دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة البناء في التفسير > منتدى المسار الثاني

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 شعبان 1443هـ/23-03-2022م, 03:54 AM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,607
افتراضي مجلس مذاكرة القسم الثاني من كتاب خلاصة تفسير القرآن

مجلس مذاكرة القسم الثاني من "خلاصة تفسير القرآن"

اختر مجموعة من المجموعات التالية وأجب على أسئلتها إجابة وافية.

المجموعة الأولى:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام المعاملات المالية في القرآن الكريم [البيوع ، وكتابة الديون، والإجارة]

2. جوامع الحكم والقضايا في الأصول والفروع
3. قصة إبراهيم عليه السلام
4. قصة يونس عليه السلام
5. قصة يوسف ويعقوب عليهما السلام
6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

المجموعة الثانية:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام المواريث.
2. أحكام الأطعمة والأشربة والصيد.
3. فوائد دراسة قصص الأنبياء.
4. قصة لوط عليه السلام
5. قصة عيسى وأمّه وزكريا ويحيى عليهم السلام
6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

المجموعة الثالثة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام النكاح
2. أحكام الأيمان.
3. قصة هود عليه السلام
4. قصة موسى وهارون عليهما السلام
5. قصة أصحاب الكهف.
6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

المجموعة الرابعة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام الطلاق والعدد والإيلاء والظهار.
2. قصة نوح عليه السلام
3. قصة صالح عليه السلام
4. قصة داوود وسليمان عليهما السلام
5. قصة ذي القرنين
6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

المجموعة الخامسة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. تفسير آيات الحدود.
2. قصة آدم عليه السلام
3. قصة شعيب عليه السلام
4. قصة أيوب عليه السلام
5. قصة الخضر مع موسى عليه السلام
6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.


تعليمات:
- ننصح بقراءة موضوع " معايير الإجابة الوافية " ، والحرص على تحقيقها في أجوبتكم لأسئلة المجلس.
- لا يطلع الطالب على أجوبة زملائه حتى يضع إجابته.
- يسمح بتكرار الأسئلة بعد التغطية الشاملة لجميع الأسئلة.
- يمنع منعًا باتّا نسخ الأجوبة من مواضع الدروس ولصقها لأن الغرض تدريب الطالب على التعبير عن الجواب بأسلوبه، ولا بأس أن يستعين ببعض الجُمَل والعبارات التي في الدرس لكن من غير أن يكون اعتماده على مجرد النسخ واللصق.
- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.



تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ = 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب = 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج = 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ = أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: صحة الإجابة [ بأن تكون الإجابة صحيحة غير خاطئة ]
2: اكتمال الجواب. [ بأن يكون الجواب وافيا تاما غير ناقص]
3: حسن الصياغة. [ بأن يكون الجواب بأسلوب صحيح حسن سالم من ركاكة العبارات وضعف الإنشاء، وأن يكون من تعبير الطالب لا بالنسخ واللصق المجرد]
4: سلامة الإجابة من الأخطاء الإملائية.
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.


_________________

وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24 رمضان 1443هـ/25-04-2022م, 11:15 AM
إيمان جلال إيمان جلال غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 350
افتراضي

المجموعة الثالثة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام النكاح
أحكام النكاح:
• الموطن الأول: إباحة النكاح والترغيب فيه.
قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا".
- من محاسن الشريعة:
منة الله على عباده بإقرار النكاح وإباحته والحث عليه لما يترتب عليه من مصالح كثيرة.
- سبب ترتيب أحكام للنكاح
لجلب المصالح ودفع المفاسد: وذلك بالسعي لصلاح وإصلاح أحوال الزوجين، ولدفع الضرر والفساد.

• "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى"
- معناها:
أي إن خفتم ألا تقوموا بحق النساء اليتامى اللاتي تحت حجوركم وولايتكم.
• "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ"
- من أسباب إباحة التعدد:
 إن لم تحبوا زوجاتكم اليتامى، فاعدلوا إلى نكاح غيرهن.
 أن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، أو لا يحصل مقصوده أو مقاصده بها، كما تقدم أن النكاح له عدة مقاصد.

- دلالة الآية على حسن اختيار الزوجة:
وذلك من قوله تعالى "ما طاب لكم"، فينبغي أن لا يتزوج إلا الجامعة للصفات المقصودة بالنكاح.

- متعلق "ما طاب لكم":
أي اختاروا الطيبات في أنفسهن، اللاتي تطيب لكم الحياة بالاتصال بهن، الجامعات للدين والحسب والعقل والآداب الحسنة وحسن الأخلاق الظاهرة، وحسن الخلائق الباطنة وغيرها من الأوصاف الداعية لنكاحهن.
- بعض مقاصد النكاح:
 كفاءة البيت والعائلة، وحسن التدبير، وحسن التربية. (وأساسها: الدين والعقل).
 وإحصان الفرج، والسرور في الحياة. (وأساسها: حسن الخلق الظاهر والباطن).
 ونجابة الأولاد وشرفهم. (وأساسها: الحسب والنسب الرفيع).
- سبب إباحة نظر الخاطب لمخطوبته:
ليكون على بصيرة من أمره.
- الفوائد:
تحريم نكاح الخبيثة التي لا يحل للمسلم نكاحها، وهي الكافرة غير الكتابية، وكذلك الزانية حتى تتوب كما نص الله على الثنتين.

• "مثنى وثلاث ورباع":
- معناها:
أي: من أحب أن يتزوج اثنتين فليفعل، أو ثلاثا أو أربعا فليفعل، ولا يزيد على الأربع؛ لأن الآية سيقت للامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله إجماعا.
- من أسباب تحديد الزوجات بالأربع:
لأن في الأربع غنية لكل أحد إلا ما ندر.
• " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا "
- معاناها:
فإذا خاف من نفسه الجور والظلم بالزيادة على الواحدة فليقتصر على الواحدة، أو على ملك يمينه التي لا يجب عليه لها قسم كالزوجات.
- معنى "تعولوا":
تظلموا وتجوروا.
- الفوائد:
أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.
• "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا"
- مناسبة الآية لما قبلها:
ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، وخصوصا الصداق الذي يكون شيئا كثيرا دفعة واحدة يشق عليهم، حثهم على إيتاء النساء صدقاتهن أي: مهورهن {نِحْلَةً} أي: عن حال طمأنينة وطيب نفس من غير مطل ولا بخس منه شيئا.
- معنى "صدقاتهن":
مهورهن.
- سبب إضافة المهر للمرأة في "صدقاتهن":
ليعلم أن المهر للمرأة، وهذه الإضافة تقتضي الملك.
- لمن يدفع المهر:
يدفع إليها أو إلى وكيلها إن كانت رشيدة، أو إلى وليها إن لم تكن رشيدة، وأنها تملكه بالعقد لأنه أضافه إليها وأمر بإعطائه لها.
الدليل على اعتبار الولي في النكاح:
قوله تعالى: "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ". دليل على اعتبار الولي في النكاح، وهو العاصب، ويقدم منهم الأقرب فالأقرب، فإن تعذر الولي القريب والبعيد لعدم أو جهل أو غيبة طويلة قام الحاكم مقام الولي، فالسلطان والحاكم ولي من لا ولي لها من النساء.
- معنى "نحلة":
أي: عن حال طمأنينة وطيب نفس من غير مطل ولا بخس منه شيئا.
- مرجع الضمير "منه":
الصداق.
- معنى "فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا":
أي إن قمن بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المحاباة في التعوض عنه لكم.
- معنى "فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا":
أي لا تبعة عليكم فيه ولا حرج.
- الفوائد:
 لا بد في النكاح من صداق.
 وأن الصداق يجوز في الكثير واليسير للعموم.
 وأن الصداق لا يباح لأحد أن يتزوج بدون صداق، وإن لم يسم فمهر المثل، إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإن له ذلك خاصة.
الأدلة:
قال تعالى: "وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ".
 أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها، ولو بالتبرع، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء إلا ما طابت نفسها به إذا كانت رشيدة.

• الموطن الثاني: حسن معاشرة الزوجة.
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"
- مناسبة الآية لما قبلها:
كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم ورثت زوجته عنه كما يورث ماله، فرأى قريبه كأخيه وابن عمه أنه أحق بها من نفسها، ويحجرها عن غيره، فإن رضي بها تزوجها على غير صداق، أو على صداق يحبه هو دونها، وإن لم يرض بزواجها عضلها ومنعها من الأزواج إلا بعوض من الزوج أو منها، وكان منهم أيضا من يعضل زوجته التي هي في حباله، فيمنعها من حقوقها، ومن التوسعة لها لتفتدي منه، فنهى الله المؤمنين عن هذه الأحوال القبيحة الجائرة.
- معنى "فلا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"
أي فلا تمنعوهن من الزواج إلا أن يكون بعوض (افتداء) من الزوج الذي ستتزوجه أو منها.
- هل النهي عن الافتداء وطلب العوض مطلقا؟
لا، لذلك جاء الاستثناء: "إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ"، أي فيجوز في هذه الحال أن يعضلها مقابلة لها على فعلها لتفتدي منه؛ فإن هذا الافتداء بحق لا بظلم.
- المراد ب "الفاحشة المبينة":
كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها ومن يتصل به.
- صور من المعاشرة بالمعروف "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ":
وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته ببذل النفقة والكسوة والمسكن اللائق بحاله، ويصاحبها صحبة جميلة بكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة والخلق، وأن لا يمطلها بحقها، وهي كذلك عليها ما عليه من العشرة، وكل ذلك يتبع العرف في كل زمان ومكان وحال ما يليق به.
الدليل:
"لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا".
• " فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا":
- معناها:
أي: ينبغي لكم يا معشر الأزواج أن تمسكوا زوجاتكم ولو كرهتموهن، فإن في ذلك خيرا كثيرا:
- الفوائد:
 امتثال أمر الله ورسوله الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة.
 أن إجباره نفسه، ومجاهدته إياها مع عدم محبة زوجته تمرين على التخلق بالأخلاق الجميلة.
- من الثمرات التي يجنيها من يصبر على زوجته مع كرهه لها:
1) ربما زالت الكراهة وخلفتها المحبة.
2) ربما زالت الأسباب التي كرهها لأجلها.
3) ربما رزق منها ولدا صالحا نفع الله به والديه في الدنيا والآخرة.
- من الأمور المعينة على الصبر على الزوجة مع كراهته لها:
أن يصبر قدر إمكانه، وذلك بأن كان قد كره منها خلقا فليلحظ بقية أخلاقها، وما فيها من المقاصد الأخر، ويجعل هذا في مقابلة هذا، وهذا عنوان الإنصاف والرأي الأصيل، فإن النزق الطائش الذي ليس عنده إنصاف يلاحظ بعض أغراضه النفسية، فإذا لم يأت على ما يريد أهدر المحاسن والمناقب الأخر، وهذا لا يكاد يصفو له خل في حياته، لا زوجة ولا صاحب ولا حبيب، بل هو سريع التقلب. فالرجل الحازم الوفي الذكي فإنه يوازن بين الأمور، ويقدم الحق السابق، ويفي بالسوابق، ويكون نظره للمحاسن أرجح من نظره للمساوئ. فإن وصل إلى الدرجة العالية التي لا يصل إليها إلا أفراد من كمل الرجال جعل المحاسن نصب عينيه، وأغضى عن المساوئ بالكلية، وعفا عنها لله ولحق صاحب الحق، فهذا قد كسب الأجر والراحة والخلق الذي لا يلحق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
• "وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ"
- مناسبة الآية لما قبلها:
إن لم يقوى على الصبر عليها، وكان لا بد من الفراق، ولم يبق للصبر والإمساك موضع، فالله قد أباح الفراق.
- معنى " وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ"
أي فلا حرج عليكم في فراقها.
- معنى "وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا":
أي إذا آتيتم إحداهن أي: الزوجة السابقة أو اللاحقة (قِنْطَارًا) وهو المال الكثير "فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" بل وفروه لهن ولا تمطلوهن.
- الفوائد:
وهذا يدل على جواز إعطاء النساء من المهور وغيرها المال الكثير، وأنها بذلك تملكه، ولكن الأكمل والأفضل التساهل في المهور.
- علة التساهل بالمهور:
 اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
 تسهيلا للنكاح ولطرقه.
 براءة للذمم.
• "أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"
- مناسبتها لما قبلها:
فيها ذكر للحكمة من تحريم أخذ الزوج ما أعطاه لزوجته. وهي: أن الأنثى قبل عقد النكاح محرمة على الزوج، وهي لم ترض بهذا الحل إلا بالعقد والميثاق الغليظ الذي عقد على ذلك العوض المشروط، فإذا دخل عليها وباشرها، وأفضى إليها وأفضت إليه، وباشرها المباشرة التي كانت قبل هذه الأمور حراما فقد استوفى المعوض، فثبت عليه العوض تاما، فكيف يستوفي المعوض ثم يرجع على العوض؟ لا ريب أن هذا من المنكرات القبيحة شرعا وعقلا وفطرة.

• الموطن الثالث: المحرمات من النكاح.
"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا".
- أقسام المحرمات التي استوفاها الباري في الآية في النكاح:
 القسم الأول: المحرمات في النسب، وهن:
1) الأمهات: كل أنثى لها عليك ولادة، وهي التي تخاطبها بالأم والجدة وإن علت من كل جهة.
2) البنات، وهن كل أنثى تخاطبك بالأبوة أو بالجدودة من بنات الابن وبنات البنات وإن نزلن.
3) الأخوات شقيقات كن أو لأب أو لأم، وبنات الإخوة وبنات الأخوات مطلقا.
4) العمات 5) والخالات: وهن كل أخت لأحد آبائك وإن علا، أو أحد أمهاتك وإن علون.
6) بنات الأخ 7) وبنات الأخت.
ففي هذه الآية صرح بالمحرمات من النسب، ثم ذكر تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم": أي وما سوى هؤلاء من أقارب النسب فهن حلال النكاح، وقد فصلها تعالى في آية الأحزاب: "وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ".
 القسم الثاني: المحرمات في الرضاع: وهن نظير المحرمات بالنسب من جهة المرضعة وصاحب اللبن، فتكون سبع مثل النسب، وهن:
الأم من الرضاعة: صارت أمه بإرضاعها له من لبنها. ومثلها: أمهاتها فهن جداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأولادها إخوته وأخواته، وهو عم لأولادهم أو خال، وكذلك صاحب اللبن. والأخت من الرضاعة: التي رضع معها من ذات حليب الأم وكذلك بنات صاحب اللبن.
 القسم الثالث: المحرمات في المصاهرة.
وهذا القسم يترتب عليه أربعة أحكام، هي:
1) تحريم هذه الزوجة على أولاده وإن نزلوا نسبا ورضاعا.
2) وتحريمها على آبائه وإن علوا نسبا ورضاعا.
3) وحرمت عليه أمها في الحال.
4) وأما ابنتها: فإن كان قد دخل بزوجته حرمت أيضا، وصارت ربيبة، لا فرق بين بنتها من زوج سابق له، أو من زوج خلفه عليها.
- سبب تقييد الربيبة ب "اللاتي في حجوركم من نسائكم":
فعلى الرغم من أن الربيبة تحرم سواء كانت في حجر الرجل أم لا، إلا أنها قيدت هنا لبيان أغلب أحوالها، ولبيان أعلى حكمة تناسب حكمة التحريم، وأنها إذا كانت في حجرك بمنزلة بناتك لا يليق إلا أن تكون من محارمك.
• "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم":
- من جملة المحرمات:
حليلة الابن، أي زوجة ولده.
- سبب تقييد حليلة الابن الذي هو من الصلب:
لأن الغالب أن الابن هو من الصلب، وإلا فهنا يدخل فيه أيضا ابن الرضاع، ويخرج ابن التبني. وهذا هو قول جمهور العلماء.
• "وأن تجمعوا بين الأختين"
- من المحرمات أيضا: الجمع بين الأختين. كما حرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها.
• "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ"
- معناها:
أي من المحرمات ذوات الأزواج، ذوات الأزواج، فكل أنثى في عصمة زوج أو في بقية عدته لا تحل لغيره؛ لأن الأبضاع ليست محل اشتراك، بل قصد تمييزها التام، ولهذا شرعت العدة والاستبراء، ونحو ذلك.
• "إلا ما ملكت أيمانكم"
- المراد بملك اليمين:
هو ملك السبي، إذا سبيت المرأة ذات الزوج من الكفار في القتال الشرعي حلت للمسلمين، ولكن بعد الاستبراء أو العدة، فزوجها الحربي الذي في دار الحرب لم يبق له فيها حق، ولا له حرمة، فلهذا حلت للمسلمين كما حل لهم ماله ودمه، لأنه ليس له عهد ولا مهادنة.
- هل ملك اليمين حلال لكل أحد؟
يحرم نكاح المملوكات على الأحرار.
- السبب:
لما فيه من إرقاق الولد، ولما فيه من الدناءة والضرر العائد للأولاد؛ لتنازع الملاك، وتنقلات الأرقاء.
- هل التحريم مطلق؟
لا، فإذا رجحت مصلحة الإباحة فقد أباحه الله.
- شروط إباحة نكاح الحر للإماء:
1) بشرط المشقة لحاجة متعة أو خدمة.
2) وأن لا يقدر على الطول للحرة.
3) وأن تكون الأمة مؤمنة بإذن أهلها.

• الموطن الرابع: في حال نشوز الزوجة.
- قوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
- متعلق القوامة وصورته:
 القوامة في أمور الدين والدنيا، يلزمونهن بحقوق الله، والمحافظة على فرائضه، ويكفونهن عن جميع المعاصي والمفاسد، وبتقويمهن بالأخلاق الجميلة والآداب الطيبة.
 وقوامون أيضا عليهن بواجباتهن من النفقة والكسوة والمسكن وتوابع ذلك.
• "بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"
- سبب جعل القوامة بيد الرجل؟
بسبب فضل الرجال عليهن وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة:
 من كون الولايات كلها مختصة بالرجال والنبوة والرسالة.
 وباختصاصهم بالجهاد البدني.
 ووجوب الجماعة والجمعة ونحو ذلك.
 وبما تميزوا به عن النساء من العقل والرزانة والحفظ والصبر والجلد والقوة التي ليست للنساء.
 وكذلك يده هي العليا عليها بالنفقات المتنوعة، بل وكثير من النفقات الأخر والمشاريع الخيرية، فإن الرجال يفضلون النساء بذلك كما هو مشاهد.
- سبب حذف المتعلق في قوله: "وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"
ليدل على هذا التعميم، فعلم من ذلك أن الرجل كالوالي والسيد على امرأته، وهي عنده أسيرة عانية تحت أمره وطاعته.
- القوامة لا تعني استرقاق المرأة:
على الرجل أن يتق الله في أمرها، وليقومها تقويما ينفعه في دينه ودنياه، وفي بيته وعائلته يجد ثمرات ذلك عاجلا وآجلا، وإلا يفعل فلا يلومن إلا نفسه.
• "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ"
- أقسام النساء:
القسم الأول: قسم هن أعلى طبقات النساء، وخير ما حازه الرجال، وهن المذكورات هنا.
- معنى "قانتات لله:
أي: مطيعات لله ولأزواجهن، قد أدت الحقين، وفازت بكفلين من الثواب.
- متعلق "حافظات للغيب":
 حافظات أنفسهن من جميع الريب.
 وحافظات لأمانتهن ورعاية بيوتهن.
 وحافظات للعائلة بالتربية الحسنة، والأدب النافع في الدين والدنيا.
- مناسبة "بما حفظ الله" بما قبلها:
أي أن عليهن بذل الجهد والاستعانة بالله على ذلك؛ فلهذا قال: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}: أي: إذا وفقن لهذا الأمر الجليل فليحمدن الله على ذلك، ويعلمن أن هذا من حفظه وتوفيقه وتيسيره لها، فإن من وكل إلى نفسه فالنفس أمارة بالسوء، ومن شاهد منة الله، وتوكل على الله، وبذل مقدوره في الأعمال النافعة، كفاه الله ما أهمه، وأصلح له أموره، ويسر له الخير، وأجراه على عوائده الجميلة.
القسم الثاني: هن الطبقة النازلة من النساء، وهن بضد السابقات في كل خصلة، اللاتي من سوء أخلاقهن وقبح تربيتهن تترفع على زوجها، وتعصيه في الأمور الواجبة والمستحبة.
• " وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ"
- مناسبتها لما قبلها:
في حال كانت النساء من القسم الثاني، فقد أمر تعالى بتقويمهن بالأسهل فالأسهل.
- الوصفة التسلسلية في التعامل مع الزوجة الناشز:
1) الوعظ: فإن حصل المطلوب فلا ينتقل إلى ما بعده، بل يكتفى به.
- متعلق الوعظ:
أي: بينوا لهن حكم الله ورسوله في وجوب طاعة الأزواج، ورغبوهن في ذلك بما يترتب عليه من الثواب، وخوفوهن معصية الأزواج، وذكروهن ما في ذلك من العقاب، وما يترتب عليه من قطع حقوقها.

2) الهجر في المضاجع: إن لم يصل معها إلى المقصود بعد الوعظ، فيلجأ للهجر في المضاجع، فإن حصل المقصود، فلا ينتقل إلى ما بعده.
- متعلق الهجر في المضاجع:
بأن لا ينام عندها، ولا يباشرها بجماع ولا غيره؛ لعل الهجر ينجع فيها، فإن القصد من الهجر هو نفع المهجور وأدبه.

3) الضرب: إن لم يصل لمقصوده بعد ما يبق، فإنه يلجأ إلى الضرب الغير مبرح.
- متعلق الضرب:
ضربها ضربا خفيفا غير مبرح.
• "فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا"
-معناها:
أي فإن حصل المقصود، ورجعت إلى الطاعة، وتركت المعصية، عاد الزوج إلى عشرتها الجميلة، ولا سبيل له إلى غير ذلك من أذيتها؛ لأنها رجعت إلى الحق. وهذا الدواء لكل عاص ومجرم، إن الشارع رغبه إذا ترك إجرامه عاد حقه الخاص والعام كما في حق التائب من الظلم وقطع الطريق وغيرها، فكيف الزوج مع زوجته.

- ذم من لا يلتزم بتلك الخطوات في التعامل مع الناشز:
الغاية من الوصفة الربانية أعلاه هو الوصول للمقصود مع المرأة الناشز وليس الغرض منه شفاء النفس كما يفعله من لا رأي له إذا خالفته زوجته أو غيرها، ولم يحصل مقصوده، هجر هجرا مستمرا، أي: بقي متأثرا بذلك، عاتبا على من لم يواته على ما يحب، ووصلت به الحال إلى الحقد الذي هو من الخصال الذميمة، فهذا ليس من الهجر الجميل النافع، وإنما هو من الحقد الضار بصاحبه، الذي لا يحصل به تقويم ولا مصلحة.
- الفوائد:
 ينبغي لمن عاد إلى الحق أن لا يذكر الأمور السالفة، فإن ذلك أحرى للثبات على المطلوب، فإن تذكير الأمور الماضية ربما أثار الشر، فانتكس المرض، وعادت الحال إلى أشد من الأولى.

• الموطن الخامس: في حالة وقوع الخصام، واستطارة الشر بين الزوجين.
"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا"
- مناسبتها لما قبلها:
أي إذا استطار الشر بين الزوجين، وبلغت الحال إلى الخصام وعدم الالتئام، ولم ينفع في ذلك وعظ ولا كلام، فليلجأ إلى هذا الحل.
• "فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا"
- صفات الحكمين من كلا الطرفين:
عدلين عاقلين يعرفان الجمع والتفريق، ويفهمان الأمور كما ينبغي.
- دور الحكمين:
يبحثان في الأسباب التي أدت بهما إلى هذه الحال، ويسألان كلا منهما ما ينقم على صاحبه، ويزيلان ما يقدران عليه من المعتبة بترغيب الناقم على الآخر بالإغضاء عن الهفوات واحتمال الزلات، وإرشاد الآخر إلى الوعد بالرجوع، وإرشاد كل منهما إلى الرضى والنزول عن بعض حقه.
فكم حصل بهذا الطريق من المصالح شيء كثير، وإن أمكنهما إلزام المتعصب على الباطل منهما بالحق فَعَلَا، ومهما وجدا طريقا إلى الإصلاح والاتفاق والملاءمة بينهما لم يعدلا عنها، إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال، أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الملاءمة فرقا بينهما بما تقتضيه الحال بعوض أو بغير عوض، ولا يشترط في هذا رضى الزوج؛ لأن الله سماهما حكمين لا وكيلين، ومن قال إنهما وكيلان اشترط في التفريق رضى الزوج، ولكن هذا القول ضعيف.
• "إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"
- مناسبتها لما قبلها:
ولمحبة الباري للاتفاق بينهما وترجيحه على الآخر، فسيتحقق الإصلاح بين الزوجين، بسبب ما بذله كلا الحكمين من رأي ميمون، وكلام لطيف، ووعد جميل يجذب القلوب.
• "إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا"
- متعلق علم الله، وسبب ختم الآية بهذين الاسمين لله:
الله عليم بالسرائر والظواهر مطلعا على الخفايا، فمن كمال علمه وحكمته شرع لكم هذه الأحكام الجليلة التي هي الطريق الوحيد إلى القيام بالحقوق: "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".

• الموطن السادس: في حال رغبة الزوج عن زوجته، إما عدم محبة، وإما طمعا.
"وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"
- متعلق الصلح:
بأن تسمح المرأة عن بعض حقها اللازم لزوجها على شرط البقاء معه، وأن يعود إلى مقاصد النكاح أو بعضها، كأن ترضى ببعض النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو تسقط حقها من القسم، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها بإذنه، فمتى اتفقا على شيء من ذلك فلا حرج ولا بأس.
- مناسبة "والصلح خير" إلى ما قبلها:
الصلح بين الزوجين خير من المقاضاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو الفراق.
- الفوائد:
 تحقيق المصالحة في الحقوق المتنازع فيها خير من استقصاء كل منهما على حقه كله، لما في الصلح من بقاء الألفة، والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز بين المسلمين في كل الأبواب - إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا -.
- مناسبة "والصلح خير" ل "وأحضرت الأنفس الشح":
أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضى لذلك، فقال: "وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله: "وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ" أي: جبلت النفوس على الشح، وهو الاستئثار والتفرد في الحقوق، وعدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتقليله وتلطيفه وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة ببذل جميع الحقوق التي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك، والإغضاء عن التقصير، فمتى وفق العبد لهذا الخلق الطيب سهل عليه الصلح بينه وبين كل من بينه وبينه منازعة ومعاملة، وتسهلت الطريق الموصلة إلى المطلوب، ومن لم يكن بهذا الوصف تعسر الصلح أو تعذر؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ما له كاملا مكملا، ولا يهون عليه أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر.
- تعريف الإحسان: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
- متعلق الإحسان في "وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا":
أي تحسنوا في عبادة الخالق، وتحسنوا إلى المخلوقين بكل إحسان قولي أو فعلي.
- متعلق التقوى:
تتقوا الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات.
- المراد باقتران الإحسان بالتقوى:
أن تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور.
- مناسبة ختم الآية ب "فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"
فيجازيكم على قيامكم بالإحسان والتقوى، أو على عدم ذلك بالجزاء بالفضل والعدل.

• الموطن السابع: عدم تحقق العدل التام بين الأزواج في حال التعدد.
"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"
- المراد بالعدل المنفي تحققه التام في الآية:
أن يكون الداعي والحب على السواء، والميل القلبي على السواء، ويقتضي مع ذلك الإيمان الصادق، والرغبة في مكارم الأخلاق للعمل بمقتضى ذلك.
- سبب نفي تحققه:
هذا العدل متعذر غير ممكن.
- مناسبة "فلا تميلوا كل الميل" بما قبلها:
هذا عذر الله للأزواج، فقد عذرهم وعفا عنهم لأنه مما لا يقدرون عليه.
- العدل المأمور به في الآية:
هو العدل الممكن، وذلك بألا يميلوا إلى إحداهن عن الأخرى ميلا كثيرا، لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا مستطاعكم من العدل، فالنفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فالعبد لا يملك نفسه فعذره الله.
• "فتذروها كالمعلقة":
- معناها:
هو تشبيه للزوجة التي يميل عنها زوجها ويزهد فيها ولا يقوم بحقوقها الواجبة، مع أنها في حباله أسيرة عنده، تشبيهها بالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها.
• "وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"
- مناسبتها للآية:
وإن تصلحوا فيما بينكم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح كما تقدم، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا أيضا فيما بينكم وبين الناس فيما تنازعتم به من الحقوق، وتتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن الله غفور رحيم.
• الموطن الثامن: في حال تعذر الاتفاق والالتئام فلا بأس في الفراق.
" وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا".
- متعلق الفراق:
بفسخ أو طلاق أو خلع أو غير ذلك.
- معنى "يغن الله كلا من سعته":
أي يغني الله كلا من الزوجين من فضله وإحسانه العام الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله برزق من غير طريقه، فلعل الله يرزقها زوجا خيرا لها منه وأنفع. فإن توهمت الزوجة أنه إذا فارقها زوجها المنفق عليها القائم بمؤنتها ينقطع عنها الرزق، فسوف يغنيها الله من فضله، فإن رزقها ليس على الزوج ولا على غيره، بل على المتكفل القائم بأرزاق الخليقة كلها، وخصوصا من تعلق قلبه به ورجاه رجاء قلبيا طامعا في فضله كل وقت، فإن الله عند ظن عبده به.
- مناسبة ختم الآية ب "وكان الله واسعا حكيما":
أي أن الله واسع الرحمة كثير الإحسان، وحكيم في وضعه الأمور مواضعها.
- الفوائد:
 ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدر له سببا من أسباب الرزق والراحة أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب فلا يتشوش قلبه، فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تحصى ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره نصب عينيه وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء؛ فإن الله يقول على لسان نبيه: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله)، وقال: (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

2. أحكام الأيمان.
• كفارة اليمين المنعقدة.
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ - لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
- المعنى الإجمالي للآية:
يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى أيمانكم في تحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، فلا تحرموا ما أحل الله لكم من المطاعم والمشارب وغيرها، فإنها نعم تفضل الله بها عليكم فاقبلوها، واشكروا الله عليها إذ أحلها شرعا ويسرها قدرا، ولا تردوا نعمة الله بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، أو الحلف على عدم تناولها، فإن ذلك كله من الاعتداء، والله لا يحب المعتدين، بل يبغضهم ويمقتهم. ثم يأمرهم تعالى بالأكل من رزقه سبحانه الذي ساقه إليكم ويسره لكم بأسبابه المتنوعة، إذا كان حلالا، لا سرقة ولا غصبا، ولا حصل في معاملة خبيثة، وكان أيضا طيبا نافعا لا خبث فيه. ثم يأمرهم تعالى بتقواه وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذا ما يقتضيه إيمانهم الذي لا يتم إلا بذلك.
- الفوائد:
 إذا حرم العبد حلالا عليه من طعام وشراب وكسوة واستعمال وسرية ونحو ذلك، فإن هذا التحريم منه لا يحرم ذلك الحلال، وعليه كفارة يمين، لأن التحريم يمين. وهذا عام في تحريم كل طيب، إلا أن تحريم الزوجة يكون ظهارا فيه كفارة الظهار.
الدليل:
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".
 ليس للعبد أن يحلف على ترك الطيبات، ولا له أن يمتنع من أكلها، ولو بلا حلف تنسكا وغلوا في الدين؛ بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه.
• "لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ"
- أنواع الأيمان وأحكامها:
النوع الأول: اليمين التي يحلفها العبد من غير نية ولا قصد. وهي المرادة في الآية "باللغو في أيمانكم".
حكمها: هو لغو اليمين الذي لا كفارة فيه.
النوع الثاني: اليمين التي يعقدها العبد ظانّا صدق نفسه فبان له خلاف ذلك.
حكمها: على خلاف بين المذاهب في وجوب الكفارة من عدمها.
النوع الثالث: اليمين المنعقدة، وهي الحلف على أن يفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله. وهي المرادة بالآية "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان".
حكمها: تجب فيها الكفارة الواردة في الآية في حال الحنث بها، وهي تخييره بين إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، وذلك يختلف باختلاف الناس والأوقات والأمكنة، أو كسوتهم بما يعد كسوة، وقيد ذلك بكسوة تجزي في الصلاة، أو تحرير رقبة صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، بشرط أن تكون الرقبة مؤمنة، كما في الآية المقيدة بالأيمان، وأن تكون تلك الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، فمتى كفر بواحد من هذه الثلاثة انحلت يمينه. فمن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة فعليه صيام ثلاثة أيام، أي: متتابعة مع الإمكان، كما قيدت في قراءة بعض الصحابة.
النوع الرابع: اليمين الغموس: التي يحلفها عالما بكذبه.
حكمها: لا كفارة لها على الأرجح، وإن كان الإمام أحمد قد رأى وجوب الكفارة فيها.
- الفوائد:
 نعمة الله على هذه الأمة أنه فرض لهم تحلة أيمانهم، ورفع عنهم الإلزام والجناح.
 التخيير في الكفارة بحسب السعة.
• "وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ"
- صور حفظ الأيمان:
 بعدم الحلف بالله وأنتم كاذبون.
 بعدم الإكثار منها لاسيما عند البيع والشراء.
 بعدم الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث فيها خيرا من المضي فيها.
الدليل: قوله تعالى: "وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ".
أي: لا تقولوا: إننا قد حلفنا على ترك البر، وترك التقوى، وترك الإصلاح بين الناس، فتجعلوا أيمانكم مانعة لكم من هذه الأمور التي يحبها الله ورسوله، بل احنثوا وكفروا وافعلوا ما هو خير وبر وتقوى.
 إذا حلفتم وحنثتم فعليكم بالكفارة، فإن الكفارة بها حفظ اليمين الذي معناه تعظيم المحلوف به، فمن كان يحلف ويحنث ولا يكفر فما حفظ يمينه، ولا قام بتعظيم ربه.
• "كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ":
- معناها:
بين الله لكم الحلال من الحرام وأحكامها، فعلى العباد أن يشكروا ربهم على بيانه وتعليمه لهم ما لم يكونوا يعلمون، فإن العلم أصل النعم وبه تتم.


3. قصة هود عليه السلام
• مبعث هود عليه السلام إلى قومه:
- من هم قوم هود عليه السلام؟
هم عاد الأولى، المقيمين بالأحقاف – من رمال حضرموت -.
- سبب مبعثه إليهم:
لما كثر شرهم وتجبرهم على عباد الله، واغترارهم بقوتهم حيث قالوا: "من أشد منا قوة". وهذا منهم كان انطلاقا من شركهم بالله وتكذيبهم لرسل الله.
- تفاني هود في دعوتهم:
أرسله تعالى إليهم ليدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك والتجبر على العباد، فدعاهم بكل وسيلة، وذكرهم بما أنعم به عليهم من خير الدنيا والبسطة في الرزق والقوة.
- رد قومه عليه:
ردوا دعوته وتكبروا عن إجابته وقالوا: "مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ".
وهم كاذبون في هذا الزعم، فإنه ما من نبي إلا أعطاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، ولو لم يكن من آيات الرسل إلا أن نفس الدين الذي جاءوا به أكبر دليل أنه من عند الله لإحكامه وانتظامه للمصالح في كل زمان بحسبه وصدق أخباره، وأمره بكل خير ونهيه عن كل شر، وأن كل رسول يصدق من قبله ويشهد له، ويصدقه من بعده ويشهد له.
- آياته الخاصة التي أرسله الله بها:
تفرده عليه السلام في دعوته وتسفيه أحلام قومه وتضليلهم والقدح في آلهتهم، مع أنهم أهل البطش والقوة والجبروت، وقد خوفوه بآلهتهم إن لم ينته أن تمسه بجنون أو سوء فتحداهم علنا، وقال لهم جهارا: "إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، ومع تحديه لهم وهم بتلك القوة لم يصلوا إليه أو يمسوه بسوء. فأي آية أعظم من هذا التحدي لهؤلاء الحريصين على إبطال دعوته بكل طريق؟

• عذابهم بعد جحودهم لدعوة نبيهم هود عليه السلام:
فلما انتهى طغيانهم تولَّى عنهم وحذَّرهم نزول العذاب، فجاءهم العذاب معترضا في الأفق، وكان الوقت وقت شدة عظيمة وحاجة شديدة إلى المطر، فلما استبشروا وقالوا: "هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا"، قال الله: "بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ" بقولكم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين: "رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ"، تمر عليه: "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ"، "فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ".
فبعدما كانت الدنيا لهم ضاحكة، والعز بليغ، ومطالب الحياة متوفرة، وقد خضع لهم من حولهم من الأقطار والقبائل، إذ أرسل الله إليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات؛ لنذيقهم عذاب الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون: "وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ".

• نجاة هود والذين آمنوا معه:
نجى الله هودا ومن معه من المؤمنين.
- دلالة إنجاء الله لهود والمؤمنين، وعذابه للكافرين:
دلالة على:
-- كمال قدرة الله.
 -- إكرامه الرسل وأتباعهم، ونصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
 -- آية على إبطال الشرك، وأن عواقبه شر العواقب وأشنعها.
 -- وآية على البعث والنشور.

الفوائد:
- أن جميع الرسل من نوح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك، فنوح وهود وغيرهم أول ما يقولون لقومهم: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة.
-  آداب الدعوة وتمامها، فيتفانى الأنبياء والرسل في دعوتهم بشتى طرق الدعوة.
- أن الشُّبَه التي قدح فيها أعداء الرسل برسالتهم من الأدلة على إبطال قول المكذبين، فإن الأقوال التي قالوها، ولم يكن عندهم غيرها، ليس لها حظ من العلم والحقيقة عند كل عاقل.
- أن من فضائل الأنبياء وأدلة رسالتهم إخلاصهم التام لله تعالى في عبوديتهم لله القاصرة، وفي عبوديتهم المتعدية لنفع الخلق كالدعوة والتعليم وتوابع ذلك، قال هود "يا قوم لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري إلا على الذي فطرني". ولذلك يبدون ذلك ويعيدونه على أسماع قومهم كل منهم. فليتأسى بهم الدعاة أتباع الرسل بالترفع عن لعاع الدنيا.
- أن تقوى الله والقيام بواجبات الإيمان من جملة الأسباب التي تال بها الدنيا بإنزال قطر السماء، وزيادة قوة الأبدان وصحتها، وهو السبب الوحيد لنيل خير الآخرة والسلامة من عقابها.
- أن النجاة من العقوبات العامة الدنيوية هي للمؤمنين، وهم الرسل وأتباعهم، وأما العقوبات الدنيوية العامة فإنها تختص بالمجرمين، ويتبعهم توابعهم من ذرية وحيوان، وإن لم يكن لها ذنوب.
- أن الله بحكمته يقص علينا نبأ الأمم المجاورين لنا في جزيرة العرب وما حولها؛ لأن القرآن يذكر أعلى الطرق في التذكير، والله تعالى صرف فيه التذكيرات تصريفا نافعا، فقوم هود نشاهد آثارهم، ونمر بديارهم كل وقت، ونفهم لغاتهم، وطبائعهم أقرب إلى طبائعنا، لا ريب أن نفع هذا عظيم، وأنه أولى من تذكيرنا بأمم لم نسمع لهم بذكر ولا خبر، ولا نعرف لغاتهم، ولا تتصل إلينا أخبارهم بما يطابق ما يخبرنا الله به. فتذكير الناس بما هو أقرب إلى عقولهم، وأنسب لأحوالهم، وأدخل في مداركهم، وأنفع لهم من غيره أولى من التذكيرات بطرق أخرى وإن كانت حقا. فأشار الباري إلى هذا في آخر قصة عاد، فقال: "وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ"، أي: نوعناها بكل فن ونوع "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". أي: ليكون أقرب لحصول الفائدة.
- أن اتخاذ المباني الفخمة للفخر والخيلاء والزينة وقهر العباد بالجبروت من الأمور المذمومة الموروثة عن الأمم الطاغية، كما قال الله في قصة عاد وإنكار هود عليهم، قال: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ".
- أن العقول والأذهان والذكاء وما يتبع ذلك من القوة المادية، وما ترتب عليها من النتائج والآثار وإن عظمت وبلغت مبلغا هائلا، فإنها لا تنفع صاحبها إلا إذا قارنها الإيمان بالله ورسله. وأما الجاحد لآيات الله المكذب لرسل الله، فإنه وإن استُدرج في الحياة وأُمهل فإن عاقبته وخيمة، وسمعه وبصره وعقله لا يغني عنه شيئا إذا جاء أمر الله، كما قال الله عن عاد: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ". وفي الآية الأخرى: "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ".


4. قصة موسى وهارون عليهما السلام
• هل هناك تكرارا في قصة موسى مع هارون؟
لا، بل إن ذكرها في كل سورة من سور القرآن يليق بذاك المقام، فتارة تكون في سيرة طويلة وبسط، وتارة باختصار، مع تنوع في الأسلوب. وهو حال جميع القصص التي تكرر ذكر أحداثها بين ثنايا السور.
• نبذة عن سيرة موسى عليه السلام.
هو موسى بن عمران، أعظم أنبياء بني إسرائيل، وشريعته وكتابه التوراة، وهو مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، قصصه في القرآن من أعظم القصص، لأنه عالج فرعون وجنوده، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم. له من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره.
• مولده ونشأته:
قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين، وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين" [القصص:14-7]
ولد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل: فكان يذبح كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان، فلما ولدته أمه خافت عليه خوفا شديدا؛ فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم، وكان بيتها على ضفة نهر النيل فألهمها الله أن وضعت له تابوتا إذا خافت أحدا ألقته في اليم، وربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء، ومن لطف الله بها أنه أوحى لها أن لا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين.
ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية، فلما رأته أحبته حبا شديدا، وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب، فكان هذا سببا في امتناع فرعون عن قتله. ثم رده تعالى إلى أمه التي أصبح فؤادها فارغا، وكانت أخته سببا في عودته إلى حضن أمه، حيث أن موسى امتنع عن الرضاع من كل أم، حتى دلتهم أخته على أمها التي صارت ترضعه في قصر فرعون، فكان يربو أمام عينيها. وقد تنقلت به الأحوال، حتى بلغ أشده وهو في بيت فرعون.

• قتله للقبطي وخروجه من مصر إلى مدين:
• قال تعالى: "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِين، فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين، وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل".[القصص:22-15]
دخل موسى ذات يوم المدينة، فوجد رجلين يقتتلان، أحدهما من القبط، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الذي من شيعته – من بني إسرائيل – على عدوه القبطي، فوكزه موسى فقتله خطأ، فتاب موسى إلى ربه من هذا واستغفر فغفر الله له. ثم في اليوم اللاحق وجد موسى ذات الرجل الذي من شيعته يقتتل مع آخر قبطي، واستغاثه ذات الرجل، فامتنع موسى عن قتل القبطي، وجاءه رجل من أقصى المدينة يحذره ويحثه على الهرب من قوم فرعون الذين علموا بمقتل رجلهم الذي وكزه موسى بالأمس فقضى عليه. فتوجه إلى مدين.

• زواجه عليه السلام ورجوعه إلى مصر:
قال تعالى: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير، فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِين، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيل". القصص [28 – 23]
وهناك أعان امرأتين في سقيهم للغنم، حيث كان أبوهما شيخ كبير لا يقوى على ذلك، فسقا لهما، مما حدا بأبيهما أن يدعوه إلى بيته لشكره، فاقترحت إحداهما على أبيها أن يستأجره، فعرض الأب على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يأجره مدة ثمانية أعوام، وإن أراد زيادة سنتين فمن عنده، ففعل موسى وقضى أوفى الأجلين وهو عشر سنوات. فتوجه بعدها عائدا إلى مصر.
• بعثة موسى عليه السلام وطلبه أن يكون هارون أخوه معه:
قال تعالى: "فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِين، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين، قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُون".
في طريق عودة موسى وأهله إلى مصر، رأى مارا إلى جانب جبل، فسار إليها تاركا أهله لعله يأتيهم بقبس أو جذوة من النار. وهناك كلمه الله، وأخبره باصطفائه لحمل رسالة التوحيد إلى الناس ومنهم فرعون. وآتاه من الآيات ما يدل على صدق نبوته، فألقى العصا التي في يده لتتحول بأمر الله إلى حية تسعى، ثم أمره أن يدخل يده في جيبه لتخرج بيضاء من غير سوء. ثم أمره أن يذهب إلى فرعون فيدعوه إلى عبادة الله وحده.
فسأل موسى ربه شرح صدره، وتيسير الأمر عليه، وأن يحلل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وأن يعينه بإرسال أخيه معه، فآتاه الله تعالى سؤله، ووعده العون والنصرة.
• دعوة موسى وهارون لفرعون:
قال تعالى: "اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى". القصص [48 -42].
وقال تعالى: "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى، قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سُوًى، قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى". طه [60 – 56]

توجه موسى ومعه أخوه هارون إلى قصر فرعون وأخبراه بأنهما رسولا رب العالمين، ودعياه إلى توحيد الله وحده، وإلى التوقف عن ظلم بني إسرائيل وأن يرسلهم معهما، وأرياه من آيات ربه الكبرى، ولكن فرعون أبى واستكبر وكان من الكافرين، واستخف بقول موسى وهارون، واتهمهما وقومه بالسحر، وأقنعه قومه بأنهما إنما جاءا للاستحواذ على ملك فرعون. وأشاروا عليه أن يتحداه بسحر سحرته الذي يفوق ما جاء به موسى. فوافق فرعون وجمع السحرة في يوم الزينة، وجمع الناس ضحى.
• مواجهة موسى للسحرة:
قال تعالى: "قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى، قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى". طه [76 – 61]
جمع فرعون السحرة أمام الناس، وأعطى السحرة الأجرة مقابل تحدي موسى والتفوق عليه في السحر، فألقوا حبالهم وعصيهم، فخيل للناس أنها تسعى، فأمر تعالى نبيه موسى بإلقاء عصاه دون تردد أو خوف، فإذا عصاه تلقف ما يأفكون، فسجد السحرة مؤمنين برب موسى وهارون، لعلمهم بأن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر. ولكن فرعون أمر بصلب السحرة في جذوع النخل، وقد ثبتوا على الإيمان وترك السحر الذي أجبرهم عليه فرعون.

• استمرار فرعون في ظلمه لبني إسرائيل وأمر الله لموسى بالخروج بهم من مصر:
قال تعالى: "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون، فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون، وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِين، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي ِسْرَآئِيل، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُون". الأعراف [135 – 128].
استمر فرعون في ظلمه لبني إسرائيل، فابتلاهم الله بالبلاءات العديدة: كاحتباس المطر، ونقص المحاصيل، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم، ومع ذلك لم يردعه ذلك عن ظلمه لبني إسرائيل، فأمره تعالى بالخروج بهم من مصر. ولكن فرعون استشاط غضبا، وحشد جيشه للحاق بموسى ومن معه من المؤمنين.

• حادثة شق البحر وإنجاء الله لموسى وهارون ومن معهما وغرق فرعون:
وقال تعالى: "فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِين، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِين، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِين". [الشعراء 66 - 61]
لحق فرعون وجنوده بموسى ومن معه من بني إسرائيل، حتى وصل موسى إلى البحر الذي صعب عليه اجتيازه، فأوحى تعالى إليه أن يضرب بعصاه البحر فانفلق فاستطاع اجتيازه موسى ومن معه، وعندما رأى فرعون هذا الأمر العظيم حاول فعل كما فعل موسى، ولكن الله أمر البحر بأن يعود لحالته الأولى، فغرق فرعون ومن معه، وأنجى الله موسى والمؤمنين معه.

• ذهاب موسى لميقات ربه ونزول التوراة واستخلافه أخاه هارون على قومه:
قال تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون، إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون، قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين، وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم، وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين، وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين، قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِين، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِين". الأعراف [
بعد اجتياز هارون ومن معه من بني إسرائيل للبحر، رأوا قوما يعبدون آلهة، فكان أول طلب طلبوه من موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة، فزجرهم موسى ووبخهم، إذ كيف تطلبون إلها غير الله منجيكم من بطش فرعون للتو.
ثم استخلف موسى أخاه هارون على قومه، ليعلم الناس الخير ويحثهم عليه، ويحذرهم من الشر ليجتنبوه.
وذهب موسى للقاء ربه الذي كلمه من وراء حجاب، فتشوق موسى لرؤية ربه وطلب منه سبحانه ذلك، ولكن الله أخبره بأن طبيعته البشرية لا تحتمل ذلك في الدنيا، وأخبره تعالى بأنه سيتجلى للجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق علم أنه لا يجوز له رؤية ربه في الدنيا فاستغفر ربه على طلبه ذاك. غاب موسى عن قومه أربعين ليلة يتعلم فيها التوراة.

• عبادة السامري وقومه للعجل رغم تحذيرات هارون لهم:
قال تعالى: "وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَامُوسَى، قَالَ هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِي، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِي، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي، أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى، قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي، قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِي، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}[طه 98 - 83]
وفي مدة غياب موسى، خرج في قومه رجل يدعى السامري، الذي صنع عجلا فتن فيه القوم، فعبدوه توهما منهم أنه إلههم.
أما هارون فقد نهاهم عن هذا الفعل الشنيع وأمرهم بالرجوع عنه وإلى عبادة الله وحده، إلا أنهم أصروا وعاندوا وتمسكوا بعبادة العجل.
فلما عاد موسى لقومه ووجدهم على تلك الحال، عاتب أخاه هارون، الذي قال لموسى: أن القوم استضعفوه وكادوا أن يقتلوه. فعذر موسى أخاه، وقام بتحريق العجل ونسف رماده نسفا.
وسنكتفي في قصة موسى عليه السلام إلى هنا، وقد تم ذكر الأحداث التي جمعت بين موسى وهارون في قصتهما في سور القرآن.
- الفوائد:
-
 استشعار اسم الله اللطيف، الذي بدأ مع أم موسى بذلك الإلهام الذي سلم به ابنها، وبشارتها برد ولدها موسى إليها بتحريم المراضع عليه، فصارت ترضعه جهارا نهارا وفي قصر عدوه فرعون.
- رحمة الله بهذه الأمة التي ساق في كتابها قصص أسلافنا لتستقي منها العبر والدروس التي تنفعها في أمور دينها ودنياها.
- إذا أراد الله شيئا، هيأ له أسبابه. فقصة موسى منذ ولادته إلى ختامها يظهر فيها هذا المهنى جليا.
- مهما بلغت الأمة من الضعف، فلا ينبغي لها الاستسلام للكسل عن السعي في حقوقها. وهذا نلحظه عندما مكن الله بني إسرائيل بعد ضعف.
- لن يقوم أمر دين الأمة ما دامت مقهورة ذليلة.
- الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، فقد خافت أم موسى على ولدها، وخاف موسى حين تحولت عصاه لحية، وحين ألقى السحرة عصيهم وحبالهم فتحولت لحيايا، وخاف قوم موسى حين أدركهم فرعون من خلفهم والبحر من أمامهم.
- من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، "لتكون من المؤمنين".
- الثبات في الشدائد من أعظم نعم الله، كما ثبت موسى حين أدركه فرعون وخاف قومه ولكن يقينه بالله ثبته.
- مهما تيقن العبد من أن وعد الله نافذ، فإنه لابد وأن يأخذ بالأسباب.
- جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال إذا انتفى المحذور وكانت ضرورة، كما حصل للمرأتين مع موسى.
-  جواز أخذ الأجرة على الرضاعة، كما حصل مع أم موسى التي كانت ترضع ولدها في قصر فرعون بل وتأخذ الأجرة عليه.
- أن قتل الكافر الذي له عهد لا يجوز، وشاهده حين تاب موسى من قتله للقبطي.
- أن إخبار الغير بما قيل فيه على وجه التحذير لا يكون نميمة، وشاهده عندما جاء الرجل يسعى إلى موسى محذرا من عزم قوم فرعون على قتله لقتله القبطي.
- من تيقن أنه سيهلك في مكان ما، فليس عليه أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، كما حصل مع موسى حين خرج من المدينة خائفا يترقب.
- حين اجتماع مفسدتين لابد من ارتكاب إحداهما فالأولى فعل الأخف منها دفعا لما هو أعظم، شاهده عندما خرج موسى من المدينة لا يدري الطريق.
- الترغيب في استهداء الله في كل حين، ويتعين عند حين التردد بين أمرين.
- سمو أخلاق الأنبياء. في التعامل مع الخالق والمخلوق.
- التوسل إلى الله كما يكون بأسمائه وصفاته، فإنه يكون أيضا بإظهار الضعف والعجز.
- الحياء والمكافأة على الإحسان من دأب الصالحين.
- لا يلام العبد الذي قام بالعمل لوجه الله ثم جاءته المكافأة عليه دون تشوف منه.
- جواز الإجارة على العمل المقيد بشروط.
- جواز أن يخطب الولي لابنته.
- القوة والأمانة من أهم الشروط لحصول تمام الأعمال في الولايات أو الخدمات أو الصناعات.
- من أبرز من يجب أن يلحظ حسن خلق المرء هم خاصة أهله.
- جواز اتخاذ الله وكيلا حين عقد المعاملات من إجارة وغيرها ولا يشترط أن يستشهد فيه الخلق.
- تظهر قدرة الله التي لا حدود لها في قصة موسى وهارون مع فرعون ومع قومهم.
- كمال الله وحكمته في تدبيره للأمور وفي خلقه وفي شرعه.
- لن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا وكلها تحت مشيئة الله وقدره، فاتباع ذات الأمور يعطي ذات النتائج.
- من أعظم العقوبات أن يكون المرء متزعما للشر وأهله.
- ثبوت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته لإخبارنا بقصص السالفين التي أثبتتها بقية الكتب.
- جواز استصحاب العصا لما لها من الفوائد أثناء التنقل والسفر.
- الرحمة بالبهائم والإحسان إليها.
- الحث على الإحسان للأخ، فما أروع إحسان موسى لأخيه حين طلب من ربه أن يكون نبيا معه.
- الفصاحة والبيان مما يعين على التعلم: "وأخي هارون هو أفصح مني فأرسله معي"
- اللين والرفق في الدعوة وغيرها.
- معية الله لا تفارق من كان في طاعة لله، مستعينا به، واثقا بوعده، راجيا ثوابه.
- أس الأسباب لحلول العذاب: التكذيب، والتولي.
- التوبة والإيمان والعمل الصالح والسعي في تحقيق أسباب الهداية لهي أكبر العوامل التي يدرك بها المرء مغفرة الله.
- الائتمار بأمر الأمير واجب، فكم حاول هارون أن يثني السامري ومن عبد العجل معه عن فعلهم التزاما منه بقول أخيه الذي أمره على القول وخلفه عليهم من بعده.

5. قصة أصحاب الكهف.
• من هم أصحاب الكهف؟
قال تعالى: " أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلاَء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا". الكهف [
هم فتية وفقهم الله، وألهمهم الإيمان، وعرفوا ربهم، وأنكروا ما عليه قومهم من عبادة الأوثان، وقاموا بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم، خائفين من سطوة قومهم، سألوا الله تيسير أمرهم حيث لم يستطيعوا إظهار إيمانهم بالله وحده.
• إيواؤهم الكهف ونومهم الطويل فيه:
قال تعالى: "وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا". الكهف [
أووا إلى غار يسره الله غاية التيسير، واسع الفجوة، بابه نحو الشمال لا تدخله الشمس، لا في طلوعها ولا في غروبها، فناموا في كهفهم بحفظ الله ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، وقد ضرب الله عليهم نطاقا من الرعب على قربهم من مدينة قومهم، حفظهم الله في الغار، وكان يقلبهم أثناء نومهم لئلا تُبلي الأرضُ أجسادهم.

• بعثهم من النوم بعد مضي ثلاثمائة وتسع سنين وتوكيل أحدهم في التزود من الطعام لهم:
قال تعالى: " َكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا". الكهف [
بعد أن قدر الله عليهم الاستيقاظ، ابتعثوا أحدهم ليتزود لهم من الطعام أشهاه، مع الحرص على ألا يكتشف أمرهم، لئلا يجبروا على العودة إلى الشرك.

• اكتشاف أمرهم من قبل أهل مدينتهم:
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا، وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا". الكهف [
استدل بعض أهل مدينتهم على مكانهم في الكهف، لاحقين بأحد الفتية الذي ذهب ليستجلب لهم الطعام، ولكنهم وجدوهم قد ماتوا وفارقوا الحياة حقا هذه المرة.
- الفوائد:
-
 عظمة الله، وقدرته لا حد لها، وما قصة أصحاب الكهف العجيبة إلا مثال على قدرة الله اللامتناهية، ففي تقدير الله وتدبيره ما هو أعجب منها.
 من أوى إلى الله، آواه الله ولطف به.
- الحث على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
- الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
- صحة الوكالة في البيع والشراء وصحة الشركة في ذلك، حين انتدبوا من يذهب ليجلب لهم الطعام.
- جواز أكل الطيبات، والتخير من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه.
- الحث والتحرز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر.
- بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم لأوطانهم وعوائدهم في الله.
- ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
- اقتراح القوم ببناء المسجد في مكان أصحاب الكهف لهم دليل على أنهم أهل تدين، لأنهم اختاروا بناء أعظم مكان تعظمه نفوسهم واختاروه لهذا المكان. وهذا ممنوع شرعا في شريعتنا.
- تنبيه القرآن بعدم البحث المطول فيما لا جدوى إيمانية من ورائه لحري بنا اتباعه فلا ننهمك في البحث عما لا طائل له في زيادة إيماننا، ولسنا مطالبين به.
- النهي عن استفتاء من لا علم له.

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
• الحكمة من إنزال القرآن مفرقا:
لتناسب نزوله مع مناسبات السيرة، فكان هذا أعظم معين على فهم آيات القرآن وأثبت له.
الدليل:
قال تعالى: "كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا".
وقال: "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ".
• مقامات من مناسبة نزول بعض الآيات بما يوافقها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
 أولا: حاله قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام:
بغضت إليه عبادة الأوثان وكل قول قبيح، وفطرته كانت سليمة متهيئة لقبول الحق قولا وعملا. ويدل على ذلك تحنثه في غار حراء الليالي ذوات العدد، متعلقا بربه، يتعبد بالعبادات التي وصل إليه علمه في محيط يعج بالجهل. وكان حسن الخلق مع كل من عرفه. وقد كان يرى الرؤيا فتجيء كفلق الصبح.
 ثانيا حاله بعد البعثة:
أ‌. بدء البعثة بنزول "اقرأ باسم ربك الذي خلق"
حين أتم من عمره الأربعين عاما، وتمت قوته العقلية، وصلح لتلقي أعظم رسالة، تبدى له جبريل ذو المنظر المهيب، فهاله وأزعجه ما رأى، فقال له جبريل: اقرأ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنا بقارئ)، حيث لم يكن يحسن القراءة والكتابة لأميته. ثم غطه جبريل مرتين أو ثلاثا ليهيئه لتلقي القرآن العظيم، ويتجرد قلبه وهمته وظاهره وباطنه لذلك، فكان أول ما نزل من القرآن: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، معلنة بدء نبوته، فالأمر بالقراءة باسم ربه فيها أصناف نعمه على الإنسان بتعليمه البيان العلمي، والبيان اللفظي، والبيان الرسمي.
فذهب مسرعا إلى زوجه خديجة مرتعدة فرائصه، مخبرا إياها بما رآه، فطمأنته الزوجة الحانية الحكيمة بكلمات أسكنت قلبه، حيث قالت له: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، أي: ومن كانت هذه صفته فإنها تستدعي نعما من الله أكبر منها وأعظم، وكان هذا من توفيق الله لها ولنبيه، ومن تهوين القلق الذي أصابه.

ب‌. بدء الرسالة بنزول "يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ".
فتر الوحي مدة بعد آيات العلق التي بدأت فيها نبوته عليه الصلاة والسلام، ليشتاق إليه، وليكون أعظم لموقعه عنده، فجاءه جبريل مرة أخرى على صورته، فانزعج وذهب إلى خديجة ترعد فرائصه، فقال لها: (دثروني دثروني)، فأنزل الله: "يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ". وبهذه الآيات أعلنت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الأمر بدعوة الخلق وإنذارهم، فكان لها أهلا، وقام بها خير قيام.

ت‌. في فترة فتور الوحي نزلت سورة الضحى:
يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك من سيعارضه، فقد سخر الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم في فترة فتور الوحي، فقالوا: إن ربه قلاه. فأنزل الله آيات سورة الضحى مدافعا فيها عن نبيه، فأيده بهذا الدين العظيم ونصره عليهم. فأظهرت الآيات اعتناء الله بنبيه، ونفي كل نقص عنه، وبشرته بأن كل حالة له ستكون أحسن مما قبلها، وأن الله ناصره وناصر دينه الذي سيكثر أتباعه وينتشر في أصقاع الأرض.

• ث. مقامات القرآن في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
1. التوحيد أعظمها. فقد قرر سبحانه في كتابه في أكثر من موطن وجوب تحقيق التوحيد الخالص له وحده، ونفي ما سواه من الشرك. وصرّف هذا بطرق عديدة، مبينا طريقه، مبطلا ضده ألا وهو الشرك محذرا منه. فكان مدار السور المكية عليه. فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، مع علم من عارضه بأنه الصادق الأمين، ولكنه الكبر والجحود، قال تعالى: "فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ".
- فلما عارض الكفار الحق بإرادتهم، جعل تعالى على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر، وقلب أفئدتهم، وأصم آذانهم عن سماع الحق، وأعمى أبصارهم عن مشاهدة أنواره. وبهذا نفهم آيات القرآن التي أخبرنا الله فيها أنه قد أضلهم، ومثاله قوله تعالى: "فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ".
فحين اختاروا لأنفسهم الضلال وأصروا عليه، أضلهم الله، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
- أما المؤمنون، فلما كانوا منصفين لا يبغون سوى الحق، ولا همّ لهم سوى مرضاة الله، هداهم الله بالقرآن، فقال تعالى: "يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
فكان هذا الوصف لهم هو الأساس لهدايتهم، وزيادة إيمانهم، فنفهم آيات الكتاب التي وصفتهم بسرعة الانقياد للحق.

2. النبي صلى الله عليه وسلم:
- حديث القرآن عن ذم الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بوصفه بأوصاف لا تليق:
تنوعت طرق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته للمكذبين أملا في هدايتهم، فكان يدعوهم أفرادا ومتفرقين، مذكرا إياهم بالقرآن العظيم. ولكنهم كانوا يصمون آذانهم، ويسبونه ويسبون من أنزله. فجاءت آيات الكتاب تبين حالهم مع القرآن ونفورهم منه، ومتابعتهم لمن ينفّر عنه. فها هي آيات سورة المدثر التي تصف رأس الكفر الوليد بن المغيرة: "ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا، وبنين شهودا، ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر". فنرى كيف وصفوا القرآن بأقوال متناقضة، فتارة يقولون: إنه سحر، وتارة أنه كهانة، وتارة أنه شعر، وتارة أنه كذب، وتارة أنه أساطير الأولين، وجعلوا القرآن عضين، وما ذلك إلا بغضا لهذا الكتاب العظيم، فأبطل تعالى أقوالهم ودحض أكاذيبهم وافتراءاتهم.
- حديث القرآن عن الأوصاف التي وصف الكفار بها النبي صلى الله عليه وسلم:
قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص فيه عليه الصلاة والسلام، فقالوا: لو أن محمدا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليه عقولهم الفاسدة. وقد نقل لنا القرآن أقوالهم وبيّن أنها ليست ذمّا بالنبي صلى الله عله وسلم وغير قادحة برسالته.
- حديث القرآن عن طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوقف عن عيب آلهتهم:
كم رغب الكفار في أن يكف النبي عن الطعن في دينهم، والتنقص من آلهتهم، لعلمهم بأن هذا الأمر سيسفه عبادتهم لتلك الآلهة، وظهر بطلانها وبطلان تعظيمهم لها. فذكر القرآن هذا المقام: "ودوا لو تدهن فيدهنون"، وقد نهى تعالى عن سب آلهة الكفار لئلا يسبوا الله: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ".
- حديث القرآن على اقتراحهم للآيات:
كان اقتراح الكفار تبعا لأهوائهم.
أ‌. فتارة يقدحون بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال طلبهم للآيات الدالة على صدقه، يقولون له: إن كنت صادقا فاءتنا بعذاب الله أو بما تعدنا، أو أزل عنا جبال مكة، أو فجر لنا من الأرض ينبوعا، فيجيبهم الله على اقتراحاتهم تلك: بأن الله هو من أنزل الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه وحده من يختارها، وما اقتراحاتهم إلا جهل منهم ومشاغبة محضة. وتارة يخبرهم بأنه تعالى ما منع عنهم تلك الآيات المقترحة إلا حفاظا عليهم، وأنها حتى لو جاءت، فلن يؤمنوا.
ب‌. وتارة يقدحون بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال اعتراضهم على الله، فيقولون له: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، وأنت يا محمد لست كذلك، فلماذا تفضل علينا بالوحي؟ فيرد الله عليهم: "الله أعلم حيث يجعل رسالته". ويشرح القرآن لهم صفاته عليه الصلاة والسلام
- حديث القرآن عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ورحمته بهم، قال تعالى: " َقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ". فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين، وهو يدعو إلى الله على بصيرة.
- حديث القرآن عن حادثة الإسراء والمعراج التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي فرضت الصلاة في معراجه عليه الصلاة والسلام إلى ما فوق السماوات السبع قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. وقد جاءت هذه الحادثة مواساة للنبي صلى الله عليه وسلم عن الجفاء الذي عاناه من اضطهاد أهل مكة له وللمسلمين. فقد هاجر بعضهم إلى الحبشة هربا بدينهم، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت دار الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة، فلحقهم الكفار، ولكنهم لم يصلوا إليهم، حيث حفظهم الله باحتمائهم بالغار. قال تعالى: "إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
- حديث القرآن عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم:
1. غزوة بدر: التي وقعت بالسنة الثانية للهجرة، وذكرت في سورة الأنفال، و سببها هو طلب النبي صلى الله عليه وسلم لعير قريش التي تحمل تجارة قريش الكبيرة، فخرجت قريش لحمايتها، ولكن الله قدر أن يلتقي الجيشان على غير ميعاد منهم، فهزم الله قريشا شر هزيمة.
وبعد النصر الذي تحقق للمسلمين في بدر، دانت المدينة للإسلام، فمن أهل المدينة من دخل الإسلام حقا، ومنهم من دخله نفاقا، لذلك نلحظ أن الآيات التي تحدثت عن المنافقين كانت بعد غزوة بدر.
2. غزوة أحد: التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة، وذكرت في سورة آل عمران. وسببها: أن المشركين جيّشوا جيوشهم على أطراف المدينة طالبين قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد استعد لقتالهم، فتخندق المسلمون في الأماكن التي عينها النبي لهم، فكانت الدائرة على المشركين بداية، لكن الحال تبدلت حين خالف الرماة وصية النبي صلى الله عليه وسلم فتركوا أماكنهم، فأوتي المسلمين من قِبلهم.
3. غزوة بدر الآخرة في السنة الرابعة للهجرة، وذكرت في آل عمران. وسببها: أن المسلمين تواعدوا مع المشركين، ولكن المشركين اعتذروا فكتبها الله غزوة للمسلمين: " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ".
4. غزوة الخندق: التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة. وسببها مظاهرة المشركين من أهل الحجاز وأهل نجد ويهود بني قريظة لبعضهم البعض على غزو النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله هدى المسلمين لحفر الخندق، الذي حال بينهم وبين الاصطدام بجيش الأحزاب. فتحدثت سورة الأحزاب عن تفاصيل الغزوة، بداية من: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا"
5. عمرة الحديبية: التي وقعت في سنة ست للهجرة. وسببها عزم النبي صلى الله عليه وسلم لأداء العمرة، ولكن المشركين منعوه وصحابته من دخول مكة، وعقد معهم صلحا حقنا للدماء، فصار الصلح على أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعتمر في هذا العام، على أن يعود العام القادم. فجاءت سورة الفتح تصف مشاهد ما حدث، حيث كانت عمرة الحديبية توطئة لفتح مكة الذي دخل فيه الناس للإسلام أفواجا.
6. أما سورة الحشر فقد تحدثت عن بني النضير الذين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتموا بحصونهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم وأجلاهم عن المدينة.
7. وفي السنة الثامنة للهجرة، نقضت قريش العهد الذي بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فعزاهم النبي في جيش كثيف، فدخل مكة فاتحا، ثم تممها بغزوة حنين، فتحقق النصر للمسلمين. فجاءت سورة التوبة تصف هذا المشهد من السيرة.
8. غزوة تبوك: وقعت في السنة التاسعة من الهجرة. خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون، ولم يتخلف إلا ثلاثة: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدا، والحر شديدا، والعدو كثيرا، ولكن القتال لم يحصل، ورجع النبي للمدينة، فأنزل الله في ذلك آيات من سورة التوبة، في وصف دقيق للأحداث.
وقد تخلل هذه الغزوات، ذكر الله لآيات الجهاد وفرضه وفضله وثواب أهله وعقاب الناكلين عنه، وهكذا كانت الأحكام الشرعية تنزل شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه حكمة الله.
وفي السنة التاسعة فرض الله الحج على المسلمين، فحج أبو بكر بالناس، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتم عهود الذين لم ينقضوا. وفي السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وسلم واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج وأحكامه، فنزلت آية المائدة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" في يوم عرفة.
- الفوائد:
معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لهي من أعظم ما يعين على معرفة تفسير كتاب الله، فقد كان القرآن ينزل تبعا لمناسبات سيرته، وما يقوله للخلق، وجواب ما يقال له، وما يحصل به تحقيق الحق الذي جاء به، وإبطال المذاهب التي جاء لإبطالها.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29 رمضان 1443هـ/30-04-2022م, 09:48 PM
شيرين العديلي شيرين العديلي غير متواجد حالياً
عضوة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2017
المشاركات: 163
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس مذاكرة القسم الثاني من "خلاصة تفسير القرآن"

المجموعة الخامسة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:

1. تفسير آيات الحدود.
1. القصاص:
الفوائد المستنبطة:
• فرض الله على عباده القصاص في القتلى لإقامة العدل بينهم
• يقتل القاتل عمدا على الصفة التي قتل عليها المقتول
• يجب على أهل القاتل وعل القاتل نفسه إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل
• الذكر يقتل بالأنثى، كما تقتل الأنثى بالذكر لقوله تعالى {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] يدخل في منطوقها وفي منطوق قوله: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وما دلت عليه السنة الصحيحة حيث قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي بالجارية.
• يخرج الأبوان وإن علوا من عموم القصاص، فلا يقتلان بالولد لورود السنة بذلك.
• المسلم لا يقتل بالكافر لثبوت السنة بذلك
• الحر لا يقتل بالعبد لكونه غير مساو له ودليله قول الله تعالى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178]
• الأصل وجوب القود في العمد العدوان، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]
• إذا عفا ولي المقتول فيجب عليه أن يتبع القاتل بالمعروف من غير أن يشق عليه ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب ولا يحرجه.
• على القاتل أداء إليه بإحسان من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فعلية أو قولية كما قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدا سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى»
• الحث على العفو إلى الدية، وأكمل من ذلك العفو مجانا.
• القاتل عمدا لا يكفر؛ لقوله تعالى: {عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178] لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإسلام.
• إن كان القاتل عمدا لا يكفر فمن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، أن لا يكفر صاحبها، ولكنه يستحق العقاب، وينقص بذلك إيمانه إن لم يتب.
• الحكمة من مشروعية القصاص هو حقن دماء المسلمين؛ لأن من عرف أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ لا يكاد يصدر منه قَتْلٌ؛ وإذا رئي القاتل مقتولا انزجر غيره بذلك كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]
• أمر الله عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبير ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذا الوصف فقد استحق الثناء والمدح بأنه من ذوي الألباب.


2. الزنا
• حد الزاني غير المحصن من ذكر أو أنثى يجلد مائة جلدة.
• يجب أن تكون الجلدات مؤلمة وزاجرة وليست مهلكة.
• يتعين أن يكون ذلك علنا لا سرا بحيث يشهده طائفة من المؤمنين؛ بغية قمع الجرائم، وإظهارا لشعائر الدين.
• وردت السنة بتغريب الزاني غير المحصن عام كامل عن وطنه مع الجلد.
• تواترت السنة وأجمع المسلمون على رجم الزاني المحصن، يرجم بالحجارة حتى يموت.



3. السرقة
• السرقة من كبائر الذنوب
• حد السرقة قطع يده اليمنى كما هي قراءة بعض الصحابة، واليد إذا أطلقت فهي الكف إلى الكوع فقط
• عند قطع اليد وجوبا يجب وضعها في زيت أو ودك مغلي لتنسد العروق فيقف الدم.
• لتحقيق السرقة لا بد أن تتوافر فيها ما يلي:
أ‌. أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ذلك.
ب‌. أن يكون المأخوذ منه حرزا، وحرز كل مال ما يحفظ به عادة، فلو سرق من مال غير محرز فلا قطع عليه
• إن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد فقيل تقطع يده اليسرى، ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت، وورد في ذلك آثار عن السلف مختلفة.
• الحكمة من قطع يد السارق؛ تنكيلا للمجرمين، وحفظا للأموال.
• ذكر الله قبل هذا حد قطاع الطريق المحاربين في قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} [المائدة: 33]
• عقوبة قطاع الطريق مرتبة بحسب الجريمة؛ فإن جمعوا بين القتل وأخذ المال جمع لهم بين القتل والصلب، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلوا ولم يصلبوا، وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون إلى بلد، أو يحبسون كما قاله بعضهم.

***************************************

2. قصة آدم عليه السلام
• اقتضت حكمة الله أن يجعل في الأرض خليفة يخلف من كان قبله من المخلقات التي لا يعلمها الا الله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]
• تعظيم الملائكة لربهم باستفسارهم عن خلق ادم الذي قد يكون يخلف من قبله من المخلوقات التي عاثت فسادا وسفكت الدماء.
• الله محيط بعلمه الواسع، وكمال قدرته يعلم ما يخفى على الملائكة وعلى جميع خلقه، وأنه لا يخلق شيئا عبثا وأن كل شيء لحكمة.
• الإعجاز في خلق آدم بحيث خلقه الله بيده تشريفا له على جميع المخلوقات، وقبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها، وطيبها وخبيثها، ليكون النسل على هذه الطبائع، فكان ترابا أولا، ثم ألقى عليه الماء فصار طينا، ثم صار حمأ مسنونا، ثم أيبسه بعدما صوره فصار كالفخار الذي له صلصلة. فلما تكامل خلق جسده، نفخ فيه الروح فأصبح إنسان أعده لكل علم وخير، ثم أتم عليه النعمة، فعلمه أسماء الأشياء كلها.
• أراد الله أن يبين للملائكة عظم خلق آدم فطلب منهم أن يذكروا أسماء الأشياء فلم يعرفوا .. وطلب من آدم ذكرها فسماها جميعا، وبهذا إشارة إلى كمال آدم.
• أمر الله الملائكة بالسجود لآدم لإظهار تعظيمهم له، فقال للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]، فسجدوا كلهم طاعة لأمر ربهم.
• عصيان إبليس لأمر ربه – إبليس من الجن مخلوق من نار السموم- وكان مبطنا للكفر بالله، والحسد لهذا الإنسان الذي فضله الله هذا التفضيل؛ فحمله كبره وكفره على الامتناع عن السجود لآدم كفرا بالله واستكبارا.
• الكفر والاستكبار والإباء من ابليس وشدة النفار هو السبب الوحيد أن يكون مطرودا ملعونا، فقال الله له:{فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13]
• وطن إبليس نفسه أن يدعو ذرية آدم بقوله وفعله وجنوده إلى أن يكونوا من حزبه الذين كتبت لهم دار البوار.
تمكين الله إبليس من ذرية آدم بلأفعال والأقوال ليصفي منهم الخبيث من الطيب؛ فمن كان خبيثا في نفسه يتبع إبليس وإغواءاته، ومن كان نقيا مؤمنا حماه الله بسور منيع حصين من إبليس وزودهم بسلاح لا يمكن لعدوهم مقاومتهم بكمال الإيمان بالله، وقوة توكُّلهم عليه: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]
• من عناية الله بخلقه أن أرسل لهم الأنبياء ليبينوا لهم طرق الهداية وسبل الرشاد وكيف يحموا أنفسهم من عدوهم إبليس.
• خلق الله حواء من جنس آدم لتتم المقاصد المتعددة من الزواج والالتئام، وتنبث الذرية. وحذرهما من إبليس وغوايته.
• أمر الله آدم وزوجته أن يتمتعوا بأكل ثمار الجنة باستثناء شجرة واحدة نهاهما عنها.
• قال الله لآدم في تمتيعه بهذه الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118 - 119]
• لما رأى إبليس سرور آدم بهذه الجنة، ورغبته العظيمة في دوامها، جاءه بصورة الصديق الناصح، فقال: يا آدم، هل أدلك على شجرة إذا أكلت منها خلدت في هذه الجنة ودام لك الملك الذي لا يبلى؟ فلا زال يوسوس لهما حتى أكلا من الشجرة.
• عقوبة آدم ظهرت عليهما مباشرة، وتابا توبة نصوحة فعفى الله عنهما، ولكن أمر الله في نزولهما للأرض كان مقضيا ومحتما لأنه الشرط مقابل الأكل من تلك الشجرة.
• بث الله من آدم وزوجه رجالا كثيرا ونساء، ونشرهم في الأرض، واستخلفهم فيها؛ لينظر كيف يعملون

الفوائد المستنبطة من قصة آدم عليه السلام:
• هذه القصة العظيمة من أعظم القصص التي اتفقت عليها الرسل، ونزلت بها الكتب السماوية، واعتقدها جميع أتباع الأنبياء من الأولين والآخرين.
ظهور فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، فأنكروا آدم وحواء، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيوانا قردا، أو شبيها بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، فصدق عليهم قوله تعالى:
{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]
• ظهور طائفة فسرت سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين، وأن المواد الأرضية والمعدنية ونحوها قد سخرها الله للآدمي، فهذا تحريف لكتاب الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة، وأنه إذا أولت هذه القصة إلى هذا التأويل توجه نظير هذا التحريف لغيرها من قصص القرآن، وانقلب القرآن رموزا يمكن كل عدو للإسلام أن يفعل بها هذا الفعل، فيبطل بذلك القرآن، وتعود هدايته إضلالا، ورحمته نقمة.
• بيان لفضيلة العلم، إذ لما تبين للملائكة فضل آدم بعلمه، عرفوا بذلك كماله، وأنه يستحق الإجلال والتوقير.
• العلم أعظم المنن، وشكر هذه النعمة الاعتراف لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجهال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه.
• الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكبر إبليس وحسده لآدم صيره إلى ما ترى، وحرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة.
• المبادرة إلى التوبة والاعتراف حال الوقوع بالذنب.
• إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات، ولا بين صفات الأفعال، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
• إثبات اليدين لله كما هو في قصة آدم صريحا: لما خلقت بيدي، فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته تعالى لا تشبهها الصفات. ( ليس كمثله شيء)

**************************

3. قصة شعيب عليه السلام
• أرسله الله إلى أهل مدين، حيث كانوا مشركين ويبخسون المكاييل والموازين.
• عدم استجابة أهل مدين لشعيب، بل سخروا منه وردوا عليه متهكمين فقالوا:{يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]
• إن تغيير أمر بقوم يبدأ بتغيير الأمر من أنفسنا أولا وهذا ما فعله شعيب مع أهل مدين حيث قال أنه أول من سينتهي عما يفعلون فقال {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]
• ذكر أحوال الأمم السابقة للوعظ إحدى وسائل الدعوة المؤثرة والبليغة فقال لهم شعيب: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89]
• الطغيان والعناد وكره الحق واحتقارهم للناصح الأمين لهم، كان من صفاتهم أيضا (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ - قَالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 91 - 92]
• آخر الأمر استخدم شعيب أسلوب التهديد لهم فأنذرهم عقاب الله وعذابه وسخطه. وبهذا يتبين لنا منهج الدعوة أن تكون باللين والنصح ثم بالتهديد والوعيد {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ - وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 93 - 94]
• كان عاقبة أهل مدين أن أرسل الله عليهم حرا أخذ بأنفاسهم حتى كادوا يختنقون من شدته، ثم في أثناء ذلك أرسل سحابة باردة فأظلتهم، فتنادوا إلى ظلها غير الظليل، فلما اجتمعوا فيها التهبت عليهم نارا، فأحرقتهم وأصبحوا خامدين معذبين مذمومين ملعونين في جميع الأوقات.
الفوائد المستنبطة من قصة شعيب:
• أن بخس المكاييل والموازين خصوصا، وبخس الناس أشياءهم عموما من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة.
• أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة إليها أعظم، ولهذا كان الزنا من الشيخ أقبح من الشباب، والكبر من الفقير أقبح من الغني، والسرقة ممن ليس بمحتاج أعظم من وقوعها من المحتاج؛ لهذا قال شعيب لقومه: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84]
• الحث على الرضا بما أعطى الله، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} [هود: 86]
• الصلاة سبب لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وللنصيحة لعباد الله، وقد علم ذلك الكفار بما قالوا لشعيب: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]
• أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية، داخل تحت حجر الشريعة، فما أبيح له منها فعله، وما منعه الشرع تعين عليه تركه.
• الناصح للخلق الذي يأمرهم وينهاهم من تمام قبول الناس له: أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين؛ لقول شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]
• الأنبياء جميعهم بُعثوا بالإصلاح والصلاح، ونهوا عن الشرور والفساد لذا قال شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]
• الداعي إلى الله يحتاج إلى الحلم وحسن الخلق ومقابلة المسيئين بأقوالهم وأفعالهم بضد ذلك.

****************************

4. قصة أيوب عليه السلام
• أيوب من أنبياء بني إسرائيل، ومن الأصفياء الكرام.
• امتاز أيوب بالصبر على البلاء خصوصا فإن الله تعالى ابتلاه بولده وأهله وماله، ثم بجسده.
• لا ملجأ من الله إلا إليه، فهو الشافي الكافي المعافي، لذا دعا أيوب ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]
• استجاب الله دعاءه فالله المجيب لدعاء عباده المؤمنين ، فقال له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]
• وفر الله لأيوب أسباب الشفاء من البلاء، فأوجد له عين ماء بارد يشرب منها ويغتسل ليتعافى جسده،
الفوائد المستنبطة من قصة أيوب عليه السلام:
• الصبر على البلاء ودعاء الله واللجوء إليه هو اعتراف بضعف العبد أما الله وقوته وأنه لا حول ولا قوة له إلا بالله، فيكرمه الله على صبره وشكره.
• كفارة اليمين لم تشرع لأحد من قبل شريعتنا، فكان اليمين عند أيوب يعتبر نذرا لا بد من وفائه، حينما حلف أن يجلد زوجته مئة جلده، لإوعزه الله أن يمسك حزمة من حشيش يجلدها به حتى لا يحنث بيمينه.
• يستدل من قصة أيوب وجلده لزوجته بالحشيش أنه من لا يحتمل إقامة الحد عليه لضعفه ونحوه أنه يقام عليه مسمى ذلك؛ لأن الغرض التنكيل ليس الإتلاف والإهلاك.

********************************

5. قصة الخضر مع موسى عليه السلام
• أرسل موسى إلى بني إسرائيل ومعه من العلوم الجمة ما معه، فأعجب الناس بكمال علمه.
• حكمة الله البالغة أنه مهما بلغ الإنسان أعلى مرتبة من الشيء فلا بد أن يجد من هو أعلا منه، فمبلغ علم موسى أنه لا يوجد من هو أعلم منه، فأخبره الله بوجود رجل ( الخضر ) يحوي علما ليس عند موسى.
• رغب موسى بالاستزادة من العلوم، فطلب من الله لما بلغه عن الخضر، أن يلاقيه، فإذن الله له.
• تحتوي سورة الكهف على قصة الخضر مع موسى عليه السلام .


الفوائد المستنبطة:
• فضيلة العلم وشرفه، ومشروعية الرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور.
• البداءة في العلم بالأهم فالأهم، فإن زيادة علم الإنسان بنفسه أهم من ترك ذلك اشتغالا بالتعليم فقط، بل يتعلم ليعلم.
• جواز أخذ الخادم في السفر والحضر لكفاية المؤن وطلب الراحة، كما فعل موسى صلى الله عليه وسلم.
• السفر لطلب العلم أو الجهاد أو غيرهما يعتبر من أسفار الطاعة.
• إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، وكذلك النقص، لقول فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63]
• جواز إخبار الإنسان عما يجده مما هو مقتضى الطبيعة البشرية، من نصب أو جوع أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط، وكان صدقا لقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]
• ينبغي أن يتخذ الإنسان خادما ذكيا فطنا كيِّسا ليتم له أمره الذي يريد.
• استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا؛ لأن ظاهر قوله: {آتِنَا غَدَاءَنَا} [الكهف: 62] أنه للجميع.
• المعونة تنزل على العبد بحسب قيامه بالأمر الشرعي، وأن ما وافق رضا الله يعان عليه ما لا يعان على غيره لقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]
• الخضر ليس نبيا، بل هو عبد صالح عالم ملْهَم؛ لأن الله ذكره بالعلم والعبودية الخاصة والأوصاف الجميلة، ولم يذكر معها أنه نبي أو رسول.
• العلم الذي يعلمه الله للعبد نوعان: علم مكتسب، يدركه العبد بطلبه وجدّه، وعلم إلهي لدنِّي، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده، لقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] فالخضر أعطي من هذا النوع الحظ الأوفر.
• التأدب مع المعلم والتلطف في خطابه لقول موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66].
• تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مهر فيه مع تواضعه، وإن كان دونه في العلم درجات.
• يتعين إضافة العلم وغيره من الفضائل إلى فضل الله ورحمته، والاعتراف بذلك، وشكر الله عليه لقوله: {تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]
• العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: {أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]
• من ليس له صبر على صحبة العَالم، ولا قوة على الثبات على طريقة التعلم، فإنه قاصر ليس بأهل لتلقي العلم.
• مما يعين على الصبر على الأشياء إحاطة العبد بها علما، وبمنافعها وثمراتها ونتائجها، فمن لا يدري هذه الأمور يصعب عليه الصبر لقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 68]
• الأمر بالتأنِّي والتثبت وعدم المبادرة على الحكم على الأشياء حتى يعرف ما يراد منه، وما هو المقصود.
• مشروعية تعليق إيجاد الأمور المستقبلة على مشيئة الله لقوله: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69] وإن العزم على الشيء ليس بمنزلة فعله، فموسى عزم على الصبر، ولكن لم يفعل.
• المعلم إذا رأى من المصلحة أن يخبر المتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن التدقيق الشديد أو الأسئلة التي لا تتعلق بالموضوع، ومنها: جواز ركوب البحر إذا لم يكن في ذلك خطر.
• الناسي غير مؤاخذ، لا في حق الله ولا في حق العباد، إلا إن ترتب على ذلك إتلاف مال، ففيه الضمان حتى على الناسي لقوله: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف: 73]
• ينبغي للعبد أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون.
• الأمور تجري على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية في كل شيء، فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرق السفينة، وقتل الغلام بحسب أحكامها العامة، ولم يلتفت إلى الأصل الذي أصَّلاه، هو والخضر، أنه لا يسأله ولا يعترض عليه حتى يكون الخضر هو المبتدئ.
• التنبيه على القاعدة المشهورة الكبيرة، دفع الشر الكبير بارتكاب الشر الخفيف، ويراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإن قتل الغلام الصغير شر، ولكن بقاءه حتى يبلغ ويفتن أبويه عن دينهما أعظم شرا.
• والتنبيه على القاعدة الكبيرة الأخرى، وهي: أن عمل الإنسان في مال غيره - إذا كان على وجه المصلحة ودفع المضرة - يجوز بلا إذن، حتى ولو ترتب عليه إتلاف بعض المال، كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم.
• العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر، لقوله: {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79]
• القتل من أكبر الذنوب.
• العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته، وما يتعلق به، لقوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82]
• استعمال الأدب مع الله حتى في الألفاظ؛ فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] وأما الخير فأضافه إلى الله لقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82]
• ينبغي للعبد أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ويترك صحبته، بل يفي له بذلك حتى لا يجد للصبر محلا، وأن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكُّدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة.

**************************

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
النبي قبل البعثة:
  • فطر النبي صلى الله عليه وسلم فطرة مستعدة متهيئة لقول الحق علما وعملا؛ حيث أن الله طهّر قلبه وزكاه وكمّله.
  • كان محمد مهيأ لتلقي لتلقي أعظم رسالة أرسل الله بها أحدا من خلقه.
أول البعثة:
  • الوحي الموكل بتبليغ النبي هو جبريل عليه السلام.
  • أول ما بدأت به النبوة الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح؛ إذ تبدَّى له جبريل صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا هاله وأزعجه.
  • ثم أرسل الله جبريل للنبي بقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] وهذا أول ما نزل من القرآن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
  • غط جبريل النبي مرتين أو ثلاثا ليهيئه لتلقي القرآن العظيم، ويتجرد قلبه وهمته وظاهره وباطنه لذلك.
  • جاء الأمر بإعلان الدعوة بقوله تعالى:{يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1 - 5]
  • تأييد الله للنبي وتقوية عزائمه، وأيَّده بروح منه، فأنزل الله: {وَالضُّحَى - وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى - مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 - 3]
أعظم مقامات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
  • دعوته إلى التوحيد الخالص، وإبطال الشرك وبه نزلت معظم السور المكية.
  • من مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مع المكذبين له دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
  • ومن مقاماته صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
موقف الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم:
  • معاداة الناس للنبي وتكذيبهم وافتراءهم عليه بالأباطيل، كما قال تعالى فيهم: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].
  • افتراء الكافرين على النبي وعلى القرآن فوصفوه بعدة وصوف بغية ابتعاد الناس عنه.
  • قابل النبي صلى الله عليه وسلم إساءات قومه بالحسنى واللين، والصبر.
معجزة الإسراء والمعراج:
  • مسرى النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة.
  • فرضت الصلاة على المؤمنين في ليلة الإسراء والمعراج .
  • تأييد الله النبي بتعليمه كل ما يتعلق بالدين كما أرسل له جبريل ليعلمه الصلاة وأوقاتها.
معجزة الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق:
  • مكر الكفار بالنبي في بحثهم كيفية قتله وتفرقة دمه بين القبائل.
  • معجزة الله في الغار ونصره لنبيه بالحمام والعنكبوت.
  • تعليم المسلمين أحكام دينهم وعباداتهم بشكل مفصل؛ كالزكاة والصيام، قال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 6 - 7].
غزوات النبي صلى الله عليه وسلم:
  • وقعت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة وبها أنزلت سورة الأنفال.
  • جميع الآيات التي نزلت في المنافقين كانت بعد غزوة بدر.
  • وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة. وتفاصيل الغزوة ذكرت في سورة آل عمران.
  • وقعت غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة، وحاصر المشركون المسلمين في المدينة عدة أيام وحال بينهم الخندق، حتى جاء نصر الله ويسر أسباب انخذال المشركين، {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10].
  • عداء المشركون للمسلمين وصدهم عن العمرة في سنة ست من الهجرة، فدخل النبي معهم في صلح؛ لحقن الدماء في بيت الله الحرام، ولما في ذلك من المصالح.
  • اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في العام 7 من الهجرة وتفاصيل هذه الأحداث نزلت في سورة الفتح بأكملها.
  • كان هذا الفتح فيه من الصلح الذي تمكن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور.
  • سنة ثمان من الهجرة نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلها النبي فاتحا لها، ثم تممها بغزو حنين على هوازن وثقيف، فتم بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة
  • سنة تسع من الهجرة غزا تبوك، ولم يتخلف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين، وثلاثة من صلحاء المؤمنين، فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة.

موقف اليهود وعقابهم:
  • عقوبة بني قريظة وحكم سعد فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فأنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله:
  • {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27].
  • جلاء يهود بني النضير الذين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتموا بحصونهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم وأجلاهم وقصتهم في سورة الحشر.
فرض الحج على المسلمين:
  • سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، فحج أبو بكر بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتم عهود الذين لم ينقضوا، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر واستوعب المسلمين معه.
  • تعليم المسلمين مناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

الفوائد المستنبطة:
1. معرفة السيرة النبوية إحدى طرق معرفة تفسير القرآن الكريم؛ حيث القرآن كان ينزل تبعا لمناسبات سيرته.
2. الحكمة من إنزال القرآن مفرقا إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل وليثبت به فؤاد النبي. قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 32 - 33].
3. سن الرشد والتبليغ هو أربعين سنة؛ إذ بها تتم قوة الإنسان العقلية.
4. دور الزوجة الحكيمة في تهدئة زوجه وتخفيف القلق عنه.
5. إحدى الطرق المؤثرة في تهدئة الإنسان عند خوفه أو مصابه، ذكر خلاله الطيبة وإظهار مواطن الحسن فيها فيهدأ روع النبي ويستكين.
6. محاسن الأخلاق مدعاة لكسب رضى الله ومحبته.
7. الحكمة في إضلال الضالين، بأنهم اختاروا لأنفسهم الضلال ورغبوا فيه، فرغب الله عنهم وتركهم في طغيانهم يعمهون، قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأعراف: 30]
الهجرة واجبة في حال عدم قدرة المرء على إقامة شعائر دينه في بلده.
8. دور الصاحب مع صاحبه في حله وترحاله كما فعل أبي بكر الصديق.
9. حسن الظن بالله والتوكل عليه مخرج لكل مأزق قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
10. مشروعية الجهاد في سبيل الله للدفاع عن الدين .
11. ما نراه سيئا قد يكون فيه الخير الكثير، ولله الحكم من قبل ومن بعد.
12. بيان أحكام الجهاد وفضله وثواب أهله من خلال الغزوات.
13. نزول الأحكام الشرعية شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه حكمته.

والله الموفق؛؛؛

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12 شوال 1443هـ/13-05-2022م, 11:09 AM
هنادي الفحماوي هنادي الفحماوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 262
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام المواريث.
فوائد دراسة أحكام المواريث:
١- بيان كمال رحمة الله بتوصية الوالدين بأولادهم.
٢- بيان أصحاب الفروض والفروع حفظا للحقوق..
٣- حفظ الأموال من الضياع أو تسلط بعض الورثة على حقوق الاخرين.
٤- ترتيب الأولويات للمسلمين فالابتداء بدفع الديون ثم الوصايا ثم الفروض
٥- رفع مكانة المرأة بتخصيص الفروض لها بعد ان كانت محرومة منها..
٦- أن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في حياتهم وبعد موتهم.
ملخص أحكام الميراث
١- ان اجتمع الذكور والاناث فحينئذ يتقاسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين
2- اذا كانوا ذكورا فقط يتقاسمونه بالتساوي.
3- ان كن إناثا فان كانت واحدة فلها النصف وان كانتا اثنتين فلهما الثلثان
4- ميراث الأبوين: ان وجد أولاد المتوفى أو الأخوة مع الأبوين فللأم السدس.
وإن لم يوجد اولاد او أخوة فللأم الثلث
وللأب السدس مع وجود أحد من الأبناء الذكور ، وإن كن إناثا فقد يزيد على السدس بحكم أنه أقرب من الأخوة وبنيهم فجمع له بين الفرض والتعصيب.
وإذا انفرد فيأخذ المال كله أو ما ابقت الفروض..
5- ميراث الزوجين: الزوج يرث نصف ميراث زوجته ان لم يكن لها ولد والربع ان كان لها ولد
وان الزوجة لها الثمن وان تعددن في حال وجود الولد ولهن او لها الربع في حال عدم وجود الولد..
6- ميراث الأخوة من الأم لا يرثون الا في حال الكلالة يتساوون في الحصص الذكور والإناث
7- ميراث الأخوة لغير أم : الأنثى الواحدة لها النصف والثلثان للثنتين فأكثر وان اجتمع رجال ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين.


2. أحكام الأطعمة والأشربة والصيد.
١- الأصل في الأشياء الحل الا ما حرم الله ورسوله في الكتاب والسنة.(هو الذي خلق لكم ما في الأرض)
٢-فصل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله كل ما حرم علينا فما لم يذكر تحريمه في الكناب والسنة فهو حلال (قد فصل لكم ما حرم عليكم)
٣- أباح الله لنا كل طيب وحرم علينا الخبائث (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)
٤- من الخبائث التي حرمها الله : الميتة وهي ما لقي حتفه رغم أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية
الدم المسفوح، لحم الخنزير ، ما ذبح لغير الله والمنخنقة بالحبال أو غيرها، الموقوذة التي ضربت بالعصا او الحصى حتى تموت، والمتردية الساقطة من علو فماتت،وما أكله السبع وقد ذكر تحريمها في آية سورة المائدة ، وهذه المذكورات ان تمكن من تذكيتها قبل موتها حلت لقوله (إلا ما ذكيتم)
٥- كل ما استقذر واستخبث شرعا وطبا فهو حرام كالحشرات وخشاش الأرض كالفأرة والحية ..
٦- ومن أسباب التحريم الذكاة غير الشرعية ولها عدة أسباب بدورها: أن يذكيها غير مسلم أو كتابي، أن تذبح في غير محل الذبح، أو أن تذبح بغير ما ينهر الدم كعظم او ظفر .
٧- تحريم ما سبق من المحرمات يزول في حال الاضطرار بشرط عدم البغي في أكلها أو التعدي لها وهو قادر على الحلال.
٨- أباح الله الصيد بالسهام او بالكلاب المعلمة أو بالطيور المعلمة وهذا من رحمة الله بعباده..
3. فوائد دراسة قصص الأنبياء.
١- يتم بهذه القصص الإيمان بالأنبياء بمعرفة أوصافهم الكاملة وفضلهم وإحسانهم للبشر والحيوان والاعتناء بحقوق المكلفين ..
٢- تقرير الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص العمل له، والإيمان باليوم الآخر وتقبيح الشرك وبيان أنه سبب الهلاك في الدارين.
٣- تقديم الأنبياء كأسوة للمؤمنين ليقتدوا بهم في جميع مقامات الدين من توحيد وعبودية ودعوة والصبر واحتساب الأجر من الله
٤- معرفة أن جميع الأنبياء تتفق على أصل واحد وهو توحيد الله وعلى الدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة والزجر عما يضادها.
٥- في قصصهم الوعظ والتذكير والترهيب والترغيب ببيان حسن العاقبة للمؤمنين وهلاك الظالمين .
٦- فيها تسلية للمحزونين وسرور للعابدين ..
4. قصة لوط عليه السلام
- كان لوط عليه السلام بمنزلة الابن لابراهيم عليه السلام فتعلم منه وبعثه الله رسولا إلى قرى سدوم في غور فلسطين.
- كان فوم سدوم يجمعون مع شركهم فاحشة اللواط التي لم يسبقهم إليها أحد.
- دعاهم لوط عليه السلام الى عبادة الله وحده وترك هذه الفاحشة العظيمة الفحش ولكنهم تمادوا فيما هم فيه.
- لما أراد الله إهلاكهم أرسل إلى لوطا ملائكة بصورة آدميين أضياف شباب..فلما رآهم لوط ضاق بهم ذرعا لعلمه بجراءة قومه على هذه الفاحشة وأنهم لا بد وأن يتعرضوا لقومه. وهذا ما حصل فجاءه قومه يسرعون الخطى إليه يريدون مراودته عن ضيوفه.
- زجرهم لوط عن مبتغاهم وحاول بمدافعتهم بعرض بناته عليهم وهو يعلم أنه لا حق لهم فين وأنهم لن يمسوا بناته لانتكاس فطرهم وابتغائهم الحرام دون الحلال.
- فلما اشتد اجتراؤهم قال لو أن لي قوة لدافعتكم وأمرهم بأن يتقوا الله وأن هؤلاء ضيوف وليس من الرشد والأدب التعرض للضيوف بالسوء فكيف بهذا الفعل الشنيع. فالرجل الرشيد من أمر بالخير ونهى عن الشر
- حينئذ أخبرته الملائكة أنهم رسل الله لإهلاك قوم سدوم ..
- فأول ما تعجل من عذابهم أن طمس جبريل أعين من كان يعالج الباب على لوط يريد اقتحامه.
- أمرت الملائكة لوطا أن يسري بأهله أول الليل حتى يخلف ديارهم
- جاء العذاب على قومه صباحا فقلبت ديارهم وجعل الله عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود. وفي هذه العقوبة إكبر دلالة على فحش جريمة اللواط .


5. قصة عيسى وأمّه وزكريا ويحيى عليهم السلام
- نذرت زوجة عمران أن تحرر ما في بطنها ليخدم بيت الله في المقدس فلما وضعت وجدتها أنثى فاعتذرت لربها بأنها أنثى وليست الأنثى كالذكر في خدمة بيت المقدس .
- سمتها مريم وحصنتها من عدوها وعدو البشرية أجمعين (إني أعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم) فتقبلها ربها واستجاب لدعائها وجمع لها بين حسن التربية الجسدية والروحية بأن كفلها أعظم أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت وهو زكريا..
- فنشأت مريم نشأة الصالحات القانتات وعكفت على عبادة ربها وكان من عجيب أمرها أن زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عنده رزقا فلما سألها عن مصدره ولا كفيل لها إلا هو قالت (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) فلما رأى حال مريم ذكره حالها بلطف الله.
- فدعا ربه أن يهبه ولدا يورثه علمه ونبوته ليعلم قومه من بعده فاستجاب الله دعاءه (أن الله يبشرك بيحيى) وقد جمع الله ليحيى من الصفات العظيمة فكا (سيدا) عظيما عند الله وعند خلقه (وحصورا) ممنوعا بعصمة الله وحفظه من مواقعة المعاصي وآتاه الله الحكم صبيا (وكان تقيا) يقوم بحقوق الله (وبرا بوالديه) وحقوق والديه (ولم يكن جبارا عصيا) وحقوق الخلق وقد أحسن الله عاقبته في كل أحواله(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
- وعودة إلى ما كان من أمر مريم فإنها كانت فجقد انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسل الله إليها جبريل في صورة بشر سوي جميل فظنت أنه يريد بها سوءا فتوسلت بالله لحفظها (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) فقال لها جبريل (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) وكان من قصة حملها بقضاء الله وقدرته وكان أمرا شديدا عليها لما تعرف ما سيتهمها به قومها فانتبذت مكانا قصيا على ربوة ذات قرار ومعين لتتم حملها فلما بلغ بها الحزن أن تمنت الموت (ناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ) ويسر لها ربها المأكل والمشرب وأقر عينها بولادة عيسى وأمرها بألا تكلم أحدا من قومها .فلما اطمأن قلبها وقوي بدنها حملت عيسى وذهبت به إلى قومها فلما رأوها قومها تحمل ولدا وهي بلا زوج رموها بالفاحشة (فأشارت إليه ) صامتة كما أمرها ربها فقال لها قومها (كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) فأنطق الله عيسى في المهد (إني عبد الله ) فكان كلامه في المهد دليل رسالته وحصلت لأمه البراءة مما يظن بها من سوء..
- انقسم الناس بعد ذلك لثلاثة أقسام فمنهم من آمن به وهم المؤمنون ومنهم من غلا فيه وهم النصارى الذين أنزلوه منزلة الرب تعالى الله عن ذلك.ومنهم من كفر به وهم اليهود.
- وقد أيد الله عيسى بمعجزات منها النفخ في الطين بعد تصويره على شكل طائر فيصير طائرا بأمر الله. وابراء الأكمه والأبرص بإذن الله وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات الدالة على صدقه.
- فلما أراد أعداءه قتله ألقى الله شبهه على آخر ورفعه الله إليه فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وصدق النصارى أنهم قتلوه وصلبوه ولكن الله رد هذا الافتراء (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)


6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
- أعد الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لمهمة الرسالة قبل بعثته بأن بغض إليه عبادة الأوثان وكل قول أو فعل قبيح وفطره فطرة مستعدة لقبول الحق .
- كان يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه لله تعالى بما وصله من علم قليل بسبب جاهلية قومه..
- لما أتم الأربعين وصلح لتلقي الرستلة أرسل الله إليه جبريل عليه السلام بآيات سورة العلق. فابتدأت نبوته ثم فتر الوحي ثم عاد الوحي واشتد وأمر بالدعوة فأرسل بسورة المدثر.
- وبدأ النبي صلى الله عليه السلام الدعوة إلى توحيد الله والنهي عن ضده وجد في ذلك فاستجاب له القليل وسط مقاومة وعداوة كبيرة من قومه.مع علمهم أنه الصادق الأمين الذي لم يجربوا عليه كذبا.
- فلما قابلوا دعوة النبي صلى الله عليه بالصد والاستهزاء والإنكار أصمهم الله عن سماع الحق وأعماهم أبصارهم وختم على قلوبهم، أما المؤمنين الذين أنصفوا رسول الله وطلبوا رضوان الله واهتدوا بالقران فازدادوا إيمانا .
- وتعددت طرق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه فدعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..فمنهم من آمن ومنهم من اتهمه بالسحر والكهانة والجنون وأن القرآن أساطير الأولين.
- وكان المشركين يقترحون على النبي الآيات فتارة يستعجلون بالعذاب وتارة يطلبون ان يفجر لهم العيون او أن يزيل عنهم جبال مكة فيجيبهم الرسول ان الآيات من عند الله وهو أعلم بما ينزل. وما هو أنفع لهم.
- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرأف الناس بالممنين وأحنى عليهم من آبائهم وأمهاتهم يقوم معهم في كل أمورهم..
- استمر النبي يدعو إلى توحيد الله في مكة عشر سنين ثم أسري به إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماوات السبع وفرض عليه الصلاة ..
- وبعد ثلاثة سنوات من الاسراء انتقلت الدعوة الى المدينة بما هيأ الله من أسباب حيث أن أهلها علموا بمقدم نبي جديد بما كانت تخبرهم به اليهود فآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
- ثم أذن النبي لأصحابه بالهجرة لما اشتد إيذاء قريش لهم في مكة فكانت ألى الحبشة ثم لما آمن أكثر أهل المدينة هاجروا إلى المدينة.
- حاول زعماء قريش أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وان يتقاسموا ديته ولكن الله أمره بالهجرة في تلك الليلة فأنجاه الله منهم.
- فهاجر إلى المدينة فاستقر بها ثم أذن له بالقتال وفرضت العبادات تباعا في السنة الثانية للهجرة
- توالت الغزوات والحروب بين المسلمين والمشركين فكان أولها بدرا حيث انتصر فيها الحق على الباطل ثم غزوة أحد ثم الخندق ..
- وكان من أمر اليهود في المدينة أنهم لما غدروا النبي صلى الله عليه ونقضوا عهدهم معه منهم من أجلاهم ومنهم من حكم عليهم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم
- ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع المشركين لما منعوه من العمرة على أن يكون القضاء في العام المقبل
- ثم فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في العام الثامن للهجرة فتمكن المسلمون من الدعوة الى الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجافي السنة التاسعة للهجرة
- حج النبي بالناس في السنة العاشرة للهجرة وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بالقول والفعل وأنزل الله في عرفة (اليوم إكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 شوال 1443هـ/21-05-2022م, 01:13 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,625
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إيمان جلال مشاهدة المشاركة
المجموعة الثالثة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام النكاح
أحكام النكاح:
• الموطن الأول: إباحة النكاح والترغيب فيه.
قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا".
- من محاسن الشريعة:
منة الله على عباده بإقرار النكاح وإباحته والحث عليه لما يترتب عليه من مصالح كثيرة.
- سبب ترتيب أحكام للنكاح
[نقول: أسباب حث الشريعة على النكاح]
لجلب المصالح ودفع المفاسد: وذلك بالسعي لصلاح وإصلاح أحوال الزوجين، ولدفع الضرر والفساد.

• "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى"
[نذكر العنوان الرئيسي للمبحث: أحكام التعدد, ثم نتكلم عما اندرج تحته من عناصر ومسائل]
- معناها:
أي إن خفتم ألا تقوموا بحق النساء اليتامى اللاتي تحت حجوركم وولايتكم.
• "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ"
- من أسباب إباحة التعدد:
 إن لم تحبوا زوجاتكم اليتامى، فاعدلوا إلى نكاح غيرهن.
 أن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، أو لا يحصل مقصوده أو مقاصده بها، كما تقدم أن النكاح له عدة مقاصد.

- دلالة الآية على حسن اختيار الزوجة:
وذلك من قوله تعالى "ما طاب لكم"، فينبغي أن لا يتزوج إلا الجامعة للصفات المقصودة بالنكاح.

- متعلق "ما طاب لكم":
[نقول: المراد بقوله تعالى:(ما طاب لكم) ثم نذكر ما في الآية من فوائد مستخلصة]
أي اختاروا الطيبات في أنفسهن، اللاتي تطيب لكم الحياة بالاتصال بهن، الجامعات للدين والحسب والعقل والآداب الحسنة وحسن الأخلاق الظاهرة، وحسن الخلائق الباطنة وغيرها من الأوصاف الداعية لنكاحهن.
- بعض مقاصد النكاح:
[هذه مكررة فنضعها في العنصر الرئيسي]
 كفاءة البيت والعائلة، وحسن التدبير، وحسن التربية. (وأساسها: الدين والعقل).
 وإحصان الفرج، والسرور في الحياة. (وأساسها: حسن الخلق الظاهر والباطن).
 ونجابة الأولاد وشرفهم. (وأساسها: الحسب والنسب الرفيع).
- سبب إباحة نظر الخاطب لمخطوبته:
[هنا نضع عنصرا رئيسيا عن أحكام النكاح, ثم نجمع ما يتعلق به من مسائل فنلحقها به]
ليكون على بصيرة من أمره.
- الفوائد:
تحريم نكاح الخبيثة التي لا يحل للمسلم نكاحها، وهي الكافرة غير الكتابية، وكذلك الزانية حتى تتوب كما نص الله على الثنتين.

• "مثنى وثلاث ورباع":
[هذه تحت مسألة التعدد]
- معناها:
أي: من أحب أن يتزوج اثنتين فليفعل، أو ثلاثا أو أربعا فليفعل، ولا يزيد على الأربع؛ لأن الآية سيقت للامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله إجماعا.
- من أسباب تحديد الزوجات بالأربع:
لأن في الأربع غنية لكل أحد إلا ما ندر.
• " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا "
- معاناها:
فإذا خاف من نفسه الجور والظلم بالزيادة على الواحدة فليقتصر على الواحدة، أو على ملك يمينه التي لا يجب عليه لها قسم كالزوجات.
- معنى "تعولوا":
تظلموا وتجوروا.
- الفوائد:
أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.
• "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا"
- مناسبة الآية لما قبلها:
ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، وخصوصا الصداق الذي يكون شيئا كثيرا دفعة واحدة يشق عليهم، حثهم على إيتاء النساء صدقاتهن أي: مهورهن {نِحْلَةً} أي: عن حال طمأنينة وطيب نفس من غير مطل ولا بخس منه شيئا.
- معنى "صدقاتهن":
مهورهن.
- سبب إضافة المهر للمرأة في "صدقاتهن":
ليعلم أن المهر للمرأة، وهذه الإضافة تقتضي الملك.
- لمن يدفع المهر:
يدفع إليها أو إلى وكيلها إن كانت رشيدة، أو إلى وليها إن لم تكن رشيدة، وأنها تملكه بالعقد لأنه أضافه إليها وأمر بإعطائه لها.
الدليل على اعتبار الولي في النكاح:
قوله تعالى: "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ". دليل على اعتبار الولي في النكاح، وهو العاصب، ويقدم منهم الأقرب فالأقرب، فإن تعذر الولي القريب والبعيد لعدم أو جهل أو غيبة طويلة قام الحاكم مقام الولي، فالسلطان والحاكم ولي من لا ولي لها من النساء.
- معنى "نحلة":
أي: عن حال طمأنينة وطيب نفس من غير مطل ولا بخس منه شيئا.
- مرجع الضمير "منه":
الصداق.
- معنى "فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا":
أي إن قمن بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المحاباة في التعوض عنه لكم.
- معنى "فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا":
أي لا تبعة عليكم فيه ولا حرج.
- الفوائد:
 لا بد في النكاح من صداق.
 وأن الصداق يجوز في الكثير واليسير للعموم.
 وأن الصداق لا يباح لأحد أن يتزوج بدون صداق، وإن لم يسم فمهر المثل، إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإن له ذلك خاصة.
الأدلة:
قال تعالى: "وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ".
 أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها، ولو بالتبرع، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء إلا ما طابت نفسها به إذا كانت رشيدة.

• الموطن الثاني: حسن معاشرة الزوجة.
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"
- مناسبة الآية لما قبلها:
كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم ورثت زوجته عنه كما يورث ماله، فرأى قريبه كأخيه وابن عمه أنه أحق بها من نفسها، ويحجرها عن غيره، فإن رضي بها تزوجها على غير صداق، أو على صداق يحبه هو دونها، وإن لم يرض بزواجها عضلها ومنعها من الأزواج إلا بعوض من الزوج أو منها، وكان منهم أيضا من يعضل زوجته التي هي في حباله، فيمنعها من حقوقها، ومن التوسعة لها لتفتدي منه، فنهى الله المؤمنين عن هذه الأحوال القبيحة الجائرة.
- معنى "فلا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"
أي فلا تمنعوهن من الزواج إلا أن يكون بعوض (افتداء) من الزوج الذي ستتزوجه أو منها.
- هل النهي عن الافتداء وطلب العوض مطلقا؟
لا، لذلك جاء الاستثناء: "إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ"، أي فيجوز في هذه الحال أن يعضلها مقابلة لها على فعلها لتفتدي منه؛ فإن هذا الافتداء بحق لا بظلم.
- المراد ب "الفاحشة المبينة":
كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها ومن يتصل به.
- صور من المعاشرة بالمعروف "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ":
وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته ببذل النفقة والكسوة والمسكن اللائق بحاله، ويصاحبها صحبة جميلة بكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة والخلق، وأن لا يمطلها بحقها، وهي كذلك عليها ما عليه من العشرة، وكل ذلك يتبع العرف في كل زمان ومكان وحال ما يليق به.
الدليل:
"لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا".
• " فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا":
- معناها:
أي: ينبغي لكم يا معشر الأزواج أن تمسكوا زوجاتكم ولو كرهتموهن، فإن في ذلك خيرا كثيرا:
- الفوائد:
 امتثال أمر الله ورسوله الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة.
 أن إجباره نفسه، ومجاهدته إياها مع عدم محبة زوجته تمرين على التخلق بالأخلاق الجميلة.
- من الثمرات التي يجنيها من يصبر على زوجته مع كرهه لها:
1) ربما زالت الكراهة وخلفتها المحبة.
2) ربما زالت الأسباب التي كرهها لأجلها.
3) ربما رزق منها ولدا صالحا نفع الله به والديه في الدنيا والآخرة.
- من الأمور المعينة على الصبر على الزوجة مع كراهته لها:
أن يصبر قدر إمكانه، وذلك بأن كان قد كره منها خلقا فليلحظ بقية أخلاقها، وما فيها من المقاصد الأخر، ويجعل هذا في مقابلة هذا، وهذا عنوان الإنصاف والرأي الأصيل، فإن النزق الطائش الذي ليس عنده إنصاف يلاحظ بعض أغراضه النفسية، فإذا لم يأت على ما يريد أهدر المحاسن والمناقب الأخر، وهذا لا يكاد يصفو له خل في حياته، لا زوجة ولا صاحب ولا حبيب، بل هو سريع التقلب. فالرجل الحازم الوفي الذكي فإنه يوازن بين الأمور، ويقدم الحق السابق، ويفي بالسوابق، ويكون نظره للمحاسن أرجح من نظره للمساوئ. فإن وصل إلى الدرجة العالية التي لا يصل إليها إلا أفراد من كمل الرجال جعل المحاسن نصب عينيه، وأغضى عن المساوئ بالكلية، وعفا عنها لله ولحق صاحب الحق، فهذا قد كسب الأجر والراحة والخلق الذي لا يلحق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
• "وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ"
- مناسبة الآية لما قبلها:
إن لم يقوى على الصبر عليها، وكان لا بد من الفراق، ولم يبق للصبر والإمساك موضع، فالله قد أباح الفراق.
- معنى " وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ"
أي فلا حرج عليكم في فراقها.
- معنى "وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا":
أي إذا آتيتم إحداهن أي: الزوجة السابقة أو اللاحقة (قِنْطَارًا) وهو المال الكثير "فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" بل وفروه لهن ولا تمطلوهن.
- الفوائد:
وهذا يدل على جواز إعطاء النساء من المهور وغيرها المال الكثير، وأنها بذلك تملكه، ولكن الأكمل والأفضل التساهل في المهور.
- علة التساهل بالمهور:
 اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
 تسهيلا للنكاح ولطرقه.
 براءة للذمم.
• "أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"
- مناسبتها لما قبلها:
فيها ذكر للحكمة من تحريم أخذ الزوج ما أعطاه لزوجته. وهي: أن الأنثى قبل عقد النكاح محرمة على الزوج، وهي لم ترض بهذا الحل إلا بالعقد والميثاق الغليظ الذي عقد على ذلك العوض المشروط، فإذا دخل عليها وباشرها، وأفضى إليها وأفضت إليه، وباشرها المباشرة التي كانت قبل هذه الأمور حراما فقد استوفى المعوض، فثبت عليه العوض تاما، فكيف يستوفي المعوض ثم يرجع على العوض؟ لا ريب أن هذا من المنكرات القبيحة شرعا وعقلا وفطرة.

• الموطن الثالث: المحرمات من النكاح.
"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا".
- أقسام المحرمات التي استوفاها الباري في الآية في النكاح:
 القسم الأول: المحرمات في النسب، وهن:
1) الأمهات: كل أنثى لها عليك ولادة، وهي التي تخاطبها بالأم والجدة وإن علت من كل جهة.
2) البنات، وهن كل أنثى تخاطبك بالأبوة أو بالجدودة من بنات الابن وبنات البنات وإن نزلن.
3) الأخوات شقيقات كن أو لأب أو لأم، وبنات الإخوة وبنات الأخوات مطلقا.
4) العمات 5) والخالات: وهن كل أخت لأحد آبائك وإن علا، أو أحد أمهاتك وإن علون.
6) بنات الأخ 7) وبنات الأخت.
ففي هذه الآية صرح بالمحرمات من النسب، ثم ذكر تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم": أي وما سوى هؤلاء من أقارب النسب فهن حلال النكاح، وقد فصلها تعالى في آية الأحزاب: "وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ".
 القسم الثاني: المحرمات في الرضاع: وهن نظير المحرمات بالنسب من جهة المرضعة وصاحب اللبن، فتكون سبع مثل النسب، وهن:
الأم من الرضاعة: صارت أمه بإرضاعها له من لبنها. ومثلها: أمهاتها فهن جداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأولادها إخوته وأخواته، وهو عم لأولادهم أو خال، وكذلك صاحب اللبن. والأخت من الرضاعة: التي رضع معها من ذات حليب الأم وكذلك بنات صاحب اللبن.
 القسم الثالث: المحرمات في المصاهرة.
وهذا القسم يترتب عليه أربعة أحكام، هي:
1) تحريم هذه الزوجة على أولاده وإن نزلوا نسبا ورضاعا.
2) وتحريمها على آبائه وإن علوا نسبا ورضاعا.
3) وحرمت عليه أمها في الحال.
4) وأما ابنتها: فإن كان قد دخل بزوجته حرمت أيضا، وصارت ربيبة، لا فرق بين بنتها من زوج سابق له، أو من زوج خلفه عليها.
- سبب تقييد الربيبة ب "اللاتي في حجوركم من نسائكم":
فعلى الرغم من أن الربيبة تحرم سواء كانت في حجر الرجل أم لا، إلا أنها قيدت هنا لبيان أغلب أحوالها، ولبيان أعلى حكمة تناسب حكمة التحريم، وأنها إذا كانت في حجرك بمنزلة بناتك لا يليق إلا أن تكون من محارمك.
• "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم":
- من جملة المحرمات:
حليلة الابن، أي زوجة ولده.
- سبب تقييد حليلة الابن الذي هو من الصلب:
لأن الغالب أن الابن هو من الصلب، وإلا فهنا يدخل فيه أيضا ابن الرضاع، ويخرج ابن التبني. وهذا هو قول جمهور العلماء.
• "وأن تجمعوا بين الأختين"
- من المحرمات أيضا: الجمع بين الأختين. كما حرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها.
• "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ"
- معناها:
أي من المحرمات ذوات الأزواج، ذوات الأزواج، فكل أنثى في عصمة زوج أو في بقية عدته لا تحل لغيره؛ لأن الأبضاع ليست محل اشتراك، بل قصد تمييزها التام، ولهذا شرعت العدة والاستبراء، ونحو ذلك.
• "إلا ما ملكت أيمانكم"
- المراد بملك اليمين:
هو ملك السبي، إذا سبيت المرأة ذات الزوج من الكفار في القتال الشرعي حلت للمسلمين، ولكن بعد الاستبراء أو العدة، فزوجها الحربي الذي في دار الحرب لم يبق له فيها حق، ولا له حرمة، فلهذا حلت للمسلمين كما حل لهم ماله ودمه، لأنه ليس له عهد ولا مهادنة.
- هل ملك اليمين حلال لكل أحد؟
يحرم نكاح المملوكات على الأحرار.
- السبب:
لما فيه من إرقاق الولد، ولما فيه من الدناءة والضرر العائد للأولاد؛ لتنازع الملاك، وتنقلات الأرقاء.
- هل التحريم مطلق؟
لا، فإذا رجحت مصلحة الإباحة فقد أباحه الله.
- شروط إباحة نكاح الحر للإماء:
1) بشرط المشقة لحاجة متعة أو خدمة.
2) وأن لا يقدر على الطول للحرة.
3) وأن تكون الأمة مؤمنة بإذن أهلها.

• الموطن الرابع: في حال نشوز الزوجة.
- قوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
- متعلق القوامة وصورته:
 القوامة في أمور الدين والدنيا، يلزمونهن بحقوق الله، والمحافظة على فرائضه، ويكفونهن عن جميع المعاصي والمفاسد، وبتقويمهن بالأخلاق الجميلة والآداب الطيبة.
 وقوامون أيضا عليهن بواجباتهن من النفقة والكسوة والمسكن وتوابع ذلك.
• "بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"
- سبب جعل القوامة بيد الرجل؟
بسبب فضل الرجال عليهن وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة:
 من كون الولايات كلها مختصة بالرجال والنبوة والرسالة.
 وباختصاصهم بالجهاد البدني.
 ووجوب الجماعة والجمعة ونحو ذلك.
 وبما تميزوا به عن النساء من العقل والرزانة والحفظ والصبر والجلد والقوة التي ليست للنساء.
 وكذلك يده هي العليا عليها بالنفقات المتنوعة، بل وكثير من النفقات الأخر والمشاريع الخيرية، فإن الرجال يفضلون النساء بذلك كما هو مشاهد.
- سبب حذف المتعلق في قوله: "وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"
ليدل على هذا التعميم، فعلم من ذلك أن الرجل كالوالي والسيد على امرأته، وهي عنده أسيرة عانية تحت أمره وطاعته.
- القوامة لا تعني استرقاق المرأة:
على الرجل أن يتق الله في أمرها، وليقومها تقويما ينفعه في دينه ودنياه، وفي بيته وعائلته يجد ثمرات ذلك عاجلا وآجلا، وإلا يفعل فلا يلومن إلا نفسه.
• "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ"
- أقسام النساء:
القسم الأول: قسم هن أعلى طبقات النساء، وخير ما حازه الرجال، وهن المذكورات هنا.
- معنى "قانتات لله:
أي: مطيعات لله ولأزواجهن، قد أدت الحقين، وفازت بكفلين من الثواب.
- متعلق "حافظات للغيب":
 حافظات أنفسهن من جميع الريب.
 وحافظات لأمانتهن ورعاية بيوتهن.
 وحافظات للعائلة بالتربية الحسنة، والأدب النافع في الدين والدنيا.
- مناسبة "بما حفظ الله" بما قبلها:
أي أن عليهن بذل الجهد والاستعانة بالله على ذلك؛ فلهذا قال: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}: أي: إذا وفقن لهذا الأمر الجليل فليحمدن الله على ذلك، ويعلمن أن هذا من حفظه وتوفيقه وتيسيره لها، فإن من وكل إلى نفسه فالنفس أمارة بالسوء، ومن شاهد منة الله، وتوكل على الله، وبذل مقدوره في الأعمال النافعة، كفاه الله ما أهمه، وأصلح له أموره، ويسر له الخير، وأجراه على عوائده الجميلة.
القسم الثاني: هن الطبقة النازلة من النساء، وهن بضد السابقات في كل خصلة، اللاتي من سوء أخلاقهن وقبح تربيتهن تترفع على زوجها، وتعصيه في الأمور الواجبة والمستحبة.
• " وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ"
- مناسبتها لما قبلها:
في حال كانت النساء من القسم الثاني، فقد أمر تعالى بتقويمهن بالأسهل فالأسهل.
- الوصفة التسلسلية في التعامل مع الزوجة الناشز:
1) الوعظ: فإن حصل المطلوب فلا ينتقل إلى ما بعده، بل يكتفى به.
- متعلق الوعظ:
أي: بينوا لهن حكم الله ورسوله في وجوب طاعة الأزواج، ورغبوهن في ذلك بما يترتب عليه من الثواب، وخوفوهن معصية الأزواج، وذكروهن ما في ذلك من العقاب، وما يترتب عليه من قطع حقوقها.

2) الهجر في المضاجع: إن لم يصل معها إلى المقصود بعد الوعظ، فيلجأ للهجر في المضاجع، فإن حصل المقصود، فلا ينتقل إلى ما بعده.
- متعلق الهجر في المضاجع:
بأن لا ينام عندها، ولا يباشرها بجماع ولا غيره؛ لعل الهجر ينجع فيها، فإن القصد من الهجر هو نفع المهجور وأدبه.

3) الضرب: إن لم يصل لمقصوده بعد ما يبق، فإنه يلجأ إلى الضرب الغير مبرح.
- متعلق الضرب:
ضربها ضربا خفيفا غير مبرح.
• "فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا"
-معناها:
أي فإن حصل المقصود، ورجعت إلى الطاعة، وتركت المعصية، عاد الزوج إلى عشرتها الجميلة، ولا سبيل له إلى غير ذلك من أذيتها؛ لأنها رجعت إلى الحق. وهذا الدواء لكل عاص ومجرم، إن الشارع رغبه إذا ترك إجرامه عاد حقه الخاص والعام كما في حق التائب من الظلم وقطع الطريق وغيرها، فكيف الزوج مع زوجته.

- ذم من لا يلتزم بتلك الخطوات في التعامل مع الناشز:
الغاية من الوصفة الربانية أعلاه هو الوصول للمقصود مع المرأة الناشز وليس الغرض منه شفاء النفس كما يفعله من لا رأي له إذا خالفته زوجته أو غيرها، ولم يحصل مقصوده، هجر هجرا مستمرا، أي: بقي متأثرا بذلك، عاتبا على من لم يواته على ما يحب، ووصلت به الحال إلى الحقد الذي هو من الخصال الذميمة، فهذا ليس من الهجر الجميل النافع، وإنما هو من الحقد الضار بصاحبه، الذي لا يحصل به تقويم ولا مصلحة.
- الفوائد:
 ينبغي لمن عاد إلى الحق أن لا يذكر الأمور السالفة، فإن ذلك أحرى للثبات على المطلوب، فإن تذكير الأمور الماضية ربما أثار الشر، فانتكس المرض، وعادت الحال إلى أشد من الأولى.

• الموطن الخامس: في حالة وقوع الخصام، واستطارة الشر بين الزوجين.
"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا"
- مناسبتها لما قبلها:
أي إذا استطار الشر بين الزوجين، وبلغت الحال إلى الخصام وعدم الالتئام، ولم ينفع في ذلك وعظ ولا كلام، فليلجأ إلى هذا الحل.
• "فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا"
- صفات الحكمين من كلا الطرفين:
عدلين عاقلين يعرفان الجمع والتفريق، ويفهمان الأمور كما ينبغي.
- دور الحكمين:
يبحثان في الأسباب التي أدت بهما إلى هذه الحال، ويسألان كلا منهما ما ينقم على صاحبه، ويزيلان ما يقدران عليه من المعتبة بترغيب الناقم على الآخر بالإغضاء عن الهفوات واحتمال الزلات، وإرشاد الآخر إلى الوعد بالرجوع، وإرشاد كل منهما إلى الرضى والنزول عن بعض حقه.
فكم حصل بهذا الطريق من المصالح شيء كثير، وإن أمكنهما إلزام المتعصب على الباطل منهما بالحق فَعَلَا، ومهما وجدا طريقا إلى الإصلاح والاتفاق والملاءمة بينهما لم يعدلا عنها، إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال، أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الملاءمة فرقا بينهما بما تقتضيه الحال بعوض أو بغير عوض، ولا يشترط في هذا رضى الزوج؛ لأن الله سماهما حكمين لا وكيلين، ومن قال إنهما وكيلان اشترط في التفريق رضى الزوج، ولكن هذا القول ضعيف.
• "إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"
- مناسبتها لما قبلها:
ولمحبة الباري للاتفاق بينهما وترجيحه على الآخر، فسيتحقق الإصلاح بين الزوجين، بسبب ما بذله كلا الحكمين من رأي ميمون، وكلام لطيف، ووعد جميل يجذب القلوب.
• "إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا"
- متعلق علم الله، وسبب ختم الآية بهذين الاسمين لله:
الله عليم بالسرائر والظواهر مطلعا على الخفايا، فمن كمال علمه وحكمته شرع لكم هذه الأحكام الجليلة التي هي الطريق الوحيد إلى القيام بالحقوق: "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".

• الموطن السادس: في حال رغبة الزوج عن زوجته، إما عدم محبة، وإما طمعا.
"وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"
- متعلق الصلح:
بأن تسمح المرأة عن بعض حقها اللازم لزوجها على شرط البقاء معه، وأن يعود إلى مقاصد النكاح أو بعضها، كأن ترضى ببعض النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو تسقط حقها من القسم، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها بإذنه، فمتى اتفقا على شيء من ذلك فلا حرج ولا بأس.
- مناسبة "والصلح خير" إلى ما قبلها:
الصلح بين الزوجين خير من المقاضاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو الفراق.
- الفوائد:
 تحقيق المصالحة في الحقوق المتنازع فيها خير من استقصاء كل منهما على حقه كله، لما في الصلح من بقاء الألفة، والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز بين المسلمين في كل الأبواب - إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا -.
- مناسبة "والصلح خير" ل "وأحضرت الأنفس الشح":
أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضى لذلك، فقال: "وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله: "وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ" أي: جبلت النفوس على الشح، وهو الاستئثار والتفرد في الحقوق، وعدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتقليله وتلطيفه وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة ببذل جميع الحقوق التي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك، والإغضاء عن التقصير، فمتى وفق العبد لهذا الخلق الطيب سهل عليه الصلح بينه وبين كل من بينه وبينه منازعة ومعاملة، وتسهلت الطريق الموصلة إلى المطلوب، ومن لم يكن بهذا الوصف تعسر الصلح أو تعذر؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ما له كاملا مكملا، ولا يهون عليه أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر.
- تعريف الإحسان: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
- متعلق الإحسان في "وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا":
أي تحسنوا في عبادة الخالق، وتحسنوا إلى المخلوقين بكل إحسان قولي أو فعلي.
- متعلق التقوى:
تتقوا الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات.
- المراد باقتران الإحسان بالتقوى:
أن تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور.
- مناسبة ختم الآية ب "فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"
فيجازيكم على قيامكم بالإحسان والتقوى، أو على عدم ذلك بالجزاء بالفضل والعدل.

• الموطن السابع: عدم تحقق العدل التام بين الأزواج في حال التعدد.
"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"
- المراد بالعدل المنفي تحققه التام في الآية:
أن يكون الداعي والحب على السواء، والميل القلبي على السواء، ويقتضي مع ذلك الإيمان الصادق، والرغبة في مكارم الأخلاق للعمل بمقتضى ذلك.
- سبب نفي تحققه:
هذا العدل متعذر غير ممكن.
- مناسبة "فلا تميلوا كل الميل" بما قبلها:
هذا عذر الله للأزواج، فقد عذرهم وعفا عنهم لأنه مما لا يقدرون عليه.
- العدل المأمور به في الآية:
هو العدل الممكن، وذلك بألا يميلوا إلى إحداهن عن الأخرى ميلا كثيرا، لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا مستطاعكم من العدل، فالنفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فالعبد لا يملك نفسه فعذره الله.
• "فتذروها كالمعلقة":
- معناها:
هو تشبيه للزوجة التي يميل عنها زوجها ويزهد فيها ولا يقوم بحقوقها الواجبة، مع أنها في حباله أسيرة عنده، تشبيهها بالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها.
• "وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"
- مناسبتها للآية:
وإن تصلحوا فيما بينكم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح كما تقدم، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا أيضا فيما بينكم وبين الناس فيما تنازعتم به من الحقوق، وتتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن الله غفور رحيم.
• الموطن الثامن: في حال تعذر الاتفاق والالتئام فلا بأس في الفراق.
" وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا".
- متعلق الفراق:
بفسخ أو طلاق أو خلع أو غير ذلك.
- معنى "يغن الله كلا من سعته":
أي يغني الله كلا من الزوجين من فضله وإحسانه العام الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله برزق من غير طريقه، فلعل الله يرزقها زوجا خيرا لها منه وأنفع. فإن توهمت الزوجة أنه إذا فارقها زوجها المنفق عليها القائم بمؤنتها ينقطع عنها الرزق، فسوف يغنيها الله من فضله، فإن رزقها ليس على الزوج ولا على غيره، بل على المتكفل القائم بأرزاق الخليقة كلها، وخصوصا من تعلق قلبه به ورجاه رجاء قلبيا طامعا في فضله كل وقت، فإن الله عند ظن عبده به.
- مناسبة ختم الآية ب "وكان الله واسعا حكيما":
أي أن الله واسع الرحمة كثير الإحسان، وحكيم في وضعه الأمور مواضعها.
- الفوائد:
 ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدر له سببا من أسباب الرزق والراحة أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب فلا يتشوش قلبه، فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تحصى ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره نصب عينيه وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء؛ فإن الله يقول على لسان نبيه: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله)، وقال: (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

2. أحكام الأيمان.
• كفارة اليمين المنعقدة.
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ - لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
- المعنى الإجمالي للآية:
يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى أيمانكم في تحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، فلا تحرموا ما أحل الله لكم من المطاعم والمشارب وغيرها، فإنها نعم تفضل الله بها عليكم فاقبلوها، واشكروا الله عليها إذ أحلها شرعا ويسرها قدرا، ولا تردوا نعمة الله بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، أو الحلف على عدم تناولها، فإن ذلك كله من الاعتداء، والله لا يحب المعتدين، بل يبغضهم ويمقتهم. ثم يأمرهم تعالى بالأكل من رزقه سبحانه الذي ساقه إليكم ويسره لكم بأسبابه المتنوعة، إذا كان حلالا، لا سرقة ولا غصبا، ولا حصل في معاملة خبيثة، وكان أيضا طيبا نافعا لا خبث فيه. ثم يأمرهم تعالى بتقواه وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذا ما يقتضيه إيمانهم الذي لا يتم إلا بذلك.
- الفوائد:
 إذا حرم العبد حلالا عليه من طعام وشراب وكسوة واستعمال وسرية ونحو ذلك، فإن هذا التحريم منه لا يحرم ذلك الحلال، وعليه كفارة يمين، لأن التحريم يمين. وهذا عام في تحريم كل طيب، إلا أن تحريم الزوجة يكون ظهارا فيه كفارة الظهار.
الدليل:
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".
 ليس للعبد أن يحلف على ترك الطيبات، ولا له أن يمتنع من أكلها، ولو بلا حلف تنسكا وغلوا في الدين؛ بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه.
• "لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ"
- أنواع الأيمان وأحكامها:
النوع الأول: اليمين التي يحلفها العبد من غير نية ولا قصد. وهي المرادة في الآية "باللغو في أيمانكم".
حكمها: هو لغو اليمين الذي لا كفارة فيه.
النوع الثاني: اليمين التي يعقدها العبد ظانّا صدق نفسه فبان له خلاف ذلك.
حكمها: على خلاف بين المذاهب في وجوب الكفارة من عدمها.
النوع الثالث: اليمين المنعقدة، وهي الحلف على أن يفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله. وهي المرادة بالآية "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان".
حكمها: تجب فيها الكفارة الواردة في الآية في حال الحنث بها، وهي تخييره بين إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، وذلك يختلف باختلاف الناس والأوقات والأمكنة، أو كسوتهم بما يعد كسوة، وقيد ذلك بكسوة تجزي في الصلاة، أو تحرير رقبة صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، بشرط أن تكون الرقبة مؤمنة، كما في الآية المقيدة بالأيمان، وأن تكون تلك الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، فمتى كفر بواحد من هذه الثلاثة انحلت يمينه. فمن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة فعليه صيام ثلاثة أيام، أي: متتابعة مع الإمكان، كما قيدت في قراءة بعض الصحابة.
النوع الرابع: اليمين الغموس: التي يحلفها عالما بكذبه.
حكمها: لا كفارة لها على الأرجح، وإن كان الإمام أحمد قد رأى وجوب الكفارة فيها.
- الفوائد:
 نعمة الله على هذه الأمة أنه فرض لهم تحلة أيمانهم، ورفع عنهم الإلزام والجناح.
 التخيير في الكفارة بحسب السعة.
• "وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ"
- صور حفظ الأيمان:
 بعدم الحلف بالله وأنتم كاذبون.
 بعدم الإكثار منها لاسيما عند البيع والشراء.
 بعدم الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث فيها خيرا من المضي فيها.
الدليل: قوله تعالى: "وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ".
أي: لا تقولوا: إننا قد حلفنا على ترك البر، وترك التقوى، وترك الإصلاح بين الناس، فتجعلوا أيمانكم مانعة لكم من هذه الأمور التي يحبها الله ورسوله، بل احنثوا وكفروا وافعلوا ما هو خير وبر وتقوى.
 إذا حلفتم وحنثتم فعليكم بالكفارة، فإن الكفارة بها حفظ اليمين الذي معناه تعظيم المحلوف به، فمن كان يحلف ويحنث ولا يكفر فما حفظ يمينه، ولا قام بتعظيم ربه.
• "كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ":
- معناها:
بين الله لكم الحلال من الحرام وأحكامها، فعلى العباد أن يشكروا ربهم على بيانه وتعليمه لهم ما لم يكونوا يعلمون، فإن العلم أصل النعم وبه تتم.


3. قصة هود عليه السلام
• مبعث هود عليه السلام إلى قومه:
- من هم قوم هود عليه السلام؟
هم عاد الأولى، المقيمين بالأحقاف – من رمال حضرموت -.
- سبب مبعثه إليهم:
لما كثر شرهم وتجبرهم على عباد الله، واغترارهم بقوتهم حيث قالوا: "من أشد منا قوة". وهذا منهم كان انطلاقا من شركهم بالله وتكذيبهم لرسل الله.
- تفاني هود في دعوتهم:
أرسله تعالى إليهم ليدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك والتجبر على العباد، فدعاهم بكل وسيلة، وذكرهم بما أنعم به عليهم من خير الدنيا والبسطة في الرزق والقوة.
- رد قومه عليه:
ردوا دعوته وتكبروا عن إجابته وقالوا: "مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ".
وهم كاذبون في هذا الزعم، فإنه ما من نبي إلا أعطاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، ولو لم يكن من آيات الرسل إلا أن نفس الدين الذي جاءوا به أكبر دليل أنه من عند الله لإحكامه وانتظامه للمصالح في كل زمان بحسبه وصدق أخباره، وأمره بكل خير ونهيه عن كل شر، وأن كل رسول يصدق من قبله ويشهد له، ويصدقه من بعده ويشهد له.
- آياته الخاصة التي أرسله الله بها:
تفرده عليه السلام في دعوته وتسفيه أحلام قومه وتضليلهم والقدح في آلهتهم، مع أنهم أهل البطش والقوة والجبروت، وقد خوفوه بآلهتهم إن لم ينته أن تمسه بجنون أو سوء فتحداهم علنا، وقال لهم جهارا: "إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، ومع تحديه لهم وهم بتلك القوة لم يصلوا إليه أو يمسوه بسوء. فأي آية أعظم من هذا التحدي لهؤلاء الحريصين على إبطال دعوته بكل طريق؟

• عذابهم بعد جحودهم لدعوة نبيهم هود عليه السلام:
فلما انتهى طغيانهم تولَّى عنهم وحذَّرهم نزول العذاب، فجاءهم العذاب معترضا في الأفق، وكان الوقت وقت شدة عظيمة وحاجة شديدة إلى المطر، فلما استبشروا وقالوا: "هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا"، قال الله: "بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ" بقولكم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين: "رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ"، تمر عليه: "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ"، "فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ".
فبعدما كانت الدنيا لهم ضاحكة، والعز بليغ، ومطالب الحياة متوفرة، وقد خضع لهم من حولهم من الأقطار والقبائل، إذ أرسل الله إليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات؛ لنذيقهم عذاب الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون: "وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ".

• نجاة هود والذين آمنوا معه:
نجى الله هودا ومن معه من المؤمنين.
- دلالة إنجاء الله لهود والمؤمنين، وعذابه للكافرين:
دلالة على:
-- كمال قدرة الله.
 -- إكرامه الرسل وأتباعهم، ونصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
 -- آية على إبطال الشرك، وأن عواقبه شر العواقب وأشنعها.
 -- وآية على البعث والنشور.

الفوائد:
- أن جميع الرسل من نوح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك، فنوح وهود وغيرهم أول ما يقولون لقومهم: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة.
-  آداب الدعوة وتمامها، فيتفانى الأنبياء والرسل في دعوتهم بشتى طرق الدعوة.
- أن الشُّبَه التي قدح فيها أعداء الرسل برسالتهم من الأدلة على إبطال قول المكذبين، فإن الأقوال التي قالوها، ولم يكن عندهم غيرها، ليس لها حظ من العلم والحقيقة عند كل عاقل.
- أن من فضائل الأنبياء وأدلة رسالتهم إخلاصهم التام لله تعالى في عبوديتهم لله القاصرة، وفي عبوديتهم المتعدية لنفع الخلق كالدعوة والتعليم وتوابع ذلك، قال هود "يا قوم لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري إلا على الذي فطرني". ولذلك يبدون ذلك ويعيدونه على أسماع قومهم كل منهم. فليتأسى بهم الدعاة أتباع الرسل بالترفع عن لعاع الدنيا.
- أن تقوى الله والقيام بواجبات الإيمان من جملة الأسباب التي تال بها الدنيا بإنزال قطر السماء، وزيادة قوة الأبدان وصحتها، وهو السبب الوحيد لنيل خير الآخرة والسلامة من عقابها.
- أن النجاة من العقوبات العامة الدنيوية هي للمؤمنين، وهم الرسل وأتباعهم، وأما العقوبات الدنيوية العامة فإنها تختص بالمجرمين، ويتبعهم توابعهم من ذرية وحيوان، وإن لم يكن لها ذنوب.
- أن الله بحكمته يقص علينا نبأ الأمم المجاورين لنا في جزيرة العرب وما حولها؛ لأن القرآن يذكر أعلى الطرق في التذكير، والله تعالى صرف فيه التذكيرات تصريفا نافعا، فقوم هود نشاهد آثارهم، ونمر بديارهم كل وقت، ونفهم لغاتهم، وطبائعهم أقرب إلى طبائعنا، لا ريب أن نفع هذا عظيم، وأنه أولى من تذكيرنا بأمم لم نسمع لهم بذكر ولا خبر، ولا نعرف لغاتهم، ولا تتصل إلينا أخبارهم بما يطابق ما يخبرنا الله به. فتذكير الناس بما هو أقرب إلى عقولهم، وأنسب لأحوالهم، وأدخل في مداركهم، وأنفع لهم من غيره أولى من التذكيرات بطرق أخرى وإن كانت حقا. فأشار الباري إلى هذا في آخر قصة عاد، فقال: "وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ"، أي: نوعناها بكل فن ونوع "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". أي: ليكون أقرب لحصول الفائدة.
- أن اتخاذ المباني الفخمة للفخر والخيلاء والزينة وقهر العباد بالجبروت من الأمور المذمومة الموروثة عن الأمم الطاغية، كما قال الله في قصة عاد وإنكار هود عليهم، قال: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ".
- أن العقول والأذهان والذكاء وما يتبع ذلك من القوة المادية، وما ترتب عليها من النتائج والآثار وإن عظمت وبلغت مبلغا هائلا، فإنها لا تنفع صاحبها إلا إذا قارنها الإيمان بالله ورسله. وأما الجاحد لآيات الله المكذب لرسل الله، فإنه وإن استُدرج في الحياة وأُمهل فإن عاقبته وخيمة، وسمعه وبصره وعقله لا يغني عنه شيئا إذا جاء أمر الله، كما قال الله عن عاد: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ". وفي الآية الأخرى: "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ".


4. قصة موسى وهارون عليهما السلام
• هل هناك تكرارا في قصة موسى مع هارون؟
لا، بل إن ذكرها في كل سورة من سور القرآن يليق بذاك المقام، فتارة تكون في سيرة طويلة وبسط، وتارة باختصار، مع تنوع في الأسلوب. وهو حال جميع القصص التي تكرر ذكر أحداثها بين ثنايا السور.
• نبذة عن سيرة موسى عليه السلام.
هو موسى بن عمران، أعظم أنبياء بني إسرائيل، وشريعته وكتابه التوراة، وهو مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، قصصه في القرآن من أعظم القصص، لأنه عالج فرعون وجنوده، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم. له من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره.
• مولده ونشأته:
قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين، وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين" [القصص:14-7]
ولد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل: فكان يذبح كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان، فلما ولدته أمه خافت عليه خوفا شديدا؛ فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم، وكان بيتها على ضفة نهر النيل فألهمها الله أن وضعت له تابوتا إذا خافت أحدا ألقته في اليم، وربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء، ومن لطف الله بها أنه أوحى لها أن لا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين.
ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية، فلما رأته أحبته حبا شديدا، وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب، فكان هذا سببا في امتناع فرعون عن قتله. ثم رده تعالى إلى أمه التي أصبح فؤادها فارغا، وكانت أخته سببا في عودته إلى حضن أمه، حيث أن موسى امتنع عن الرضاع من كل أم، حتى دلتهم أخته على أمها التي صارت ترضعه في قصر فرعون، فكان يربو أمام عينيها. وقد تنقلت به الأحوال، حتى بلغ أشده وهو في بيت فرعون.

• قتله للقبطي وخروجه من مصر إلى مدين:
• قال تعالى: "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِين، فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين، وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل".[القصص:22-15]
دخل موسى ذات يوم المدينة، فوجد رجلين يقتتلان، أحدهما من القبط، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الذي من شيعته – من بني إسرائيل – على عدوه القبطي، فوكزه موسى فقتله خطأ، فتاب موسى إلى ربه من هذا واستغفر فغفر الله له. ثم في اليوم اللاحق وجد موسى ذات الرجل الذي من شيعته يقتتل مع آخر قبطي، واستغاثه ذات الرجل، فامتنع موسى عن قتل القبطي، وجاءه رجل من أقصى المدينة يحذره ويحثه على الهرب من قوم فرعون الذين علموا بمقتل رجلهم الذي وكزه موسى بالأمس فقضى عليه. فتوجه إلى مدين.

• زواجه عليه السلام ورجوعه إلى مصر:
قال تعالى: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير، فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِين، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيل". القصص [28 – 23]
وهناك أعان امرأتين في سقيهم للغنم، حيث كان أبوهما شيخ كبير لا يقوى على ذلك، فسقا لهما، مما حدا بأبيهما أن يدعوه إلى بيته لشكره، فاقترحت إحداهما على أبيها أن يستأجره، فعرض الأب على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يأجره مدة ثمانية أعوام، وإن أراد زيادة سنتين فمن عنده، ففعل موسى وقضى أوفى الأجلين وهو عشر سنوات. فتوجه بعدها عائدا إلى مصر.
• بعثة موسى عليه السلام وطلبه أن يكون هارون أخوه معه:
قال تعالى: "فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِين، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين، قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُون".
في طريق عودة موسى وأهله إلى مصر، رأى مارا إلى جانب جبل، فسار إليها تاركا أهله لعله يأتيهم بقبس أو جذوة من النار. وهناك كلمه الله، وأخبره باصطفائه لحمل رسالة التوحيد إلى الناس ومنهم فرعون. وآتاه من الآيات ما يدل على صدق نبوته، فألقى العصا التي في يده لتتحول بأمر الله إلى حية تسعى، ثم أمره أن يدخل يده في جيبه لتخرج بيضاء من غير سوء. ثم أمره أن يذهب إلى فرعون فيدعوه إلى عبادة الله وحده.
فسأل موسى ربه شرح صدره، وتيسير الأمر عليه، وأن يحلل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وأن يعينه بإرسال أخيه معه، فآتاه الله تعالى سؤله، ووعده العون والنصرة.
• دعوة موسى وهارون لفرعون:
قال تعالى: "اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى". القصص [48 -42].
وقال تعالى: "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى، قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سُوًى، قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى". طه [60 – 56]

توجه موسى ومعه أخوه هارون إلى قصر فرعون وأخبراه بأنهما رسولا رب العالمين، ودعياه إلى توحيد الله وحده، وإلى التوقف عن ظلم بني إسرائيل وأن يرسلهم معهما، وأرياه من آيات ربه الكبرى، ولكن فرعون أبى واستكبر وكان من الكافرين، واستخف بقول موسى وهارون، واتهمهما وقومه بالسحر، وأقنعه قومه بأنهما إنما جاءا للاستحواذ على ملك فرعون. وأشاروا عليه أن يتحداه بسحر سحرته الذي يفوق ما جاء به موسى. فوافق فرعون وجمع السحرة في يوم الزينة، وجمع الناس ضحى.
• مواجهة موسى للسحرة:
قال تعالى: "قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى، قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى". طه [76 – 61]
جمع فرعون السحرة أمام الناس، وأعطى السحرة الأجرة مقابل تحدي موسى والتفوق عليه في السحر، فألقوا حبالهم وعصيهم، فخيل للناس أنها تسعى، فأمر تعالى نبيه موسى بإلقاء عصاه دون تردد أو خوف، فإذا عصاه تلقف ما يأفكون، فسجد السحرة مؤمنين برب موسى وهارون، لعلمهم بأن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر. ولكن فرعون أمر بصلب السحرة في جذوع النخل، وقد ثبتوا على الإيمان وترك السحر الذي أجبرهم عليه فرعون.

• استمرار فرعون في ظلمه لبني إسرائيل وأمر الله لموسى بالخروج بهم من مصر:
قال تعالى: "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون، فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون، وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِين، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي ِسْرَآئِيل، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُون". الأعراف [135 – 128].
استمر فرعون في ظلمه لبني إسرائيل، فابتلاهم الله بالبلاءات العديدة: كاحتباس المطر، ونقص المحاصيل، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم، ومع ذلك لم يردعه ذلك عن ظلمه لبني إسرائيل، فأمره تعالى بالخروج بهم من مصر. ولكن فرعون استشاط غضبا، وحشد جيشه للحاق بموسى ومن معه من المؤمنين.

• حادثة شق البحر وإنجاء الله لموسى وهارون ومن معهما وغرق فرعون:
وقال تعالى: "فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِين، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِين، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِين". [الشعراء 66 - 61]
لحق فرعون وجنوده بموسى ومن معه من بني إسرائيل، حتى وصل موسى إلى البحر الذي صعب عليه اجتيازه، فأوحى تعالى إليه أن يضرب بعصاه البحر فانفلق فاستطاع اجتيازه موسى ومن معه، وعندما رأى فرعون هذا الأمر العظيم حاول فعل كما فعل موسى، ولكن الله أمر البحر بأن يعود لحالته الأولى، فغرق فرعون ومن معه، وأنجى الله موسى والمؤمنين معه.

• ذهاب موسى لميقات ربه ونزول التوراة واستخلافه أخاه هارون على قومه:
قال تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون، إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون، قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين، وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم، وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين، وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين، قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِين، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِين". الأعراف [
بعد اجتياز هارون ومن معه من بني إسرائيل للبحر، رأوا قوما يعبدون آلهة، فكان أول طلب طلبوه من موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة، فزجرهم موسى ووبخهم، إذ كيف تطلبون إلها غير الله منجيكم من بطش فرعون للتو.
ثم استخلف موسى أخاه هارون على قومه، ليعلم الناس الخير ويحثهم عليه، ويحذرهم من الشر ليجتنبوه.
وذهب موسى للقاء ربه الذي كلمه من وراء حجاب، فتشوق موسى لرؤية ربه وطلب منه سبحانه ذلك، ولكن الله أخبره بأن طبيعته البشرية لا تحتمل ذلك في الدنيا، وأخبره تعالى بأنه سيتجلى للجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق علم أنه لا يجوز له رؤية ربه في الدنيا فاستغفر ربه على طلبه ذاك. غاب موسى عن قومه أربعين ليلة يتعلم فيها التوراة.

• عبادة السامري وقومه للعجل رغم تحذيرات هارون لهم:
قال تعالى: "وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَامُوسَى، قَالَ هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِي، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِي، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي، أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى، قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي، قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِي، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}[طه 98 - 83]
وفي مدة غياب موسى، خرج في قومه رجل يدعى السامري، الذي صنع عجلا فتن فيه القوم، فعبدوه توهما منهم أنه إلههم.
أما هارون فقد نهاهم عن هذا الفعل الشنيع وأمرهم بالرجوع عنه وإلى عبادة الله وحده، إلا أنهم أصروا وعاندوا وتمسكوا بعبادة العجل.
فلما عاد موسى لقومه ووجدهم على تلك الحال، عاتب أخاه هارون، الذي قال لموسى: أن القوم استضعفوه وكادوا أن يقتلوه. فعذر موسى أخاه، وقام بتحريق العجل ونسف رماده نسفا.
وسنكتفي في قصة موسى عليه السلام إلى هنا، وقد تم ذكر الأحداث التي جمعت بين موسى وهارون في قصتهما في سور القرآن.
- الفوائد:
-
 استشعار اسم الله اللطيف، الذي بدأ مع أم موسى بذلك الإلهام الذي سلم به ابنها، وبشارتها برد ولدها موسى إليها بتحريم المراضع عليه، فصارت ترضعه جهارا نهارا وفي قصر عدوه فرعون.
- رحمة الله بهذه الأمة التي ساق في كتابها قصص أسلافنا لتستقي منها العبر والدروس التي تنفعها في أمور دينها ودنياها.
- إذا أراد الله شيئا، هيأ له أسبابه. فقصة موسى منذ ولادته إلى ختامها يظهر فيها هذا المهنى جليا.
- مهما بلغت الأمة من الضعف، فلا ينبغي لها الاستسلام للكسل عن السعي في حقوقها. وهذا نلحظه عندما مكن الله بني إسرائيل بعد ضعف.
- لن يقوم أمر دين الأمة ما دامت مقهورة ذليلة.
- الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، فقد خافت أم موسى على ولدها، وخاف موسى حين تحولت عصاه لحية، وحين ألقى السحرة عصيهم وحبالهم فتحولت لحيايا، وخاف قوم موسى حين أدركهم فرعون من خلفهم والبحر من أمامهم.
- من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، "لتكون من المؤمنين".
- الثبات في الشدائد من أعظم نعم الله، كما ثبت موسى حين أدركه فرعون وخاف قومه ولكن يقينه بالله ثبته.
- مهما تيقن العبد من أن وعد الله نافذ، فإنه لابد وأن يأخذ بالأسباب.
- جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال إذا انتفى المحذور وكانت ضرورة، كما حصل للمرأتين مع موسى.
-  جواز أخذ الأجرة على الرضاعة، كما حصل مع أم موسى التي كانت ترضع ولدها في قصر فرعون بل وتأخذ الأجرة عليه.
- أن قتل الكافر الذي له عهد لا يجوز، وشاهده حين تاب موسى من قتله للقبطي.
- أن إخبار الغير بما قيل فيه على وجه التحذير لا يكون نميمة، وشاهده عندما جاء الرجل يسعى إلى موسى محذرا من عزم قوم فرعون على قتله لقتله القبطي.
- من تيقن أنه سيهلك في مكان ما، فليس عليه أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، كما حصل مع موسى حين خرج من المدينة خائفا يترقب.
- حين اجتماع مفسدتين لابد من ارتكاب إحداهما فالأولى فعل الأخف منها دفعا لما هو أعظم، شاهده عندما خرج موسى من المدينة لا يدري الطريق.
- الترغيب في استهداء الله في كل حين، ويتعين عند حين التردد بين أمرين.
- سمو أخلاق الأنبياء. في التعامل مع الخالق والمخلوق.
- التوسل إلى الله كما يكون بأسمائه وصفاته، فإنه يكون أيضا بإظهار الضعف والعجز.
- الحياء والمكافأة على الإحسان من دأب الصالحين.
- لا يلام العبد الذي قام بالعمل لوجه الله ثم جاءته المكافأة عليه دون تشوف منه.
- جواز الإجارة على العمل المقيد بشروط.
- جواز أن يخطب الولي لابنته.
- القوة والأمانة من أهم الشروط لحصول تمام الأعمال في الولايات أو الخدمات أو الصناعات.
- من أبرز من يجب أن يلحظ حسن خلق المرء هم خاصة أهله.
- جواز اتخاذ الله وكيلا حين عقد المعاملات من إجارة وغيرها ولا يشترط أن يستشهد فيه الخلق.
- تظهر قدرة الله التي لا حدود لها في قصة موسى وهارون مع فرعون ومع قومهم.
- كمال الله وحكمته في تدبيره للأمور وفي خلقه وفي شرعه.
- لن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا وكلها تحت مشيئة الله وقدره، فاتباع ذات الأمور يعطي ذات النتائج.
- من أعظم العقوبات أن يكون المرء متزعما للشر وأهله.
- ثبوت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته لإخبارنا بقصص السالفين التي أثبتتها بقية الكتب.
- جواز استصحاب العصا لما لها من الفوائد أثناء التنقل والسفر.
- الرحمة بالبهائم والإحسان إليها.
- الحث على الإحسان للأخ، فما أروع إحسان موسى لأخيه حين طلب من ربه أن يكون نبيا معه.
- الفصاحة والبيان مما يعين على التعلم: "وأخي هارون هو أفصح مني فأرسله معي"
- اللين والرفق في الدعوة وغيرها.
- معية الله لا تفارق من كان في طاعة لله، مستعينا به، واثقا بوعده، راجيا ثوابه.
- أس الأسباب لحلول العذاب: التكذيب، والتولي.
- التوبة والإيمان والعمل الصالح والسعي في تحقيق أسباب الهداية لهي أكبر العوامل التي يدرك بها المرء مغفرة الله.
- الائتمار بأمر الأمير واجب، فكم حاول هارون أن يثني السامري ومن عبد العجل معه عن فعلهم التزاما منه بقول أخيه الذي أمره على القول وخلفه عليهم من بعده.

5. قصة أصحاب الكهف.
• من هم أصحاب الكهف؟
قال تعالى: " أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلاَء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا". الكهف [
هم فتية وفقهم الله، وألهمهم الإيمان، وعرفوا ربهم، وأنكروا ما عليه قومهم من عبادة الأوثان، وقاموا بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم، خائفين من سطوة قومهم، سألوا الله تيسير أمرهم حيث لم يستطيعوا إظهار إيمانهم بالله وحده.
• إيواؤهم الكهف ونومهم الطويل فيه:
قال تعالى: "وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا". الكهف [
أووا إلى غار يسره الله غاية التيسير، واسع الفجوة، بابه نحو الشمال لا تدخله الشمس، لا في طلوعها ولا في غروبها، فناموا في كهفهم بحفظ الله ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، وقد ضرب الله عليهم نطاقا من الرعب على قربهم من مدينة قومهم، حفظهم الله في الغار، وكان يقلبهم أثناء نومهم لئلا تُبلي الأرضُ أجسادهم.

• بعثهم من النوم بعد مضي ثلاثمائة وتسع سنين وتوكيل أحدهم في التزود من الطعام لهم:
قال تعالى: " َكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا". الكهف [
بعد أن قدر الله عليهم الاستيقاظ، ابتعثوا أحدهم ليتزود لهم من الطعام أشهاه، مع الحرص على ألا يكتشف أمرهم، لئلا يجبروا على العودة إلى الشرك.

• اكتشاف أمرهم من قبل أهل مدينتهم:
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا، وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا". الكهف [
استدل بعض أهل مدينتهم على مكانهم في الكهف، لاحقين بأحد الفتية الذي ذهب ليستجلب لهم الطعام، ولكنهم وجدوهم قد ماتوا وفارقوا الحياة حقا هذه المرة.
- الفوائد:
-
 عظمة الله، وقدرته لا حد لها، وما قصة أصحاب الكهف العجيبة إلا مثال على قدرة الله اللامتناهية، ففي تقدير الله وتدبيره ما هو أعجب منها.
 من أوى إلى الله، آواه الله ولطف به.
- الحث على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
- الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
- صحة الوكالة في البيع والشراء وصحة الشركة في ذلك، حين انتدبوا من يذهب ليجلب لهم الطعام.
- جواز أكل الطيبات، والتخير من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه.
- الحث والتحرز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر.
- بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم لأوطانهم وعوائدهم في الله.
- ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
- اقتراح القوم ببناء المسجد في مكان أصحاب الكهف لهم دليل على أنهم أهل تدين، لأنهم اختاروا بناء أعظم مكان تعظمه نفوسهم واختاروه لهذا المكان. وهذا ممنوع شرعا في شريعتنا.
- تنبيه القرآن بعدم البحث المطول فيما لا جدوى إيمانية من ورائه لحري بنا اتباعه فلا ننهمك في البحث عما لا طائل له في زيادة إيماننا، ولسنا مطالبين به.
- النهي عن استفتاء من لا علم له.

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
• الحكمة من إنزال القرآن مفرقا:
لتناسب نزوله مع مناسبات السيرة، فكان هذا أعظم معين على فهم آيات القرآن وأثبت له.
الدليل:
قال تعالى: "كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا".
وقال: "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ".
• مقامات من مناسبة نزول بعض الآيات بما يوافقها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
 أولا: حاله قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام:
بغضت إليه عبادة الأوثان وكل قول قبيح، وفطرته كانت سليمة متهيئة لقبول الحق قولا وعملا. ويدل على ذلك تحنثه في غار حراء الليالي ذوات العدد، متعلقا بربه، يتعبد بالعبادات التي وصل إليه علمه في محيط يعج بالجهل. وكان حسن الخلق مع كل من عرفه. وقد كان يرى الرؤيا فتجيء كفلق الصبح.
 ثانيا حاله بعد البعثة:
أ‌. بدء البعثة بنزول "اقرأ باسم ربك الذي خلق"
حين أتم من عمره الأربعين عاما، وتمت قوته العقلية، وصلح لتلقي أعظم رسالة، تبدى له جبريل ذو المنظر المهيب، فهاله وأزعجه ما رأى، فقال له جبريل: اقرأ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنا بقارئ)، حيث لم يكن يحسن القراءة والكتابة لأميته. ثم غطه جبريل مرتين أو ثلاثا ليهيئه لتلقي القرآن العظيم، ويتجرد قلبه وهمته وظاهره وباطنه لذلك، فكان أول ما نزل من القرآن: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، معلنة بدء نبوته، فالأمر بالقراءة باسم ربه فيها أصناف نعمه على الإنسان بتعليمه البيان العلمي، والبيان اللفظي، والبيان الرسمي.
فذهب مسرعا إلى زوجه خديجة مرتعدة فرائصه، مخبرا إياها بما رآه، فطمأنته الزوجة الحانية الحكيمة بكلمات أسكنت قلبه، حيث قالت له: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، أي: ومن كانت هذه صفته فإنها تستدعي نعما من الله أكبر منها وأعظم، وكان هذا من توفيق الله لها ولنبيه، ومن تهوين القلق الذي أصابه.

ب‌. بدء الرسالة بنزول "يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ".
فتر الوحي مدة بعد آيات العلق التي بدأت فيها نبوته عليه الصلاة والسلام، ليشتاق إليه، وليكون أعظم لموقعه عنده، فجاءه جبريل مرة أخرى على صورته، فانزعج وذهب إلى خديجة ترعد فرائصه، فقال لها: (دثروني دثروني)، فأنزل الله: "يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ". وبهذه الآيات أعلنت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الأمر بدعوة الخلق وإنذارهم، فكان لها أهلا، وقام بها خير قيام.

ت‌. في فترة فتور الوحي نزلت سورة الضحى:
يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك من سيعارضه، فقد سخر الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم في فترة فتور الوحي، فقالوا: إن ربه قلاه. فأنزل الله آيات سورة الضحى مدافعا فيها عن نبيه، فأيده بهذا الدين العظيم ونصره عليهم. فأظهرت الآيات اعتناء الله بنبيه، ونفي كل نقص عنه، وبشرته بأن كل حالة له ستكون أحسن مما قبلها، وأن الله ناصره وناصر دينه الذي سيكثر أتباعه وينتشر في أصقاع الأرض.

• ث. مقامات القرآن في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
1. التوحيد أعظمها. فقد قرر سبحانه في كتابه في أكثر من موطن وجوب تحقيق التوحيد الخالص له وحده، ونفي ما سواه من الشرك. وصرّف هذا بطرق عديدة، مبينا طريقه، مبطلا ضده ألا وهو الشرك محذرا منه. فكان مدار السور المكية عليه. فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، مع علم من عارضه بأنه الصادق الأمين، ولكنه الكبر والجحود، قال تعالى: "فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ".
- فلما عارض الكفار الحق بإرادتهم، جعل تعالى على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر، وقلب أفئدتهم، وأصم آذانهم عن سماع الحق، وأعمى أبصارهم عن مشاهدة أنواره. وبهذا نفهم آيات القرآن التي أخبرنا الله فيها أنه قد أضلهم، ومثاله قوله تعالى: "فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ".
فحين اختاروا لأنفسهم الضلال وأصروا عليه، أضلهم الله، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
- أما المؤمنون، فلما كانوا منصفين لا يبغون سوى الحق، ولا همّ لهم سوى مرضاة الله، هداهم الله بالقرآن، فقال تعالى: "يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
فكان هذا الوصف لهم هو الأساس لهدايتهم، وزيادة إيمانهم، فنفهم آيات الكتاب التي وصفتهم بسرعة الانقياد للحق.

2. النبي صلى الله عليه وسلم:
- حديث القرآن عن ذم الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بوصفه بأوصاف لا تليق:
تنوعت طرق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته للمكذبين أملا في هدايتهم، فكان يدعوهم أفرادا ومتفرقين، مذكرا إياهم بالقرآن العظيم. ولكنهم كانوا يصمون آذانهم، ويسبونه ويسبون من أنزله. فجاءت آيات الكتاب تبين حالهم مع القرآن ونفورهم منه، ومتابعتهم لمن ينفّر عنه. فها هي آيات سورة المدثر التي تصف رأس الكفر الوليد بن المغيرة: "ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا، وبنين شهودا، ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر". فنرى كيف وصفوا القرآن بأقوال متناقضة، فتارة يقولون: إنه سحر، وتارة أنه كهانة، وتارة أنه شعر، وتارة أنه كذب، وتارة أنه أساطير الأولين، وجعلوا القرآن عضين، وما ذلك إلا بغضا لهذا الكتاب العظيم، فأبطل تعالى أقوالهم ودحض أكاذيبهم وافتراءاتهم.
- حديث القرآن عن الأوصاف التي وصف الكفار بها النبي صلى الله عليه وسلم:
قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص فيه عليه الصلاة والسلام، فقالوا: لو أن محمدا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليه عقولهم الفاسدة. وقد نقل لنا القرآن أقوالهم وبيّن أنها ليست ذمّا بالنبي صلى الله عله وسلم وغير قادحة برسالته.
- حديث القرآن عن طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوقف عن عيب آلهتهم:
كم رغب الكفار في أن يكف النبي عن الطعن في دينهم، والتنقص من آلهتهم، لعلمهم بأن هذا الأمر سيسفه عبادتهم لتلك الآلهة، وظهر بطلانها وبطلان تعظيمهم لها. فذكر القرآن هذا المقام: "ودوا لو تدهن فيدهنون"، وقد نهى تعالى عن سب آلهة الكفار لئلا يسبوا الله: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ".
- حديث القرآن على اقتراحهم للآيات:
كان اقتراح الكفار تبعا لأهوائهم.
أ‌. فتارة يقدحون بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال طلبهم للآيات الدالة على صدقه، يقولون له: إن كنت صادقا فاءتنا بعذاب الله أو بما تعدنا، أو أزل عنا جبال مكة، أو فجر لنا من الأرض ينبوعا، فيجيبهم الله على اقتراحاتهم تلك: بأن الله هو من أنزل الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه وحده من يختارها، وما اقتراحاتهم إلا جهل منهم ومشاغبة محضة. وتارة يخبرهم بأنه تعالى ما منع عنهم تلك الآيات المقترحة إلا حفاظا عليهم، وأنها حتى لو جاءت، فلن يؤمنوا.
ب‌. وتارة يقدحون بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال اعتراضهم على الله، فيقولون له: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، وأنت يا محمد لست كذلك، فلماذا تفضل علينا بالوحي؟ فيرد الله عليهم: "الله أعلم حيث يجعل رسالته". ويشرح القرآن لهم صفاته عليه الصلاة والسلام
- حديث القرآن عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ورحمته بهم، قال تعالى: " َقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ". فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين، وهو يدعو إلى الله على بصيرة.
- حديث القرآن عن حادثة الإسراء والمعراج التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي فرضت الصلاة في معراجه عليه الصلاة والسلام إلى ما فوق السماوات السبع قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. وقد جاءت هذه الحادثة مواساة للنبي صلى الله عليه وسلم عن الجفاء الذي عاناه من اضطهاد أهل مكة له وللمسلمين. فقد هاجر بعضهم إلى الحبشة هربا بدينهم، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت دار الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة، فلحقهم الكفار، ولكنهم لم يصلوا إليهم، حيث حفظهم الله باحتمائهم بالغار. قال تعالى: "إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
- حديث القرآن عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم:
1. غزوة بدر: التي وقعت بالسنة الثانية للهجرة، وذكرت في سورة الأنفال، و سببها هو طلب النبي صلى الله عليه وسلم لعير قريش التي تحمل تجارة قريش الكبيرة، فخرجت قريش لحمايتها، ولكن الله قدر أن يلتقي الجيشان على غير ميعاد منهم، فهزم الله قريشا شر هزيمة.
وبعد النصر الذي تحقق للمسلمين في بدر، دانت المدينة للإسلام، فمن أهل المدينة من دخل الإسلام حقا، ومنهم من دخله نفاقا، لذلك نلحظ أن الآيات التي تحدثت عن المنافقين كانت بعد غزوة بدر.
2. غزوة أحد: التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة، وذكرت في سورة آل عمران. وسببها: أن المشركين جيّشوا جيوشهم على أطراف المدينة طالبين قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد استعد لقتالهم، فتخندق المسلمون في الأماكن التي عينها النبي لهم، فكانت الدائرة على المشركين بداية، لكن الحال تبدلت حين خالف الرماة وصية النبي صلى الله عليه وسلم فتركوا أماكنهم، فأوتي المسلمين من قِبلهم.
3. غزوة بدر الآخرة في السنة الرابعة للهجرة، وذكرت في آل عمران. وسببها: أن المسلمين تواعدوا مع المشركين، ولكن المشركين اعتذروا فكتبها الله غزوة للمسلمين: " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ".
4. غزوة الخندق: التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة. وسببها مظاهرة المشركين من أهل الحجاز وأهل نجد ويهود بني قريظة لبعضهم البعض على غزو النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله هدى المسلمين لحفر الخندق، الذي حال بينهم وبين الاصطدام بجيش الأحزاب. فتحدثت سورة الأحزاب عن تفاصيل الغزوة، بداية من: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا"
5. عمرة الحديبية: التي وقعت في سنة ست للهجرة. وسببها عزم النبي صلى الله عليه وسلم لأداء العمرة، ولكن المشركين منعوه وصحابته من دخول مكة، وعقد معهم صلحا حقنا للدماء، فصار الصلح على أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعتمر في هذا العام، على أن يعود العام القادم. فجاءت سورة الفتح تصف مشاهد ما حدث، حيث كانت عمرة الحديبية توطئة لفتح مكة الذي دخل فيه الناس للإسلام أفواجا.
6. أما سورة الحشر فقد تحدثت عن بني النضير الذين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتموا بحصونهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم وأجلاهم عن المدينة.
7. وفي السنة الثامنة للهجرة، نقضت قريش العهد الذي بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فعزاهم النبي في جيش كثيف، فدخل مكة فاتحا، ثم تممها بغزوة حنين، فتحقق النصر للمسلمين. فجاءت سورة التوبة تصف هذا المشهد من السيرة.
8. غزوة تبوك: وقعت في السنة التاسعة من الهجرة. خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون، ولم يتخلف إلا ثلاثة: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدا، والحر شديدا، والعدو كثيرا، ولكن القتال لم يحصل، ورجع النبي للمدينة، فأنزل الله في ذلك آيات من سورة التوبة، في وصف دقيق للأحداث.
وقد تخلل هذه الغزوات، ذكر الله لآيات الجهاد وفرضه وفضله وثواب أهله وعقاب الناكلين عنه، وهكذا كانت الأحكام الشرعية تنزل شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه حكمة الله.
وفي السنة التاسعة فرض الله الحج على المسلمين، فحج أبو بكر بالناس، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتم عهود الذين لم ينقضوا. وفي السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وسلم واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج وأحكامه، فنزلت آية المائدة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" في يوم عرفة.
- الفوائد:
معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لهي من أعظم ما يعين على معرفة تفسير كتاب الله، فقد كان القرآن ينزل تبعا لمناسبات سيرته، وما يقوله للخلق، وجواب ما يقال له، وما يحصل به تحقيق الحق الذي جاء به، وإبطال المذاهب التي جاء لإبطالها.
نفع الله بك؛
ب
إليك بعض الملاحظات:
- المطلوب هو التلخيص, فعند الكتابة نضع هذا في الحسبان.
- في التلخيص نقوم بجمع المسائل التي تندرج تحت مبحث واحد ونضعه تحت عنوان رئيسي يجمعه, فلعلك ترجعي للملاحظات التي وضعتها, وقيسي عليها الباقي.
- الفوائد نذكرها جميعا في مبحث واحد
- المسائل الاستطرادية نذكرها في نهاية كل تلخيص.
- احرصي على ترتيب العناصر حتى لا يشعر القارئ بالتشت والضياع عند انتقاله من مسألة إلى أخرى, وتُكرر عليه المسائل بصور مختلفة.
- بعد اختيار عنوان العنصر؛ لخصي ما جاء تحته من مسائل وتجنبي الإطالة والاستطراد, بل ضعيها شبيهة برؤوس الأقلام

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20 شوال 1443هـ/21-05-2022م, 01:27 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,625
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شيرين العديلي مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس مذاكرة القسم الثاني من "خلاصة تفسير القرآن"

المجموعة الخامسة:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:

1. تفسير آيات الحدود.
1. القصاص:
الفوائد المستنبطة:
[لا نبدأ عادة بالفوائد]
• فرض الله على عباده القصاص في القتلى لإقامة العدل بينهم
• يقتل القاتل عمدا على الصفة التي قتل عليها المقتول
• يجب على أهل القاتل وعل القاتل نفسه إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل
• الذكر يقتل بالأنثى، كما تقتل الأنثى بالذكر لقوله تعالى {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] يدخل في منطوقها وفي منطوق قوله: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وما دلت عليه السنة الصحيحة حيث قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي بالجارية.
• يخرج الأبوان وإن علوا من عموم القصاص، فلا يقتلان بالولد لورود السنة بذلك.
• المسلم لا يقتل بالكافر لثبوت السنة بذلك
• الحر لا يقتل بالعبد لكونه غير مساو له ودليله قول الله تعالى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178]
• الأصل وجوب القود في العمد العدوان، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]
• إذا عفا ولي المقتول فيجب عليه أن يتبع القاتل بالمعروف من غير أن يشق عليه ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب ولا يحرجه.
• على القاتل أداء إليه بإحسان من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فعلية أو قولية كما قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدا سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى»
• الحث على العفو إلى الدية، وأكمل من ذلك العفو مجانا.
• القاتل عمدا لا يكفر؛ لقوله تعالى: {عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178] لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإسلام.
• إن كان القاتل عمدا لا يكفر فمن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، أن لا يكفر صاحبها، ولكنه يستحق العقاب، وينقص بذلك إيمانه إن لم يتب.
• الحكمة من مشروعية القصاص هو حقن دماء المسلمين؛ لأن من عرف أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ لا يكاد يصدر منه قَتْلٌ؛ وإذا رئي القاتل مقتولا انزجر غيره بذلك كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]
• أمر الله عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبير ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذا الوصف فقد استحق الثناء والمدح بأنه من ذوي الألباب.

2. الزنا
• حد الزاني غير المحصن من ذكر أو أنثى يجلد مائة جلدة.
• يجب أن تكون الجلدات مؤلمة وزاجرة وليست مهلكة.
• يتعين أن يكون ذلك علنا لا سرا بحيث يشهده طائفة من المؤمنين؛ بغية قمع الجرائم، وإظهارا لشعائر الدين.
• وردت السنة بتغريب الزاني غير المحصن عام كامل عن وطنه مع الجلد.
• تواترت السنة وأجمع المسلمون على رجم الزاني المحصن، يرجم بالحجارة حتى يموت.



3. السرقة
• السرقة من كبائر الذنوب
• حد السرقة قطع يده اليمنى كما هي قراءة بعض الصحابة، واليد إذا أطلقت فهي الكف إلى الكوع فقط
• عند قطع اليد وجوبا يجب وضعها في زيت أو ودك مغلي لتنسد العروق فيقف الدم.
• لتحقيق السرقة لا بد أن تتوافر فيها ما يلي:
أ‌. أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ذلك.
ب‌. أن يكون المأخوذ منه حرزا، وحرز كل مال ما يحفظ به عادة، فلو سرق من مال غير محرز فلا قطع عليه
• إن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد فقيل تقطع يده اليسرى، ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت، وورد في ذلك آثار عن السلف مختلفة.
• الحكمة من قطع يد السارق؛ تنكيلا للمجرمين، وحفظا للأموال.
• ذكر الله قبل هذا حد قطاع الطريق المحاربين في قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} [المائدة: 33]
• عقوبة قطاع الطريق مرتبة بحسب الجريمة؛ فإن جمعوا بين القتل وأخذ المال جمع لهم بين القتل والصلب، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلوا ولم يصلبوا، وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون إلى بلد، أو يحبسون كما قاله بعضهم.

***************************************

2. قصة آدم عليه السلام
• اقتضت حكمة الله أن يجعل في الأرض خليفة يخلف من كان قبله من المخلقات التي لا يعلمها الا الله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]
• تعظيم الملائكة لربهم باستفسارهم عن خلق ادم الذي قد يكون يخلف من قبله من المخلوقات التي عاثت فسادا وسفكت الدماء.
• الله محيط بعلمه الواسع، وكمال قدرته يعلم ما يخفى على الملائكة وعلى جميع خلقه، وأنه لا يخلق شيئا عبثا وأن كل شيء لحكمة.
• الإعجاز في خلق آدم بحيث خلقه الله بيده تشريفا له على جميع المخلوقات، وقبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها، وطيبها وخبيثها، ليكون النسل على هذه الطبائع، فكان ترابا أولا، ثم ألقى عليه الماء فصار طينا، ثم صار حمأ مسنونا، ثم أيبسه بعدما صوره فصار كالفخار الذي له صلصلة. فلما تكامل خلق جسده، نفخ فيه الروح فأصبح إنسان أعده لكل علم وخير، ثم أتم عليه النعمة، فعلمه أسماء الأشياء كلها.
• أراد الله أن يبين للملائكة عظم خلق آدم فطلب منهم أن يذكروا أسماء الأشياء فلم يعرفوا .. وطلب من آدم ذكرها فسماها جميعا، وبهذا إشارة إلى كمال آدم.
• أمر الله الملائكة بالسجود لآدم لإظهار تعظيمهم له، فقال للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]، فسجدوا كلهم طاعة لأمر ربهم.
• عصيان إبليس لأمر ربه – إبليس من الجن مخلوق من نار السموم- وكان مبطنا للكفر بالله، والحسد لهذا الإنسان الذي فضله الله هذا التفضيل؛ فحمله كبره وكفره على الامتناع عن السجود لآدم كفرا بالله واستكبارا.
• الكفر والاستكبار والإباء من ابليس وشدة النفار هو السبب الوحيد أن يكون مطرودا ملعونا، فقال الله له:{فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13]
• وطن إبليس نفسه أن يدعو ذرية آدم بقوله وفعله وجنوده إلى أن يكونوا من حزبه الذين كتبت لهم دار البوار.
تمكين الله إبليس من ذرية آدم بلأفعال والأقوال ليصفي منهم الخبيث من الطيب؛ فمن كان خبيثا في نفسه يتبع إبليس وإغواءاته، ومن كان نقيا مؤمنا حماه الله بسور منيع حصين من إبليس وزودهم بسلاح لا يمكن لعدوهم مقاومتهم بكمال الإيمان بالله، وقوة توكُّلهم عليه: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]
• من عناية الله بخلقه أن أرسل لهم الأنبياء ليبينوا لهم طرق الهداية وسبل الرشاد وكيف يحموا أنفسهم من عدوهم إبليس.
• خلق الله حواء من جنس آدم لتتم المقاصد المتعددة من الزواج والالتئام، وتنبث الذرية. وحذرهما من إبليس وغوايته.
• أمر الله آدم وزوجته أن يتمتعوا بأكل ثمار الجنة باستثناء شجرة واحدة نهاهما عنها.
• قال الله لآدم في تمتيعه بهذه الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118 - 119]
• لما رأى إبليس سرور آدم بهذه الجنة، ورغبته العظيمة في دوامها، جاءه بصورة الصديق الناصح، فقال: يا آدم، هل أدلك على شجرة إذا أكلت منها خلدت في هذه الجنة ودام لك الملك الذي لا يبلى؟ فلا زال يوسوس لهما حتى أكلا من الشجرة.
• عقوبة آدم ظهرت عليهما مباشرة، وتابا توبة نصوحة فعفى الله عنهما، ولكن أمر الله في نزولهما للأرض كان مقضيا ومحتما لأنه الشرط مقابل الأكل من تلك الشجرة.
• بث الله من آدم وزوجه رجالا كثيرا ونساء، ونشرهم في الأرض، واستخلفهم فيها؛ لينظر كيف يعملون

الفوائد المستنبطة من قصة آدم عليه السلام:
• هذه القصة العظيمة من أعظم القصص التي اتفقت عليها الرسل، ونزلت بها الكتب السماوية، واعتقدها جميع أتباع الأنبياء من الأولين والآخرين.
ظهور فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، فأنكروا آدم وحواء، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيوانا قردا، أو شبيها بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، فصدق عليهم قوله تعالى:
{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]
• ظهور طائفة فسرت سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين، وأن المواد الأرضية والمعدنية ونحوها قد سخرها الله للآدمي، فهذا تحريف لكتاب الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة، وأنه إذا أولت هذه القصة إلى هذا التأويل توجه نظير هذا التحريف لغيرها من قصص القرآن، وانقلب القرآن رموزا يمكن كل عدو للإسلام أن يفعل بها هذا الفعل، فيبطل بذلك القرآن، وتعود هدايته إضلالا، ورحمته نقمة.
• بيان لفضيلة العلم، إذ لما تبين للملائكة فضل آدم بعلمه، عرفوا بذلك كماله، وأنه يستحق الإجلال والتوقير.
• العلم أعظم المنن، وشكر هذه النعمة الاعتراف لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجهال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه.
• الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكبر إبليس وحسده لآدم صيره إلى ما ترى، وحرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة.
• المبادرة إلى التوبة والاعتراف حال الوقوع بالذنب.
• إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات، ولا بين صفات الأفعال، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
• إثبات اليدين لله كما هو في قصة آدم صريحا: لما خلقت بيدي، فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته تعالى لا تشبهها الصفات. ( ليس كمثله شيء)

**************************

3. قصة شعيب عليه السلام
• أرسله الله إلى أهل مدين، حيث كانوا مشركين ويبخسون المكاييل والموازين.
• عدم استجابة أهل مدين لشعيب، بل سخروا منه وردوا عليه متهكمين فقالوا:{يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]
• إن تغيير أمر بقوم يبدأ بتغيير الأمر من أنفسنا أولا وهذا ما فعله شعيب مع أهل مدين حيث قال أنه أول من سينتهي عما يفعلون فقال {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]
• ذكر أحوال الأمم السابقة للوعظ إحدى وسائل الدعوة المؤثرة والبليغة فقال لهم شعيب: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89]
• الطغيان والعناد وكره الحق واحتقارهم للناصح الأمين لهم، كان من صفاتهم أيضا (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ - قَالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 91 - 92]
• آخر الأمر استخدم شعيب أسلوب التهديد لهم فأنذرهم عقاب الله وعذابه وسخطه. وبهذا يتبين لنا منهج الدعوة أن تكون باللين والنصح ثم بالتهديد والوعيد {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ - وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 93 - 94]
• كان عاقبة أهل مدين أن أرسل الله عليهم حرا أخذ بأنفاسهم حتى كادوا يختنقون من شدته، ثم في أثناء ذلك أرسل سحابة باردة فأظلتهم، فتنادوا إلى ظلها غير الظليل، فلما اجتمعوا فيها التهبت عليهم نارا، فأحرقتهم وأصبحوا خامدين معذبين مذمومين ملعونين في جميع الأوقات.
الفوائد المستنبطة من قصة شعيب:
• أن بخس المكاييل والموازين خصوصا، وبخس الناس أشياءهم عموما من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة.
• أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة إليها أعظم، ولهذا كان الزنا من الشيخ أقبح من الشباب، والكبر من الفقير أقبح من الغني، والسرقة ممن ليس بمحتاج أعظم من وقوعها من المحتاج؛ لهذا قال شعيب لقومه: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84]
• الحث على الرضا بما أعطى الله، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} [هود: 86]
• الصلاة سبب لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وللنصيحة لعباد الله، وقد علم ذلك الكفار بما قالوا لشعيب: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]
• أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية، داخل تحت حجر الشريعة، فما أبيح له منها فعله، وما منعه الشرع تعين عليه تركه.
• الناصح للخلق الذي يأمرهم وينهاهم من تمام قبول الناس له: أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين؛ لقول شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]
• الأنبياء جميعهم بُعثوا بالإصلاح والصلاح، ونهوا عن الشرور والفساد لذا قال شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]
• الداعي إلى الله يحتاج إلى الحلم وحسن الخلق ومقابلة المسيئين بأقوالهم وأفعالهم بضد ذلك.

****************************

4. قصة أيوب عليه السلام
• أيوب من أنبياء بني إسرائيل، ومن الأصفياء الكرام.
• امتاز أيوب بالصبر على البلاء خصوصا فإن الله تعالى ابتلاه بولده وأهله وماله، ثم بجسده.
• لا ملجأ من الله إلا إليه، فهو الشافي الكافي المعافي، لذا دعا أيوب ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]
• استجاب الله دعاءه فالله المجيب لدعاء عباده المؤمنين ، فقال له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]
• وفر الله لأيوب أسباب الشفاء من البلاء، فأوجد له عين ماء بارد يشرب منها ويغتسل ليتعافى جسده،
الفوائد المستنبطة من قصة أيوب عليه السلام:
• الصبر على البلاء ودعاء الله واللجوء إليه هو اعتراف بضعف العبد أما الله وقوته وأنه لا حول ولا قوة له إلا بالله، فيكرمه الله على صبره وشكره.
• كفارة اليمين لم تشرع لأحد من قبل شريعتنا، فكان اليمين عند أيوب يعتبر نذرا لا بد من وفائه، حينما حلف أن يجلد زوجته مئة جلده، لإوعزه الله أن يمسك حزمة من حشيش يجلدها به حتى لا يحنث بيمينه.
• يستدل من قصة أيوب وجلده لزوجته بالحشيش أنه من لا يحتمل إقامة الحد عليه لضعفه ونحوه أنه يقام عليه مسمى ذلك؛ لأن الغرض التنكيل ليس الإتلاف والإهلاك.

********************************

5. قصة الخضر مع موسى عليه السلام
• أرسل موسى إلى بني إسرائيل ومعه من العلوم الجمة ما معه، فأعجب الناس بكمال علمه.
• حكمة الله البالغة أنه مهما بلغ الإنسان أعلى مرتبة من الشيء فلا بد أن يجد من هو أعلا منه، فمبلغ علم موسى أنه لا يوجد من هو أعلم منه، فأخبره الله بوجود رجل ( الخضر ) يحوي علما ليس عند موسى.
• رغب موسى بالاستزادة من العلوم، فطلب من الله لما بلغه عن الخضر، أن يلاقيه، فإذن الله له.
• تحتوي سورة الكهف على قصة الخضر مع موسى عليه السلام .


الفوائد المستنبطة:
• فضيلة العلم وشرفه، ومشروعية الرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور.
• البداءة في العلم بالأهم فالأهم، فإن زيادة علم الإنسان بنفسه أهم من ترك ذلك اشتغالا بالتعليم فقط، بل يتعلم ليعلم.
• جواز أخذ الخادم في السفر والحضر لكفاية المؤن وطلب الراحة، كما فعل موسى صلى الله عليه وسلم.
• السفر لطلب العلم أو الجهاد أو غيرهما يعتبر من أسفار الطاعة.
• إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، وكذلك النقص، لقول فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63]
• جواز إخبار الإنسان عما يجده مما هو مقتضى الطبيعة البشرية، من نصب أو جوع أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط، وكان صدقا لقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]
• ينبغي أن يتخذ الإنسان خادما ذكيا فطنا كيِّسا ليتم له أمره الذي يريد.
• استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا؛ لأن ظاهر قوله: {آتِنَا غَدَاءَنَا} [الكهف: 62] أنه للجميع.
• المعونة تنزل على العبد بحسب قيامه بالأمر الشرعي، وأن ما وافق رضا الله يعان عليه ما لا يعان على غيره لقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]
• الخضر ليس نبيا، بل هو عبد صالح عالم ملْهَم؛ لأن الله ذكره بالعلم والعبودية الخاصة والأوصاف الجميلة، ولم يذكر معها أنه نبي أو رسول.
• العلم الذي يعلمه الله للعبد نوعان: علم مكتسب، يدركه العبد بطلبه وجدّه، وعلم إلهي لدنِّي، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده، لقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] فالخضر أعطي من هذا النوع الحظ الأوفر.
• التأدب مع المعلم والتلطف في خطابه لقول موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66].
• تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مهر فيه مع تواضعه، وإن كان دونه في العلم درجات.
• يتعين إضافة العلم وغيره من الفضائل إلى فضل الله ورحمته، والاعتراف بذلك، وشكر الله عليه لقوله: {تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]
• العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: {أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]
• من ليس له صبر على صحبة العَالم، ولا قوة على الثبات على طريقة التعلم، فإنه قاصر ليس بأهل لتلقي العلم.
• مما يعين على الصبر على الأشياء إحاطة العبد بها علما، وبمنافعها وثمراتها ونتائجها، فمن لا يدري هذه الأمور يصعب عليه الصبر لقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 68]
• الأمر بالتأنِّي والتثبت وعدم المبادرة على الحكم على الأشياء حتى يعرف ما يراد منه، وما هو المقصود.
• مشروعية تعليق إيجاد الأمور المستقبلة على مشيئة الله لقوله: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69] وإن العزم على الشيء ليس بمنزلة فعله، فموسى عزم على الصبر، ولكن لم يفعل.
• المعلم إذا رأى من المصلحة أن يخبر المتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن التدقيق الشديد أو الأسئلة التي لا تتعلق بالموضوع، ومنها: جواز ركوب البحر إذا لم يكن في ذلك خطر.
• الناسي غير مؤاخذ، لا في حق الله ولا في حق العباد، إلا إن ترتب على ذلك إتلاف مال، ففيه الضمان حتى على الناسي لقوله: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف: 73]
• ينبغي للعبد أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون.
• الأمور تجري على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية في كل شيء، فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرق السفينة، وقتل الغلام بحسب أحكامها العامة، ولم يلتفت إلى الأصل الذي أصَّلاه، هو والخضر، أنه لا يسأله ولا يعترض عليه حتى يكون الخضر هو المبتدئ.
• التنبيه على القاعدة المشهورة الكبيرة، دفع الشر الكبير بارتكاب الشر الخفيف، ويراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإن قتل الغلام الصغير شر، ولكن بقاءه حتى يبلغ ويفتن أبويه عن دينهما أعظم شرا.
• والتنبيه على القاعدة الكبيرة الأخرى، وهي: أن عمل الإنسان في مال غيره - إذا كان على وجه المصلحة ودفع المضرة - يجوز بلا إذن، حتى ولو ترتب عليه إتلاف بعض المال، كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم.
• العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر، لقوله: {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79]
• القتل من أكبر الذنوب.
• العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته، وما يتعلق به، لقوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82]
• استعمال الأدب مع الله حتى في الألفاظ؛ فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] وأما الخير فأضافه إلى الله لقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82]
• ينبغي للعبد أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ويترك صحبته، بل يفي له بذلك حتى لا يجد للصبر محلا، وأن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكُّدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة.

**************************

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
النبي قبل البعثة:
  • فطر النبي صلى الله عليه وسلم فطرة مستعدة متهيئة لقول الحق علما وعملا؛ حيث أن الله طهّر قلبه وزكاه وكمّله.
  • كان محمد مهيأ لتلقي لتلقي أعظم رسالة أرسل الله بها أحدا من خلقه.
أول البعثة:
  • الوحي الموكل بتبليغ النبي هو جبريل عليه السلام.
  • أول ما بدأت به النبوة الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح؛ إذ تبدَّى له جبريل صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا هاله وأزعجه.
  • ثم أرسل الله جبريل للنبي بقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] وهذا أول ما نزل من القرآن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
  • غط جبريل النبي مرتين أو ثلاثا ليهيئه لتلقي القرآن العظيم، ويتجرد قلبه وهمته وظاهره وباطنه لذلك.
  • جاء الأمر بإعلان الدعوة بقوله تعالى:{يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1 - 5]
  • تأييد الله للنبي وتقوية عزائمه، وأيَّده بروح منه، فأنزل الله: {وَالضُّحَى - وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى - مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 - 3]
أعظم مقامات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
  • دعوته إلى التوحيد الخالص، وإبطال الشرك وبه نزلت معظم السور المكية.
  • من مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مع المكذبين له دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
  • ومن مقاماته صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
موقف الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم:
  • معاداة الناس للنبي وتكذيبهم وافتراءهم عليه بالأباطيل، كما قال تعالى فيهم: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].
  • افتراء الكافرين على النبي وعلى القرآن فوصفوه بعدة وصوف بغية ابتعاد الناس عنه.
  • قابل النبي صلى الله عليه وسلم إساءات قومه بالحسنى واللين، والصبر.
معجزة الإسراء والمعراج:
  • مسرى النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة.
  • فرضت الصلاة على المؤمنين في ليلة الإسراء والمعراج .
  • تأييد الله النبي بتعليمه كل ما يتعلق بالدين كما أرسل له جبريل ليعلمه الصلاة وأوقاتها.
معجزة الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق:
  • مكر الكفار بالنبي في بحثهم كيفية قتله وتفرقة دمه بين القبائل.
  • معجزة الله في الغار ونصره لنبيه بالحمام والعنكبوت.
  • تعليم المسلمين أحكام دينهم وعباداتهم بشكل مفصل؛ كالزكاة والصيام، قال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 6 - 7].
غزوات النبي صلى الله عليه وسلم:
  • وقعت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة وبها أنزلت سورة الأنفال.
  • جميع الآيات التي نزلت في المنافقين كانت بعد غزوة بدر.
  • وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة. وتفاصيل الغزوة ذكرت في سورة آل عمران.
  • وقعت غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة، وحاصر المشركون المسلمين في المدينة عدة أيام وحال بينهم الخندق، حتى جاء نصر الله ويسر أسباب انخذال المشركين، {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10].
  • عداء المشركون للمسلمين وصدهم عن العمرة في سنة ست من الهجرة، فدخل النبي معهم في صلح؛ لحقن الدماء في بيت الله الحرام، ولما في ذلك من المصالح.
  • اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في العام 7 من الهجرة وتفاصيل هذه الأحداث نزلت في سورة الفتح بأكملها.
  • كان هذا الفتح فيه من الصلح الذي تمكن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور.
  • سنة ثمان من الهجرة نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلها النبي فاتحا لها، ثم تممها بغزو حنين على هوازن وثقيف، فتم بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة
  • سنة تسع من الهجرة غزا تبوك، ولم يتخلف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين، وثلاثة من صلحاء المؤمنين، فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة.

موقف اليهود وعقابهم:
  • عقوبة بني قريظة وحكم سعد فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فأنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله:
  • {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27].
  • جلاء يهود بني النضير الذين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتموا بحصونهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم وأجلاهم وقصتهم في سورة الحشر.
فرض الحج على المسلمين:
  • سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، فحج أبو بكر بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتم عهود الذين لم ينقضوا، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر واستوعب المسلمين معه.
  • تعليم المسلمين مناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

الفوائد المستنبطة:
1. معرفة السيرة النبوية إحدى طرق معرفة تفسير القرآن الكريم؛ حيث القرآن كان ينزل تبعا لمناسبات سيرته.
2. الحكمة من إنزال القرآن مفرقا إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل وليثبت به فؤاد النبي. قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 32 - 33].
3. سن الرشد والتبليغ هو أربعين سنة؛ إذ بها تتم قوة الإنسان العقلية.
4. دور الزوجة الحكيمة في تهدئة زوجه وتخفيف القلق عنه.
5. إحدى الطرق المؤثرة في تهدئة الإنسان عند خوفه أو مصابه، ذكر خلاله الطيبة وإظهار مواطن الحسن فيها فيهدأ روع النبي ويستكين.
6. محاسن الأخلاق مدعاة لكسب رضى الله ومحبته.
7. الحكمة في إضلال الضالين، بأنهم اختاروا لأنفسهم الضلال ورغبوا فيه، فرغب الله عنهم وتركهم في طغيانهم يعمهون، قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأعراف: 30]
الهجرة واجبة في حال عدم قدرة المرء على إقامة شعائر دينه في بلده.
8. دور الصاحب مع صاحبه في حله وترحاله كما فعل أبي بكر الصديق.
9. حسن الظن بالله والتوكل عليه مخرج لكل مأزق قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
10. مشروعية الجهاد في سبيل الله للدفاع عن الدين .
11. ما نراه سيئا قد يكون فيه الخير الكثير، ولله الحكم من قبل ومن بعد.
12. بيان أحكام الجهاد وفضله وثواب أهله من خلال الغزوات.
13. نزول الأحكام الشرعية شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه حكمته.

والله الموفق؛؛؛
نفع الله بك:
ب
في التلخيص نجمع المسائل المتشابهة ونجعل لها عنوانا رئيسيا ثم ندرج المسائل تحته ونضع ما يتعلق بها باختصار, وليس المراد تحويل الملخص كاملا إلى رؤوس أقلام مجموعة دون وضعها تحت عناصر رئيسية تجمعها.
مثلا: في آيات الحدود: [نضع عنوان رئيسي فيه: معنى القصاص, كذلك: أحكام القصاص, كذلك: الاستثناء في القصاص, وأيضا : أنواع الحدود...الخ, وهذا للتمثيل فقط]

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20 شوال 1443هـ/21-05-2022م, 01:37 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,625
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هنادي الفحماوي مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1. أحكام المواريث.
فوائد دراسة أحكام المواريث:
[الفوائد نذكرها في نهاية المبحث]
١- بيان كمال رحمة الله بتوصية الوالدين بأولادهم.
٢- بيان أصحاب الفروض والفروع حفظا للحقوق..
٣- حفظ الأموال من الضياع أو تسلط بعض الورثة على حقوق الاخرين.
٤- ترتيب الأولويات للمسلمين فالابتداء بدفع الديون ثم الوصايا ثم الفروض
٥- رفع مكانة المرأة بتخصيص الفروض لها بعد ان كانت محرومة منها..
٦- أن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في حياتهم وبعد موتهم.
ملخص أحكام الميراث
١- ان اجتمع الذكور والاناث فحينئذ يتقاسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين
2- اذا كانوا ذكورا فقط يتقاسمونه بالتساوي.
3- ان كن إناثا فان كانت واحدة فلها النصف وان كانتا اثنتين فلهما الثلثان
4- ميراث الأبوين: ان وجد أولاد المتوفى أو الأخوة مع الأبوين فللأم السدس.
وإن لم يوجد اولاد او أخوة فللأم الثلث
وللأب السدس مع وجود أحد من الأبناء الذكور ، وإن كن إناثا فقد يزيد على السدس بحكم أنه أقرب من الأخوة وبنيهم فجمع له بين الفرض والتعصيب.
وإذا انفرد فيأخذ المال كله أو ما ابقت الفروض..
5- ميراث الزوجين: الزوج يرث نصف ميراث زوجته ان لم يكن لها ولد والربع ان كان لها ولد
وان الزوجة لها الثمن وان تعددن في حال وجود الولد ولهن او لها الربع في حال عدم وجود الولد..
6- ميراث الأخوة من الأم لا يرثون الا في حال الكلالة يتساوون في الحصص الذكور والإناث
7- ميراث الأخوة لغير أم : الأنثى الواحدة لها النصف والثلثان للثنتين فأكثر وان اجتمع رجال ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين.


2. أحكام الأطعمة والأشربة والصيد.
١- الأصل في الأشياء الحل الا ما حرم الله ورسوله في الكتاب والسنة.(هو الذي خلق لكم ما في الأرض)
٢-فصل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله كل ما حرم علينا فما لم يذكر تحريمه في الكناب والسنة فهو حلال (قد فصل لكم ما حرم عليكم)
٣- أباح الله لنا كل طيب وحرم علينا الخبائث (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)
٤- من الخبائث التي حرمها الله : الميتة وهي ما لقي حتفه رغم أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية
الدم المسفوح، لحم الخنزير ، ما ذبح لغير الله والمنخنقة بالحبال أو غيرها، الموقوذة التي ضربت بالعصا او الحصى حتى تموت، والمتردية الساقطة من علو فماتت،وما أكله السبع وقد ذكر تحريمها في آية سورة المائدة ، وهذه المذكورات ان تمكن من تذكيتها قبل موتها حلت لقوله (إلا ما ذكيتم)
٥- كل ما استقذر واستخبث شرعا وطبا فهو حرام كالحشرات وخشاش الأرض كالفأرة والحية ..
٦- ومن أسباب التحريم الذكاة غير الشرعية ولها عدة أسباب بدورها: أن يذكيها غير مسلم أو كتابي، أن تذبح في غير محل الذبح، أو أن تذبح بغير ما ينهر الدم كعظم او ظفر .
٧- تحريم ما سبق من المحرمات يزول في حال الاضطرار بشرط عدم البغي في أكلها أو التعدي لها وهو قادر على الحلال.
٨- أباح الله الصيد بالسهام او بالكلاب المعلمة أو بالطيور المعلمة وهذا من رحمة الله بعباده..
3. فوائد دراسة قصص الأنبياء.
١- يتم بهذه القصص الإيمان بالأنبياء بمعرفة أوصافهم الكاملة وفضلهم وإحسانهم للبشر والحيوان والاعتناء بحقوق المكلفين ..
٢- تقرير الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص العمل له، والإيمان باليوم الآخر وتقبيح الشرك وبيان أنه سبب الهلاك في الدارين.
٣- تقديم الأنبياء كأسوة للمؤمنين ليقتدوا بهم في جميع مقامات الدين من توحيد وعبودية ودعوة والصبر واحتساب الأجر من الله
٤- معرفة أن جميع الأنبياء تتفق على أصل واحد وهو توحيد الله وعلى الدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة والزجر عما يضادها.
٥- في قصصهم الوعظ والتذكير والترهيب والترغيب ببيان حسن العاقبة للمؤمنين وهلاك الظالمين .
٦- فيها تسلية للمحزونين وسرور للعابدين ..
4. قصة لوط عليه السلام
- كان لوط عليه السلام بمنزلة الابن لابراهيم عليه السلام فتعلم منه وبعثه الله رسولا إلى قرى سدوم في غور فلسطين.
- كان فوم سدوم يجمعون مع شركهم فاحشة اللواط التي لم يسبقهم إليها أحد.
- دعاهم لوط عليه السلام الى عبادة الله وحده وترك هذه الفاحشة العظيمة الفحش ولكنهم تمادوا فيما هم فيه.
- لما أراد الله إهلاكهم أرسل إلى لوطا ملائكة بصورة آدميين أضياف شباب..فلما رآهم لوط ضاق بهم ذرعا لعلمه بجراءة قومه على هذه الفاحشة وأنهم لا بد وأن يتعرضوا لقومه. وهذا ما حصل فجاءه قومه يسرعون الخطى إليه يريدون مراودته عن ضيوفه.
- زجرهم لوط عن مبتغاهم وحاول بمدافعتهم بعرض بناته عليهم وهو يعلم أنه لا حق لهم فين وأنهم لن يمسوا بناته لانتكاس فطرهم وابتغائهم الحرام دون الحلال.
- فلما اشتد اجتراؤهم قال لو أن لي قوة لدافعتكم وأمرهم بأن يتقوا الله وأن هؤلاء ضيوف وليس من الرشد والأدب التعرض للضيوف بالسوء فكيف بهذا الفعل الشنيع. فالرجل الرشيد من أمر بالخير ونهى عن الشر
- حينئذ أخبرته الملائكة أنهم رسل الله لإهلاك قوم سدوم ..
- فأول ما تعجل من عذابهم أن طمس جبريل أعين من كان يعالج الباب على لوط يريد اقتحامه.
- أمرت الملائكة لوطا أن يسري بأهله أول الليل حتى يخلف ديارهم
- جاء العذاب على قومه صباحا فقلبت ديارهم وجعل الله عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود. وفي هذه العقوبة إكبر دلالة على فحش جريمة اللواط .


5. قصة عيسى وأمّه وزكريا ويحيى عليهم السلام
- نذرت زوجة عمران أن تحرر ما في بطنها ليخدم بيت الله في المقدس فلما وضعت وجدتها أنثى فاعتذرت لربها بأنها أنثى وليست الأنثى كالذكر في خدمة بيت المقدس .
- سمتها مريم وحصنتها من عدوها وعدو البشرية أجمعين (إني أعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم) فتقبلها ربها واستجاب لدعائها وجمع لها بين حسن التربية الجسدية والروحية بأن كفلها أعظم أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت وهو زكريا..
- فنشأت مريم نشأة الصالحات القانتات وعكفت على عبادة ربها وكان من عجيب أمرها أن زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عنده رزقا فلما سألها عن مصدره ولا كفيل لها إلا هو قالت (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) فلما رأى حال مريم ذكره حالها بلطف الله.
- فدعا ربه أن يهبه ولدا يورثه علمه ونبوته ليعلم قومه من بعده فاستجاب الله دعاءه (أن الله يبشرك بيحيى) وقد جمع الله ليحيى من الصفات العظيمة فكا (سيدا) عظيما عند الله وعند خلقه (وحصورا) ممنوعا بعصمة الله وحفظه من مواقعة المعاصي وآتاه الله الحكم صبيا (وكان تقيا) يقوم بحقوق الله (وبرا بوالديه) وحقوق والديه (ولم يكن جبارا عصيا) وحقوق الخلق وقد أحسن الله عاقبته في كل أحواله(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
- وعودة إلى ما كان من أمر مريم فإنها كانت فجقد انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسل الله إليها جبريل في صورة بشر سوي جميل فظنت أنه يريد بها سوءا فتوسلت بالله لحفظها (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) فقال لها جبريل (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) وكان من قصة حملها بقضاء الله وقدرته وكان أمرا شديدا عليها لما تعرف ما سيتهمها به قومها فانتبذت مكانا قصيا على ربوة ذات قرار ومعين لتتم حملها فلما بلغ بها الحزن أن تمنت الموت (ناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ) ويسر لها ربها المأكل والمشرب وأقر عينها بولادة عيسى وأمرها بألا تكلم أحدا من قومها .فلما اطمأن قلبها وقوي بدنها حملت عيسى وذهبت به إلى قومها فلما رأوها قومها تحمل ولدا وهي بلا زوج رموها بالفاحشة (فأشارت إليه ) صامتة كما أمرها ربها فقال لها قومها (كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) فأنطق الله عيسى في المهد (إني عبد الله ) فكان كلامه في المهد دليل رسالته وحصلت لأمه البراءة مما يظن بها من سوء..
- انقسم الناس بعد ذلك لثلاثة أقسام فمنهم من آمن به وهم المؤمنون ومنهم من غلا فيه وهم النصارى الذين أنزلوه منزلة الرب تعالى الله عن ذلك.ومنهم من كفر به وهم اليهود.
- وقد أيد الله عيسى بمعجزات منها النفخ في الطين بعد تصويره على شكل طائر فيصير طائرا بأمر الله. وابراء الأكمه والأبرص بإذن الله وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات الدالة على صدقه.
- فلما أراد أعداءه قتله ألقى الله شبهه على آخر ورفعه الله إليه فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وصدق النصارى أنهم قتلوه وصلبوه ولكن الله رد هذا الافتراء (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)


6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
- أعد الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لمهمة الرسالة قبل بعثته بأن بغض إليه عبادة الأوثان وكل قول أو فعل قبيح وفطره فطرة مستعدة لقبول الحق .
- كان يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه لله تعالى بما وصله من علم قليل بسبب جاهلية قومه..
- لما أتم الأربعين وصلح لتلقي الرستلة أرسل الله إليه جبريل عليه السلام بآيات سورة العلق. فابتدأت نبوته ثم فتر الوحي ثم عاد الوحي واشتد وأمر بالدعوة فأرسل بسورة المدثر.
- وبدأ النبي صلى الله عليه السلام الدعوة إلى توحيد الله والنهي عن ضده وجد في ذلك فاستجاب له القليل وسط مقاومة وعداوة كبيرة من قومه.مع علمهم أنه الصادق الأمين الذي لم يجربوا عليه كذبا.
- فلما قابلوا دعوة النبي صلى الله عليه بالصد والاستهزاء والإنكار أصمهم الله عن سماع الحق وأعماهم أبصارهم وختم على قلوبهم، أما المؤمنين الذين أنصفوا رسول الله وطلبوا رضوان الله واهتدوا بالقران فازدادوا إيمانا .
- وتعددت طرق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه فدعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..فمنهم من آمن ومنهم من اتهمه بالسحر والكهانة والجنون وأن القرآن أساطير الأولين.
- وكان المشركين يقترحون على النبي الآيات فتارة يستعجلون بالعذاب وتارة يطلبون ان يفجر لهم العيون او أن يزيل عنهم جبال مكة فيجيبهم الرسول ان الآيات من عند الله وهو أعلم بما ينزل. وما هو أنفع لهم.
- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرأف الناس بالممنين وأحنى عليهم من آبائهم وأمهاتهم يقوم معهم في كل أمورهم..
- استمر النبي يدعو إلى توحيد الله في مكة عشر سنين ثم أسري به إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماوات السبع وفرض عليه الصلاة ..
- وبعد ثلاثة سنوات من الاسراء انتقلت الدعوة الى المدينة بما هيأ الله من أسباب حيث أن أهلها علموا بمقدم نبي جديد بما كانت تخبرهم به اليهود فآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
- ثم أذن النبي لأصحابه بالهجرة لما اشتد إيذاء قريش لهم في مكة فكانت ألى الحبشة ثم لما آمن أكثر أهل المدينة هاجروا إلى المدينة.
- حاول زعماء قريش أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وان يتقاسموا ديته ولكن الله أمره بالهجرة في تلك الليلة فأنجاه الله منهم.
- فهاجر إلى المدينة فاستقر بها ثم أذن له بالقتال وفرضت العبادات تباعا في السنة الثانية للهجرة
- توالت الغزوات والحروب بين المسلمين والمشركين فكان أولها بدرا حيث انتصر فيها الحق على الباطل ثم غزوة أحد ثم الخندق ..
- وكان من أمر اليهود في المدينة أنهم لما غدروا النبي صلى الله عليه ونقضوا عهدهم معه منهم من أجلاهم ومنهم من حكم عليهم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم
- ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع المشركين لما منعوه من العمرة على أن يكون القضاء في العام المقبل
- ثم فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في العام الثامن للهجرة فتمكن المسلمون من الدعوة الى الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجافي السنة التاسعة للهجرة
- حج النبي بالناس في السنة العاشرة للهجرة وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بالقول والفعل وأنزل الله في عرفة (اليوم إكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)
نفع الله بك:
ب
في التلخيص نجمع المسائل المتشابهة ونجعل لها عنوانا رئيسيا ثم ندرج المسائل تحته ونضع ما يتعلق بها باختصار, وليس المراد تحويل الملخص كاملا إلى رؤوس أقلام مجموعة دون وضعها تحت عناصر رئيسية تجمعها.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21 شوال 1443هـ/22-05-2022م, 09:48 AM
رولا بدوي رولا بدوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 279
افتراضي

المجموعة الثانية:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:

1. أحكام المواريث.
قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] إلى قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13]
والتي في آخر السورة:
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] إلى آخرها [النساء: 176] .
فوائد دراسة أحكام المواريث:
١- توصية الله العباد بأبنائهم فيها دليل على كمال رحمة الله و عنايته بعباده،
٢- كمال عدل الله و حكمته، و لا يستطيع أي قانون وضعي تحقيق مثل هذا المقصد و لا ان يجاريه، و الوصول لهذه الحقيقة مما يثبت الإيمان و يزيده في قلوب المؤمنين
٣- هذه الأحكام فيها من محاسن الإسلام ما كان سببًا لدخول الناس الإسلام، فهي باب للدعوة لمن أحسنه.
حالات الميراث :حالات الأولاد( ينتبه إلى أن من يدخل تحت هذا المسمى( الأولاد) هم ؛ الذكر والأنثى من أولاد الصلب وأولاد الابن وإن نزل، وأما أولاد البنات فلا يدخلون في إطلاق اسم الأولاد في المواريث.(
١- قال تعالى( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] ؛ هذه الحالة حين اجتماع الذكور و الإناث، يتقاسمون المال وفق هذه القسمة، سواء أولاد صلب أو أولاد ابن.
٢- إن كان الأولاد ذكورا فقط؛ فإنهم يتقاسمونه متساوين، ومن ارتفعت درجته حجب ما نزل من الأولاد إذا كان الأعلى من الذكور.
٣-إذا كن إناثا فلها أحوال:
- (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، فإن كانت واحدة فلها النصف، سواء كانت بنت صلب أو بنت ابن.
- (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان.
من فوائد هذه الإية:
١- لا يزيد نصيب البنت بزيادة عددهم قياسًا على الزيادة عندما زاد عددهم لاثنتين
٢- في الآية نص من الله على أن الأختين فرضهما الثلثان، فيستنبط من ذلك؛ أن البنتين من باب أولى وأحرى، بنات صلب تحجب بنات الابن فلا يكون لهن نصيب، وصار البقية بعد فرض البنات للعاصب، وإن كانت العالية واحدة أخذت النصف، وباقي الثلثين وهو السدس لبنت أو بنات الابن.

٤-وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
حالات ميراث الأبوين:
١- وجود ولد( أولاد صلب أو ابن، منفردين أو متعددين): للأم السدس
٢- لا يوجد له ولد و لا إخوة: للأم الثلث
٣- وجود إخوة( اثنين فأكثر) : للأم السدس.
يستفاد من قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ثلث الباقي في زوج أو زوجة وأبوين؛ فإذا كان معهما أحد الزوجين خرجت عن هذا فلم يكن لها ثلث كامل، و بتعبير آخر ؛من إضافة الميراث للأبوين - وهو الأب والأم - يستفاد أن للزوجة ثلث ما ورثه الأبوان، ويكون ما يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغريم.
٥- وأما الأب؛ فله السدس مع وجود أحد من الأولاد؛
- فإن كان الأولاد ذكورا لم يزد الأب على السدس، وصار الأبناء أحق بالتقديم من الأب بالتعصيب بالإجماع.
- وإن كان الأولاد إناثا واحدة أو متعددات فله السدس ولهن أو لها الفرض، فإن بقي شيء فهو لأولى رجل، وهو الأب هنا، وإن استغرقت الفروض التركة لم يبق للأب زيادة عن السدس;مثال ذلك لو خلف أبوين وابنتين؛ فلكل واحد من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان.
ومفهوم الآية الكريمة أنه إذا لم يكن أولاد ذكور ولا إناث، أن الأب يرث بغير تقدير، بل بالعصب، بأن يأخذ المال كله إذا انفرد، أو ما أبقت الفروض إن كان معه أصحاب فروض، وهو إجماع.
٦- الجد و الجدة؛
- حكم الجد حكم الأب فيما سبق من الأحكام إلا في العمريتين؛ فإن الأم ترث ثلثا كاملا مع الجد.
- ميراث الجدة عند غياب الأم يؤخذ من السنة :السدس .
٧- حكم الأزواج:
قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: 12]
- الزوج له نصف ما تركت زوجته إن لم يكن لها ولد،
- و إن كان لها ولد فله الربع.
- الزوجة واحدة أو متعددات لها الربع مما ترك الزوج إن لم يكن له ولد.
- إن كان للزوج ولد منها أو من غيرها ذكر أو أنثى، ولد صلب أو ولد ابن فلها أو لهن الثمن.
٨- ميراث الإخوة من الأم:
قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُث)
حكمهم ؛ أنهم لا يرثون إلا إذا كانت الورثة كلالة ليس فيهم أحد من الفروع ولا الأب والجد، فللواحد من الإخوة من الأم أو الأخوات السدس، وللأنثيين فأكثر الثلث، يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم.
٧- إذا كان هناك وصية أو دين يقدمان على توزيع الميراث.
و يقدم الدين على الوصية و ذلك من السنة و اتفاق العلماء
الوصية لها ضابط أن لا تكون على وجه المضارة بالورثة، فإن كانت كذلك فإنها وصية إثم وجنف يجب تعديلها ورد الظلم الواقع فيها.
٩- هذه الأحكام حدود الله ،تؤدى كما هي دون زيادة أو نقصان، و لا يعطى وارث فوق حقه، أو يحرم وارث، أو ينقص عن حقه.
١٠-ميراث الإخوة لغير أم وأخواتهم
قال تعالى( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
١ -إناث فقط:
- الأنثى الواحدة لها النصف،
- وللثنتين فأكثر الثلثان،
٢- وإن اجتمع رجال ونساء:
- فللذكر مثل حظ الأنثيين،
* إذا كانوا ذكورا أشقاء أو لأب،تساووا.
* فإن وجد هؤلاء وهؤلاء حجب الأشقاء الإخوة للأب.
*وإن كن نساء شقيقات وأخوات لأب، واستغرق الشقيقات الثلثين لم يبق للأخوات للأب شيء؛ فإن كانت الشقيقة واحدة أخذت نصفها، وأعطيت الأخت للأب أو الأخوات السدس تكملة الثلثين.
١٠- وما سوى هذه الفروض فإن الورثة من إخوة لغير أم وبنيهم وأعمام وبنيهم وهؤلاء يدخلون في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الصحيح: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . رواه مسلم.
-يقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم ثم الولاء؛ ويقدم منهم الأقرب منزلة، فإن استوت منزلتهم قدم الأقوى وهو الشقيق على الذي لأب. والله أعلم.
س 2- أحكام الأطعمة و الأشربة والصيد.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 29]؛ الأصل في الأشياء الحل.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]
الطيبات ؛ال الاستغراق ،كل الطيبات حلال
الأصل في الأشياء الحل من طعام وشراب وغيرها؛ الدليل: ( خلق لكم ما في الأرض) الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا، سخر كل شئ لننتفع به بكل وجوه الانتفاعات، من أكل وشرب واستعمال.
(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) وفصل لنا ما حرم علينا، فما لم يعين في القرإن أو السنة بذاته حرام فهو حلال .
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3
{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]
{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145]؛ إلا ؛ استثناء ما ذكر من محرم من الكل الذي هو حلال.
مما حرمه الله من الخبائث:
1- الميتة ، وهي ما مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية -يستثنى منها ما ذكر في السنة: ميتة الجراد والسمك.
من أمثلة الميتة
* {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: 3] أي: التي تخنق بالحبال أو غيرها، أو تختنق فتموت،
*{وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] وهي التي تضرب بالحصى أو بالعصا حتى تموت، ومن هذا إذا رمى صيدا فأصاب الصيد بعرضه فقتله،
* {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} [المائدة: 3] وهي التي تسقط من موضع عال كسطح وجبل فتموت، *{وَالنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3] التي تنطحها غيرها فتموت بذلك، وما أكله ذئب أو غيره من السباع،
* {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] كل هذه الأنواع من أشكال الميتة غير المذكاة حرام، فإن أدركت حية فذكيت كانت حلالا طيبا.
2-ومن المحرمات ما ذكي ذكاة غير شرعية؛
* إذا كان من يتولى الذبح غير مسلم ولا كتابي
*إذا ذبحت في غير محل الذبح وهي مقدور عليها
*وإذا لم يقطع حلقومها ومريها.
*أذا ذبحت بغير ما ينهر الدم أو بأداة كعظم أو ظفر.
3- والدم المسفوح ،قال تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ، وأما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح فإنه طيب حلال( الكبد و الطحال حلال من السنة).
4-{وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] الذبح الذي لا يبتغي وجه الله.
كمن ذبح للأصنام أوملائكة أو إنس أو جن أو غيرها من المخلوقات.
5- ومن الخبائث كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، يؤخذ ذلك من السنة الصحيحة.
6- ومن المحرمات الحشرات وخشاش الأرض من فأرة وحية ووزغ، ونحوها من المستخبثة شرعا وطبا.
* كل ما أمر الله بقتله أو نهى عن قتله فهو خبيث و محرم
هذا التحريم في حال لا ضيق فيها و لا حرج، و العسر و الضرورة تبيحها من غير بغي و لا عدوان.
8- وسع الله دائرة طرق الحلال؛
- فأباح الصيد إذا جرح في أي موضع من بدنه،
- وأباح صيد السهام إذا سمى الرامي عند رميها،
- وأباح أيضا صيد الكلاب المعلمة والطيور المعلمة، فإذا أمسك الكلب و لم يأكل مما اصطاده لقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] .
فائدة دراسة هذه الأحكام تحري الحلال و الحرام، اليقين برحمة الله بعباده الذي يورث محبته و تعظيمه؛ فالله وسع دائرة الحلال و ضيق دائرة الحرام، مع الأخذ في الاعتبار مواطن التضييق و العسرة و الحرج، فيها من محاسن الإسلام ما يدفع الناس للإيمان بهذا الدين السمح.
س3- فوائد دراسة قصص الأنبياء.
قال تعالى( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)
في وصف القصص أنها أحسن القصص ما يدل على عظيم ما فيها من فوائد و حكم و عظات ، مما يستفاد من قراءة القصص:
١- بالقصص يتم ويكمل الإيمان بالأنبياء صلى الله عليهم وسلم،فالإيمان المطلوب بهم هو الإيمان التفصيلي و الذي لا يتأتى إلا عبر معرفة قصصهم الصحيحة من القرآن،التي تبين كمال وصفهم بالأخلاق من صدق و أمانة و صبر و إنابة و ما لهم من فضل على الأمم و فضل على سائر الناس.
٢- عبر قراءة و تدبر قصصهم نجد تقرير للإيمان بالله و رسالة التوحيد الواحدة التي جاءوا بها و نبذ الشرك و أهله، و أسباب الثبات على التوحيد و سنة الله في خسارة أهل الضلال و الشرك في الدنيا والآخرة.
٣- يجد المؤمنون سبل الهداية للصراط المستقيم و أسباب الثبات على التوحيد، و يجدون القدوة التي يأتمون بها في طريقهم : في تحقيق التوحيد والقيام بالعبودية، وفي القيام بأعباء الدعوة، في التزود بأسباب الصبر والثبات في مقابلة عوائق الطريق من ابتلاءات و أعداء، فيصيب قلوبهم الطمأنينة والسكون والثبات التام،يرون أن الصدق و الإخلاص لله باب لقبول الأعمال و نيل النصرة في للدنيا و الآخرة، فيجددون النية و يجدون الطلب و لا يرجون من الناس جزاء و لا شكور، بل الأجر من الله غاية سعيهم.
٤- في القصص القدوة لكل خلق طيب و عمل حسن ، فيها مدح للإصلاح و أهله و ذم للفساد و أهله، هداية لمن يتدبر ليتبع ما يرضي الله عز و جل.
٥- يستفاد من القصص بعض الأحكام و القواعد الفقهية والأحكام الشرعية و ما تحمل من سر
٦- يستفاد من القصص بصفة عامة ما حوت من وعظ وتذكير وترغيب وترهيب، و مشاهدة رحمة الله بعباده و عنايته بهم بتيسير الأمور بعد تعسرها.
7- في القصص تسلية لكل صحب ابتلاء و لكل من ضاق به السبيل لإقامة الدين.
8- نتعلم من القصص أولويات الدعوة و طرقها و أساليبها، و نتعلم الكفايات التي يحتاجها الداعي.
9- نتعلم سنة الله في خلقه، و سنة الابتلاء.

4. قصة لوط عليه السلام
لوط عليه السلام هو تلميذ إبراهيم عليه السلام، و كان منه كالابن، فكان للتوحيد رسولاً عند قرى سدوم من غور فلسطين، دعاهم دعوة الأنبياء جميعًا ؛ عبادة الله وحده لا شريك له، و كان أهل هذه القرى مع شركهم بالله يقومون على فاحشة هي من الفاحشة المعظمة، اللواط؛ يأتون الرجال شهوة دون النساء، فحذرهم لوط عليه السلام منها و من مغبة القيام على مثل هذه الفاحشة، لكنهم عاندوا و أعرضوا، و ثبتوا على ما هم عليه من الباطل، بل إزدادوا عتوًا و ضلالًا، حتى أرسل الله ملائكة إلى لوط عليه السلام ليقضي بينهم بالحق، و يصيبهم ما توعدوا من الهلاك، مرت هذه الملائكة في طريقها إليه بإبراهيم عليه السلام و أعلموه بوجهتهم، فقال من شفقته و حلمه .{إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [العنكبوت: 32]
فقيل: {يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76]
، جاءوا لوطًا عليه السلام بصورة أضياف آدميين شباب فلما رآهم ضيق به، خوفًا عليهم من قومه،{وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77]
فطمأنوه أنهم رسل الله له ليهلك أهل الضلال، و قد خانته زوجته فأبلغت قومه بضيوفه فجاؤوا يدفعهم حب الفاحشة لبيت لوطٍ عليه السلام يريدون ضيوفه، فجزع لوطًا عليه السلام و قال لهم من عجزه و هلعه {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي: لدافعتكم، فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث قال لقومه: فَاتَّقُوا {اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78]
قال قولته هذه متعجبًا أليس فيكم رجل عاقل فيردكم عن طغيانكم، و إن قال ذلك تعجبا فهو يريد من يعينه عليهم منهم لعلهم يستجيبون له، و حدثهم حديث الفطرة السوية {يا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78]
؛ قيل فيهم بناته من صلبه و قيل أزواجهم و لكن يرد ذلك أن الخطاب للحاضر و أنه لا يكون أبًا للمشركين و لم يعهد ذلك في الحديث، و لم يردهم حديثه فالشهوة الضالة ملكت عليهم قلوبهم، و أعميت بصيرتهم عن الحق، و ردوا عليه {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79]
و هنا كان لضيوف لوطًا حديثًا بالأفعال، فطمس جبريل أو غيره من الملائكة أعين الطغاة فلا يرون شيئًا، وأمروا لوطًا عليه السلام أن يسير بأهله خفية في أول الليل و لا ينظر خلفه، و أنه منجيهم إلا إمراته كانت من الغابرين، فالتفتت لتنال عقابها معهم، هذا العقاب الذي كان من جنس عملهم، انقلبت فطرتهم، فقلب قراهم عليهم، و أهلكهم وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين الذين يعملون عملهم ببعيد.
١-مما يستفاد من قصة لوط عِظم فاحشة للواط، و أن البعد عن الدين مظنة الإنغماس فسي الفواحش و سبب لانقلاب الفطرة و تقبل كل ما هو شاذ و ردئ.
٢- في القصة جواز التعريض في الحديث بما يكون سببًا في هداية الآخرين، أو استجلابًا لخير و دفعًا لشر .
٣- الرجل الرشيد من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يتبع الحق ، و ينصره و ينصر أهله على أهل الباطل، قال لوط: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] .
٤- الاستعانة بأهل الباطل في نصرة الحق جائز، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم عند الله، ولهذا قال لوط: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80]، و عندنا في قصص الأنبياء دليل ذلك أيضًا، فالنبي محمد صلى الله عليه و سلم كان أبو طالب له نصيرًا على قومه و لم يؤمن.
5- يستفاد أن الجزاء من جنس العمل، فمن انتكست فطرته، فلينتظر انقابًا في حياته.
6- إلف الباطل و كثرته ليست داعيًا لشرعيتها، فالباطل باطل و أن ظهر في وقت الضعف للحق.
س4- . قصة عيسى وأمّه وزكريا ويحيى عليهم السلام
اصطفى الله و اختار آل عمران على العالمين و جعلهم ذرية بعضها من بعض، قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
امرأة عران كانت من علية القوم في بني إسرائيل، عابدة لله مطيعة، و من حبها لربها نذرت ما تحمل بطنها من وليد لله، أن يكون عاملًا لدين الله و عابدًا مطيعًا، و دعت ربها أن يتقبل نذرها، ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
و لكن فوجئت بوليدها الأنثى فعظم في قلبها أن لا تكون كالولد في عبادة الله لضعف البنات ، و قالت و هي تعلم أن ربها يعلم ما رزقت من ولد، ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
حصنتها و ذريتها من الشيطان الرجيم ، هذا من حكمتها و بليغ معرفتها بمصاب من يتسلط عليه عدو الله الشيطان، (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا )، تقبل الله مريم عليها السلام و عني بها حسيا و معنويًا ، فضمن لها الغذاء الجسدي و النفسي ( الإيماني)
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران
اقترع القوم من يكفل مريم ابنة كبيرهم فكانت القرعة من نصيب زكريا عليه السلام، و كان هذا رزقه من الله قال تعالى (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)آل عمران
الله عز و جل الرزاق الوهاب، يرزق من يشاء بغير حساب، يرزق بالأسباب و بدون الأسباب، هذه عقيدة القلب المؤمن، و كان في كلمات مريم عليها السلام التذكرة لزكريا، فوقف على باب ربه يدعوه و يتوسله بضعفه و قلة حيلته و مطلوبه ،و قال تعالى عن زكريا عليه السلام كيف دعا الله بأدب العبد الخاضع الذليل، يناجي ربا قريبًا فيخفت صوته بالدعاء (إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يريد من يرث ميراث آل عمران من النبوة، و كان فضل الله عظيما، فبشرته الملائكة و هو قائم بين يديه ربه منصرف عن هذه الدنيا بيحي ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
و يا عجبا يا زكريا ، ترزق الولد و أنت كهل و زوجك عاقر، لكن هذا أمر الله الذي لا يرد ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)آل عمران
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)مريم
و ليتيقن زكريا كانت له الآية بالصوم عن الكلام الذي كان مشروعا عند بني إسرائيل( غير جائز للمسلمين)، ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) آل عمران
(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)مريم
لا يحدث للناس إلا وحيًا و لا يفتر لسانه عن ذكر الله و التسبيح.
و رزق يحي، نبي الله الذي لم يكن له سميًا، (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) مريم
هذا هو يحي عليه السلام، حسن في نفسه و محسن مع ربه و مع الخلق، و أقرب الخلق له هما والديه، فكان بارًا لهما.
و مريم ابنة عمران التي كانت نذر أمها لله، و التي اصطفاها الله و طهرها ، كانت العابدة القائمة على طاعة الله المقيمة الصلاة ،وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران
كانت تختلي بربها فجاء إليها في خلوتها جبريل عليه السلام( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)
كان في صورة بشر، فخافت مريم عليها السلام، و هذا لعفة قلبها وطهارتها،( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) تعوذت بالله منه، و كان في تعوذها مصد أن تذكره بالله فيرده ذلك إن كان يريد بها شرًا، فجاءت الإجابة من جبريل عليه السلام سلامًا لقلبها ( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
رسول ربك الذي خلقك و دبر أمرك، لأهب لك من دون أسباب ولدًا طاهرًا و ليس للفاحشة له سبيل، و كان السؤال بعد اطمئنان القلب( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) فما تخشاه هو أن توصم بما لا تحب من البغاء و فعل الفاحشة، كيف يكون ولدًا طاهرًا، فسنة الله أن يجتمع ماء الرجل و ماء المرأة ليكون الولد في الرحم، فأجابها جبريل عليه السلام( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
إنه آية من الله لبني إسرائيل، فالله قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، عيسى آية و رحمة ممن ، من الله ربها الذي تولى تدبير أمرها من صغرها، فاطمئني يا مريم، قال عز وجل ( ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) شهادة من الله بطهارتها القانتة لربها.، فحملت به( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) لجأت لجذع نخلة و قلبها به غصة تحمل هم قومها و ما قد يصيبها منهم ، قال تعالى على لسان عيسى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) و هذه عناية الله بك يا مريم، علمك ابنك كيف تتقوين بثمرات من الرطب ، و تشربين الماء ، ثم صومي يا مريم عن الكلام و أشيري إلي أحدث قومك و أصرف عنك بحول الله و قوته ما قد يخول في خلد قومك و يصرحون به لك، قال تعالى(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
تعجبوا منها، أجنت ابنة عمران، نحدث طفلًا رضيعًا؟ فجاءهم الرد على تعجبهم على لسان عيسى عليه السلام الرضيع (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)مريم
هذا هو عيسى عليه السلام، آية من الله، عبده و رسوله إلى بني إسرائيل، البار بأمه، جاءهم ليعلمهم دينهم و كتبهم و جاءهم بمعجزات هي من فضل الله عليه و ليس من عند نفسه (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
كل ما جاءهم به مصدق لما في التوراة التي بين أيديهم، ( وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
فانقسم القوم إلى أحزاب، من صدقه و هم الحواريون، و من كفروا به و من غلوا فيه فجعلوه ربًأ،
قال تعالى( من فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
و لما مكروا مكر الله بهم فتوفى الله نبيه عيسى عليه السلام و رفعه إليه و شبه لبني غسرائيل أحد الحواريين أنه هو فصلبوه، و ظنوا أنهم إنما صلبوا عيسى عليه السلام و ما كان ذلك حقًا.( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
قال تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]
* قصة عيسى عليه السلام حملت لنا كثير من الفوائد، منها أن النذر جائز في الشريعة، , أن الكرامات للأولياء موجودة و أن عيسى هو عبد الله و رسوله و ليس إله، أن آيات عيسى عليه السلام هي من عند الله، أن الله هو الرزاق الوهاب من غير حول الهبد و لا قوته، يهئ الأسباب، ويرزق بأسباب و بدون أسباب، من آداب الدعاء خفوت الصوت، و التضرع بضعف الحال و اليقين بإجابة المطلوب من الله، أن التعبد لله في المحراب فيه مزيد صفاء و مزيد حضور قلبي، أن التسبيح و ذكر الله من العبادات التي لا يمنعها شيء، و أن الإنسان إذا دعا يدعو بما يحب من الخير، فليس الدعاء بأي ولد بل بالولد الطيب الذي يرضى الله عنه، الذي يرث ميراث النبوة، فلا يكون إلإنسان بخيلا ضعيفًا في دعائه بل يدعو بمعالي الأمور.

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
محمد صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين سيد الخلق أجمعين، دعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129
نشأ يتيمًا، توفي والده قبل ولادته و ماتت أمه و هو صغير،حضنته أم أيمن ، و نكفل به جده عبد المطلب، الذي توفي و هو في الثامنة من عمره ليكون عمه أبو طالب هو كافله من بعد جده و من يقوم على شأنه و تربيته، عمل برعاية الغنم، و عرف بالصدق و الأمانة بين قومه، حتى عُرف بالصادق الأمين، فكان له رصيد في قلوبهم، ما كانوا ليكون تكذيبهم له إلا عن كبر و عناد و لس عن حق، فكيف لمن نشأ بينهم و عرفوا حاله أن يأتي بغير ما عرفوا عنه.
تزوج خديجة بنت خويلد و كان لها شأن في قومها، و قام على تجارتها ينميها و يحافظ عليها، أنجب منها أبناءه جميعًا ما عدا إبراهيم.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله.
هذه هي التهيئة العملية لنبي الله صلى الله عليه و سلم، نبذ الشرك و أهله، نبذ مخالطة الباطل،كان يخلو إلى ربه يتعبد له بما وصل له من طرق التعبد، سبق ذلك ما كان من حادثة شق صدره التي طهر الله بها قلبه ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً،
فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَط فِي صَدْرِهِ.
و لما كانت تنفذ مؤنته في خلوته يعود للسيدة خديجة رضي الله عنها طالبًا الزاد، ،ثم يعود لخلوته، حتى جاءه الوحي.
قالت عائشة رضي الله عنها : فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ. ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]
كانت هذه الآيات أول ما نزل من الوحي، فيها إعلان أن العلم ركن في التكليف، و أن من منن الله العلم و الكتابة، و أن الإنسان جاهل ما لم يعلمه الله، فالله هو الأكرم.
سمع الرسول صلى الله عليه و سلم هذه الكلمات من جبريل عليه السلام بقلب مرتجف فأسرع لزوجه الكريمة الرحيمة العظيمة، فأخبَرَها الخبر وقال (لقد خشيتُ على نفسي!)،فكانت كلماتها بلسمًا له: قالت له رضي الله عنها:كلَّا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"؛ أخرجه الشيخان، واللفظ لمسلم، وقال ابن حجر: "وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: وتؤدِّي الأمانة".
هكذا هي الزوجة الحكيمة، التي تقدر زوجها و تعلم حاله مع ربه، و تعلم من ربها، تثبت زوجها و تدعمه و تقوي إزره.
ثم سعت معه خديجة رضي الله عنها إلى من رأت بعلمها أنه سيكون لديه تفسير لما حدث مع النبي صلى الله عليه و سلم( ورقة بن ونوفل) الشيخ الكبير الذي تبحر في النصرانية، و الذي لما سمع حديث الرسول صلى الله عليه و سلم، علم أنه النبي المنتظر فقال: يا بن أخي ما ترى؟ فأخبره، فقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، قال: “أو مخرجي هم؟” قال: نعم، إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عُودِيَ وأُوذِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم، حتى نزلت آيات سورة المدثر، قال تعالى(
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)
فكانت هذه الآيات دعوة للقيام بالدعوة و إعلاء كلمة الله، و كان أول من اسلم من النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها و أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق وأول من اسلم من الفتيان علي بن أبي طالب، و تابعهم الرجال و النساء ، كانت الدعوة في أولها سرية ، بدار الأرقم بن الأرقم، يجتمع فيها من يسلم ليتعلموا ما أنزل من آيات الله، إلى أن أمره الله بالجهر بالدعوة فقال: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94].
و عن عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه لَمَّا نَزَل قولُه تعالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فأمَرَ اللهُ سُبحانه نبيَّه أنْ يَذهَبَ لِإبلاغِ الدَّعوةِ لقَرابتِه، وهُم قُريشٌ، وهُم آلُ عَبدِ المُطَّلبِ، وآلُ هاشِمٍ، وآلُ عَبدِ مَنافٍ، وقُصَيٌّ، صَعِد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَبَلِ الصَّفَا عند البيتِ الحرامِ، ونَادَى: «يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ؛ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ»، والبَطْنُ: أَقَلُّ مِن القَبِيلةِ، فاجْتَمَعوا عندَه، ومَنْ لم يَستطِعِ المَجِيءَ أَرْسَلَ رسولًا لِيَرَى ما الأَمْرُ، وما الذي يُرِيد أنْ يُخبِرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا اجتَمَعوا وجاء أبو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو أخبرتُكم أنَّ جَيْشًا يُريد أن يَهجُمَ عليكم؛ فهلْ كُنتُم تُصدِّقونني؟ فقالوا: نَعَمْ، وأَقرُّوا بصِدْقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالوا: ما جَرَّبْنا عليك إلَّا صِدقًا، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فإنِّي نَذِيرٌ لكم» من اللهِ «بيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَديدٍ»، فأُحَذِّرُكم ما أنتم عليه من الكُفرِ قبل وقوعِ العَذابِ الشَّديدِ بكم، فلما سَمِعَه عَمُّه أبو لَهَبٍ قال له: «تَبًّا لك سَائِرَ اليومِ!» أي: خَسِرْتَ بقيَّةَ اليومِ؛ «أَلِهَذَا جَمَعْتَنا؟!» فكان ممَّن أعْرَضَ عن دَعوةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنزَل اللهُ تعالَى فيه سُّورةَ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
كان الرجال و النساء يتلصصون على النبي صلى الله عليه و سلم و يستمعون له يتلو القرآن، حتى جاء وقت فتر الوحي فيه، و اشْتَكَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً - أوْ لَيْلَتَيْنِ - فأتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ ما أُرَى شيطَانَكَ إلَّا قدْ تَرَكَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى}
فبين الله أنه لم يترك النبي صلى الله عليه و سلم، و لا نبذه بل الله يشمله برعايته و تدبيره، و بشره أن آخر كل أمر له هو خير له، و ذكره بنعمته السابقة و تدبيره لأمره، بلا حول له و لا قوة.
حاصرت قريش بنى هاشم فى شعب أبى طالب لمدة ثلاث سنوات كاملة بعهد باطل بينها،أكلت هذه الصحيفة حشرة و لم تترك غير اسم الله، و انفض العد و أهله، و كان الفرج بعد الشدة وخرج بنو هاشم وبنو المطلب من الحصار ويعد ذلك أول أسباب خروج الرسول من مكة إلى الطائف.
هذا الخروج سبق حادثة الإسراء والمعراج، رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، تلك الرحلة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أدرك وعَلِم أنَّه لا مقام له بمكة بعد موت عمِّه أبي طالب، وزوجته السيدة خديجة -رضي الله عنها- وكثرة إيذاء المشركين له، فلقد تضاعف أذاهم له و لصحبه.
كان النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يمرُّ في السوق، فيَنْثرون على رأسه التُّراب، فيذهب الصابر المحتسب إلى بيته فتغسله السيدة فاطمة، وعمرها آنذاك ثلاث عشرة سنة، تسأله السيدة فاطمة وهي تبكي: ما هذا الذي أرى يا أبتاه؟ فيجيبها صلى الله عليه وسلم مبتسمًا: "لا تَبْكي يا بُنيَّة، إنَّ الله مانِعٌ أباك".
وتظَلُّ السيِّدة فاطمة تبكي، وتقول له: وهل يَبقى هذا يتبعك يا أبتاه؟ فيردُّ عليها النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "سأغادر مكَّة يا فاطمة".. إلى أين يا أبتَاه؟ "إلى مكانٍ يُسمَع فيه صوت الحق، ويعينني على أعدائي". حتَّى إنَّه صلى الله عليه وسلم صوَّرَ هذه الحقيقة بقوله: "ما نالت منِّي قريشٌ شيئًا أكرهه حتَّى مات أبو طالب".
و انطلق النبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطائف؛ يدعو أهلها للتوحيد و يطلب النصرة و العون من أهلها. و لم يختلف أهل الطائف عن أهل مكة في ردهم، فقد علموا أن دين الإسلام سيصيب مصالحهم الدنيوية، فردوا النبي صلى الله عليه و سلم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لَم يترك دعوته، بل جلس بينهم يدعوهم أيامًا، لعل الله يهديهم.
سلطوا عليه صبيانهم و جهلتهم، يرمونه و صاحبه زيد بن حارة الذي كان يحاول أن يدفع عنه الأذى بجسده،فسالت الدِّماء من قدَميْه الشريفتين بسبب الحجارة التي كان يسير عليها، وشجَّ رأس سيدنا زيد بن حارثة -رضي الله عنه- ،و دخل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى بستانٍ لعُتبة وشيبة ابنَيْ ربيعة، فجلس النبي صلى الله عليه و سلم و أقبل على ربه يدعوه و يشتكي إليه،
دعا النبي صلى الله عليه وسلم و قال: "اللَّهمَّ إليك أشكو ضَعْف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، يا أرحم الرَّاحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الَّذي أشرقَتْ له الظُّلمات، وصلحَ عليه أمر الدُّنيا والآخرة مِن أن تُنْزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتْبَى حتَّى ترضى، ولا حول ولا قوَّة إلا بك".
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحُدٍ؟ قال: "لقَد لقيتُ من قومِك، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرَضْتُ نفسي على ابن عبد ياليلَ بن عبد كلالٍ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلاَّ وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعتُ رأسي، وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السَّلام فناداني، فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملكُ الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَكُ الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؛ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبَيْن".
فقال النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به .
و بعد هذه الأحداث العظام في حياة النبي صلى الله عليه و سلم كانت المنة و التسلية من الله برحلة الإسراء و المعراج، فأسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، وجاوز السبع الطباق، وارتفع فوق السماء السابعة -عليه الصلاة والسلام-، معه جبرائيل، فأوحى الله إليه ما أوحى، و فرضت الصلاة في هذه الرحلة، و صدق أبو بكر صاحبه و رمته قريش بالجنون و الكذب.
في العام الحادي عشر للبعثة حدثت بيعة العقبة الأولى في موسم الحج تمت البيعة في مكان يسمى العقبة بالقرب من منطقة مِنَى، جاء ستة رجال من أهل المدينة قابلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موسم الحج من العام الحادي عشر للبعثة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم انطلقوا لتبليغ قومهم الدين وفاء لعهد وعدوه الرسول صلى الله و سلم ، على أن يعودوا في العام القادم، فلما رجعوا إلى المدينة، دعوا أهلها إلى الإسلام، فأسلم عدد منهم، و عاد الستة في موسم الحج التالي ومعهم ستة آخرون، و بايعوا النبي صلى الله عليه و سلم البيعة الأولى، وأرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ يقرأ لهم القرآن ويعلمهم أحكام الإسلام.
تلت بيعة العقبة الأولى ( الصغرى) بيعة العقبة الكبرى، وقعت في العام التالي للبيعة الأولى، حضر من الأوس والخزرج بضع وسبعون نفرا قد أسلموا، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، و بايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم سرًا،عند العقبة على: السمع والطاعة في النشاط والكسل (أي في الحرب والسلم)، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى القيام في الله لا تأخذهم في الله لومة لائم، وعلى نصر رسول الله ﷺ إذا قدم إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ولهم الجنة.
تلت هذه البيعة هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة، بعد أن أذن له الله عز و جل بالهجرة، فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]
و قد سبقه إليها عدد من المسلمين، خرج النبي صلى الله عليه و سلم مهاجرًا معه رفيقه أبو بكر الصديق، فكانت نعمة الصحبة، أخبر أبو بكر الصديق فقال :كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما، وفي لفظ: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما.
و استقبل الأنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم، بالفرح، و بركت ناقته في موضع مسجده، و آخى بين المهاجرين و الأنصار حتى أنهم كانوا يرثون بعضهم البعض ،و وصف الله تعالى حال الأنصار مع المهاجرين فقال تعالى -: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبٌّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ) [الحشر: 9].
في السنة الثانية من الهجرة فرضت الزكاة والصيام ، و حدثت وقعة بدر، التي كانت إعلان لقوة المسلمين، و إعلاء لكلمة الله، و تسلية للمسلمين، رأت سرايا المسلمين عيرا لقريش محملة ببضاعة عظيمة قادمة من الشام، فخرج المسلمون على رأسهم الرسول صلى الله عليه و سلم طلبًا لها ، و علمت قريش بذلك فخرجوا لحماية أموالهم و بضاعتهم، و التقى الجمعان في بدر، كان جيش المشركين ألف من الجنود فرسان على الخيل و ركبان، و والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرا يعتقبونها، فهزُم الأعداء شر هزيمة، وفقتل من قتل و أسر من أسر، نجد تفصيل هذه الغزوة في سورة الأنفال.
و هنا مع ظهور المسلمين بدأ يدخل الإسلام فئة جديدة آمنت ظاهرًا لا باطنًا خوفًا من قوة المسلمين، و هم منافقي المدينة، على رأسهم عبدالله بن سلول، رأس النفاق.
توالت الغزوات بعد بدر، ففي السنة الثالثة كانت غزوة أحد، التي كان فيها الاختبار لطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم و لصدق طلب المسلمين، حين غادر الرماة أماكنهم طلبًا للغنيمة، فخالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه و سلم، استعجالًأ منهم و طلبًا للدنيا، ذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران.
في السنة الخامسة للهجرة كانت غزوة الخندق،اجتمع الأحزاب ، و هم؛ أهل الحجاز وأهل نجد، و بنو قريظة من اليهود ،على غزو المسلمين بالمدينة، فاستشار الرسول صلى الله عليه و سلم صحبه، فكانت الشورى بحفر الخندق حول المدينة، قال تعالى في وصف اجتماع الأحزاب:
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10]
و حاصر الأحزاب المدينة عدة أيام و سبب الله أسبابًأ فرقت جمعهم و خذلتهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}
ثم حاصر المسلمين بني قريظة ممن خانوا العهد و كانوا عونًا للمشركين فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله:
[الأحزاب: 9] {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} ثم و في السنة السادسة هفت القلوب و اشتاقت للعمرة و زيارة بيت الله الحرام، فتهيأ النبي صلى الله عليه و سلم و صحبه و أحرموا ، و ساروا للعمرة، و لم يكن أهل مكة يمنعون أحدًا من العمرة، لكن عندما بلغ أمر الرسول صلى الله عليه و سلم و صحبه المشركين، عزموا على قتالهم و منعهم من العمرة، و حدثت بينهم و بين رسول الله أحاديث، كان نتاجها صلح الحديبية، الذي كان ظاهره أنه مجحف، و أن ليس فيه خير للمسلمين، لكنه كان فتحًا مبينًا قدره الله، فكان فيه أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم هذا العام ولا يدخل البيت، و يرجع العام المقبل، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين ، فرجع صلى الله عليه وسلم عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]
كانت هدنة جعلت الرسول صلى الله عليه و سلم يرسل الرسل بالدعوة إلى القبائل و البلاد، يدعوهم للإسلام، و دخل أناس كثيرون في الإسلام، بل قبائل كاملة كانت تعلن إسلامها.
نقضت قريش العهد في السنة الثامنة، فخرج النبي صلى الله عليه و سلم و صحبه في جيش كبير عظيم العدة ليدخل مكة فاتحًا لها منتصرًا دون قتال ، ليعود الرسول صلى الله و سلم إلى داره و بلده، تلا فتح مكة غزو حنين على هوازن وثقيف، ذكر ذلك في أول سورة التوبة.
و تلا ذلك غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة ،التي ذكرت في سورة التوبة و ما كان فيها من تخلف أصحاب الأعذار و قصة الثلاثة الذين خلفوا و عدد من المنافقين، و ما واجه جيش العسرة من عسر من شدة حر و قلة الزاد و الماء، مكث الجيش في تبوك عشرين يوما ولم يحصل قتال فرجع إلى المدينة.
و خلال هذه الأحداث لا يتوقف الوحي الذي ينزل وفق الأحداث، و تتنزل الأحكام، و التكاليف، و الحدود
و قد فرض الله الحج في هذه السنة أو التي تليها ، فحج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر ، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]
و جاءت السنة الحادية عشر لتكون فيها وفاته عليه الصلاة والسلام، وفاته صلى الله عليه وسلم ليست كوفاة سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء؛ إذ بموته صلى الله عليه وسلم انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.
و كان هناك تمهيد و إعلام من الله لرسوله بقرب وفاته،فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه السورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع.
وقوله تعالى في سورة المائدة على لسان النبي صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3].
وقد أشعر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله إلى جوار ربه، فعن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: ((يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ـ أو قال: ـ لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري))، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: ((إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا)).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مرحباً بابنتي))، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكي؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إليَّ: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي)) فبكيت، فقال: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين))
و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله))، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا.
وتقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخيَّر))، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: ((اللهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذًا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح.
وعن أنس رضي الله عنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة: وا كرب أباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))
و قد اختلف في عمر النبي صلى الله عليه و سلم حين وفاته ،و قد جمع النووي بين الأقوال، فقال: "توفي صلى الله عليه وسلم وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون سنة، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور، ومن روى خمساً وستين عد سنتي المولد والوفاة، ومن روى ثلاثاً وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون". [تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص23)].

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 شوال 1443هـ/26-05-2022م, 03:21 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,625
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رولا بدوي مشاهدة المشاركة
المجموعة الثانية:
لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:

1. أحكام المواريث.
قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] إلى قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13]
والتي في آخر السورة:
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] إلى آخرها [النساء: 176] .
فوائد دراسة أحكام المواريث:
١- توصية الله العباد بأبنائهم فيها دليل على كمال رحمة الله و عنايته بعباده،
٢- كمال عدل الله و حكمته، و لا يستطيع أي قانون وضعي تحقيق مثل هذا المقصد و لا ان يجاريه، و الوصول لهذه الحقيقة مما يثبت الإيمان و يزيده في قلوب المؤمنين
٣- هذه الأحكام فيها من محاسن الإسلام ما كان سببًا لدخول الناس الإسلام، فهي باب للدعوة لمن أحسنه.
حالات الميراث :حالات الأولاد( ينتبه إلى أن من يدخل تحت هذا المسمى( الأولاد) هم ؛ الذكر والأنثى من أولاد الصلب وأولاد الابن وإن نزل، وأما أولاد البنات فلا يدخلون في إطلاق اسم الأولاد في المواريث.(
١- قال تعالى( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] ؛ هذه الحالة حين اجتماع الذكور و الإناث، يتقاسمون المال وفق هذه القسمة، سواء أولاد صلب أو أولاد ابن.
٢- إن كان الأولاد ذكورا فقط؛ فإنهم يتقاسمونه متساوين، ومن ارتفعت درجته حجب ما نزل من الأولاد إذا كان الأعلى من الذكور.
٣-إذا كن إناثا فلها أحوال:
- (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، فإن كانت واحدة فلها النصف، سواء كانت بنت صلب أو بنت ابن.
- (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان.
من فوائد هذه الإية:
١- لا يزيد نصيب البنت بزيادة عددهم قياسًا على الزيادة عندما زاد عددهم لاثنتين
٢- في الآية نص من الله على أن الأختين فرضهما الثلثان، فيستنبط من ذلك؛ أن البنتين من باب أولى وأحرى، بنات صلب تحجب بنات الابن فلا يكون لهن نصيب، وصار البقية بعد فرض البنات للعاصب، وإن كانت العالية واحدة أخذت النصف، وباقي الثلثين وهو السدس لبنت أو بنات الابن.

٤-وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
حالات ميراث الأبوين:
١- وجود ولد( أولاد صلب أو ابن، منفردين أو متعددين): للأم السدس
٢- لا يوجد له ولد و لا إخوة: للأم الثلث
٣- وجود إخوة( اثنين فأكثر) : للأم السدس.
يستفاد من قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ثلث الباقي في زوج أو زوجة وأبوين؛ فإذا كان معهما أحد الزوجين خرجت عن هذا فلم يكن لها ثلث كامل، و بتعبير آخر ؛من إضافة الميراث للأبوين - وهو الأب والأم - يستفاد أن للزوجة ثلث ما ورثه الأبوان، ويكون ما يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغريم.
٥- وأما الأب؛ فله السدس مع وجود أحد من الأولاد؛
- فإن كان الأولاد ذكورا لم يزد الأب على السدس، وصار الأبناء أحق بالتقديم من الأب بالتعصيب بالإجماع.
- وإن كان الأولاد إناثا واحدة أو متعددات فله السدس ولهن أو لها الفرض، فإن بقي شيء فهو لأولى رجل، وهو الأب هنا، وإن استغرقت الفروض التركة لم يبق للأب زيادة عن السدس;مثال ذلك لو خلف أبوين وابنتين؛ فلكل واحد من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان.
ومفهوم الآية الكريمة أنه إذا لم يكن أولاد ذكور ولا إناث، أن الأب يرث بغير تقدير، بل بالعصب، بأن يأخذ المال كله إذا انفرد، أو ما أبقت الفروض إن كان معه أصحاب فروض، وهو إجماع.
٦- الجد و الجدة؛
- حكم الجد حكم الأب فيما سبق من الأحكام إلا في العمريتين؛ فإن الأم ترث ثلثا كاملا مع الجد.
- ميراث الجدة عند غياب الأم يؤخذ من السنة :السدس .
٧- حكم الأزواج:
قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: 12]
- الزوج له نصف ما تركت زوجته إن لم يكن لها ولد،
- و إن كان لها ولد فله الربع.
- الزوجة واحدة أو متعددات لها الربع مما ترك الزوج إن لم يكن له ولد.
- إن كان للزوج ولد منها أو من غيرها ذكر أو أنثى، ولد صلب أو ولد ابن فلها أو لهن الثمن.
٨- ميراث الإخوة من الأم:
قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُث)
حكمهم ؛ أنهم لا يرثون إلا إذا كانت الورثة كلالة ليس فيهم أحد من الفروع ولا الأب والجد، فللواحد من الإخوة من الأم أو الأخوات السدس، وللأنثيين فأكثر الثلث، يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم.
٧- إذا كان هناك وصية أو دين يقدمان على توزيع الميراث.
و يقدم الدين على الوصية و ذلك من السنة و اتفاق العلماء
الوصية لها ضابط أن لا تكون على وجه المضارة بالورثة، فإن كانت كذلك فإنها وصية إثم وجنف يجب تعديلها ورد الظلم الواقع فيها.
٩- هذه الأحكام حدود الله ،تؤدى كما هي دون زيادة أو نقصان، و لا يعطى وارث فوق حقه، أو يحرم وارث، أو ينقص عن حقه.
١٠-ميراث الإخوة لغير أم وأخواتهم
قال تعالى( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
١ -إناث فقط:
- الأنثى الواحدة لها النصف،
- وللثنتين فأكثر الثلثان،
٢- وإن اجتمع رجال ونساء:
- فللذكر مثل حظ الأنثيين،
* إذا كانوا ذكورا أشقاء أو لأب،تساووا.
* فإن وجد هؤلاء وهؤلاء حجب الأشقاء الإخوة للأب.
*وإن كن نساء شقيقات وأخوات لأب، واستغرق الشقيقات الثلثين لم يبق للأخوات للأب شيء؛ فإن كانت الشقيقة واحدة أخذت نصفها، وأعطيت الأخت للأب أو الأخوات السدس تكملة الثلثين.
١٠- وما سوى هذه الفروض فإن الورثة من إخوة لغير أم وبنيهم وأعمام وبنيهم وهؤلاء يدخلون في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الصحيح: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . رواه مسلم.
-يقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم ثم الولاء؛ ويقدم منهم الأقرب منزلة، فإن استوت منزلتهم قدم الأقوى وهو الشقيق على الذي لأب. والله أعلم.
س 2- أحكام الأطعمة و الأشربة والصيد.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 29]؛ الأصل في الأشياء الحل.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]
الطيبات ؛ال الاستغراق ،كل الطيبات حلال
الأصل في الأشياء الحل من طعام وشراب وغيرها؛ الدليل: ( خلق لكم ما في الأرض) الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا، سخر كل شئ لننتفع به بكل وجوه الانتفاعات، من أكل وشرب واستعمال.
(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) وفصل لنا ما حرم علينا، فما لم يعين في القرإن أو السنة بذاته حرام فهو حلال .
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3
{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]
{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145]؛ إلا ؛ استثناء ما ذكر من محرم من الكل الذي هو حلال.
مما حرمه الله من الخبائث:
1- الميتة ، وهي ما مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية -يستثنى منها ما ذكر في السنة: ميتة الجراد والسمك.
من أمثلة الميتة
* {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: 3] أي: التي تخنق بالحبال أو غيرها، أو تختنق فتموت،
*{وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] وهي التي تضرب بالحصى أو بالعصا حتى تموت، ومن هذا إذا رمى صيدا فأصاب الصيد بعرضه فقتله،
* {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} [المائدة: 3] وهي التي تسقط من موضع عال كسطح وجبل فتموت، *{وَالنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3] التي تنطحها غيرها فتموت بذلك، وما أكله ذئب أو غيره من السباع،
* {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] كل هذه الأنواع من أشكال الميتة غير المذكاة حرام، فإن أدركت حية فذكيت كانت حلالا طيبا.
2-ومن المحرمات ما ذكي ذكاة غير شرعية؛
* إذا كان من يتولى الذبح غير مسلم ولا كتابي
*إذا ذبحت في غير محل الذبح وهي مقدور عليها
*وإذا لم يقطع حلقومها ومريها.
*أذا ذبحت بغير ما ينهر الدم أو بأداة كعظم أو ظفر.
3- والدم المسفوح ،قال تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ، وأما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح فإنه طيب حلال( الكبد و الطحال حلال من السنة).
4-{وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] الذبح الذي لا يبتغي وجه الله.
كمن ذبح للأصنام أوملائكة أو إنس أو جن أو غيرها من المخلوقات.
5- ومن الخبائث كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، يؤخذ ذلك من السنة الصحيحة.
6- ومن المحرمات الحشرات وخشاش الأرض من فأرة وحية ووزغ، ونحوها من المستخبثة شرعا وطبا.
* كل ما أمر الله بقتله أو نهى عن قتله فهو خبيث و محرم
هذا التحريم في حال لا ضيق فيها و لا حرج، و العسر و الضرورة تبيحها من غير بغي و لا عدوان.
8- وسع الله دائرة طرق الحلال؛
- فأباح الصيد إذا جرح في أي موضع من بدنه،
- وأباح صيد السهام إذا سمى الرامي عند رميها،
- وأباح أيضا صيد الكلاب المعلمة والطيور المعلمة، فإذا أمسك الكلب و لم يأكل مما اصطاده لقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] .
فائدة دراسة هذه الأحكام تحري الحلال و الحرام، اليقين برحمة الله بعباده الذي يورث محبته و تعظيمه؛ فالله وسع دائرة الحلال و ضيق دائرة الحرام، مع الأخذ في الاعتبار مواطن التضييق و العسرة و الحرج، فيها من محاسن الإسلام ما يدفع الناس للإيمان بهذا الدين السمح.
س3- فوائد دراسة قصص الأنبياء.
قال تعالى( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)
في وصف القصص أنها أحسن القصص ما يدل على عظيم ما فيها من فوائد و حكم و عظات ، مما يستفاد من قراءة القصص:
١- بالقصص يتم ويكمل الإيمان بالأنبياء صلى الله عليهم وسلم،فالإيمان المطلوب بهم هو الإيمان التفصيلي و الذي لا يتأتى إلا عبر معرفة قصصهم الصحيحة من القرآن،التي تبين كمال وصفهم بالأخلاق من صدق و أمانة و صبر و إنابة و ما لهم من فضل على الأمم و فضل على سائر الناس.
٢- عبر قراءة و تدبر قصصهم نجد تقرير للإيمان بالله و رسالة التوحيد الواحدة التي جاءوا بها و نبذ الشرك و أهله، و أسباب الثبات على التوحيد و سنة الله في خسارة أهل الضلال و الشرك في الدنيا والآخرة.
٣- يجد المؤمنون سبل الهداية للصراط المستقيم و أسباب الثبات على التوحيد، و يجدون القدوة التي يأتمون بها في طريقهم : في تحقيق التوحيد والقيام بالعبودية، وفي القيام بأعباء الدعوة، في التزود بأسباب الصبر والثبات في مقابلة عوائق الطريق من ابتلاءات و أعداء، فيصيب قلوبهم الطمأنينة والسكون والثبات التام،يرون أن الصدق و الإخلاص لله باب لقبول الأعمال و نيل النصرة في للدنيا و الآخرة، فيجددون النية و يجدون الطلب و لا يرجون من الناس جزاء و لا شكور، بل الأجر من الله غاية سعيهم.
٤- في القصص القدوة لكل خلق طيب و عمل حسن ، فيها مدح للإصلاح و أهله و ذم للفساد و أهله، هداية لمن يتدبر ليتبع ما يرضي الله عز و جل.
٥- يستفاد من القصص بعض الأحكام و القواعد الفقهية والأحكام الشرعية و ما تحمل من سر
٦- يستفاد من القصص بصفة عامة ما حوت من وعظ وتذكير وترغيب وترهيب، و مشاهدة رحمة الله بعباده و عنايته بهم بتيسير الأمور بعد تعسرها.
7- في القصص تسلية لكل صحب ابتلاء و لكل من ضاق به السبيل لإقامة الدين.
8- نتعلم من القصص أولويات الدعوة و طرقها و أساليبها، و نتعلم الكفايات التي يحتاجها الداعي.
9- نتعلم سنة الله في خلقه، و سنة الابتلاء.

4. قصة لوط عليه السلام
لوط عليه السلام هو تلميذ إبراهيم عليه السلام، و كان منه كالابن، فكان للتوحيد رسولاً عند قرى سدوم من غور فلسطين، دعاهم دعوة الأنبياء جميعًا ؛ عبادة الله وحده لا شريك له، و كان أهل هذه القرى مع شركهم بالله يقومون على فاحشة هي من الفاحشة المعظمة، اللواط؛ يأتون الرجال شهوة دون النساء، فحذرهم لوط عليه السلام منها و من مغبة القيام على مثل هذه الفاحشة، لكنهم عاندوا و أعرضوا، و ثبتوا على ما هم عليه من الباطل، بل إزدادوا عتوًا و ضلالًا، حتى أرسل الله ملائكة إلى لوط عليه السلام ليقضي بينهم بالحق، و يصيبهم ما توعدوا من الهلاك، مرت هذه الملائكة في طريقها إليه بإبراهيم عليه السلام و أعلموه بوجهتهم، فقال من شفقته و حلمه .{إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [العنكبوت: 32]
فقيل: {يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76]
، جاءوا لوطًا عليه السلام بصورة أضياف آدميين شباب فلما رآهم ضيق به، خوفًا عليهم من قومه،{وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77]
فطمأنوه أنهم رسل الله له ليهلك أهل الضلال، و قد خانته زوجته فأبلغت قومه بضيوفه فجاؤوا يدفعهم حب الفاحشة لبيت لوطٍ عليه السلام يريدون ضيوفه، فجزع لوطًا عليه السلام و قال لهم من عجزه و هلعه {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي: لدافعتكم، فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث قال لقومه: فَاتَّقُوا {اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78]
قال قولته هذه متعجبًا أليس فيكم رجل عاقل فيردكم عن طغيانكم، و إن قال ذلك تعجبا فهو يريد من يعينه عليهم منهم لعلهم يستجيبون له، و حدثهم حديث الفطرة السوية {يا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78]
؛ قيل فيهم بناته من صلبه و قيل أزواجهم و لكن يرد ذلك أن الخطاب للحاضر و أنه لا يكون أبًا للمشركين و لم يعهد ذلك في الحديث، و لم يردهم حديثه فالشهوة الضالة ملكت عليهم قلوبهم، و أعميت بصيرتهم عن الحق، و ردوا عليه {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79]
و هنا كان لضيوف لوطًا حديثًا بالأفعال، فطمس جبريل أو غيره من الملائكة أعين الطغاة فلا يرون شيئًا، وأمروا لوطًا عليه السلام أن يسير بأهله خفية في أول الليل و لا ينظر خلفه، و أنه منجيهم إلا إمراته كانت من الغابرين، فالتفتت لتنال عقابها معهم، هذا العقاب الذي كان من جنس عملهم، انقلبت فطرتهم، فقلب قراهم عليهم، و أهلكهم وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين الذين يعملون عملهم ببعيد.
١-مما يستفاد من قصة لوط عِظم فاحشة للواط، و أن البعد عن الدين مظنة الإنغماس فسي الفواحش و سبب لانقلاب الفطرة و تقبل كل ما هو شاذ و ردئ.
٢- في القصة جواز التعريض في الحديث بما يكون سببًا في هداية الآخرين، أو استجلابًا لخير و دفعًا لشر .
٣- الرجل الرشيد من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يتبع الحق ، و ينصره و ينصر أهله على أهل الباطل، قال لوط: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] .
٤- الاستعانة بأهل الباطل في نصرة الحق جائز، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم عند الله، ولهذا قال لوط: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80]، و عندنا في قصص الأنبياء دليل ذلك أيضًا، فالنبي محمد صلى الله عليه و سلم كان أبو طالب له نصيرًا على قومه و لم يؤمن.
5- يستفاد أن الجزاء من جنس العمل، فمن انتكست فطرته، فلينتظر انقابًا في حياته.
6- إلف الباطل و كثرته ليست داعيًا لشرعيتها، فالباطل باطل و أن ظهر في وقت الضعف للحق.
س4- . قصة عيسى وأمّه وزكريا ويحيى عليهم السلام
اصطفى الله و اختار آل عمران على العالمين و جعلهم ذرية بعضها من بعض، قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
امرأة عران كانت من علية القوم في بني إسرائيل، عابدة لله مطيعة، و من حبها لربها نذرت ما تحمل بطنها من وليد لله، أن يكون عاملًا لدين الله و عابدًا مطيعًا، و دعت ربها أن يتقبل نذرها، ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
و لكن فوجئت بوليدها الأنثى فعظم في قلبها أن لا تكون كالولد في عبادة الله لضعف البنات ، و قالت و هي تعلم أن ربها يعلم ما رزقت من ولد، ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
حصنتها و ذريتها من الشيطان الرجيم ، هذا من حكمتها و بليغ معرفتها بمصاب من يتسلط عليه عدو الله الشيطان، (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا )، تقبل الله مريم عليها السلام و عني بها حسيا و معنويًا ، فضمن لها الغذاء الجسدي و النفسي ( الإيماني)
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران
اقترع القوم من يكفل مريم ابنة كبيرهم فكانت القرعة من نصيب زكريا عليه السلام، و كان هذا رزقه من الله قال تعالى (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)آل عمران
الله عز و جل الرزاق الوهاب، يرزق من يشاء بغير حساب، يرزق بالأسباب و بدون الأسباب، هذه عقيدة القلب المؤمن، و كان في كلمات مريم عليها السلام التذكرة لزكريا، فوقف على باب ربه يدعوه و يتوسله بضعفه و قلة حيلته و مطلوبه ،و قال تعالى عن زكريا عليه السلام كيف دعا الله بأدب العبد الخاضع الذليل، يناجي ربا قريبًا فيخفت صوته بالدعاء (إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يريد من يرث ميراث آل عمران من النبوة، و كان فضل الله عظيما، فبشرته الملائكة و هو قائم بين يديه ربه منصرف عن هذه الدنيا بيحي ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
و يا عجبا يا زكريا ، ترزق الولد و أنت كهل و زوجك عاقر، لكن هذا أمر الله الذي لا يرد ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)آل عمران
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)مريم
و ليتيقن زكريا كانت له الآية بالصوم عن الكلام الذي كان مشروعا عند بني إسرائيل( غير جائز للمسلمين)، ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) آل عمران
(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)مريم
لا يحدث للناس إلا وحيًا و لا يفتر لسانه عن ذكر الله و التسبيح.
و رزق يحي، نبي الله الذي لم يكن له سميًا، (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) مريم
هذا هو يحي عليه السلام، حسن في نفسه و محسن مع ربه و مع الخلق، و أقرب الخلق له هما والديه، فكان بارًا لهما.
و مريم ابنة عمران التي كانت نذر أمها لله، و التي اصطفاها الله و طهرها ، كانت العابدة القائمة على طاعة الله المقيمة الصلاة ،وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران
كانت تختلي بربها فجاء إليها في خلوتها جبريل عليه السلام( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)
كان في صورة بشر، فخافت مريم عليها السلام، و هذا لعفة قلبها وطهارتها،( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) تعوذت بالله منه، و كان في تعوذها مصد أن تذكره بالله فيرده ذلك إن كان يريد بها شرًا، فجاءت الإجابة من جبريل عليه السلام سلامًا لقلبها ( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
رسول ربك الذي خلقك و دبر أمرك، لأهب لك من دون أسباب ولدًا طاهرًا و ليس للفاحشة له سبيل، و كان السؤال بعد اطمئنان القلب( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) فما تخشاه هو أن توصم بما لا تحب من البغاء و فعل الفاحشة، كيف يكون ولدًا طاهرًا، فسنة الله أن يجتمع ماء الرجل و ماء المرأة ليكون الولد في الرحم، فأجابها جبريل عليه السلام( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
إنه آية من الله لبني إسرائيل، فالله قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، عيسى آية و رحمة ممن ، من الله ربها الذي تولى تدبير أمرها من صغرها، فاطمئني يا مريم، قال عز وجل ( ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) شهادة من الله بطهارتها القانتة لربها.، فحملت به( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) لجأت لجذع نخلة و قلبها به غصة تحمل هم قومها و ما قد يصيبها منهم ، قال تعالى على لسان عيسى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) و هذه عناية الله بك يا مريم، علمك ابنك كيف تتقوين بثمرات من الرطب ، و تشربين الماء ، ثم صومي يا مريم عن الكلام و أشيري إلي أحدث قومك و أصرف عنك بحول الله و قوته ما قد يخول في خلد قومك و يصرحون به لك، قال تعالى(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
تعجبوا منها، أجنت ابنة عمران، نحدث طفلًا رضيعًا؟ فجاءهم الرد على تعجبهم على لسان عيسى عليه السلام الرضيع (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)مريم
هذا هو عيسى عليه السلام، آية من الله، عبده و رسوله إلى بني إسرائيل، البار بأمه، جاءهم ليعلمهم دينهم و كتبهم و جاءهم بمعجزات هي من فضل الله عليه و ليس من عند نفسه (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
كل ما جاءهم به مصدق لما في التوراة التي بين أيديهم، ( وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
فانقسم القوم إلى أحزاب، من صدقه و هم الحواريون، و من كفروا به و من غلوا فيه فجعلوه ربًأ،
قال تعالى( من فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
و لما مكروا مكر الله بهم فتوفى الله نبيه عيسى عليه السلام و رفعه إليه و شبه لبني غسرائيل أحد الحواريين أنه هو فصلبوه، و ظنوا أنهم إنما صلبوا عيسى عليه السلام و ما كان ذلك حقًا.( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
قال تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]
* قصة عيسى عليه السلام حملت لنا كثير من الفوائد، منها أن النذر جائز في الشريعة، , أن الكرامات للأولياء موجودة و أن عيسى هو عبد الله و رسوله و ليس إله، أن آيات عيسى عليه السلام هي من عند الله، أن الله هو الرزاق الوهاب من غير حول الهبد و لا قوته، يهئ الأسباب، ويرزق بأسباب و بدون أسباب، من آداب الدعاء خفوت الصوت، و التضرع بضعف الحال و اليقين بإجابة المطلوب من الله، أن التعبد لله في المحراب فيه مزيد صفاء و مزيد حضور قلبي، أن التسبيح و ذكر الله من العبادات التي لا يمنعها شيء، و أن الإنسان إذا دعا يدعو بما يحب من الخير، فليس الدعاء بأي ولد بل بالولد الطيب الذي يرضى الله عنه، الذي يرث ميراث النبوة، فلا يكون إلإنسان بخيلا ضعيفًا في دعائه بل يدعو بمعالي الأمور.

6. قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
محمد صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين سيد الخلق أجمعين، دعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129
نشأ يتيمًا، توفي والده قبل ولادته و ماتت أمه و هو صغير،حضنته أم أيمن ، و نكفل به جده عبد المطلب، الذي توفي و هو في الثامنة من عمره ليكون عمه أبو طالب هو كافله من بعد جده و من يقوم على شأنه و تربيته، عمل برعاية الغنم، و عرف بالصدق و الأمانة بين قومه، حتى عُرف بالصادق الأمين، فكان له رصيد في قلوبهم، ما كانوا ليكون تكذيبهم له إلا عن كبر و عناد و لس عن حق، فكيف لمن نشأ بينهم و عرفوا حاله أن يأتي بغير ما عرفوا عنه.
تزوج خديجة بنت خويلد و كان لها شأن في قومها، و قام على تجارتها ينميها و يحافظ عليها، أنجب منها أبناءه جميعًا ما عدا إبراهيم.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله.
هذه هي التهيئة العملية لنبي الله صلى الله عليه و سلم، نبذ الشرك و أهله، نبذ مخالطة الباطل،كان يخلو إلى ربه يتعبد له بما وصل له من طرق التعبد، سبق ذلك ما كان من حادثة شق صدره التي طهر الله بها قلبه ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً،
فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَط فِي صَدْرِهِ.
و لما كانت تنفذ مؤنته في خلوته يعود للسيدة خديجة رضي الله عنها طالبًا الزاد، ،ثم يعود لخلوته، حتى جاءه الوحي.
قالت عائشة رضي الله عنها : فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ. ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]
كانت هذه الآيات أول ما نزل من الوحي، فيها إعلان أن العلم ركن في التكليف، و أن من منن الله العلم و الكتابة، و أن الإنسان جاهل ما لم يعلمه الله، فالله هو الأكرم.
سمع الرسول صلى الله عليه و سلم هذه الكلمات من جبريل عليه السلام بقلب مرتجف فأسرع لزوجه الكريمة الرحيمة العظيمة، فأخبَرَها الخبر وقال (لقد خشيتُ على نفسي!)،فكانت كلماتها بلسمًا له: قالت له رضي الله عنها:كلَّا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"؛ أخرجه الشيخان، واللفظ لمسلم، وقال ابن حجر: "وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: وتؤدِّي الأمانة".
هكذا هي الزوجة الحكيمة، التي تقدر زوجها و تعلم حاله مع ربه، و تعلم من ربها، تثبت زوجها و تدعمه و تقوي إزره.
ثم سعت معه خديجة رضي الله عنها إلى من رأت بعلمها أنه سيكون لديه تفسير لما حدث مع النبي صلى الله عليه و سلم( ورقة بن ونوفل) الشيخ الكبير الذي تبحر في النصرانية، و الذي لما سمع حديث الرسول صلى الله عليه و سلم، علم أنه النبي المنتظر فقال: يا بن أخي ما ترى؟ فأخبره، فقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، قال: “أو مخرجي هم؟” قال: نعم، إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عُودِيَ وأُوذِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم، حتى نزلت آيات سورة المدثر، قال تعالى(
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)
فكانت هذه الآيات دعوة للقيام بالدعوة و إعلاء كلمة الله، و كان أول من اسلم من النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها و أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق وأول من اسلم من الفتيان علي بن أبي طالب، و تابعهم الرجال و النساء ، كانت الدعوة في أولها سرية ، بدار الأرقم بن الأرقم، يجتمع فيها من يسلم ليتعلموا ما أنزل من آيات الله، إلى أن أمره الله بالجهر بالدعوة فقال: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94].
و عن عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه لَمَّا نَزَل قولُه تعالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فأمَرَ اللهُ سُبحانه نبيَّه أنْ يَذهَبَ لِإبلاغِ الدَّعوةِ لقَرابتِه، وهُم قُريشٌ، وهُم آلُ عَبدِ المُطَّلبِ، وآلُ هاشِمٍ، وآلُ عَبدِ مَنافٍ، وقُصَيٌّ، صَعِد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَبَلِ الصَّفَا عند البيتِ الحرامِ، ونَادَى: «يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ؛ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ»، والبَطْنُ: أَقَلُّ مِن القَبِيلةِ، فاجْتَمَعوا عندَه، ومَنْ لم يَستطِعِ المَجِيءَ أَرْسَلَ رسولًا لِيَرَى ما الأَمْرُ، وما الذي يُرِيد أنْ يُخبِرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا اجتَمَعوا وجاء أبو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو أخبرتُكم أنَّ جَيْشًا يُريد أن يَهجُمَ عليكم؛ فهلْ كُنتُم تُصدِّقونني؟ فقالوا: نَعَمْ، وأَقرُّوا بصِدْقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالوا: ما جَرَّبْنا عليك إلَّا صِدقًا، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فإنِّي نَذِيرٌ لكم» من اللهِ «بيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَديدٍ»، فأُحَذِّرُكم ما أنتم عليه من الكُفرِ قبل وقوعِ العَذابِ الشَّديدِ بكم، فلما سَمِعَه عَمُّه أبو لَهَبٍ قال له: «تَبًّا لك سَائِرَ اليومِ!» أي: خَسِرْتَ بقيَّةَ اليومِ؛ «أَلِهَذَا جَمَعْتَنا؟!» فكان ممَّن أعْرَضَ عن دَعوةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنزَل اللهُ تعالَى فيه سُّورةَ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
كان الرجال و النساء يتلصصون على النبي صلى الله عليه و سلم و يستمعون له يتلو القرآن، حتى جاء وقت فتر الوحي فيه، و اشْتَكَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً - أوْ لَيْلَتَيْنِ - فأتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ ما أُرَى شيطَانَكَ إلَّا قدْ تَرَكَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى}
فبين الله أنه لم يترك النبي صلى الله عليه و سلم، و لا نبذه بل الله يشمله برعايته و تدبيره، و بشره أن آخر كل أمر له هو خير له، و ذكره بنعمته السابقة و تدبيره لأمره، بلا حول له و لا قوة.
حاصرت قريش بنى هاشم فى شعب أبى طالب لمدة ثلاث سنوات كاملة بعهد باطل بينها،أكلت هذه الصحيفة حشرة و لم تترك غير اسم الله، و انفض العد و أهله، و كان الفرج بعد الشدة وخرج بنو هاشم وبنو المطلب من الحصار ويعد ذلك أول أسباب خروج الرسول من مكة إلى الطائف.
هذا الخروج سبق حادثة الإسراء والمعراج، رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، تلك الرحلة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أدرك وعَلِم أنَّه لا مقام له بمكة بعد موت عمِّه أبي طالب، وزوجته السيدة خديجة -رضي الله عنها- وكثرة إيذاء المشركين له، فلقد تضاعف أذاهم له و لصحبه.
كان النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يمرُّ في السوق، فيَنْثرون على رأسه التُّراب، فيذهب الصابر المحتسب إلى بيته فتغسله السيدة فاطمة، وعمرها آنذاك ثلاث عشرة سنة، تسأله السيدة فاطمة وهي تبكي: ما هذا الذي أرى يا أبتاه؟ فيجيبها صلى الله عليه وسلم مبتسمًا: "لا تَبْكي يا بُنيَّة، إنَّ الله مانِعٌ أباك".
وتظَلُّ السيِّدة فاطمة تبكي، وتقول له: وهل يَبقى هذا يتبعك يا أبتاه؟ فيردُّ عليها النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "سأغادر مكَّة يا فاطمة".. إلى أين يا أبتَاه؟ "إلى مكانٍ يُسمَع فيه صوت الحق، ويعينني على أعدائي". حتَّى إنَّه صلى الله عليه وسلم صوَّرَ هذه الحقيقة بقوله: "ما نالت منِّي قريشٌ شيئًا أكرهه حتَّى مات أبو طالب".
و انطلق النبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطائف؛ يدعو أهلها للتوحيد و يطلب النصرة و العون من أهلها. و لم يختلف أهل الطائف عن أهل مكة في ردهم، فقد علموا أن دين الإسلام سيصيب مصالحهم الدنيوية، فردوا النبي صلى الله عليه و سلم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لَم يترك دعوته، بل جلس بينهم يدعوهم أيامًا، لعل الله يهديهم.
سلطوا عليه صبيانهم و جهلتهم، يرمونه و صاحبه زيد بن حارة الذي كان يحاول أن يدفع عنه الأذى بجسده،فسالت الدِّماء من قدَميْه الشريفتين بسبب الحجارة التي كان يسير عليها، وشجَّ رأس سيدنا زيد بن حارثة -رضي الله عنه- ،و دخل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى بستانٍ لعُتبة وشيبة ابنَيْ ربيعة، فجلس النبي صلى الله عليه و سلم و أقبل على ربه يدعوه و يشتكي إليه،
دعا النبي صلى الله عليه وسلم و قال: "اللَّهمَّ إليك أشكو ضَعْف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، يا أرحم الرَّاحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الَّذي أشرقَتْ له الظُّلمات، وصلحَ عليه أمر الدُّنيا والآخرة مِن أن تُنْزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتْبَى حتَّى ترضى، ولا حول ولا قوَّة إلا بك".
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحُدٍ؟ قال: "لقَد لقيتُ من قومِك، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرَضْتُ نفسي على ابن عبد ياليلَ بن عبد كلالٍ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلاَّ وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعتُ رأسي، وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السَّلام فناداني، فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملكُ الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَكُ الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؛ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبَيْن".
فقال النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به .
و بعد هذه الأحداث العظام في حياة النبي صلى الله عليه و سلم كانت المنة و التسلية من الله برحلة الإسراء و المعراج، فأسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، وجاوز السبع الطباق، وارتفع فوق السماء السابعة -عليه الصلاة والسلام-، معه جبرائيل، فأوحى الله إليه ما أوحى، و فرضت الصلاة في هذه الرحلة، و صدق أبو بكر صاحبه و رمته قريش بالجنون و الكذب.
في العام الحادي عشر للبعثة حدثت بيعة العقبة الأولى في موسم الحج تمت البيعة في مكان يسمى العقبة بالقرب من منطقة مِنَى، جاء ستة رجال من أهل المدينة قابلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موسم الحج من العام الحادي عشر للبعثة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم انطلقوا لتبليغ قومهم الدين وفاء لعهد وعدوه الرسول صلى الله و سلم ، على أن يعودوا في العام القادم، فلما رجعوا إلى المدينة، دعوا أهلها إلى الإسلام، فأسلم عدد منهم، و عاد الستة في موسم الحج التالي ومعهم ستة آخرون، و بايعوا النبي صلى الله عليه و سلم البيعة الأولى، وأرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ يقرأ لهم القرآن ويعلمهم أحكام الإسلام.
تلت بيعة العقبة الأولى ( الصغرى) بيعة العقبة الكبرى، وقعت في العام التالي للبيعة الأولى، حضر من الأوس والخزرج بضع وسبعون نفرا قد أسلموا، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، و بايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم سرًا،عند العقبة على: السمع والطاعة في النشاط والكسل (أي في الحرب والسلم)، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى القيام في الله لا تأخذهم في الله لومة لائم، وعلى نصر رسول الله ﷺ إذا قدم إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ولهم الجنة.
تلت هذه البيعة هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة، بعد أن أذن له الله عز و جل بالهجرة، فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]
و قد سبقه إليها عدد من المسلمين، خرج النبي صلى الله عليه و سلم مهاجرًا معه رفيقه أبو بكر الصديق، فكانت نعمة الصحبة، أخبر أبو بكر الصديق فقال :كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما، وفي لفظ: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما.
و استقبل الأنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم، بالفرح، و بركت ناقته في موضع مسجده، و آخى بين المهاجرين و الأنصار حتى أنهم كانوا يرثون بعضهم البعض ،و وصف الله تعالى حال الأنصار مع المهاجرين فقال تعالى -: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبٌّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ) [الحشر: 9].
في السنة الثانية من الهجرة فرضت الزكاة والصيام ، و حدثت وقعة بدر، التي كانت إعلان لقوة المسلمين، و إعلاء لكلمة الله، و تسلية للمسلمين، رأت سرايا المسلمين عيرا لقريش محملة ببضاعة عظيمة قادمة من الشام، فخرج المسلمون على رأسهم الرسول صلى الله عليه و سلم طلبًا لها ، و علمت قريش بذلك فخرجوا لحماية أموالهم و بضاعتهم، و التقى الجمعان في بدر، كان جيش المشركين ألف من الجنود فرسان على الخيل و ركبان، و والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرا يعتقبونها، فهزُم الأعداء شر هزيمة، وفقتل من قتل و أسر من أسر، نجد تفصيل هذه الغزوة في سورة الأنفال.
و هنا مع ظهور المسلمين بدأ يدخل الإسلام فئة جديدة آمنت ظاهرًا لا باطنًا خوفًا من قوة المسلمين، و هم منافقي المدينة، على رأسهم عبدالله بن سلول، رأس النفاق.
توالت الغزوات بعد بدر، ففي السنة الثالثة كانت غزوة أحد، التي كان فيها الاختبار لطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم و لصدق طلب المسلمين، حين غادر الرماة أماكنهم طلبًا للغنيمة، فخالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه و سلم، استعجالًأ منهم و طلبًا للدنيا، ذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران.
في السنة الخامسة للهجرة كانت غزوة الخندق،اجتمع الأحزاب ، و هم؛ أهل الحجاز وأهل نجد، و بنو قريظة من اليهود ،على غزو المسلمين بالمدينة، فاستشار الرسول صلى الله عليه و سلم صحبه، فكانت الشورى بحفر الخندق حول المدينة، قال تعالى في وصف اجتماع الأحزاب:
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10]
و حاصر الأحزاب المدينة عدة أيام و سبب الله أسبابًأ فرقت جمعهم و خذلتهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}
ثم حاصر المسلمين بني قريظة ممن خانوا العهد و كانوا عونًا للمشركين فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله:
[الأحزاب: 9] {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} ثم و في السنة السادسة هفت القلوب و اشتاقت للعمرة و زيارة بيت الله الحرام، فتهيأ النبي صلى الله عليه و سلم و صحبه و أحرموا ، و ساروا للعمرة، و لم يكن أهل مكة يمنعون أحدًا من العمرة، لكن عندما بلغ أمر الرسول صلى الله عليه و سلم و صحبه المشركين، عزموا على قتالهم و منعهم من العمرة، و حدثت بينهم و بين رسول الله أحاديث، كان نتاجها صلح الحديبية، الذي كان ظاهره أنه مجحف، و أن ليس فيه خير للمسلمين، لكنه كان فتحًا مبينًا قدره الله، فكان فيه أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم هذا العام ولا يدخل البيت، و يرجع العام المقبل، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين ، فرجع صلى الله عليه وسلم عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]
كانت هدنة جعلت الرسول صلى الله عليه و سلم يرسل الرسل بالدعوة إلى القبائل و البلاد، يدعوهم للإسلام، و دخل أناس كثيرون في الإسلام، بل قبائل كاملة كانت تعلن إسلامها.
نقضت قريش العهد في السنة الثامنة، فخرج النبي صلى الله عليه و سلم و صحبه في جيش كبير عظيم العدة ليدخل مكة فاتحًا لها منتصرًا دون قتال ، ليعود الرسول صلى الله و سلم إلى داره و بلده، تلا فتح مكة غزو حنين على هوازن وثقيف، ذكر ذلك في أول سورة التوبة.
و تلا ذلك غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة ،التي ذكرت في سورة التوبة و ما كان فيها من تخلف أصحاب الأعذار و قصة الثلاثة الذين خلفوا و عدد من المنافقين، و ما واجه جيش العسرة من عسر من شدة حر و قلة الزاد و الماء، مكث الجيش في تبوك عشرين يوما ولم يحصل قتال فرجع إلى المدينة.
و خلال هذه الأحداث لا يتوقف الوحي الذي ينزل وفق الأحداث، و تتنزل الأحكام، و التكاليف، و الحدود
و قد فرض الله الحج في هذه السنة أو التي تليها ، فحج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر ، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]
و جاءت السنة الحادية عشر لتكون فيها وفاته عليه الصلاة والسلام، وفاته صلى الله عليه وسلم ليست كوفاة سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء؛ إذ بموته صلى الله عليه وسلم انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.
و كان هناك تمهيد و إعلام من الله لرسوله بقرب وفاته،فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه السورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع.
وقوله تعالى في سورة المائدة على لسان النبي صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3].
وقد أشعر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله إلى جوار ربه، فعن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: ((يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ـ أو قال: ـ لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري))، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: ((إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا)).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مرحباً بابنتي))، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكي؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إليَّ: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي)) فبكيت، فقال: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين))
و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله))، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا.
وتقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخيَّر))، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: ((اللهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذًا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح.
وعن أنس رضي الله عنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة: وا كرب أباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))
و قد اختلف في عمر النبي صلى الله عليه و سلم حين وفاته ،و قد جمع النووي بين الأقوال، فقال: "توفي صلى الله عليه وسلم وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون سنة، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور، ومن روى خمساً وستين عد سنتي المولد والوفاة، ومن روى ثلاثاً وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون". [تهذيب الأسماء واللغات للنووي (ص23)].
وفقك الله
المطلوب تلخيص مسائل الموضوعات؛
فبداية نستخلص المسائل, ثم نختار عنوانا مناسبا كاشفا لكل مسألة, ونلخص ما جاء في هذه المسألة من كلام للمصنف رحمه الله تعالى تلخيصا واضحا لكن دون أن نستطرد.
ج+

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10 ذو القعدة 1443هـ/9-06-2022م, 02:01 PM
جوري المؤذن جوري المؤذن غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2020
المشاركات: 196
افتراضي

المجموعة الرابعة: لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1.
أحكام الطلاق والعدد والإيلاء والظهار.
*أحكام الطلاق :
-أدلة مشروعية الطلاق من الكتاب :
شرع -سبحانه- الطلاق بين الزوجين و بين ذلك في كتابه العزيز ، فقال -تعالى- :" يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا (1) " الطلاق .
-أنواع الطلاق :
1-الطلاق السني : وهو أن يطلق الزوج زوجته مرة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، أو يطلقها و هي حامل قد تبين حملها ، أو يطلقها وهي آيسة أو صغيرة . و من طلق في أحد هذه الأحوال فهو طلاق مشروع له أن يراجعها ما دامت في العدة .
2-الطلاق البدعي : وهو أن يطلق الزوج زوجته أكثر من واحدة ، أو يطلقها وهي حائض أو نفساء ، أو يطلقها في طهر قد وطئ فيه ولم يتبين حملها . ومن طلق في أحد هذه الأحوال فهو آثم متعدّ لحدود الله .
-أنواع الرجعة و حكم كل نوع :
1-الرجعة من طلاق رجعي : و هي الرجعة من طلاق باثنتين بلا عوض . وحكمها : للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة لقوله -تعالى- :" وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ " [البقرة:228] . سواءً رضيت الزوجة أو كرهت .
2-الرجعة من طلاق بائن : وهي الرجعة من طلاق بالطلقة الثالثة . وحكمها : في هذا النوع من الطلاق لا تحل الزوجة لزوجها حتى تنقضي عدتها و تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل ، أي يطأها زوجها الثاني ثم يطلقها و هو راغب في طلاقها ، حتى إذا انقضت عدتها منه فللزوج الأول أن ينكحها برضاها و ببقية شروط النكاح من الولي والصداق وغيره . و بذلك تحصل الرجعة .
-أحكام في الرجعة :
1-لا يحل لولي المرأة أن يمنع الزوجة من الرجوع إلى زوجها الأول إذا رغب كل منهما في الآخر و كان سبب ذلك المنع بغضه للزوج أو غضبه عليه ، بل الواجب عليه أن يسعى في الجمع بينهما و يسعى لزيادة الألفة بينها وبين زوجها .
أما إذا كان سبب منع الزوجة من الرجوع إلى زوجها أنه ليس كفوْاً في دينه أو لسوء أخلاقه ومعشره ، فيعتبر الولي محسن للمرأة في هذه الحالة ؛ لأن منع المرأة عما فيه ضرر لها إحسان عليها .
2- اعتبار شرط إقامة حدود الله في التراجع ؛ لقوله -تعالى- :" فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ " [البقرة:230] .

*أحكام العدد :
-أنواع العدد حسب أحوال الزوجة :
1-المفارقة بطلاق إن كانت تحيض ، حكمها : تعتد ثلاثة قروء من بعد وقوع الطلاق عليها ، لقوله -تعالى- :"وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ " [البقرة:228] .
2-الآيسة التي لم تحض لصغر ونحوه ، حكمها : تعتد ثلاثة أشهر ، لقوله -تعالى- :" وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ " [الطلاق:4] .
3-المفارقة بموت زوجها ، حكمها : تعتد أربعة أشهر وعشرا ، لقوله -تعالى- :"وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ " [البقرة:234] .
4-الحامل المفارقة لزوجها بطلاق أو موت ، حكمها : تنتهي عدتها بوضع حملها ، لقوله -تعالى- :" وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ " [الطلاق:4] .
5-معتدة فارقت زوجها بطلاق و نحوه و لم يدخل أو يخلُ بها ، حكمها : ليس عليها عدة بل لها أن تتزوج بمجرد أن يطلقها ، لقوله -تعالى- :" يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ " [الأحزاب:49] .
-أحكام النفقة على المعتدة :
المعتدة من حيث استحقاقها للنفقة نوعان :
1-معتدة حامل ، لها النفقة بكل حال ، لقوله -تعالى- :" وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ " [الطلاق:6] .
2-معتدة غيرحامل ، وهي نوعان :
- مفارقة بائنة ، إما بموت أو فسخ أو خلع أو ثلاث أو عوض ، و حكم هذا النوع : لا نفقة ولا كسوة ولا مسكن لهن ، إلا إن كان بإحسان من الزوج .
- مفارقة رجعية : لها النفقة والكسوة والمسكن ما دامت في العدة فلها ما للزوجة التي في عصمة زوجها باستثناء القسم فلا قسم له .

*أحكام الإيلاء :
-المراد بالإيلاء ودليله :
الإيلاء هو أن يحلف الزوج بالله على ترك وطء زوجته أبداً أو مدة طويلة تزيد على أربعة أشهر إذا كان قادراً على الوطء ، وهو ما ورد في قوله -تعالى- :" لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (226) وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ (227) " البقرة .
-الأحكام المترتبة على الإيلاء :
إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته فإنه يترتب على هذا الحلف حالتين ، وكل حالة لها حكمها وكفارتها :
الحالة الأولى : إذا لم تطالب الزوجة زوجها بحقها من الوطء .
حكمها : إن وطئ الزوج زوجته في مدة الإيلاء فقد حنث ، وعليه كفارة يمين .
و إن لم يطأها فلا كفارة عليه .
الحالة الثانية : إن طالبت الزوجة زوجها بحقها من الوطء .
حكمها : أُمر بذلك و جعل له مدة أربعة أشهر ، فإن فاء إليها و وطئها فهو الأحسن والأكمل .
وإن أبى وطء زوجته وهي متمسكة بحقها من الوطء و مضت الأربعة أشهر، فهو مجبر على أحد الأمرين إما أن يرجع إلى زوجته و في هذه الحالة يكفر كفارة يمين ، وإما أن يطلق زوجته .

*أحكام الظهار :
-المراد بالظهار ودليله :
الظهار هو أن يحرم الزوج زوجته على نفسه فيقول لها : أنت علي كظهر أمي . و ورد ذلك في قوله -تعالى- :"ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ " [المجادلة:2] .
-كفارة الظهار :
إذا ظاهر الزوج زوجته فكفارة ذلك على الترتيب :
1- عتق رقبة قبل أن يمس زوجته .
2- فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين قبل أن يمس زوجته .
3- فإن لم يستطيع الصيام فإطعام ستين مسكيناً .
فإذا كفّر الزوج عن نفسه انحلت يمينه و أصبحت زوجته تحل عليه .
وهي كما وردت في سورة المجادلة في قوله -تعالى- :" وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ (3) فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) " .

*فوائد دراسة أحكام الطلاق والعدد الإيلاء والظهار :
شرع الله -تعالى- الأحكام لتبين للناس ما لهم وما عليهم حتى يعيشوا في استقرار و على بصيرة فلا يظلم بعضهم بعضا ، فمن فوائد دراستها :
1- أهمية الصبر بين الزوجين والتروي قبل اتخاذ قرار الطلاق ، فإن كان لابد فعلى كل طرف منهم العمل بما جاءت به الشريعة حتى لا يتظالموا .
2- الدين الإسلامي يحفظ حقوق المسلمين حتى في حال الخلاف و الفراق و رتب على ذلك أحكام تسعد بها النفس وتطمئن ، ولا يحظى بذلك إلا من طبقها وعمل بها .
3- إرشاد الله -تعالى- عباده إلى الإحسان والتفضل على الغير حتى في حال الخلاف ، كما جاء في قوله -تعالى- :" وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ " [البقرة:237] . ففي الشدائد تتأكد الأخلاق الفاضلة من عفوٍ و تسامح و تنازل عن الحقوق .
4- تعظيم أمر النكاح وعدم الاستهتار به فهو ميثاق غليظ لا ينبغي حله في أي وقت و بأي سبب ، و إن ورود هذه الأحكام العظيمة في الطلاق إنما هو دليل على عظم هذا الميثاق .


2.
قصة نوح عليه السلام
*سبب بعثة نوح -عليه السلام- إلى قومه :
كان الناس بعد آدم -عليه السلام- على طريق الهدى ، ثم حلت فتنة عظيمة عليهم سببها الشيطان ، عندما مات أُناس صالحون من قوم نوح فحزن الناس عليهم فدخل عليهم الشيطان من هذا الباب فأمرهم بأن يصوروهم على تماثيل حتى يستأنسوا بها و لا ينسوهم ، وكانت هذه أول خطوات الشيطان ، فلما هلك الذين صنعوا التماثيل لهذا الغرض -الاستئناس بهم- جاء أناس من بعدهم لا يعلمون حقيقة التماثيل فاقتنص الشيطان هذه الفرصة و وسوس إليهم بأن هؤلاء رجال هم : ( ود وسواع ويغوث و يعوق و نسرا ) كان الذين من قبلكم يدعونهم و يطلبون الشفاعة منهم وأنهم السبب في نزول الأمطار و زوال الأمراض ، واستمر في الوسوسة حتى وصل بهم الحال إلى عباداتهم من غير الله -تعالى- فبعث الله نوح -عليه السلام- ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فقال -تعالى- :" لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ " [الأعراف:59] .

*بداية دعوة نوح -عليه السلام- ومواجهة المستكبرين :
بدأ نوح -عليه السلام- دعوته بأمر قومه بإخلاص العبادة لله -تعالى- وترغيبهم في خيري الدنيا والآخرة ، قال -تعالى- :" قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ (2) أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (4) " نوح .
فما وجد إلا الاستكبار و ردّ الحق والتكبر على من كان معه من المؤمنين ، قال -تعالى- :" فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ " [هود:27] .
فما كان منه -عليه السلام- إلا أن بين لهم أنه ليس بكاذب و لا ضال و إنما هو السبيل الذي تزول به الضلالة عن الناس إن اتبعوه و طبقوا أمر الله ، و أنه لا يجوز طرد المؤمنين وليس له الحق في ذلك ، قال -تعالى- :" وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ " [هود:31] .
ولم ييأس -عليه السلام- من دعوتهم بل استمر يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهراً رغم فرارهم و إعراضهم و ذلك من أخلاق الداعية العالية وهو الصبر على المدعوين والحلم والأناة وعدم اليأس .
إلى أن وصل الحال بأن التذكير لا جدوى منه فدعا عليهم بالهلاك واستجاب الله دعوته ، قال -تعالى- :" وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا (27) " نوح .

*صناعة الفلك ونجاة المؤمنين به وهلاك الكافرين :
أمر الله -تعالى- نوح -عليه السلام- أن يصنع الفلك وألهمه تعلّم هذه الصنعة فكان أول من بدأ بهذه الصناعة التي انتفع بها من جاء بعده من الأمم .
واستمر في صناعة الفلك غير مستمع لسخرية الساخرين ، وأخذ معه بأمر الله من كل زوجين اثنين من البهائم ؛ حتى يتكاثروا ، و حمل معه المؤمنين من الرجال والنساء وكانوا قليل ، وأمرهم عند ركوبهم السفينة أن سبحوا الله كلما جرت وكلما رست ، قال -تعالى- :" ۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ " [هود:41] .
و جاء الوقت الذي فجر الله فيه عيوناً في الأرض وأنزل من السماء ماء كثيراً فالتقت المياه ببعضها البعض ، فارتفعت السفينة حتى وصلت قمم الجبال ، وهم في هذه الحال رأى نوح -عليه السلام- ابنه الكافر " وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ " ، فما كان جواب ابنه إلا أن " قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ " [هود:42-43]
فأغرق الله جميع الكافرين و من بينهم ابن نوح -عليه السلام- وأنجى المؤمنين بفضله ورحمته ، ثم نقص الماء شيئاً فشيئاً واستوت السفينة على الجودي -جبل في نواحي الموصل- .

*عتاب الله -تعالى- لنوح -عليه السلام- :
لما دعا نوح -عليه السلام- " فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ " ، قال الله -تعالى- :" إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ " [هود:45-46] .
إن الله يعلم أن نوح دعا بهذا الدعاء شفقة ورحمة بابنه ، لكن الله عاتبه وعلمه أن الواجب في الدعاء أن يكون الحامل له العلم و الإخلاص في طلب رضى الله ، فما كان من نوح -عليه السلام- إلا الانقياد والطاعة ، قال -تعالى- :" قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ " [هود:47] .

*الفوائد من قصة نوح -عليه السلام- :
1- اتفاق دعوة جميع الرسل على أمر واحد ألا وهو عبادة الله وحده والنهي عن الشرك بالله .
2- أن نوح -عليه السلام- هو القدوة لمن بعده من الدعاة في التحلي بآداب الدعوة ، و من هذه الآداب : الترغيب في ثواب الآخرة و خيرات الدنيا والترهيب بالعقاب وزوال النعم ، الصبر والحلم على المدعوين ، أسلوب الخطاب المقنع اللين الذي يستميل به القلوب ، عدم اليأس و القنوط أمام ما يواجهه من إعراض وتكبر .
3-الاستعانة بالله في أمور الحياة جميعها ، والإكثار من ذكر الله في السراء والضراء .

4-دعاء الله بصلاح الذرية في دينها ودنياها .

5-الاستغفار سبب في البركة وتعدد النعم من كثرة في الأولاد والأرزاق و نزول المطر و مغفرة الذنوب و السلامة من الآفات .

6-الحذر من وسوسة الشيطان واتباع خطواته وذلك بالاستعاذة من شروره في كل وقت ، والالتزام بالأذكار والتحصينات وذكر الله .



3.
قصة صالح عليه السلام
*سبب بعثة صالح -عليه السلام- إلى قوم ثمود :
كان قوم ثمود -عاد الثانية- يسكنون في الحجر وكانوا أصحاب خير و نعمة كان لهم مواشٍ كثيرة وحرث و زروع ، و لهم قصور مزخرفة ، ومنّ الله عليهم باتخاذ بيوت من الجبال ينحتونها بإتقان ، و مع كل هذه النعم العظيمة إلا أن قوم ثمود قابلوها بالجحود و البطر و الطغيان ، و زيادة على ذلك عبدوا غير الله ، فأرسل الله -تعالى- إليهم صالح -عليه السلام- من قبيلتهم وهو معروف بينهم بنسبه و حسبه و أخلاقه العالية و ذلك ليدعوهم بدعوة جميع الرسل ألا وهي عبادة الله وحده و النهي عن الشرك ، قال -تعالى- : " وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥ ۖ" [الأعراف:73] .


*التآمر على عقر ناقة صالح -عليه السلام- :
واجه صالح -عليه السلام- ما واجهه قبله من الرسل من إعراض قومه و تكبرهم عن سماع الحق ، فجعل الله -تعالى- له ناقة لا تشبه غيرها من النوق دلالة على صدقه ، فقال لقومه : " هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ " [الأعراف:73] .
إلا أنه كان من بينهم في مدينتهم تسعة رهط مستكبرين استولى عليهم الشيطان ، فقاوموا ما جاء به صالح -عليه السلام- و جعلوا يفسدون في الأرض ، فحذرهم صالح من عقر الناقة ، فما كان منهم إلا العناد فاتفقوا و تآمروا على عقر الناقة فعقروها فكان ذلك العقر بداية هلاكهم .

*عقاب المتآمرين على قتل صالح -عليه السلام- ونجاة المؤمنين :
لم يكتفي التسعة رهط بعقر الناقة بل تمادوا إلى الاتفاق في ما بينهم على قتل صالح -عليه السلام- وتعاهدوا فيما بينهم أن يكتموا الأمر إذا أتموه ويحلفون لأوليائه أنهم ما شهدوا مهلكه ، لكن هيهات .. ما إن كمنوا في أصل الجبل ليتحينوا فرصة قتل نبي الله صالح ، أرسل الله عليهم صخرة من أعلى الجبل قتلتهم شرّ قتلة ، ثم جاءتهم صيحة من فوقهم و رجفة من اسفلهم فأصبحوا خاسرين ، فكان جزاء الكفار الهلاك ، و جزاء المؤمنين النجاة .

*فوائد من قصة صالح -عليه السلام- :
1- اتفاق دعوة الرسل على إخلاص عبادة الله والنهي عن الشرك .
2- الطغيان والتكبر على نعم الله سبب في الهلاك والعقاب .
3- الحذر من رفاق السوء الذين يأمرون بالشر ولا يخافون الله في أفعالهم فهم سبب في هلاك المرء .


4.
قصة داوود وسليمان عليهما السلام
*شجاعة داود -عليه السلام- أمام جالوت وجنوده :
داود -عليه السلام- من اعظم أنبياء بني إسرائيل و كان من العسكر الذين مع طالوت و كان ملكاً على بني إسرائيل وتميز بشجاعته وقوته وعلمه في سياسة و نظام الجيوش ، وكان هناك قتال بين طالوت وجنوده و جالوت قائد جيش الأعداء ، ونصر الله -تعالى- طالوت وجنوده بشجاعة داود -عليه السلام- أمام جالوت فقد قام بقتل جالوت بنفسه فحصلت هزيمة الأعداء إثر مقتل ملكهم .

*فضائل وصفات داود -عليه السلام- :
ميز الله -تعالى- داود -عليه السلام- بفضائل وصفات جليلة جعلته من أعظم أنبياء بني إسرائيل ، و من جملة فضائله و صفاته :
1- أن الله -تعالى- جعله من أنبياء بني إسرائيل و أعطاه الحكمة والملك القوي . قال -تعالى- :" وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ " [ص:20] .
2- وهبه الله قوة في العبادة والبصيرة وهي من الصفات العالية الرفيعة . قال -تعالى- :" وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ " [ص:17] .
3- تفضّل الله -تعالى- عليه بتسخير الطير والجبال له فتسبح الله معه . قال -تعالى- :"إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ (18) وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ (19) " ص.
4- أكرمه الله بحسن الصوت الذي لا مثيل له ولم يؤت أحد مثله من العالمين .
5- و من صفات عبادته : أنه ينام نصف الليل و يقوم ثلثه وينام سدسه ، و يصوم يوم ويفطر يوم .
6- كان يتحلى بأعظم الصفات ألا وهي الشجاعة التي لا يُرى لها مثيل .
7- أنعم الله -تعالى- عليه بتعلم صناعة دروع الحرب بأن سخر له الحديد فألانه له ، وهو بذلك يكون أول من صنع الدروع الواقية . قال -تعالى- :" وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ " [سبأ:10] .

*عتاب الله -تعالى- لداود -عليه السلام- :
رغم أن الأنبياء منزلتهم عالية عظيمة ليس لأحد مثلها ، إلا أن مشهد عتاب الله -تعالى- لهم يتكرر، ففي سرعة رجوعهم للحق تعليم لنا للانقياد والطاعة لله -تعالى- . وسبب عتاب الله -تعالى- لداود -عليه السلام- بسبب ذنب أذنبه أثناء الحكم بين خصمين دخلا عليه وهو في محرابه ففزع -وكانا ملكين أرسلهما الله- و قالا له : " لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ " [ص:22] .
فقص عليه أحد الخصمين القصة ، فقال : " إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ " [ص:23] . فردّ عليه داود -عليه السلام- :" قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ " [ص:24] ، هنا علم داود بذنبه وانتبه لذلك " وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ" [ص:24] ، وهذا نهج الأنبياء في سرعة التوبة و الانقياد لله -تعالى- وطلب مرضاته ، فقال الله التواب الرحيم :" فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ " [ص:25] .

بعد أن طمأن الله قلب داوود -عليه السلام- بمغفرة ذنبه وجهه لما فيه صلاح له فقال -تعالى- :" يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ " [ص:26] .


*فضائل وصفات سليمان -عليه السلام- :
ورث سليمان -عليه السلام- النبوة والعلم و الملك من أبيه داود -عليه السلام- ، و تفضل الله عليه بفضائل وصفات لم تحصل لأحد من قبله ولا من بعده فكان من أعظم أنبياء بني إسرائيل ، و من فضائله وصفاته الجليلة :
1- سخر الله -تعالى- له الريح تخدمه و تجري بأمره حيث أراد .
2- سخر الله -تعالى- له الجن والشياطين يعملون له الأعمال التي يريدها فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب -مساجد للعبادة- ، وتماثيل -صور من نحاس ومن زجاج- ، وجفان كالجواب -قصاع كبيرة كالأحواض التي يجتمع فيها الماء- ، وقدور راسيات ثابتات لا تتحرك من أماكنها لعظمتهن .
3- لم يقتصر جنوده على الإنس بل سخر الله له جنود من الجن والطير ، وعلّمه منطق الطير وكل الحيوانات فيخاطبهم ويخاطبوه كما حدث معه في قصة النملة التي سمعها تنادي في قومها " حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا " [النمل:18-19] .
4- تميز بحسن نظامه وحزمه فكان يتفقد الجيوش بنفسه حتى مع وجود المدبرين ، مثل ما حدث حين تفقد الطيور لينظر هل هي لازمة لمراكزها .
5- اختص سليمان -عليه السلام- بزيادة الفهم ، ويظهر ذلك في حكمه على قضايا حدثت بين أناس ، منها : قضية المرأتين اللتين خرجتا و مع كل واحدة منها ابنها ، فعدا الذئب على واحد من الأبناء ، فادّعت كل واحدة أن الذي اعتُدي عليه هوابن الأخرى ، فتحاكما أولاً إلى داود -عليه السلام- فحكم اجتهاداً منه للمرأة الكبرى ؛ رحمةً بها . ثمّ لما رُفعت القضية لسليمان -عليه السلام- قال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما ، فرضيت المرأة الكبرى بذلك ، أما الصغرى قالت : هو ابنها ؛ لأن بقاؤه في يد امرأة أخرى أهون من ذبحه . هنا يظهر فهم سليمان -عليه السلام- للأمور فعلم أنه ليس ابن المرأة الكبرى ؛ لأنها رضيت هلاكه . و حكم للمرأة الصغرى ؛ لأنها تنازلت عن دعواها حفاظاً على روح ابنها .


*قصة سليمان -عليه السلام- مع ملكة سبأ :
بعد أن جاء الهدهد بمعلومات عن ملكة سبأ و كانت تتنعم بجميع النعم ، ولما كان سليمان -عليه السلام- يختص بزيادة الفهم عرف من ملكهم و قوتهم أنهم مشركون يعبدون الشمس ، بعد ذلك قال سليمان -عليه السلام- للهدهد : "قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (27) ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ (28) " النمل
فما كان من الهدهد إلا الطاعة ، وذهب بالكتاب و ألقاه على ملكة سبأ ، فلما قرأته فزعت منه وجمعت رؤساء قومها وقالت : " قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ (31) " النمل .
وطلبت المشورة منهم و ذلك دلالة على حنكتها و معرفتها بأمور السياسة ، واختارت السلم و قامت بإرسال هدية له لعلّه يغير رأيه فتسلم منه . فلما جاء الرسل لسليمان بالهدية قال :" أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ (36) ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ (37) " النمل .
و كانت ملكة سبأ تُعرف برجاحة عقلها و رأيها السديد ، فأراد سليمان أن يتحقق من ذلك فقال : " نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ " [النمل:41] . فمن هذا الموقف تأكد سليمان و عرف رجاحة عقلها ، و ذكر الله -تعالى- إسلام ملكة سبأ في قوله -تعالى- :" قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ " [النمل:44] .

*إبطال دعوى تعليم سليمان -عليه السلام- للسحر :
إن مما وهبه الله لسليمان -عليه السلام- تسخير الشياطين له ، لكن الله ألهمه أنه باجتماع الشياطين بالإنس يعلمونهم السحر، فجمع سليمان الشياطين وتوعدهم و أخذ كتبهم ودفنها . و بعد وفاة سليمان -عليه السلام- وجدت الشياطين مدخلاً يدخلون به على الناس فقالوا للناس : إن ملك سليمان مشيّد على السحر ، وقاموا بإخراج الكتب التي دفنها ، وافتروا على سليمان بأن جعلوا هذه الكتب له و أنه ساحر ويعلم السحر ، ولم تتوانى طائفة من اليهود في ترويج هذه الدعوة الباطلة ، لكن الله -تعالى- أبطل دعواهم و برأ سليمان -عليه السلام- فقال -تعالى- :" وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ " [البقرة:102] .

*فوائد من قصة داود وسليمان -عليهما السلام- :
1- إن ما مرّ به داود وسليمان -عليهما السلام- من مواقف يعطي دروس وعبر لمن يتأملها ففيها تثبيت للنفوس أمام الابتلاءات والفتن ، فكانت قصتهما وقصص غيرهم سلوى لرسول الله وتثبيتاً لقلبه و أنهم تعرضوا للأذى كما يتعرض له ، و هذه أحد فوائد قصص القرآن .
2- أن الأنبياء يتعرضون للابتلاءات ليرجعوا إلى الله بأحسن مما كانوا عليه ، ولنا في ذلك قدوة حسنة .
3- كل من ولّي على المسلمين وكان في خدمة أمنهم فعليه أن يتحلّى بعدة صفات تحفظ أمن المسلمين وتراعي مصالحهم ، ومن ذلك : الشجاعة في الحرب ، حسن السياسة وسداد الرأي ، قوة الدين والبدن ، مشورة الرؤساء ، تفقد الجند بنفسه ، و اختبار من تحته من الرجال بالقول والفعل .
4- التأسي بالأنبياء في عبادتهم و قربهم من الله وسرعة الرجوع إليه .
5-على المسلم تعلم الصناعات التي تعود عليه وعلى المسلمين بالنفع والخير و تكون سبب في كسب المال الحلال منها .
6- في إنكار الهدهد لعبادة الناس الشمس دليل على أن الحيوانات تعرف ربها وتعظمه و توحده و تحب المؤمنين و تدين لربها بذلك وتبغض الكفار ، فعلى الإنسان التحلي بذلك من باب أولى .
7-على العبد استعمال نعم الله عليه في الطاعات وفي أوجه الخير فذلك من شكر النعمة ودوامها ، فداود وسليمان -عليهما السلام- استعملا ما أنعم الله عليهما في خدمة الدين وإعلاء كلمة الحق .


5.
قصة ذي القرنين
*التعريف بذي القرنين :
ذو القرنين ملك صالح ، وهبه الله ما لم يكن لغيره من قوة وأسباب الملك و اتساع الفتوحات ، و أعطاه الله من كل شيء تحصل به قوة الملك و حسن السياسة والتدبير وكثرة الجند وغيرها من الأسباب التي وُفق في استعمالها والاستفادة منها والعمل بها .

*اتساع الفتوحات في زمن ذي القرنين :
إن الله -تعالى- أعطى ذي القرنين من أسباب الملك الشيء الكثير و وُفق بالعمل بها ، ومن ذلك أنه غزا بجيوشه أدنى أفريقيا حتى بلغ بحر المحيط الغربي و هو منتهى بلاد أفريقيا ، وبعد أن فتح مغرب الأرض استمر في الفتوحات حتى وصل إلى مشارق الأرض من بلاد الصين و شواطئ المحيط الهادي وهي منتهى الشرق ، ولم يتوقف بل استمر قاصداً الشمال حتى إذا بلغ بين السدين و هو محل متوسط بين سلاسل جبال في بلاد الترك فوجد في تلك الفجوة قوماً لا يكادون يفقهون قولاً قالوا :" يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا " [الكهف:94] . وبذل أسبابه كما هو معهود منه في بناء عظيم يحتاج إلى قوة في الأبدان ، فعلّم من كان معه كيفية البناء و ذلك بأن يجمعوا له قطع الحديد ويركموه بين السدين حتى يصبح تلولاً عظيمة ، ثم أمر بالنحاس المذاب ليصب بين قطع الحديد ؛ ليلتحم بعضه البعض فصار الحديد جبلاً هائلاً متصلاً بالسدين ، وبذلك يمنعهم من ضرر يأجوج و مأجوج -بإذن الله- و عزا ما عمله ذو القرنين إلى توفيق ربه إليه .

*فوائد من قصة ذي القرنين :
1- على العبد استعمال الأسباب في طاعة الله ، و الاستفادة منها في أمور الدنيا النافعة .
2- سؤال الله -تعالى- العون في العدل بين الناس وأن يلهمه الله حسن التدبير والرأي .
3- إرجاع الفضل لله أولاً وآخراً لله -تعالى- في كل أمور الحياة .
4-عدم الاغترار بالقوة والذكاء بالنعم عموماً ؛ لأن الله -تعالى- هو من يرزقها من يشاء من عباده .
5-عدم الاعتماد على الأسباب فقط ؛ لأن قدرة الله فوق كل شيء ، فهو -سبحانه- قادر على تغيير الأحوال في أي وقت يريده .
6-الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة في معرفة صفات يأجوج ومأجوج .



6.
قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
*أهمية دراسة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- :
تظهر أهمية دراسة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- في أنها تعين المسلم على معرفة تفسير كتاب الله وفهم معانيه ؛ لأن غالب آيات القرآن سبب نزولها ما كان يحدث خلال حياته -عليه الصلاة والسلام- سواء من أقواله أو سؤال يسأله أحدهم له فينزل القرآن جواباً عليه و يبين للناس ما أشكل عليهم .

*مقامات النبي -عليه الصلاة والسلام- في إنزال القرآن عليه :
- الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة :
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولد على الفطرة السليمة الصحيحة ، فكان يبغض عبادة الأصنام ويبغض كل ما هو قبيح من قول أو فعل ، فكان يتعبد الله على فطرته في غار حراء ، و يحسن إلى الخلق ، فالله -تعالى- علّمه و اصطفاه و كمّله .
- بدء نبوته -عليه الصلاة والسلام- :
بداية الخير للبشرية عندما بلغ رسول الله الأربعين من عمره ، جاء أمر الله وأرسل إليه جبريل لأول مرة ، فلما رآه رسول الله فزع ، وقال له جبريل : "اقرأ" ، و قال رسول الله : "مأنا بقارئ" فهو -عليه الصلاة والسلام- لا يعرف القراءة والكتابة . و بنزول سورة العلق ابتدأت نبوته -عليه الصلاة والسلام- .
- بدء رسالته -عليه الصلاة والسلام- :
بعد مجيء جبريل -عليه السلام- للنبي أول مرة ، فتر الوحي مدة عن رسول الله وحكمة ذلك ؛ أن يشتاق النبي إليه فيكون أعظم وقعاً في قلبه . ثم ما لبث أن جاءه جبريل -عليه السلام- المرة الثانية و النبي -عليه الصلاة والسلام- ترتعد فرائصه من المنظر فقال لزوجته خديجه : "دثروني دثروني" . و بنزول سورة المدثر ابتدأت رسالته -عليه الصلاة والسلام- وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطاعة ربه وبذل جهده في دعوة الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
- أعظم مقامات دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- :
بُعث رسول الله في قوم مشركين مستكبرين فكان غالب نزول الآيات يناسب حالهم ويقرر مقام عظيم هو من أعظم المقامات ألا وهو : الدعوة إلى توحيد الله -تعالى- و إخلاص العبادة لله -سبحانه- والنهي عن الشرك . وبيّن القرآن الكريم أحوال الناس في قبول الدعوة فمنهم منقادين له -سبحانه- هداهم الله إلى ذلك ، ومنهم من اختار الضلال فأعرض عن سماع الحق و تكبر و طغى ، وذكر الله -تعالى- الفريقين في قوله -تعالى- :" فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ " [الأعراف:30].
-تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المكذبين له ، وبيان القرآن لصدق رسالته :
إن الله -تعالى- جمّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأجمل الصفات وأكملها ، فهو -عليه الصلاة والسلام- رغم ما يجده من إعراض وعناد المكذبين إلا أنه يتعامل معهم بأخلاقه السامية فكان يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن مطبقاً لأمر الله في ذلك ، و يذكرهم بالقرآن في كل وقت و لا ييأس من دعوتهم بل يرحمهم ويرجو رجوعهم إلى الحق . و مقابل هذا الإحسان كان المكذبين يتقولون عليه بأقاويل باطلة لينفروا الناس عنه و القرآن يرد عليهم و يبطل أكاذيبهم ، مثل قولهم : أنه شاعر يؤلف القرآن وأنه كاهن ، فيرد عليهم القرآن " وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (43) " الحاقة .
وغيرها من الأقاويل التي جاء القرآن مبطلاً لها مبيناً لصدق نبيه -عليه الصلاة والسلام- .
-النبي -عليه الصلاة والسلام- مع المؤمنين :
نزلت آيات عديدة في القرآن الكريم تبين مقامات النبي مع المؤمنين ، ومنها قوله -تعالى- :" لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ " [التوبة:128] . فكان رسول الله يتعامل مع المؤمنين برأفة و رحمة لا مثيل لها ويكنّ لهم الحب العظيم و يُظهر حبه لهم في أقواله وأفعاله ويحنوا عليهم ويتواضع لهم ، فهو لهم كالأب الرحيم .
-فرض الصلاة :
فرض الله -تعالى- عبادة الصلاة وميزها عن غيرها من العبادات بطريقة فرضها على نبيه الكريم ، ففي حادثة الإسراء والمعراج التي ذكرها الله -تعالى- في قوله الكريم :" سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ " [الإسراء:1] . أُسري بالنبي -عليه الصلاة والسلام- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و عُرج به إلى السماء السابعة ليفرض عليه -سبحانه- الصلوات الخمس ، وعلمه جبريل أوقاتها وكيفيتها ، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات .
-هجرة المسلمين :
كان المسلمين في مكة يتعرضون للأذى من كفار قريش ، فأذن لهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- في بادئ الأمر للهجرة إلى الحبشة ، ثم لما زاد عدد المسلمين صارت هجرة المسلمين إلى المدينة . وإثر هذه الهجرة ، خاف كبراء القوم الكافرين في مكة واتفقوا على قتل النبي -عليه الصلاة والسلام- ، فأوحى إلى نبيه ذلك ثم خرج ليهاجر واصطحب معه صاحبه الصديق و لبثا في الغار و الكفار يطلبونهم من كل جهة ، و ذكر الله -تعالى- ذلك في قوله : " إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [التوبة:40] . فحماه الله منهم وهاجر إلى المدينة واستقر بها .
-السنة الثانية من الهجرة :
في السنة الثانية فرض الله على المسلمين فريضتي الزكاة والصيام ، و نزلت آيات الزكاة والصيام وقت فرضها ، وشهد المسلمون في هذه السنة أعظم وقعة على المسلمين ألا وهي وقعة بدر التي أنزل الله فيها سورة الأنفال تبين ما كان فيها من أحداث ودروس وعبر .
-السنة الثالثة من الهجرة :
وقعت في السنة الثالثة من الهجرة غزوة أحد التي كان من أبرز أحداثها تخلف الرماة عن مراكزهم التي أمرهم الرسول بها ، وذكر -سبحانه- تفاصيل الغزوة في سورة آل عمران .
-السنة الرابعة من الهجرة :
في السنة الرابعة تواعد المسلمون و المشركون في بدر ، فحضر المسلمون والتزموا بوعدهم وتخلّف المشركون عنها ، فأنزل الله -تعالى- :" فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ " [آل عمران:174] .
-السنة الخامسة من الهجرة :
في السنة الخامسة كانت غزوة الخندق التي أنزلها الله فيها صدر سورة الأحزاب .
-السنة السادسة من الهجرة :
في السنة السادسة اعتمر رسول الله وأصحابه عمرة الحديبية ، وواجهوا صد المشركين لهم ومنعهم لهم من دخول المسجد الحرام ، فلما رأى رسول الله حميتهم قدّم مصلحة حفظ بيت الله و عقد صلح الحديبية الذي يتمثل في عدم دخول النبي المسجد الحرام هذا العام و يقضي عمرته العام المقبل وأن لا حرب لمدة عشر سنين . وأنزل الله في هذا الموقف سورة الفتح كاملة .
-السنة الثامنة من الهجرة :
كما هو المعهود في أخلاق الكفار نقض العهود ، فقريش نقضت العهد الذي كان بينها و بين رسول الله ، لكن الله نصر رسوله ورزقه فتح مكة و أتم نصره بغزوة حنين و في ذلك أنزل الله أول سورة التوبة .
-السنة التاسعة من الهجرة :
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة ، وذكر القرآن الكريم ما كان فيها من تخلف أهل الأعذار والمنافقين ، و ثلاثة من صلحاء المؤمنين و أنزل الله في غزوة تبوك آيات كثيرة من سورة التوبة فيها بيان لما وقع فيها وما واجهه المسلمين من شدائد . وفي هذه السنة فُرض الحج على المسلمين و حجّ أبو بكر -رضي الله عنه- بالناس .
-السنة العاشرة من الهجرة :
في السنة العاشرة حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع مع المسلمين وعلّمهم مناسك الحج والعمرة قولاً وفعلاً ، وأنزل الله في كتابه الكريم آيات الحج ، و أنزل الله يوم عرفة قوله الكريم : " ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ " [المائدة:3] .

*فوائد من قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين و من أُنزل عليه القرآن هدى ورحمة للمؤمنين :
1- شكر الله -تعالى- على بعثة الرسول الكريم إلينا فهو السبب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور و إعلاء كلمه الحق إلى يومنا هذا .
2- التقرب من الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة سبب في التوفيق والصلاح وحصول النعم .
3- أهميه دور الزوجة الصالحة في حياة الداعية .
4-الصبر أمام الصعوبات في سبيل رفع راية التوحيد وإعلاء كلمة الحق من أخلاق المسلم الصادق .
5- تتأكد أخلاق المسلم النبيلة في الشدائد والمواقف الصعبة .
6- أهمية الصلاة و مركزيتها في الإسلام .
7- أن للمسلم الفرار بدينه من البلاد التي تؤذيه إلى بلاد يأمن نفسه فيها ؛ خوفاً من ضياع دينه وحفاظاً على نفسه من الأذى .
8- أخذ العظة والعبرة من قصص القرآن .






-وصلّ اللهم و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين-.


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 19 ذو القعدة 1443هـ/18-06-2022م, 10:32 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 1,625
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوري المؤذن مشاهدة المشاركة
المجموعة الرابعة: لخّص مسائل الموضوعات التالية وبيّن فوائد دراستها:
1.
أحكام الطلاق والعدد والإيلاء والظهار.
*أحكام الطلاق :
-أدلة مشروعية الطلاق من الكتاب :
شرع -سبحانه- الطلاق بين الزوجين و بين ذلك في كتابه العزيز ، فقال -تعالى- :" يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا (1) " الطلاق .
-أنواع الطلاق :
1-الطلاق السني : وهو أن يطلق الزوج زوجته مرة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، أو يطلقها و هي حامل قد تبين حملها ، أو يطلقها وهي آيسة أو صغيرة . و من طلق في أحد هذه الأحوال فهو طلاق مشروع له أن يراجعها ما دامت في العدة .
2-الطلاق البدعي : وهو أن يطلق الزوج زوجته أكثر من واحدة ، أو يطلقها وهي حائض أو نفساء ، أو يطلقها في طهر قد وطئ فيه ولم يتبين حملها . ومن طلق في أحد هذه الأحوال فهو آثم متعدّ لحدود الله .
-أنواع الرجعة و حكم كل نوع :
1-الرجعة من طلاق رجعي : و هي الرجعة من طلاق باثنتين بلا عوض . وحكمها : للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة لقوله -تعالى- :" وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ " [البقرة:228] . سواءً رضيت الزوجة أو كرهت .
2-الرجعة من طلاق بائن : وهي الرجعة من طلاق بالطلقة الثالثة . وحكمها : في هذا النوع من الطلاق لا تحل الزوجة لزوجها حتى تنقضي عدتها و تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل ، أي يطأها زوجها الثاني ثم يطلقها و هو راغب في طلاقها ، حتى إذا انقضت عدتها منه فللزوج الأول أن ينكحها برضاها و ببقية شروط النكاح من الولي والصداق وغيره . و بذلك تحصل الرجعة .
-أحكام في الرجعة :
1-لا يحل لولي المرأة أن يمنع الزوجة من الرجوع إلى زوجها الأول إذا رغب كل منهما في الآخر و كان سبب ذلك المنع بغضه للزوج أو غضبه عليه ، بل الواجب عليه أن يسعى في الجمع بينهما و يسعى لزيادة الألفة بينها وبين زوجها .
أما إذا كان سبب منع الزوجة من الرجوع إلى زوجها أنه ليس كفوْاً في دينه أو لسوء أخلاقه ومعشره ، فيعتبر الولي محسن للمرأة في هذه الحالة ؛ لأن منع المرأة عما فيه ضرر لها إحسان عليها .
2- اعتبار شرط إقامة حدود الله في التراجع ؛ لقوله -تعالى- :" فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ " [البقرة:230] .

*أحكام العدد :
-أنواع العدد حسب أحوال الزوجة :
1-المفارقة بطلاق إن كانت تحيض ، حكمها : تعتد ثلاثة قروء من بعد وقوع الطلاق عليها ، لقوله -تعالى- :"وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ " [البقرة:228] .
2-الآيسة التي لم تحض لصغر ونحوه ، حكمها : تعتد ثلاثة أشهر ، لقوله -تعالى- :" وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ " [الطلاق:4] .
3-المفارقة بموت زوجها ، حكمها : تعتد أربعة أشهر وعشرا ، لقوله -تعالى- :"وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ " [البقرة:234] .
4-الحامل المفارقة لزوجها بطلاق أو موت ، حكمها : تنتهي عدتها بوضع حملها ، لقوله -تعالى- :" وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ " [الطلاق:4] .
5-معتدة فارقت زوجها بطلاق و نحوه و لم يدخل أو يخلُ بها ، حكمها : ليس عليها عدة بل لها أن تتزوج بمجرد أن يطلقها ، لقوله -تعالى- :" يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ " [الأحزاب:49] .
-أحكام النفقة على المعتدة :
المعتدة من حيث استحقاقها للنفقة نوعان :
1-معتدة حامل ، لها النفقة بكل حال ، لقوله -تعالى- :" وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ " [الطلاق:6] .
2-معتدة غيرحامل ، وهي نوعان :
- مفارقة بائنة ، إما بموت أو فسخ أو خلع أو ثلاث أو عوض ، و حكم هذا النوع : لا نفقة ولا كسوة ولا مسكن لهن ، إلا إن كان بإحسان من الزوج .
- مفارقة رجعية : لها النفقة والكسوة والمسكن ما دامت في العدة فلها ما للزوجة التي في عصمة زوجها باستثناء القسم فلا قسم له .

*أحكام الإيلاء :
-المراد بالإيلاء ودليله :
الإيلاء هو أن يحلف الزوج بالله على ترك وطء زوجته أبداً أو مدة طويلة تزيد على أربعة أشهر إذا كان قادراً على الوطء ، وهو ما ورد في قوله -تعالى- :" لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (226) وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ (227) " البقرة .
-الأحكام المترتبة على الإيلاء :
إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته فإنه يترتب على هذا الحلف حالتين ، وكل حالة لها حكمها وكفارتها :
الحالة الأولى : إذا لم تطالب الزوجة زوجها بحقها من الوطء .
حكمها : إن وطئ الزوج زوجته في مدة الإيلاء فقد حنث ، وعليه كفارة يمين .
و إن لم يطأها فلا كفارة عليه .
الحالة الثانية : إن طالبت الزوجة زوجها بحقها من الوطء .
حكمها : أُمر بذلك و جعل له مدة أربعة أشهر ، فإن فاء إليها و وطئها فهو الأحسن والأكمل .
وإن أبى وطء زوجته وهي متمسكة بحقها من الوطء و مضت الأربعة أشهر، فهو مجبر على أحد الأمرين إما أن يرجع إلى زوجته و في هذه الحالة يكفر كفارة يمين ، وإما أن يطلق زوجته .

*أحكام الظهار :
-المراد بالظهار ودليله :
الظهار هو أن يحرم الزوج زوجته على نفسه فيقول لها : أنت علي كظهر أمي . و ورد ذلك في قوله -تعالى- :"ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ " [المجادلة:2] .
-كفارة الظهار :
إذا ظاهر الزوج زوجته فكفارة ذلك على الترتيب :
1- عتق رقبة قبل أن يمس زوجته .
2- فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين قبل أن يمس زوجته .
3- فإن لم يستطيع الصيام فإطعام ستين مسكيناً .
فإذا كفّر الزوج عن نفسه انحلت يمينه و أصبحت زوجته تحل عليه .
وهي كما وردت في سورة المجادلة في قوله -تعالى- :" وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ (3) فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) " .

*فوائد دراسة أحكام الطلاق والعدد الإيلاء والظهار :
شرع الله -تعالى- الأحكام لتبين للناس ما لهم وما عليهم حتى يعيشوا في استقرار و على بصيرة فلا يظلم بعضهم بعضا ، فمن فوائد دراستها :
1- أهمية الصبر بين الزوجين والتروي قبل اتخاذ قرار الطلاق ، فإن كان لابد فعلى كل طرف منهم العمل بما جاءت به الشريعة حتى لا يتظالموا .
2- الدين الإسلامي يحفظ حقوق المسلمين حتى في حال الخلاف و الفراق و رتب على ذلك أحكام تسعد بها النفس وتطمئن ، ولا يحظى بذلك إلا من طبقها وعمل بها .
3- إرشاد الله -تعالى- عباده إلى الإحسان والتفضل على الغير حتى في حال الخلاف ، كما جاء في قوله -تعالى- :" وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ " [البقرة:237] . ففي الشدائد تتأكد الأخلاق الفاضلة من عفوٍ و تسامح و تنازل عن الحقوق .
4- تعظيم أمر النكاح وعدم الاستهتار به فهو ميثاق غليظ لا ينبغي حله في أي وقت و بأي سبب ، و إن ورود هذه الأحكام العظيمة في الطلاق إنما هو دليل على عظم هذا الميثاق .


2.
قصة نوح عليه السلام
*سبب بعثة نوح -عليه السلام- إلى قومه :
كان الناس بعد آدم -عليه السلام- على طريق الهدى ، ثم حلت فتنة عظيمة عليهم سببها الشيطان ، عندما مات أُناس صالحون من قوم نوح فحزن الناس عليهم فدخل عليهم الشيطان من هذا الباب فأمرهم بأن يصوروهم على تماثيل حتى يستأنسوا بها و لا ينسوهم ، وكانت هذه أول خطوات الشيطان ، فلما هلك الذين صنعوا التماثيل لهذا الغرض -الاستئناس بهم- جاء أناس من بعدهم لا يعلمون حقيقة التماثيل فاقتنص الشيطان هذه الفرصة و وسوس إليهم بأن هؤلاء رجال هم : ( ود وسواع ويغوث و يعوق و نسرا ) كان الذين من قبلكم يدعونهم و يطلبون الشفاعة منهم وأنهم السبب في نزول الأمطار و زوال الأمراض ، واستمر في الوسوسة حتى وصل بهم الحال إلى عباداتهم من غير الله -تعالى- فبعث الله نوح -عليه السلام- ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فقال -تعالى- :" لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ " [الأعراف:59] .

*بداية دعوة نوح -عليه السلام- ومواجهة المستكبرين :
بدأ نوح -عليه السلام- دعوته بأمر قومه بإخلاص العبادة لله -تعالى- وترغيبهم في خيري الدنيا والآخرة ، قال -تعالى- :" قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ (2) أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (4) " نوح .
فما وجد إلا الاستكبار و ردّ الحق والتكبر على من كان معه من المؤمنين ، قال -تعالى- :" فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ " [هود:27] .
فما كان منه -عليه السلام- إلا أن بين لهم أنه ليس بكاذب و لا ضال و إنما هو السبيل الذي تزول به الضلالة عن الناس إن اتبعوه و طبقوا أمر الله ، و أنه لا يجوز طرد المؤمنين وليس له الحق في ذلك ، قال -تعالى- :" وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ " [هود:31] .
ولم ييأس -عليه السلام- من دعوتهم بل استمر يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهراً رغم فرارهم و إعراضهم و ذلك من أخلاق الداعية العالية وهو الصبر على المدعوين والحلم والأناة وعدم اليأس .
إلى أن وصل الحال بأن التذكير لا جدوى منه فدعا عليهم بالهلاك واستجاب الله دعوته ، قال -تعالى- :" وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا (27) " نوح .

*صناعة الفلك ونجاة المؤمنين به وهلاك الكافرين :
أمر الله -تعالى- نوح -عليه السلام- أن يصنع الفلك وألهمه تعلّم هذه الصنعة فكان أول من بدأ بهذه الصناعة التي انتفع بها من جاء بعده من الأمم .
واستمر في صناعة الفلك غير مستمع لسخرية الساخرين ، وأخذ معه بأمر الله من كل زوجين اثنين من البهائم ؛ حتى يتكاثروا ، و حمل معه المؤمنين من الرجال والنساء وكانوا قليل ، وأمرهم عند ركوبهم السفينة أن سبحوا الله كلما جرت وكلما رست ، قال -تعالى- :" ۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ " [هود:41] .
و جاء الوقت الذي فجر الله فيه عيوناً في الأرض وأنزل من السماء ماء كثيراً فالتقت المياه ببعضها البعض ، فارتفعت السفينة حتى وصلت قمم الجبال ، وهم في هذه الحال رأى نوح -عليه السلام- ابنه الكافر " وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ " ، فما كان جواب ابنه إلا أن " قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ " [هود:42-43]
فأغرق الله جميع الكافرين و من بينهم ابن نوح -عليه السلام- وأنجى المؤمنين بفضله ورحمته ، ثم نقص الماء شيئاً فشيئاً واستوت السفينة على الجودي -جبل في نواحي الموصل- .

*عتاب الله -تعالى- لنوح -عليه السلام- :
لما دعا نوح -عليه السلام- " فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ " ، قال الله -تعالى- :" إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ " [هود:45-46] .
إن الله يعلم أن نوح دعا بهذا الدعاء شفقة ورحمة بابنه ، لكن الله عاتبه وعلمه أن الواجب في الدعاء أن يكون الحامل له العلم و الإخلاص في طلب رضى الله ، فما كان من نوح -عليه السلام- إلا الانقياد والطاعة ، قال -تعالى- :" قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ " [هود:47] .

*الفوائد من قصة نوح -عليه السلام- :
1- اتفاق دعوة جميع الرسل على أمر واحد ألا وهو عبادة الله وحده والنهي عن الشرك بالله .
2- أن نوح -عليه السلام- هو القدوة لمن بعده من الدعاة في التحلي بآداب الدعوة ، و من هذه الآداب : الترغيب في ثواب الآخرة و خيرات الدنيا والترهيب بالعقاب وزوال النعم ، الصبر والحلم على المدعوين ، أسلوب الخطاب المقنع اللين الذي يستميل به القلوب ، عدم اليأس و القنوط أمام ما يواجهه من إعراض وتكبر .
3-الاستعانة بالله في أمور الحياة جميعها ، والإكثار من ذكر الله في السراء والضراء .

4-دعاء الله بصلاح الذرية في دينها ودنياها .

5-الاستغفار سبب في البركة وتعدد النعم من كثرة في الأولاد والأرزاق و نزول المطر و مغفرة الذنوب و السلامة من الآفات .

6-الحذر من وسوسة الشيطان واتباع خطواته وذلك بالاستعاذة من شروره في كل وقت ، والالتزام بالأذكار والتحصينات وذكر الله .



3.
قصة صالح عليه السلام
*سبب بعثة صالح -عليه السلام- إلى قوم ثمود :
كان قوم ثمود -عاد الثانية- يسكنون في الحجر وكانوا أصحاب خير و نعمة كان لهم مواشٍ كثيرة وحرث و زروع ، و لهم قصور مزخرفة ، ومنّ الله عليهم باتخاذ بيوت من الجبال ينحتونها بإتقان ، و مع كل هذه النعم العظيمة إلا أن قوم ثمود قابلوها بالجحود و البطر و الطغيان ، و زيادة على ذلك عبدوا غير الله ، فأرسل الله -تعالى- إليهم صالح -عليه السلام- من قبيلتهم وهو معروف بينهم بنسبه و حسبه و أخلاقه العالية و ذلك ليدعوهم بدعوة جميع الرسل ألا وهي عبادة الله وحده و النهي عن الشرك ، قال -تعالى- : " وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥ ۖ" [الأعراف:73] .


*التآمر على عقر ناقة صالح -عليه السلام- :
واجه صالح -عليه السلام- ما واجهه قبله من الرسل من إعراض قومه و تكبرهم عن سماع الحق ، فجعل الله -تعالى- له ناقة لا تشبه غيرها من النوق دلالة على صدقه ، فقال لقومه : " هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ " [الأعراف:73] .
إلا أنه كان من بينهم في مدينتهم تسعة رهط مستكبرين استولى عليهم الشيطان ، فقاوموا ما جاء به صالح -عليه السلام- و جعلوا يفسدون في الأرض ، فحذرهم صالح من عقر الناقة ، فما كان منهم إلا العناد فاتفقوا و تآمروا على عقر الناقة فعقروها فكان ذلك العقر بداية هلاكهم .

*عقاب المتآمرين على قتل صالح -عليه السلام- ونجاة المؤمنين :
لم يكتفي التسعة رهط بعقر الناقة بل تمادوا إلى الاتفاق في ما بينهم على قتل صالح -عليه السلام- وتعاهدوا فيما بينهم أن يكتموا الأمر إذا أتموه ويحلفون لأوليائه أنهم ما شهدوا مهلكه ، لكن هيهات .. ما إن كمنوا في أصل الجبل ليتحينوا فرصة قتل نبي الله صالح ، أرسل الله عليهم صخرة من أعلى الجبل قتلتهم شرّ قتلة ، ثم جاءتهم صيحة من فوقهم و رجفة من اسفلهم فأصبحوا خاسرين ، فكان جزاء الكفار الهلاك ، و جزاء المؤمنين النجاة .

*فوائد من قصة صالح -عليه السلام- :
1- اتفاق دعوة الرسل على إخلاص عبادة الله والنهي عن الشرك .
2- الطغيان والتكبر على نعم الله سبب في الهلاك والعقاب .
3- الحذر من رفاق السوء الذين يأمرون بالشر ولا يخافون الله في أفعالهم فهم سبب في هلاك المرء .


4.
قصة داوود وسليمان عليهما السلام
*شجاعة داود -عليه السلام- أمام جالوت وجنوده :
داود -عليه السلام- من اعظم أنبياء بني إسرائيل و كان من العسكر الذين مع طالوت و كان ملكاً على بني إسرائيل وتميز بشجاعته وقوته وعلمه في سياسة و نظام الجيوش ، وكان هناك قتال بين طالوت وجنوده و جالوت قائد جيش الأعداء ، ونصر الله -تعالى- طالوت وجنوده بشجاعة داود -عليه السلام- أمام جالوت فقد قام بقتل جالوت بنفسه فحصلت هزيمة الأعداء إثر مقتل ملكهم .

*فضائل وصفات داود -عليه السلام- :
ميز الله -تعالى- داود -عليه السلام- بفضائل وصفات جليلة جعلته من أعظم أنبياء بني إسرائيل ، و من جملة فضائله و صفاته :
1- أن الله -تعالى- جعله من أنبياء بني إسرائيل و أعطاه الحكمة والملك القوي . قال -تعالى- :" وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ " [ص:20] .
2- وهبه الله قوة في العبادة والبصيرة وهي من الصفات العالية الرفيعة . قال -تعالى- :" وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ " [ص:17] .
3- تفضّل الله -تعالى- عليه بتسخير الطير والجبال له فتسبح الله معه . قال -تعالى- :"إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ (18) وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ (19) " ص.
4- أكرمه الله بحسن الصوت الذي لا مثيل له ولم يؤت أحد مثله من العالمين .
5- و من صفات عبادته : أنه ينام نصف الليل و يقوم ثلثه وينام سدسه ، و يصوم يوم ويفطر يوم .
6- كان يتحلى بأعظم الصفات ألا وهي الشجاعة التي لا يُرى لها مثيل .
7- أنعم الله -تعالى- عليه بتعلم صناعة دروع الحرب بأن سخر له الحديد فألانه له ، وهو بذلك يكون أول من صنع الدروع الواقية . قال -تعالى- :" وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ " [سبأ:10] .

*عتاب الله -تعالى- لداود -عليه السلام- :
رغم أن الأنبياء منزلتهم عالية عظيمة ليس لأحد مثلها ، إلا أن مشهد عتاب الله -تعالى- لهم يتكرر، ففي سرعة رجوعهم للحق تعليم لنا للانقياد والطاعة لله -تعالى- . وسبب عتاب الله -تعالى- لداود -عليه السلام- بسبب ذنب أذنبه أثناء الحكم بين خصمين دخلا عليه وهو في محرابه ففزع -وكانا ملكين أرسلهما الله- و قالا له : " لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ " [ص:22] .
فقص عليه أحد الخصمين القصة ، فقال : " إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ " [ص:23] . فردّ عليه داود -عليه السلام- :" قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ " [ص:24] ، هنا علم داود بذنبه وانتبه لذلك " وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ" [ص:24] ، وهذا نهج الأنبياء في سرعة التوبة و الانقياد لله -تعالى- وطلب مرضاته ، فقال الله التواب الرحيم :" فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ " [ص:25] .

بعد أن طمأن الله قلب داوود -عليه السلام- بمغفرة ذنبه وجهه لما فيه صلاح له فقال -تعالى- :" يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ " [ص:26] .


*فضائل وصفات سليمان -عليه السلام- :
ورث سليمان -عليه السلام- النبوة والعلم و الملك من أبيه داود -عليه السلام- ، و تفضل الله عليه بفضائل وصفات لم تحصل لأحد من قبله ولا من بعده فكان من أعظم أنبياء بني إسرائيل ، و من فضائله وصفاته الجليلة :
1- سخر الله -تعالى- له الريح تخدمه و تجري بأمره حيث أراد .
2- سخر الله -تعالى- له الجن والشياطين يعملون له الأعمال التي يريدها فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب -مساجد للعبادة- ، وتماثيل -صور من نحاس ومن زجاج- ، وجفان كالجواب -قصاع كبيرة كالأحواض التي يجتمع فيها الماء- ، وقدور راسيات ثابتات لا تتحرك من أماكنها لعظمتهن .
3- لم يقتصر جنوده على الإنس بل سخر الله له جنود من الجن والطير ، وعلّمه منطق الطير وكل الحيوانات فيخاطبهم ويخاطبوه كما حدث معه في قصة النملة التي سمعها تنادي في قومها " حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا " [النمل:18-19] .
4- تميز بحسن نظامه وحزمه فكان يتفقد الجيوش بنفسه حتى مع وجود المدبرين ، مثل ما حدث حين تفقد الطيور لينظر هل هي لازمة لمراكزها .
5- اختص سليمان -عليه السلام- بزيادة الفهم ، ويظهر ذلك في حكمه على قضايا حدثت بين أناس ، منها : قضية المرأتين اللتين خرجتا و مع كل واحدة منها ابنها ، فعدا الذئب على واحد من الأبناء ، فادّعت كل واحدة أن الذي اعتُدي عليه هوابن الأخرى ، فتحاكما أولاً إلى داود -عليه السلام- فحكم اجتهاداً منه للمرأة الكبرى ؛ رحمةً بها . ثمّ لما رُفعت القضية لسليمان -عليه السلام- قال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما ، فرضيت المرأة الكبرى بذلك ، أما الصغرى قالت : هو ابنها ؛ لأن بقاؤه في يد امرأة أخرى أهون من ذبحه . هنا يظهر فهم سليمان -عليه السلام- للأمور فعلم أنه ليس ابن المرأة الكبرى ؛ لأنها رضيت هلاكه . و حكم للمرأة الصغرى ؛ لأنها تنازلت عن دعواها حفاظاً على روح ابنها .


*قصة سليمان -عليه السلام- مع ملكة سبأ :
بعد أن جاء الهدهد بمعلومات عن ملكة سبأ و كانت تتنعم بجميع النعم ، ولما كان سليمان -عليه السلام- يختص بزيادة الفهم عرف من ملكهم و قوتهم أنهم مشركون يعبدون الشمس ، بعد ذلك قال سليمان -عليه السلام- للهدهد : "قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (27) ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ (28) " النمل
فما كان من الهدهد إلا الطاعة ، وذهب بالكتاب و ألقاه على ملكة سبأ ، فلما قرأته فزعت منه وجمعت رؤساء قومها وقالت : " قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ (31) " النمل .
وطلبت المشورة منهم و ذلك دلالة على حنكتها و معرفتها بأمور السياسة ، واختارت السلم و قامت بإرسال هدية له لعلّه يغير رأيه فتسلم منه . فلما جاء الرسل لسليمان بالهدية قال :" أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ (36) ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ (37) " النمل .
و كانت ملكة سبأ تُعرف برجاحة عقلها و رأيها السديد ، فأراد سليمان أن يتحقق من ذلك فقال : " نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ " [النمل:41] . فمن هذا الموقف تأكد سليمان و عرف رجاحة عقلها ، و ذكر الله -تعالى- إسلام ملكة سبأ في قوله -تعالى- :" قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ " [النمل:44] .

*إبطال دعوى تعليم سليمان -عليه السلام- للسحر :
إن مما وهبه الله لسليمان -عليه السلام- تسخير الشياطين له ، لكن الله ألهمه أنه باجتماع الشياطين بالإنس يعلمونهم السحر، فجمع سليمان الشياطين وتوعدهم و أخذ كتبهم ودفنها . و بعد وفاة سليمان -عليه السلام- وجدت الشياطين مدخلاً يدخلون به على الناس فقالوا للناس : إن ملك سليمان مشيّد على السحر ، وقاموا بإخراج الكتب التي دفنها ، وافتروا على سليمان بأن جعلوا هذه الكتب له و أنه ساحر ويعلم السحر ، ولم تتوانى طائفة من اليهود في ترويج هذه الدعوة الباطلة ، لكن الله -تعالى- أبطل دعواهم و برأ سليمان -عليه السلام- فقال -تعالى- :" وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ " [البقرة:102] .

*فوائد من قصة داود وسليمان -عليهما السلام- :
1- إن ما مرّ به داود وسليمان -عليهما السلام- من مواقف يعطي دروس وعبر لمن يتأملها ففيها تثبيت للنفوس أمام الابتلاءات والفتن ، فكانت قصتهما وقصص غيرهم سلوى لرسول الله وتثبيتاً لقلبه و أنهم تعرضوا للأذى كما يتعرض له ، و هذه أحد فوائد قصص القرآن .
2- أن الأنبياء يتعرضون للابتلاءات ليرجعوا إلى الله بأحسن مما كانوا عليه ، ولنا في ذلك قدوة حسنة .
3- كل من ولّي على المسلمين وكان في خدمة أمنهم فعليه أن يتحلّى بعدة صفات تحفظ أمن المسلمين وتراعي مصالحهم ، ومن ذلك : الشجاعة في الحرب ، حسن السياسة وسداد الرأي ، قوة الدين والبدن ، مشورة الرؤساء ، تفقد الجند بنفسه ، و اختبار من تحته من الرجال بالقول والفعل .
4- التأسي بالأنبياء في عبادتهم و قربهم من الله وسرعة الرجوع إليه .
5-على المسلم تعلم الصناعات التي تعود عليه وعلى المسلمين بالنفع والخير و تكون سبب في كسب المال الحلال منها .
6- في إنكار الهدهد لعبادة الناس الشمس دليل على أن الحيوانات تعرف ربها وتعظمه و توحده و تحب المؤمنين و تدين لربها بذلك وتبغض الكفار ، فعلى الإنسان التحلي بذلك من باب أولى .
7-على العبد استعمال نعم الله عليه في الطاعات وفي أوجه الخير فذلك من شكر النعمة ودوامها ، فداود وسليمان -عليهما السلام- استعملا ما أنعم الله عليهما في خدمة الدين وإعلاء كلمة الحق .


5.
قصة ذي القرنين
*التعريف بذي القرنين :
ذو القرنين ملك صالح ، وهبه الله ما لم يكن لغيره من قوة وأسباب الملك و اتساع الفتوحات ، و أعطاه الله من كل شيء تحصل به قوة الملك و حسن السياسة والتدبير وكثرة الجند وغيرها من الأسباب التي وُفق في استعمالها والاستفادة منها والعمل بها .

*اتساع الفتوحات في زمن ذي القرنين :
إن الله -تعالى- أعطى ذي القرنين من أسباب الملك الشيء الكثير و وُفق بالعمل بها ، ومن ذلك أنه غزا بجيوشه أدنى أفريقيا حتى بلغ بحر المحيط الغربي و هو منتهى بلاد أفريقيا ، وبعد أن فتح مغرب الأرض استمر في الفتوحات حتى وصل إلى مشارق الأرض من بلاد الصين و شواطئ المحيط الهادي وهي منتهى الشرق ، ولم يتوقف بل استمر قاصداً الشمال حتى إذا بلغ بين السدين و هو محل متوسط بين سلاسل جبال في بلاد الترك فوجد في تلك الفجوة قوماً لا يكادون يفقهون قولاً قالوا :" يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا " [الكهف:94] . وبذل أسبابه كما هو معهود منه في بناء عظيم يحتاج إلى قوة في الأبدان ، فعلّم من كان معه كيفية البناء و ذلك بأن يجمعوا له قطع الحديد ويركموه بين السدين حتى يصبح تلولاً عظيمة ، ثم أمر بالنحاس المذاب ليصب بين قطع الحديد ؛ ليلتحم بعضه البعض فصار الحديد جبلاً هائلاً متصلاً بالسدين ، وبذلك يمنعهم من ضرر يأجوج و مأجوج -بإذن الله- و عزا ما عمله ذو القرنين إلى توفيق ربه إليه .

*فوائد من قصة ذي القرنين :
1- على العبد استعمال الأسباب في طاعة الله ، و الاستفادة منها في أمور الدنيا النافعة .
2- سؤال الله -تعالى- العون في العدل بين الناس وأن يلهمه الله حسن التدبير والرأي .
3- إرجاع الفضل لله أولاً وآخراً لله -تعالى- في كل أمور الحياة .
4-عدم الاغترار بالقوة والذكاء بالنعم عموماً ؛ لأن الله -تعالى- هو من يرزقها من يشاء من عباده .
5-عدم الاعتماد على الأسباب فقط ؛ لأن قدرة الله فوق كل شيء ، فهو -سبحانه- قادر على تغيير الأحوال في أي وقت يريده .
6-الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة في معرفة صفات يأجوج ومأجوج .



6.
قصة نبيّنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
*أهمية دراسة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- :
تظهر أهمية دراسة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- في أنها تعين المسلم على معرفة تفسير كتاب الله وفهم معانيه ؛ لأن غالب آيات القرآن سبب نزولها ما كان يحدث خلال حياته -عليه الصلاة والسلام- سواء من أقواله أو سؤال يسأله أحدهم له فينزل القرآن جواباً عليه و يبين للناس ما أشكل عليهم .

*مقامات النبي -عليه الصلاة والسلام- في إنزال القرآن عليه :
- الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة :
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولد على الفطرة السليمة الصحيحة ، فكان يبغض عبادة الأصنام ويبغض كل ما هو قبيح من قول أو فعل ، فكان يتعبد الله على فطرته في غار حراء ، و يحسن إلى الخلق ، فالله -تعالى- علّمه و اصطفاه و كمّله .
- بدء نبوته -عليه الصلاة والسلام- :
بداية الخير للبشرية عندما بلغ رسول الله الأربعين من عمره ، جاء أمر الله وأرسل إليه جبريل لأول مرة ، فلما رآه رسول الله فزع ، وقال له جبريل : "اقرأ" ، و قال رسول الله : "مأنا بقارئ" فهو -عليه الصلاة والسلام- لا يعرف القراءة والكتابة . و بنزول سورة العلق ابتدأت نبوته -عليه الصلاة والسلام- .
- بدء رسالته -عليه الصلاة والسلام- :
بعد مجيء جبريل -عليه السلام- للنبي أول مرة ، فتر الوحي مدة عن رسول الله وحكمة ذلك ؛ أن يشتاق النبي إليه فيكون أعظم وقعاً في قلبه . ثم ما لبث أن جاءه جبريل -عليه السلام- المرة الثانية و النبي -عليه الصلاة والسلام- ترتعد فرائصه من المنظر فقال لزوجته خديجه : "دثروني دثروني" . و بنزول سورة المدثر ابتدأت رسالته -عليه الصلاة والسلام- وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطاعة ربه وبذل جهده في دعوة الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
- أعظم مقامات دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- :
بُعث رسول الله في قوم مشركين مستكبرين فكان غالب نزول الآيات يناسب حالهم ويقرر مقام عظيم هو من أعظم المقامات ألا وهو : الدعوة إلى توحيد الله -تعالى- و إخلاص العبادة لله -سبحانه- والنهي عن الشرك . وبيّن القرآن الكريم أحوال الناس في قبول الدعوة فمنهم منقادين له -سبحانه- هداهم الله إلى ذلك ، ومنهم من اختار الضلال فأعرض عن سماع الحق و تكبر و طغى ، وذكر الله -تعالى- الفريقين في قوله -تعالى- :" فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ " [الأعراف:30].
-تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المكذبين له ، وبيان القرآن لصدق رسالته :
إن الله -تعالى- جمّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأجمل الصفات وأكملها ، فهو -عليه الصلاة والسلام- رغم ما يجده من إعراض وعناد المكذبين إلا أنه يتعامل معهم بأخلاقه السامية فكان يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن مطبقاً لأمر الله في ذلك ، و يذكرهم بالقرآن في كل وقت و لا ييأس من دعوتهم بل يرحمهم ويرجو رجوعهم إلى الحق . و مقابل هذا الإحسان كان المكذبين يتقولون عليه بأقاويل باطلة لينفروا الناس عنه و القرآن يرد عليهم و يبطل أكاذيبهم ، مثل قولهم : أنه شاعر يؤلف القرآن وأنه كاهن ، فيرد عليهم القرآن " وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (43) " الحاقة .
وغيرها من الأقاويل التي جاء القرآن مبطلاً لها مبيناً لصدق نبيه -عليه الصلاة والسلام- .
-النبي -عليه الصلاة والسلام- مع المؤمنين :
نزلت آيات عديدة في القرآن الكريم تبين مقامات النبي مع المؤمنين ، ومنها قوله -تعالى- :" لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ " [التوبة:128] . فكان رسول الله يتعامل مع المؤمنين برأفة و رحمة لا مثيل لها ويكنّ لهم الحب العظيم و يُظهر حبه لهم في أقواله وأفعاله ويحنوا عليهم ويتواضع لهم ، فهو لهم كالأب الرحيم .
-فرض الصلاة :
فرض الله -تعالى- عبادة الصلاة وميزها عن غيرها من العبادات بطريقة فرضها على نبيه الكريم ، ففي حادثة الإسراء والمعراج التي ذكرها الله -تعالى- في قوله الكريم :" سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ " [الإسراء:1] . أُسري بالنبي -عليه الصلاة والسلام- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و عُرج به إلى السماء السابعة ليفرض عليه -سبحانه- الصلوات الخمس ، وعلمه جبريل أوقاتها وكيفيتها ، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات .
-هجرة المسلمين :
كان المسلمين في مكة يتعرضون للأذى من كفار قريش ، فأذن لهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- في بادئ الأمر للهجرة إلى الحبشة ، ثم لما زاد عدد المسلمين صارت هجرة المسلمين إلى المدينة . وإثر هذه الهجرة ، خاف كبراء القوم الكافرين في مكة واتفقوا على قتل النبي -عليه الصلاة والسلام- ، فأوحى إلى نبيه ذلك ثم خرج ليهاجر واصطحب معه صاحبه الصديق و لبثا في الغار و الكفار يطلبونهم من كل جهة ، و ذكر الله -تعالى- ذلك في قوله : " إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [التوبة:40] . فحماه الله منهم وهاجر إلى المدينة واستقر بها .
-السنة الثانية من الهجرة :
في السنة الثانية فرض الله على المسلمين فريضتي الزكاة والصيام ، و نزلت آيات الزكاة والصيام وقت فرضها ، وشهد المسلمون في هذه السنة أعظم وقعة على المسلمين ألا وهي وقعة بدر التي أنزل الله فيها سورة الأنفال تبين ما كان فيها من أحداث ودروس وعبر .
-السنة الثالثة من الهجرة :
وقعت في السنة الثالثة من الهجرة غزوة أحد التي كان من أبرز أحداثها تخلف الرماة عن مراكزهم التي أمرهم الرسول بها ، وذكر -سبحانه- تفاصيل الغزوة في سورة آل عمران .
-السنة الرابعة من الهجرة :
في السنة الرابعة تواعد المسلمون و المشركون في بدر ، فحضر المسلمون والتزموا بوعدهم وتخلّف المشركون عنها ، فأنزل الله -تعالى- :" فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ " [آل عمران:174] .
-السنة الخامسة من الهجرة :
في السنة الخامسة كانت غزوة الخندق التي أنزلها الله فيها صدر سورة الأحزاب .
-السنة السادسة من الهجرة :
في السنة السادسة اعتمر رسول الله وأصحابه عمرة الحديبية ، وواجهوا صد المشركين لهم ومنعهم لهم من دخول المسجد الحرام ، فلما رأى رسول الله حميتهم قدّم مصلحة حفظ بيت الله و عقد صلح الحديبية الذي يتمثل في عدم دخول النبي المسجد الحرام هذا العام و يقضي عمرته العام المقبل وأن لا حرب لمدة عشر سنين . وأنزل الله في هذا الموقف سورة الفتح كاملة .
-السنة الثامنة من الهجرة :
كما هو المعهود في أخلاق الكفار نقض العهود ، فقريش نقضت العهد الذي كان بينها و بين رسول الله ، لكن الله نصر رسوله ورزقه فتح مكة و أتم نصره بغزوة حنين و في ذلك أنزل الله أول سورة التوبة .
-السنة التاسعة من الهجرة :
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة ، وذكر القرآن الكريم ما كان فيها من تخلف أهل الأعذار والمنافقين ، و ثلاثة من صلحاء المؤمنين و أنزل الله في غزوة تبوك آيات كثيرة من سورة التوبة فيها بيان لما وقع فيها وما واجهه المسلمين من شدائد . وفي هذه السنة فُرض الحج على المسلمين و حجّ أبو بكر -رضي الله عنه- بالناس .
-السنة العاشرة من الهجرة :
في السنة العاشرة حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع مع المسلمين وعلّمهم مناسك الحج والعمرة قولاً وفعلاً ، وأنزل الله في كتابه الكريم آيات الحج ، و أنزل الله يوم عرفة قوله الكريم : " ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ " [المائدة:3] .

*فوائد من قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين و من أُنزل عليه القرآن هدى ورحمة للمؤمنين :
1- شكر الله -تعالى- على بعثة الرسول الكريم إلينا فهو السبب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور و إعلاء كلمه الحق إلى يومنا هذا .
2- التقرب من الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة سبب في التوفيق والصلاح وحصول النعم .
3- أهميه دور الزوجة الصالحة في حياة الداعية .
4-الصبر أمام الصعوبات في سبيل رفع راية التوحيد وإعلاء كلمة الحق من أخلاق المسلم الصادق .
5- تتأكد أخلاق المسلم النبيلة في الشدائد والمواقف الصعبة .
6- أهمية الصلاة و مركزيتها في الإسلام .
7- أن للمسلم الفرار بدينه من البلاد التي تؤذيه إلى بلاد يأمن نفسه فيها ؛ خوفاً من ضياع دينه وحفاظاً على نفسه من الأذى .
8- أخذ العظة والعبرة من قصص القرآن .






-وصلّ اللهم و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين-.


أحسنت نفع الله بك

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مذاكرة, مجلس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:49 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir