الرحمن الرحيم، كما أن في التنكير ( لمغفرة من الله و رحمة خير) إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن.
- و في قوله تعالى (من الله) الجار و المجرو أفاد الحصر، هذه المغفرة من الله لا من غيره ، فأطيعوه.
- (لمغفرة من الله و رحمة) تضمّن هذا أنّ القتل في سبيل اللّه، والموت أيضًا، وسيلةٌ إلى نيل رحمة اللّه وعفوه ورضوانه، و قد ذكر هذا الوعد في آيات أخرى، كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين)-سورة الصف آية 40،31-
- و قال تعالى(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢١٨ البقرة﴾
- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿74 الأنفال﴾
- و في تأكيد الخبر باسمية الجملة، واللام ما يدل على ثبوت الأمر و تحققه، و يقذف اليقين في الفلب قذفًا، و يكون تأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متّم، ليغفرنّ اللّه لكم وليرحمنّكم، مغفرة و رحمة ثابتة الحكم لمن حقق الشرط.
- و في اظهار ما حقه التقدير: مغفرة من الله و ليس مغفرة منه و قد ذكر اسم الله أولا: و هذا فيه معنى التعظيم كما يحمل معنى زيادة التقرير والتوكيد.
و في بيان الخيرية بلفظ خير (خير مما يجمعون) دون غيره من الألفاظ فضلٌ بينه ابن رجب فقال: والذي ظهر لي في الفرق بين " خير " أن لفظ " أفضل " إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك. وأما لفظه " خير " فتستعمل في شيئين: في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير،
و ناسب ذلك نسبة الخيرية لما يجمعه الكفار ، فهو خير من حيث أنه كونه حلال في ذاته، أو أنه خير كما يدعون، و قد يكون المقصود مطلق الاتصاف بالخيرية ، و ليس معنى التفضيل، فلا مقارنة بين المغفرة و الرحمة من الله و بين متاع الدنيا القليل.
- ( خير مما يجمعون) هنا لرفع ما قد يشتبه على المؤمنين في المقارنة بما لديهم من خير و مال، و ما يصيبهم من ضيق بسبب إقبالهم على الجهاد تاركين الدنيا لأهلها، و هذا من تثبيت الله و تسليته للمؤمنين؛ فما فاتهم شيء، فطلبهم لدار المقر خير من طلب الكفار لدار الممر، فالقتل و الموت في سبيل الله الذي فر منه المنافقين، و أعلوا به شبهتهم، هو خير من كل وجوه، خيرية عظيمة، دائمة في دار الخلد.
و هذا كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾38 التوبة، و دل على ذلك أيضًا ما روي عنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَغَدْوَةٌ في سبِيلِ اللَّهِ، أوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيها. متفقٌ عليهِ.
- و ما رواه ابن عباس رضى اللَّه عنهما: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء
و أفادت ما الموصولة العموم؛ كل ما يجمعونه من أمور الدنيا و زينتها، من مال و بنين و ذهب و فضة و خيل و غيرهم، مما يأخذ بلب العباد و يثقلهم التعلق به عن طاعة ربهم.
في بيان هذه الخيرية بهذا الشكل مما يجلي القلب من الخوف من الموت، و القتل في سبيل الله، و يثبت النفوس و يهيجها للإقبال على الجهاد و الرغبة في نيل الشهادة في سبيل الله، و فيه دعوة للتنافس في هذا الباب، كما أنه حمل تسلية للمؤمنين عما أصابهم و ما قد يصيبهم في سبيل الله.
و بتدبر قوله تعالى ( لألى الله تحشرون) ؛ نجد أن فيه تقدبم ما حقه التاخير في قوله تعالى (لإلى الله) أسلوب حصر أفاد الإختصاص؛ إثبات الشيء للشيء ونفيه عن غيره ، فإنه يدل على القصر، فإلى الله لا إلى غيره يكون حشر المؤمنين و الكافرين، و هذ الحصر فيه وعيد و تخويف، و خاصة أنه جاء باسم (الله)، المألوه المعبود الذي لا يقهر مالك يوم الدين، و فيه استثارة لعبودية الخوف من الله في القلب، فيعظم أمره فيها، و فيه استثارة للرجاء من وجه تلقي موعود الله بالمغفرة و الرحمة يوم الحشر من الله المتصف بصفات الكمال، الرحمن الرحيم الغفور.
- و في قوله تعالى (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)وعظ من جهتين؛ إحداهما: التبصير بالهدى فيما يُحتاج إليه، والتذكير به
. والأخرى: استحثاث محركات القلوب الثلاثة ( المحبة والخوف والرجاء ) فإنَّ هذه العبادات العظيمة هي أصل صلاح القلوب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كلّه، و يكون المعنى الذي تقف عليه القلوب؛ لا تفروا من القتال، و من طاعة أمر الله و فروا من عقابه يوم تلقونه في يوم الحشر.
- وقد ناسب ذكر الحشر في الآية مقصدها ف الحث على الإقبال على الجهاد؛ فالحشر يطلق على يوم القيامة ، وهو سوق الناس وجمعهم إلى المحشر لحسابهم، و جاء ِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ليقوي المعنى؛ فهذا السوق أمر ليس لكم فيه إرادة، يقع عليكم و لا بد، و عندها يكون الحساب.
و إذا كان هذا أمر واقع و الحشر سواء متم في قتال أو غيره سيكون الحشر لله، فالإقبال على الشهادة باب المحسنين يومها أولى لكم، و لا تقعدكم زينة الدنيا و بهرجها عن الجهاد، و عن طلب ما عند الله.
- و من مناسبة لفظ الحشر و الله أعلم أن شبهة المنافقين أنه الذهاب الى الجهاد كان سببًا في الموت، و لو أنهم لم يذهبوا لما ماتوا، فجاء الحشر ليناسب حشر الجميع، من قتل و مات في سبيل الله و من كان في بيته و مات و قتل ، كلهم سيساقون إلى ربهم يوم الحشر.
هذا ما تيسر جمعه و بيانه، من لطائف بلاغية و بيانية، تبرز مقصد الآية و تأخذ بالقلوب لليقين بموعود الله، و تدفع الشبهة و ترفع الهمة في الإقبال على الجهاد بجناحي الخوف و الرجاء و يتقدمهم محبة الله و تعظيمه، هذا و الله أعلم.
المصادر:
1- معاني القرآن للأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ
2- عدد من معاجم اللغة
3- تفسير الطبري
4- تفسير ابن عطية
5- تفسير ابن كثير
6- مفاتيح الغيب لفخر الدين ارازي
7- الوجيز للواحدي
8- الدر المصون للسمين الحلبي
9- الكشاف للزمخشري
10- فتح الباري لابن رجب
11- أحكام القرآن للقرطبي
12- مجموع الفتاوي لابن تيمية
13- نظم الدرر للبقاعي
14- روح المعاني للألوسي
15- التحرير و التنوير للطاهر بن عاشور
16- كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل فاضل السمرائي
17- بدائع التقديم والتأخير في القرآن أحمد درويش

أمل عبد الرحمن 25 جمادى الأولى 1445هـ/7-12-2023م 11:23 PM

تابع التقويم

رولا بدوي أ+
أحسن الله إليك ونفع بك.

صفية الشقيفي 30 جمادى الأولى 1445هـ/12-12-2023م 02:11 AM

رسالة في تفسير قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)} بالأسلوب البياني.


جاءت هذه الآيات في سياق آيات تتحدث عن غزوة أحد، وقد ابتُلي فيها المؤمنون ابتلاء شديدًا بمخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما حصل بعدها من اتخاذ المشركين الجولة على المؤمنين وتولي بعض الصحابة عن القتال وإصابة النبي صلى الله عليه وسلم وإشاعة قتله، ثم امتنان الله على المؤمنين بأن قذف في قلوب المشركين الرعب، وتغشى المؤمنين نعاسٌ، كان أمنة من الله عز وجل، وبقي المنافقون على خوفهم وفزعهم !
وكان من أثر هذا كله ظهور طوية المنافقين من ظنِّهم أن المشركين سيظهرون على المسلمين، وكراهتهم للقتال، كما أخبر الله عنهم في آيات سابقة، قال الله عز وجل: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
وقولهم: {هل لنا من الأمر من شيء}: يريدون أنه لو كان الأمر لهم لأمروا الأنصار بعدم الخروج للقتال؛ على أحد القولين في تفسير الآية.
قال أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، قال: سألت الحسن عن قوله: يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قال: ذلك المنافق لمّا قتل من قتل من أصحاب محمّدٍ، أتوا عبد اللّه بن أبيٍّ فقالوا له: ما ترى فقال: أنّا واللّه ما نؤامر لو كان لنا من الأمر من شيءٍ ما قتلنا هاهنا". رواه ابن أبي حاتم.
قال سُنيد: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قيل لعبد اللّه بن أبيٍّ: قتل بنو الخزرج اليوم قال: وهل لنا من الأمر من شيءٍ؟". رواه ابن جرير.
ونهى الله عز وجل المؤمنين عن التشبه بالكفار في مقولتهم هذه وفي فعلهم أيضًا بالجبن عن القتال والسعي في الأرض طاعة لله ورسوله، فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا}
وجاء الرد في هذه الآيات على شبهة المنافقين كالآتي:
أولا: عاقبة قولهم هذا حسرة في قلوبهم؛ وذلك حين يرون أنه لا ينفعهم جبنهم من الفرار من الموت، بل يدركهم الموت ولو كانوا في بروجٍ مشيدة، وحين يرون بأس المؤمنين وعدم استجابتهم لتثبيطهم، وحين يرون جزاء جبنهم وكفرهم بالله ورسوله في الآخرة، وجزاء المؤمنين.
ثانيًا: الله وحده من يحيي ويميت، ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، ولن تموت نفس حتى تستوفي أجلها.
ثالثًا: جاء ختام الآية: {والله بما تعملون بصير}
ورغم أن الآية تتحدث عن قول المشركين والنهي عن التشبه بهم في قولهم، لكن لما كان ذلك متضمنًا للنهي عن العمل بموجب هذا القول بالتقاعس عن القتال، جاء ختام الآية بقوله تعالى:
{والله بما تعملون بصير} وفيها وعدٌ للمؤمنين الذين استجابوا لأمر الله عز وجل، ووعيد للمنافقين الذين كفروا ويثبطون الذين آمنوا.

ثم قال الله عز وجل:
{ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمةٌ خيرٌ مما يجمعون. ولئن متم أو قُتلتم لإلى الله تُحشرون}
وسنتوقف أمام هاتين الآيتين في محاولة لبيان اللطائف البيانية التي وردت فيهما مع بيان مقاصدها، لعل الله عز وجل يثبتنا بها، وأسأل الله التوفيق والسداد.

جاءت هذه الآيات بأسلوب القسم، والقسم يفيد تأكيد المقسم عليه، وهذا التأكيد مطلوب هنا؛ لأن المقام مقام رد على الشبهات ففي هذا القسم تثبيت للمؤمنين، ورد على الكفار المنافقين المثبطين.
وهذا القسم حُذف فيه المقسم به، للانشغال بالمقسم عليه وبيان أهميته.
ودل على القسم اللام الموطئة للقسم في قوله تعالى: {ولئن قُتلتم}، وهذه اللام تفيد التأكيد أيضا، كما دل على القسم اللام الداخلة على جوابه في قوله تعالى: {لمغفرة من الله ورحمة}.
فما هو المقسم عليه الذي جاءت الآيات لبيان أهميته وتأكيده؟
جاء القسم على أسلوب شرط حُذف جوابه؛ فقال تعالى: {ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم}
والفرق بين القتل والموت كما قال الراغب الأصفهاني: "أصل القَتْلِ: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولّي لذلك يقال: قَتْلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت" اهـ.
فكلمة الموت أعم من القتل؛ فمن الناس من يموت مقتولا، ومنهم من يموت لأسباب أخرى أو بغير سبب.
وقُيِّد القتل بقوله: {في سبيل الله}؛ والقتال في سبيل الله هو ما كان لإعلاء كلمة الله عز وجل، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري أنه قال: (قالَ أَعْرَابِيٌّ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، ويُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَن في سَبيلِ اللَّهِ؟"، فَقالَ: "مَن قَاتَلَ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، فَهو في سَبيلِ اللَّهِ")
وحُذف هذا القيد {في سبيل الله}، من قوله {متم}؛ وهذا الحذف له وجهان:
الوجه الأول: دلالة ما قبله عليه فيكون المعنى قُتلم في سبيل الله أو متم في سبيل الله، وهو قول محمد بن إسحاق، ومفهوم من كلام الأخفش الأوسط وقاله ابن جرير الطبري ومكي بن أبي طالب وابن عطية، والواحدي والبيضاوي وأبو حيان.
قال سلمة عن محمّد بن إسحاق: "ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متّم لمغفرةٌ من الله ورحمة خير مما يجمعون أي أنّ الموت كائنٌ لا بدّ منه فموتٌ في سبيل اللّه أو قتلٌ في خيرٍ لو علموا واتّقوا، خيرٌ ممّا يجمعون من الدّنيا الّتي لها يتأخّرون عن الجهاد، تخوّف الموت والقتل لما جمعوا من زهيدة الدّنيا زهادةً في الآخرة". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ومعنى الموت في سبيل الله هو الموت على طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}، على أحد الأقوال في تفسير معنى الممات لله.
ومن الطاعات الجهاد في سبيل الله؛ وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذروة سنام الإسلام، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ".
ومن عاش حياته مجاهدا في سبيل الله ثم مات بغير القتل في سبيل الله فهو ممن مات في سبيل الله.
والموت في سبيل الله يستلزم الحياة على طاعة الله ورسوله والثبات عليها حتى الممات كما جاء في وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما.
قال الله عز وجلّ:
{ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون}
الوجه الثاني: أن يكون الحذف للدلالة على عموم أحوال الموت، قاله أبو المظفر السمعاني وابن الجوزي وابن عاشور.
قال أبو المظفر السمعاني: " قَوْله تَعَالَى: {وَلَئِن قتلتم فِي سَبِيل الله أَو متم} أَي: لَئِن خَرجْتُمْ، فقتلتم، أَو لم تخْرجُوا، فمتم" اهـ.
قال ابن الجوزي: " تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَئِنْ قُتِلْتُمْ في الجِهادِ {أوْ مُتُّمْ} في إقامَتِكم." اهـ.
وعطف الموت على القتل بـ (أو) الدالة على التسوية؛والتسوية هنا في دلالة جواب الشرط المحذوف، ويختلف تقديره بحسب الخلاف السابق:
فعلى القول بأن القتل والموت كلاهما في سبيل الله، يصلح تقديره بـ:
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله فأجركم على الله، قاله ابن عطية.
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله ليغفرن لكم، قاله أبو جعفر النحاس، وقال نحوه مكي بن أبي طالب والزمخشري والواحدي والبيضاوي.
- إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، قاله الراغب.
ودل على هذا المعنى جواب القسم: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون}

وفي هذه المعاني تحفيز على الجهاد في سبيل الله؛ والثبات عليه حتى الممات بالقتل في سبيل الله أو غيره، فيلقى الله عز وجل عليه.
قال محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان: "قَوْلُهُ تَعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المَقْتُولَ في الجِهادِ والمَيِّتَ كِلاهُما يَنالُ مَغْفِرَةً مِنَ اللَّهِ، ورَحْمَةً خَيْرًا لَهُ مِمّا يَجْمَعُهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا، وأوْضَحُ وجْهٍ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنهُ حَياةً قَصِيرَةً فانِيَةً مُنَغَّصَةً بِالمَصائِبِ، والآلامِ بِحَياةٍ أبَدِيَّةٍ لَذِيذَةٍ لا تَنْقَطِعُ ولا يَتَأذّى صاحِبُها بِشَيْءٍ واشْتَرى مِنهُ مالًا قَلِيلًا فانِيًا بِمُلْكٍ لا يَنْفَدُ ولا يَنْقَضِي أبَدًا، وهي قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ}[التوبة: 111]، وقالَ تَعالى: {وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا}[الإنسان: 20]، وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن حُطامِها وزادَ فِيها الأمْرَ بِالفَرَحِ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ دُونَ حُطامِ الدُّنْيا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}[يونس: 58]، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالحَصْرِ أعْنِي قَوْلَهُ: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، أيْ: دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَفْرَحُوا بِحُطامِ الدُّنْيا الَّذِي يَجْمَعُونَهُ.
وَقالَ تَعالى: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}[الزخرف: 43] ."
وعلى القول بدلالة {أو متم} على عموم أنواع الموت؛ فيصلح تقديره بمعان أعم؛ مثل:
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم فقد استوفيتم آجالكم لا تستقدمون ساعة ولا تستأخرون.
- ولئن قُتلم في سبيل الله أو مُتم فالله من يحيي ويميت؛ ومن علم أن الله هو من يحيي ويميت وأنه لم يموت حتى يستوفي أجله لم يخش في الله لومة لائم ولأقبل على أمره بالجهاد لا يهاب الموت.
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم فالله مجازيكم على أعمالكم.
- ويحتمل أيضًا: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم فمغفرة من الله أو متم خير مما يجمعون، فكل من يموت يتيقن هذه الحقيقة ويطمع في مغفرة الله ورحمته.
قال ابن عاشور: "ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ" اهـ.
وهذا المعنى فيه ترغيب لمن أطاع الله واستجاب لأمره وانتهى عما نهاه عنه من طاعة المنافقين المثبطين، وفيه ترهيب أيضًا لمن عصى الله عز وجل؛
فإذا كان القتل في سبيل الله والموت كلاهما يوافيان المرء حيث حل أجله لا يقدّم ساعة ولا يؤخر، وإذا كان الله سيجازيه على عمله لا يظلمه مثقال ذرة فالأحرى بالمرء أن يسارع إلى أسباب المغفرة والرحمة من الله ويؤثر الجهاد في سبيل الله على غيره.
وقُدم القتل في سبيل الله على الموت تقديمًا للأشرف منهما وحثًا للمؤمنين على الإقدام عليه ونبذ دعوة الكفار التي تثبطهم عنه، قال بنحوه ابن عطية وأبو حيان.
وقال ابن عاشور: "وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ" اهـ.

ثم جاء جواب القسم: {لمغفرةٌ من الله ورحمة خير مما يجمعون}.
وفي إعراب مغفرة قولان:
الأول: مرفوعة على الابتداء، وخبرها (خيرٌ)؛ وفي مجيئها نكرة للدلالة على أن أقل قدر من المغفرة والرحمة خير مما يجمع أهل الدنيا كله، قاله ابن عطية وأبو حيان والسمين الحلبي والألوسي.
الثاني: خبر لمبتدأ مرفوع تقديره "تلك"، إشارة إلى القتل والموت في سبيل الله؛ قاله الأخفش الأوسط.
قال ابن عطية: " وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ".
وعلى هذا فقوله : "خَيْرٌ" صِفَةٌ لـ"مغفرة".
وجاء وصف المغفرة بأنها من الله عز وجل، لتتعلق القلوب به، وتطلب هذه المغفرة والرحمة بالاستجابة لأمر الله عز وجل ورسوله.
وقُدم المغفرة على الرحمة من باب التخلية قبل التحلية، قاله الشيخ خالد السبت.
وحُذف هذا المتعلق {من الله} من المعطوف {ورحمة} لدلالة ما قبله عليه.

واقتصر على ذكر خيرية المغفرة والرحمة وأنهما من الله عز وجل، ولم يقل (لكم) أو لمن يقتل في سبيل الله، وأشار أبو السعود إلى فائدة هذا الإيجاز؛ بأنه إشارة إلى استحالة أن يخيبهم الله عز وجل.
قال أبو السعود: "والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ خَيْرِيَّتِهِما مِن ذَلِكَ بِلا تَعَرُّضٍ لِلْإخْبارِ بِحُصُولِهِما لَهم لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ التَّخْيِيبِ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الإطْماعِ". اهـ
وقيل بل لابد من تقدير محذوف آخر وهو: "مغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم"، قاله أبو حيان والسمين الحلبي.

والإيجاز بالحذف هنا بليغ للمعنى الذي أشار إليه أبو السعود، والله أعلم.



و "خير" تدل على التفضيل.
وهل التفضيل هنا على بابه؛ بمعنى اشتراك المُفَضَّل وهو المغفرة والرحمة من الله عز وجل والمُفَضَّل عليه وهو ما يُجمع من متاع الحياة الدنيا في معنى الخيرية؟
أو ليس على بابه لأنه لا خير في متاع الحياة الدنيا الزائل خاصة إن كان مما يجمعه الكفار والمنافقون؟

بداية ينبغي أن يُعلم أن العرب تستعمل اسم التفضيل في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة، ومن ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدته التي ردَّ بها على هجاء أبي سفيان بن الحارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت مشركًا.
فقال حسان: " أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء"

فاسم التفضيل هنا لا يقتضي التشريك في الشر بين أبي سفيان ورسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشاه-، ويقال الأمر نفسه في الخيرية.
والمقصود خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير، وخصوصية أبي سفيان بن الحارث -قبل إسلامه- بالشر.

وينبغي أن يُعلم أيضًا أن التفضيل قد يقع على سبيل ما يعتقده المخاطب لا حقيقة وجوده.
قال محمد بن عبد الخالق عضيمة في المعجم الصرفي لأساليب القرآن الكريم: "{وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}
أمة: مبتدأ، (خير) الخبر، وقد استُدل بقوله (خير) على جواز نكاح المشركة؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أولاً على سبيل الكراهة، قالوا والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين ولا حجة في ذلك لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد، لا على سبيل الوجود، ومنه {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا}، والعسل أحلى من الخل، وقال عمر في رسالته لأبي موسى: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل". اهـ

وفي قوله تعالى:{ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون}، جاء التفضيل على بابه، كما قال بذلك عدد من المفسرين منهم أبو حيان والسمين الحلبي وابن عادل وأبو السعود والألوسي.
ووجه الألوسي معنى الخيرية فيما يُجمع من متاع الدنيا بقوله: " وثُبُوتُ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ لِما يَجْمَعُهُ الكُفّارُ كَما يَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الَّذِي يَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِنَ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْرٌ ".
وهذا أبلغ لأن فيه نفي لما يقع في النفس من خيرية متاع الحياة الدنيا والطمع فيها، وما تزينه النفس من متاع الدنيا في مقابلة شدة الجهادة وكره النفس له، والله عز وجل يقول: {كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}

فجاء التفضيل هنا زيادة في الحث على الحرص على ما هو خيرٌ للمرء وأنفع له من كل متاع الدنيا؛ إن قُدر له أن يتمكن من تحصيل جميع ما يجمعه أهل الكفر والنفاق وما تجمعه الجماعة المؤمنة، فمغفرة الله ورحمته خير له من كل هذا المتاع الزائل، والله أعلم.


و{ما} في قوله :{ ما يجمعون} نكرة موصوفة تدل على العموم، فأقل مغفرة من الله ورحمة منه خير من عموم ما يجمعه أهل الدنيا ما قل منه وما كثر، ما كان وضيعًا أو عزيزًا.
وقرأ عاصم في رواية حفص عنه: {يجمعون} بالياء، والمعنى مما يجمعه الكفار والمنافقون.
وقرأ جمهور القراء:{تجمعون} بالتاء، على معنى الخطاب للمؤمنين.
وبمجموع القراءتين ففيها تزهيد في حطام الدنيا الزائل، وتزهيد في اتباع سبيل الكفار والمنافقين الذين يدعون لترك الجهاد تشبثا بمتاع الحياة الدنيا.

ثم تكرر القسم في الآية التالية زيادة في التأكيد:
قال الله عز وجل: {ولئن متم أو قُتلتم لإلى الله تُحشرون}
ويحتمل تقديم الموت هنا على القتل عكس الآية التي قبلها لـ:
- أن في هذه الآية وعظ بالآخرة والحشر إلى الله عز وجل وهو عام في كل من مات بقتل أو غيره، وعلى الطاعة أو المعصية؛ فقُدم الموت لعمومه ولأنه الأغلب في الناس من القتل، قاله ابن عطية.
- لما قد يظن بأن القتل في سبيل الله بعيد عن أن يعقبه الحشر، قاله ابن عاشور.
- وذكرابن عاشور فائدة بلاغية أخرى من اختلاف التقديم بين القتل والموت في الآيتين وهو رد العجز على الصدر فبدأ في الأولى بالقتل ثم الموت وعكس في الثانية.

وجاء جواب الشرط محذوفا دل عليه جواب القسم في قوله تعالى: {لإلى الله تُحشرون}
فالمعني: (ولئن متم أو قتلتم فإلى الله تُحشرون)
وجاء جواب القسم: {لإلى الله تُحشرون}؛ مقرونا بلام القسم الدالة على التأكيد.
وقُدم حرف الجر ولفظ الجلالة {إلى الله} للدلالة على الحصر، أن حشر العباد إلى الله وحده.
وأفاد تأخير الفعل أيضًا مراعاة فواصل الآيات، قاله أبو حيان.
فإذا كان هذا واقع الأمر فالعاقل من عمل لهذا اليوم الذي يلقى فيه ربه؛ فبأي شيء يلقاه إن كان يجاهر بالعصيان ويدعو إليه، ويظن ظن السوء أن الإعراض عن أمر الله يحميه من الموت أو القتل!
قال أبو حيان: "وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْقِيرَ أمْرِ الدُّنْيا والحِرْصَ عَلى الشَّهادَةِ، وأنَّ مَصِيرَ العالَمِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ، فالمُوافاةُ عَلى الشَّهادَةِ أمْثَلُ بِالمَرْءِ لِيُحْرِزَ ثَوابَها ويَجِدْهُ وقْتَ الحَشْرِ". اهـ

هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ربِّ أدخلنا مُدخل صدقٍ وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا.

إدارة برنامج الإعداد العلمي 12 شوال 1445هـ/20-04-2024م 02:16 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صفية الشقيفي (المشاركة 415410)
رسالة في تفسير قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)} بالأسلوب البياني.


جاءت هذه الآيات في سياق آيات تتحدث عن غزوة أحد، وقد ابتُلي فيها المؤمنون ابتلاء شديدًا بمخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما حصل بعدها من اتخاذ المشركين الجولة على المؤمنين وتولي بعض الصحابة عن القتال وإصابة النبي صلى الله عليه وسلم وإشاعة قتله، ثم امتنان الله على المؤمنين بأن قذف في قلوب المشركين الرعب، وتغشى المؤمنين نعاسٌ، كان أمنة من الله عز وجل، وبقي المنافقون على خوفهم وفزعهم !
وكان من أثر هذا كله ظهور طوية المنافقين من ظنِّهم أن المشركين سيظهرون على المسلمين، وكراهتهم للقتال، كما أخبر الله عنهم في آيات سابقة، قال الله عز وجل: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
وقولهم: {هل لنا من الأمر من شيء}: يريدون أنه لو كان الأمر لهم لأمروا الأنصار بعدم الخروج للقتال؛ على أحد القولين في تفسير الآية.
قال أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، قال: سألت الحسن عن قوله: يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قال: ذلك المنافق لمّا قتل من قتل من أصحاب محمّدٍ، أتوا عبد اللّه بن أبيٍّ فقالوا له: ما ترى فقال: أنّا واللّه ما نؤامر لو كان لنا من الأمر من شيءٍ ما قتلنا هاهنا". رواه ابن أبي حاتم.
قال سُنيد: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قيل لعبد اللّه بن أبيٍّ: قتل بنو الخزرج اليوم قال: وهل لنا من الأمر من شيءٍ؟". رواه ابن جرير.
ونهى الله عز وجل المؤمنين عن التشبه بالكفار في مقولتهم هذه وفي فعلهم أيضًا بالجبن عن القتال والسعي في الأرض طاعة لله ورسوله، فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا}
وجاء الرد في هذه الآيات على شبهة المنافقين كالآتي:
أولا: عاقبة قولهم هذا حسرة في قلوبهم؛ وذلك حين يرون أنه لا ينفعهم جبنهم من الفرار من الموت، بل يدركهم الموت ولو كانوا في بروجٍ مشيدة، وحين يرون بأس المؤمنين وعدم استجابتهم لتثبيطهم، وحين يرون جزاء جبنهم وكفرهم بالله ورسوله في الآخرة، وجزاء المؤمنين.
ثانيًا: الله وحده من يحيي ويميت، ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، ولن تموت نفس حتى تستوفي أجلها.
ثالثًا: جاء ختام الآية: {والله بما تعملون بصير}
ورغم أن الآية تتحدث عن قول المشركين والنهي عن التشبه بهم في قولهم، لكن لما كان ذلك متضمنًا للنهي عن العمل بموجب هذا القول بالتقاعس عن القتال، جاء ختام الآية بقوله تعالى:
{والله بما تعملون بصير} وفيها وعدٌ للمؤمنين الذين استجابوا لأمر الله عز وجل، ووعيد للمنافقين الذين كفروا ويثبطون الذين آمنوا.

ثم قال الله عز وجل:
{ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمةٌ خيرٌ مما يجمعون. ولئن متم أو قُتلتم لإلى الله تُحشرون}
وسنتوقف أمام هاتين الآيتين في محاولة لبيان اللطائف البيانية التي وردت فيهما مع بيان مقاصدها، لعل الله عز وجل يثبتنا بها، وأسأل الله التوفيق والسداد.

جاءت هذه الآيات بأسلوب القسم، والقسم يفيد تأكيد المقسم عليه، وهذا التأكيد مطلوب هنا؛ لأن المقام مقام رد على الشبهات ففي هذا القسم تثبيت للمؤمنين، ورد على الكفار المنافقين المثبطين.
وهذا القسم حُذف فيه المقسم به، للانشغال بالمقسم عليه وبيان أهميته.
ودل على القسم اللام الموطئة للقسم في قوله تعالى: {ولئن قُتلتم}، وهذه اللام تفيد التأكيد أيضا، كما دل على القسم اللام الداخلة على جوابه في قوله تعالى: {لمغفرة من الله ورحمة}.
فما هو المقسم عليه الذي جاءت الآيات لبيان أهميته وتأكيده؟
جاء القسم على أسلوب شرط حُذف جوابه؛ فقال تعالى: {ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم}
والفرق بين القتل والموت كما قال الراغب الأصفهاني: "أصل القَتْلِ: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولّي لذلك يقال: قَتْلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت" اهـ.
فكلمة الموت أعم من القتل؛ فمن الناس من يموت مقتولا، ومنهم من يموت لأسباب أخرى أو بغير سبب.
وقُيِّد القتل بقوله: {في سبيل الله}؛ والقتال في سبيل الله هو ما كان لإعلاء كلمة الله عز وجل، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري أنه قال: (قالَ أَعْرَابِيٌّ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، ويُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَن في سَبيلِ اللَّهِ؟"، فَقالَ: "مَن قَاتَلَ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، فَهو في سَبيلِ اللَّهِ")
وحُذف هذا القيد {في سبيل الله}، من قوله {متم}؛ وهذا الحذف له وجهان:
الوجه الأول: دلالة ما قبله عليه فيكون المعنى قُتلم في سبيل الله أو متم في سبيل الله، وهو قول محمد بن إسحاق، ومفهوم من كلام الأخفش الأوسط وقاله ابن جرير الطبري ومكي بن أبي طالب وابن عطية، والواحدي والبيضاوي وأبو حيان.
قال سلمة عن محمّد بن إسحاق: "ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متّم لمغفرةٌ من الله ورحمة خير مما يجمعون أي أنّ الموت كائنٌ لا بدّ منه فموتٌ في سبيل اللّه أو قتلٌ في خيرٍ لو علموا واتّقوا، خيرٌ ممّا يجمعون من الدّنيا الّتي لها يتأخّرون عن الجهاد، تخوّف الموت والقتل لما جمعوا من زهيدة الدّنيا زهادةً في الآخرة". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ومعنى الموت في سبيل الله هو الموت على طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}، على أحد الأقوال في تفسير معنى الممات لله.
ومن الطاعات الجهاد في سبيل الله؛ وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذروة سنام الإسلام، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ".
ومن عاش حياته مجاهدا في سبيل الله ثم مات بغير القتل في سبيل الله فهو ممن مات في سبيل الله.
والموت في سبيل الله يستلزم الحياة على طاعة الله ورسوله والثبات عليها حتى الممات كما جاء في وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما.
قال الله عز وجلّ:
{ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون}
الوجه الثاني: أن يكون الحذف للدلالة على عموم أحوال الموت، قاله أبو المظفر السمعاني وابن الجوزي وابن عاشور.
قال أبو المظفر السمعاني: " قَوْله تَعَالَى: {وَلَئِن قتلتم فِي سَبِيل الله أَو متم} أَي: لَئِن خَرجْتُمْ، فقتلتم، أَو لم تخْرجُوا، فمتم" اهـ.
قال ابن الجوزي: " تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَئِنْ قُتِلْتُمْ في الجِهادِ {أوْ مُتُّمْ} في إقامَتِكم." اهـ.
وعطف الموت على القتل بـ (أو) الدالة على التسوية؛والتسوية هنا في دلالة جواب الشرط المحذوف، ويختلف تقديره بحسب الخلاف السابق:
فعلى القول بأن القتل والموت كلاهما في سبيل الله، يصلح تقديره بـ:
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله فأجركم على الله، قاله ابن عطية.
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله ليغفرن لكم، قاله أبو جعفر النحاس، وقال نحوه مكي بن أبي طالب والزمخشري والواحدي والبيضاوي.
- إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، قاله الراغب.
ودل على هذا المعنى جواب القسم: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون}

وفي هذه المعاني تحفيز على الجهاد في سبيل الله؛ والثبات عليه حتى الممات بالقتل في سبيل الله أو غيره، فيلقى الله عز وجل عليه.
قال محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان: "قَوْلُهُ تَعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المَقْتُولَ في الجِهادِ والمَيِّتَ كِلاهُما يَنالُ مَغْفِرَةً مِنَ اللَّهِ، ورَحْمَةً خَيْرًا لَهُ مِمّا يَجْمَعُهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا، وأوْضَحُ وجْهٍ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنهُ حَياةً قَصِيرَةً فانِيَةً مُنَغَّصَةً بِالمَصائِبِ، والآلامِ بِحَياةٍ أبَدِيَّةٍ لَذِيذَةٍ لا تَنْقَطِعُ ولا يَتَأذّى صاحِبُها بِشَيْءٍ واشْتَرى مِنهُ مالًا قَلِيلًا فانِيًا بِمُلْكٍ لا يَنْفَدُ ولا يَنْقَضِي أبَدًا، وهي قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ}[التوبة: 111]، وقالَ تَعالى: {وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا}[الإنسان: 20]، وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن حُطامِها وزادَ فِيها الأمْرَ بِالفَرَحِ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ دُونَ حُطامِ الدُّنْيا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}[يونس: 58]، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالحَصْرِ أعْنِي قَوْلَهُ: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، أيْ: دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَفْرَحُوا بِحُطامِ الدُّنْيا الَّذِي يَجْمَعُونَهُ.
وَقالَ تَعالى: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}[الزخرف: 43] ."
وعلى القول بدلالة {أو متم} على عموم أنواع الموت؛ فيصلح تقديره بمعان أعم؛ مثل:
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم فقد استوفيتم آجالكم لا تستقدمون ساعة ولا تستأخرون.
- ولئن قُتلم في سبيل الله أو مُتم فالله من يحيي ويميت؛ ومن علم أن الله هو من يحيي ويميت وأنه لم يموت حتى يستوفي أجله لم يخش في الله لومة لائم ولأقبل على أمره بالجهاد لا يهاب الموت.
- ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم فالله مجازيكم على أعمالكم.
- ويحتمل أيضًا: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم فمغفرة من الله أو متم خير مما يجمعون، فكل من يموت يتيقن هذه الحقيقة ويطمع في مغفرة الله ورحمته.
قال ابن عاشور: "ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ" اهـ.
وهذا المعنى فيه ترغيب لمن أطاع الله واستجاب لأمره وانتهى عما نهاه عنه من طاعة المنافقين المثبطين، وفيه ترهيب أيضًا لمن عصى الله عز وجل؛
فإذا كان القتل في سبيل الله والموت كلاهما يوافيان المرء حيث حل أجله لا يقدّم ساعة ولا يؤخر، وإذا كان الله سيجازيه على عمله لا يظلمه مثقال ذرة فالأحرى بالمرء أن يسارع إلى أسباب المغفرة والرحمة من الله ويؤثر الجهاد في سبيل الله على غيره.
وقُدم القتل في سبيل الله على الموت تقديمًا للأشرف منهما وحثًا للمؤمنين على الإقدام عليه ونبذ دعوة الكفار التي تثبطهم عنه، قال بنحوه ابن عطية وأبو حيان.
وقال ابن عاشور: "وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ" اهـ.

ثم جاء جواب القسم: {لمغفرةٌ من الله ورحمة خير مما يجمعون}.
وفي إعراب مغفرة قولان:
الأول: مرفوعة على الابتداء، وخبرها (خيرٌ)؛ وفي مجيئها نكرة للدلالة على أن أقل قدر من المغفرة والرحمة خير مما يجمع أهل الدنيا كله، قاله ابن عطية وأبو حيان والسمين الحلبي والألوسي.
الثاني: خبر لمبتدأ مرفوع تقديره "تلك"، إشارة إلى القتل والموت في سبيل الله؛ قاله الأخفش الأوسط.
قال ابن عطية: " وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ".
وعلى هذا فقوله : "خَيْرٌ" صِفَةٌ لـ"مغفرة".
وجاء وصف المغفرة بأنها من الله عز وجل، لتتعلق القلوب به، وتطلب هذه المغفرة والرحمة بالاستجابة لأمر الله عز وجل ورسوله.
وقُدم المغفرة على الرحمة من باب التخلية قبل التحلية، قاله الشيخ خالد السبت.
وحُذف هذا المتعلق {من الله} من المعطوف {ورحمة} لدلالة ما قبله عليه.

واقتصر على ذكر خيرية المغفرة والرحمة وأنهما من الله عز وجل، ولم يقل (لكم) أو لمن يقتل في سبيل الله، وأشار أبو السعود إلى فائدة هذا الإيجاز؛ بأنه إشارة إلى استحالة أن يخيبهم الله عز وجل.
قال أبو السعود: "والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ خَيْرِيَّتِهِما مِن ذَلِكَ بِلا تَعَرُّضٍ لِلْإخْبارِ بِحُصُولِهِما لَهم لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ التَّخْيِيبِ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الإطْماعِ". اهـ
وقيل بل لابد من تقدير محذوف آخر وهو: "مغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم"، قاله أبو حيان والسمين الحلبي.

والإيجاز بالحذف هنا بليغ للمعنى الذي أشار إليه أبو السعود، والله أعلم.



و "خير" تدل على التفضيل.
وهل التفضيل هنا على بابه؛ بمعنى اشتراك المُفَضَّل وهو المغفرة والرحمة من الله عز وجل والمُفَضَّل عليه وهو ما يُجمع من متاع الحياة الدنيا في معنى الخيرية؟
أو ليس على بابه لأنه لا خير في متاع الحياة الدنيا الزائل خاصة إن كان مما يجمعه الكفار والمنافقون؟

بداية ينبغي أن يُعلم أن العرب تستعمل اسم التفضيل في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة، ومن ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدته التي ردَّ بها على هجاء أبي سفيان بن الحارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت مشركًا.
فقال حسان: " أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء"

فاسم التفضيل هنا لا يقتضي التشريك في الشر بين أبي سفيان ورسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشاه-، ويقال الأمر نفسه في الخيرية.
والمقصود خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير، وخصوصية أبي سفيان بن الحارث -قبل إسلامه- بالشر.

وينبغي أن يُعلم أيضًا أن التفضيل قد يقع على سبيل ما يعتقده المخاطب لا حقيقة وجوده.
قال محمد بن عبد الخالق عضيمة في المعجم الصرفي لأساليب القرآن الكريم: "{وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}
أمة: مبتدأ، (خير) الخبر، وقد استُدل بقوله (خير) على جواز نكاح المشركة؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أولاً على سبيل الكراهة، قالوا والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين ولا حجة في ذلك لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد، لا على سبيل الوجود، ومنه {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا}، والعسل أحلى من الخل، وقال عمر في رسالته لأبي موسى: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل". اهـ

وفي قوله تعالى:{ولئن قُتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون}، جاء التفضيل على بابه، كما قال بذلك عدد من المفسرين منهم أبو حيان والسمين الحلبي وابن عادل وأبو السعود والألوسي.
ووجه الألوسي معنى الخيرية فيما يُجمع من متاع الدنيا بقوله: " وثُبُوتُ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ لِما يَجْمَعُهُ الكُفّارُ كَما يَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الَّذِي يَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِنَ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْرٌ ".
وهذا أبلغ لأن فيه نفي لما يقع في النفس من خيرية متاع الحياة الدنيا والطمع فيها، وما تزينه النفس من متاع الدنيا في مقابلة شدة الجهادة وكره النفس له، والله عز وجل يقول: {كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}

فجاء التفضيل هنا زيادة في الحث على الحرص على ما هو خيرٌ للمرء وأنفع له من كل متاع الدنيا؛ إن قُدر له أن يتمكن من تحصيل جميع ما يجمعه أهل الكفر والنفاق وما تجمعه الجماعة المؤمنة، فمغفرة الله ورحمته خير له من كل هذا المتاع الزائل، والله أعلم.


و{ما} في قوله :{ ما يجمعون} نكرة موصوفة تدل على العموم، فأقل مغفرة من الله ورحمة منه خير من عموم ما يجمعه أهل الدنيا ما قل منه وما كثر، ما كان وضيعًا أو عزيزًا.
وقرأ عاصم في رواية حفص عنه: {يجمعون} بالياء، والمعنى مما يجمعه الكفار والمنافقون.
وقرأ جمهور القراء:{تجمعون} بالتاء، على معنى الخطاب للمؤمنين.
وبمجموع القراءتين ففيها تزهيد في حطام الدنيا الزائل، وتزهيد في اتباع سبيل الكفار والمنافقين الذين يدعون لترك الجهاد تشبثا بمتاع الحياة الدنيا.

ثم تكرر القسم في الآية التالية زيادة في التأكيد:
قال الله عز وجل: {ولئن متم أو قُتلتم لإلى الله تُحشرون}
ويحتمل تقديم الموت هنا على القتل عكس الآية التي قبلها لـ:
- أن في هذه الآية وعظ بالآخرة والحشر إلى الله عز وجل وهو عام في كل من مات بقتل أو غيره، وعلى الطاعة أو المعصية؛ فقُدم الموت لعمومه ولأنه الأغلب في الناس من القتل، قاله ابن عطية.
- لما قد يظن بأن القتل في سبيل الله بعيد عن أن يعقبه الحشر، قاله ابن عاشور.
- وذكرابن عاشور فائدة بلاغية أخرى من اختلاف التقديم بين القتل والموت في الآيتين وهو رد العجز على الصدر فبدأ في الأولى بالقتل ثم الموت وعكس في الثانية.

وجاء جواب الشرط محذوفا دل عليه جواب القسم في قوله تعالى: {لإلى الله تُحشرون}
فالمعني: (ولئن متم أو قتلتم فإلى الله تُحشرون)
وجاء جواب القسم: {لإلى الله تُحشرون}؛ مقرونا بلام القسم الدالة على التأكيد.
وقُدم حرف الجر ولفظ الجلالة {إلى الله} للدلالة على الحصر، أن حشر العباد إلى الله وحده.
وأفاد تأخير الفعل أيضًا مراعاة فواصل الآيات، قاله أبو حيان.
فإذا كان هذا واقع الأمر فالعاقل من عمل لهذا اليوم الذي يلقى فيه ربه؛ فبأي شيء يلقاه إن كان يجاهر بالعصيان ويدعو إليه، ويظن ظن السوء أن الإعراض عن أمر الله يحميه من الموت أو القتل!
قال أبو حيان: "وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْقِيرَ أمْرِ الدُّنْيا والحِرْصَ عَلى الشَّهادَةِ، وأنَّ مَصِيرَ العالَمِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ، فالمُوافاةُ عَلى الشَّهادَةِ أمْثَلُ بِالمَرْءِ لِيُحْرِزَ ثَوابَها ويَجِدْهُ وقْتَ الحَشْرِ". اهـ

هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ربِّ أدخلنا مُدخل صدقٍ وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا.

أحسنت نفع الله بك
أ+


الساعة الآن 01:49 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir