دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > المستوى الثامن > منتدى المستوى الثامن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 محرم 1441هـ/18-09-2019م, 12:44 PM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 4,082
افتراضي المجلس الرابع: مجلس أداء التطبيق الثالث من تطبيقات مهارات التخريج

مجلس أداء التطبيق الثالث من تطبيقات مهارات التخريج


خرّج جميع الأقوال التالية ثمّ حرر المسائل التفسيرية المتعلقة بها:

1: قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).

5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: ( هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء).

تعليمات:
- لا يطلع الطالب على أجوبة زملائه حتى يضع إجابته.
- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.

تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ = 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب = 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج = 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ = أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: صحة الإجابة [ بأن تكون الإجابة صحيحة غير خاطئة ]
2: اكتمال الجواب. [ بأن يكون الجواب وافيا تاما غير ناقص]
3: حسن الصياغة. [ بأن يكون الجواب بأسلوب صحيح حسن سالم من ركاكة العبارات وضعف الإنشاء، وأن يكون من تعبير الطالب لا بالنسخ واللصق المجرد]
4: سلامة الإجابة من الأخطاء الإملائية.
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.


_________________
وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24 محرم 1441هـ/23-09-2019م, 07:42 PM
فداء حسين فداء حسين غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 942
افتراضي

خرّج جميع الأقوال التالية ثمّ حرر المسائل التفسيرية المتعلقة بها:

1: قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).


تخريج الأثر:
رواه الطبري عن ابن حميد, عن مهران, عن سفيان, عن عاصم, عن زر قال:(في قراءتنا: بمتهم, ومن قرأها {بضنين}, يقول ببخيل).
وأخرجه عبد بن حميد عن زر كما في الدر المنثور للسيوطي.
ورواه الفراء عن قيس بن الربيع عن عاصم ابن أبي النجود, عن زر بن حبيش قال: (أنتم تقرءون: (بضنين) ببخيل، ونحن نقرأ (بظنين) بمتّهم).

توجيه القول:
هذا القول موافق لما جاء في الاية من قراءات تخص هذا اللفظ, فقد قرأت{بظنين{ وكذلك قرأت {بضنين} بالضاد.
فقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروَح عن يعقوب بالضاد كما رسمت في المصاحف, وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء.
قال الزجاج: (فمن قرأ (بظنين) فمعناه ما هو على الغيب بمتهم وهو الثقة فيما أداه عن اللّه جلّ وعزّ، يقال ظننت زيدا في معنى اتهمت زيدا، ومن قرأ {بضنين} فمعناه ما هو على الغيب ببخيل، أي هو -صلى الله عليه وسلم- يؤدي عن الله ويعلّم كتاب اللّه).
والقرءاتان صحيحتان متواترتان, وإن صحتا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فلا تفضل احداهما على الأخرى, بل ينزل كل معنى منهما بمنزلة الآية المستقلة.

الأقوال الأخرى في الاية:
وقد ذكر الطبري قولا نسبه لبعض علماء اللغة دون تحديد فقال في معنى (ظنين) اي ضعيف, فيكون معنى الآية: وما هو على الغيب بضعيف، ثم علق عليه بقوله:(ولكنه محتمِل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف: هو ظَنُون).

الراجح:
اختلاف القراءات في الآية هو من سبيل اختلاف التنوع الذي يكمل بعضه بعضا, فتزيد المعاني وضوحا واتساعا في الآية.
فكون النبي -عليه الصلاة والسلام- أمين من في السماء غير متهم على الوحي يلزم منه عدم كتمانه من أمر الوحي شيئا, ويلزم منه كذلك أنه لم يخص بالوحي أحد دون أحد.

فلا تعارض البتة بين المعنيين, فقد مدحه الله سبحانه وتعالى بقوله:{وصدق الله ورسوله}, وقال:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.
وقد جاء في القرآن بعض الآيات التي فيها وعيد شديد له في حال الكتمان, وهذه الآيات بذاتها من أعظم البراهين على كمال بلاغه-عليه الصلاة والسلام- وعدم كتمانه لشيء, إذ لو كان كاتما شيئا لكتمها, منها قوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} فلما لم يحصل هذا عُلم الصدق التام فيما أخبر به عن ربه, وقال تعالى:{وإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا }, فشهد الله -جل وعلا-لرسوله بالثبات على الرسالة بتثبيت الله له.
ومن أعظم الأدلة على كمال الصدق وكمال البلاغ قوله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
وهذا كله يتطلب قوة في البلاغ وقوة في الصبر, على ما جاء من معنى الضعيف, لو صح ما ذكره الطبري .

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).

تخريج الأثر:
رواه الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم وابن المنذر بطرق عن داود :
فرواه الطبري عن ابن المثنى عن ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية....ثم ذكره.
ورواه عن عبد الحميد بن بيان السُّكري عن ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية ...ثم ذكر نحوا منه.
ورواه عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن داود عنه وزاد:(ألا ترى أنهم يقول:{وأولئك هم الضالون}.
ورواه ابن ابي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد عن داود قال سألت أبا العالية....ثم ذكره.
ورواه ابن المنذر عن زكريا عن محمد بن حيوية عن مسدد عن يزيد بن زريع عن داود قال: سالت أبا العالية...

توجيه قول أبي العالية:
قوله بأنهم (اليهود والنصارى) لأن سياق الآيات في الحديث عنهم.
وقوله :(ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم) حتى يزيل ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة التي فيها التصريح بقبول توبة العاصي والكافر ما لم يغرغر.
فتوبة الكافر لا تقبل مادام مصرا على كفره.

نذكر ما ورد في الآية من أقوال أخرى في المراد بقوله:{إن الذين كفروا بعد إيمانهم}:
القول الأول: قيل نزلت في جميع الكفار، فمع إقرارهم بأصل توحيد الربوبية إلا إنهم أشركوا معه غيره في العبودية.
القول الثاني: وقيل نزلت في أحد عشر رجلاً من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام، فلما رجع الحارث أقاموا على كفرهم بمكة.

أما ما ورد من أقوال في المراد بقوله تعالى:{لن تقبل توبتهم}:
القول الأول: قيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت، فيقيد هذا القول بقوله تعالى:{وليست التوبة للذين يعملون السيآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}. قاله الحسن، وقتادة، وعَطاء الخراسانِي، والسدي.
وهذا يعارضه ظاهر الآية ولقوله في ختامها:{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}.

القول الثاني: قيل المعنى لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر أحبطها، فهؤلاء آمنوا ثم ارتدوا, فما كانوا عليه من أعمال قبل الردة لن يقبل منهم.

القول الثالث: قيل لن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفر إلى كفر آخر. وهذا بعيد, ولعله تفسير بالمعنى اللغوي للتوبة وهو الرجوع, والمتبادر إلى الأذهان عند سماع الآية هو المعنى الشرعي, والأصل حمل اللفظ عليه ما لم تأت قرينة صارفة.

القول الرابع: قيل فيه إن الكلام عن المنافقين, فالقصد أن توبتهم التي أظهروها لن تقبل منهم لأن الكفر كائن في ضمائرهم. قاله ابن عباس

القول الخامس: قيل فيه إن معنى الآية: لن تقبل توبتهم إذا ماتوا على الكفر. قاله مجاهد.
ولعله بعيد لأن الله-جل وعلا- قال بعدها:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}, ولأن من مات على الكفر لم تحصل منه توبة, وقد قال الله في هذه الاية:{لن تقبل توبتهم}.

القول السادس: قال بعض أهل العلم إن المراد عدم توفيق الله لهم للتوبة بسبب ما هم فيه من الضلال, وهذا تفسير باللازم, لأن من لم يوفق للتوبة لن تقبل توبته بطبيعة الحال.
وهذا القول يرجع إلى قول من قال بان المراد من مات على كفره.

الترجيح:
نقول-والله أعلم- الآية التي معنا من الآيات التي تعددت فيها الأقوال واختلفت, ومن نظر في الأقوال الواردة في تفسيرها يلمح القاسم المشترك بينها, وهو رد الآية إلى غيرها من الآيات المحكمات, فكأنهم-والله اعلم- رأوها من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم ليتضح تفسيره, وهذا أسلوب أهل العلم في فهم النصوص كما مدحهم الله تعالى في قوله:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} وحتى لا يكونوا ممن سمى الله في قوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}.

فالأقوال في نفسها صحيحة, وسياق الآيات ولاحقها ذكرت توبة بعض أصناف الناس مع الحكم عليها:
الصنف الأول: من تاب وأصلح فهؤلاء يتوب الله عليهم كما قال تعالى:{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الصنف الثاني: من مات على الكفر ولم يتب, وهم من قال تعالى فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ}.
فهذان القسمان لا إشكال فيهما, وبقيت الآية التي بين أيدينا, ولعل أقرب الأقوال-والله أعلم- قول أبي العالية : هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشرك، ولم يتوبوا من الشرك.
فهم على اعتقاد فاسد بصلاح حالهم وقبول أعمالهم, وعندهم من العلم ما يفرقون به بين السيئة والحسنة, فمن أذنب منهم رجع وتاب, لكن الله لا يقبل توبته هذه لإقامته على غير الدين الذي ارتضاه لعباده, فلا تقبل التوبة حتى يتوب من كفره, لذا وصفهم الله بقوله:{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}, وقال سبحانه في الآيات السابقة لهذه الآية:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فعمله مردود عليه غير مقبول, وتوبته كذلك-وهي من عمله- مردودة عليه غير مقبولة مادام متلبسا بالكفر.
وقد اثبت الله للكافرين أعمالا يحسبونها صالحة فقال عز وجل:{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}, وقال:{مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} وقال:{وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}.
فتكون الآية عامة فيمن هذا وصفه سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم, كما جاء في لفظ لأبي العالية (المجوسي).

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).
تخريج الأثر:
رواه الطبري عن ابن بشار, عن يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير أنه سمع سعيد بن جبير يقول:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر.
ورواه الطبري بلفظ: (الرفيق الصالح). رواه عن المثنى عن أبي دكين عن سفيان، عن أبي بكيرعنه, ورواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم, عن سفيان, عن ابي بكير عنه, وذكره البيهقي في شعب الإيمان دون إسناد.

توجيه القول:
قال الأخفش: وأما {الصّاحب بالجنب} فمعناه: "هو الذي بجنبك"، كما تقول "فلان بجنبي" و"إلى جنبي".
فلعل سعيد بن جبير خص السفر من باب التمثيل, ولقوله تعالى:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وقد كانا في سفر, وقال:{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} وقد كانا في سفر فسمى رفقة السفر صحبة.
وقد يستدل على إرادة التمثيل بما جاء عنه أيضا من قوله في معنى الاية:(هو الرفيق الصالح).
ولعله خصه لأن القرب في صحبة السفر أبين, والتوصية في هذا المقام الناس لها أحوج , لأن السفر يسفر عن أخلاق الرجال فلعله يرى ما لا يعجبه من رفيقه لطول المدة فيحجب عنه إحسانه وحسن صحبته فاحتيج للتنبيه.

وقد جاءت أقوال أخرى في الآية:
القول الأول: قيل المراد به المرأة, وهو قول علي وابن مسعود وابن ابي ليلى ووجه آخر لسعيد, وغيرهم.
القول الثاني: قيل المراد به الجليس في الحضر والرفيق في السفر. قاله زيد ابن أسلم.
القول الثالث: قيل إن المراد به من يصاحبك ويلزمك رجاء نفعك, قاله ابن جريج.

الراجح:
لا تعارض بين الأقوال فيمكن حمل الآية على هذه المعاني بما دل عليه ظاهرها وهو الملازم القريبز
فقد سمى الله سبحانه وتعالى-الزوجة (صاحبة) فقال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}, وقال:{أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ }.
والزوجة هي أقرب الناس للرجل, حتى وصف سبحانه العلاقة بينهما بقوله:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} فليس بعد هذا القرب قرب.

والرفيق في السفر سماه الله صاحب وسمى رفقة السفر صحبة-كما أسلفنا- فقال:{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي } وقد كانا في سفر, وقال:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وقد كانا في سفر.
كذلك الجليس في الحضر قد يكون الصاحب الذي تعلم معك العلم أو علمك, أو تعلم معك حرفة أو علمك غياها, أو وقف بجانبك يرشدك فيما احتجت إليه فيما يخص منافع الدين والدنيا, وقد قال تعالى:{لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى}وطول الملازمة تقتضي حسن اختيار الصحبة, كما قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}, وقال عليه الصلاة والسلام-فيما رواه ابو داود والترمذي:(لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)وهذا هو الرفيق المؤمن.

وقد قال تعالى واصفا نبيه:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ} وقال: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} تنبيها لهم على معرفتهم إياه وبما يتحلى به من مكارم الأخلاق والمروءة, فهذا مما تقتضيه الصحبة.
وتصدق الآية كذلك على من لازمك رجاء نفعك, فحال مثل هذا شدة الملاصقة للشخص حتى ينال بغيته منه, كما وصف تعالى السجينان مع يوسف الذان لازماه لمنفعة السؤال عن تأويل الرؤى فقال:{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}.
فالآية عامة أوصت بالإحسان إلى كل من كان هذا وصفه بحسب درجة المصاحبة له.

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).

تخريج الأثر:
أخرجه الطبري عن القاسم عن الحسين عن حجاج ، عن ابن جريج ، عبد الله بن كثيرعن مجاهد قال : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص ، فقال سعيد : ما أسرع بهم إلى هذا المجلس ! قال مجاهد : فقلت يتأولون ما قال الله - تعالى ذكره - . قال : وما قال ؟ قلت : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " قال : وفي هذا ذا ؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن ، إنما ذاك في الصلاة .

توجيه قول سعيد بن المسيب:
معنى الصلاة في اللغة: الدعاء, قال النحاس: الصلاة: الدعاء فيها معروف قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا.......يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فا اغتمضي.......نوما فإن لجنب المرء مضطجعا

وقد جاء تسمية صلاة الفجر بصلاة الغداة في قوله عليه الصلاة والسلام:(...من صلّى معنا صلاة الغداة بجمع ووقف معنا حتى نفيض...).
قال الأزهري : وأما العشي فقال أبو الهيثم : إذا زالت الشمس دعي ذلك الوقت العشي...
وقال : وصلاتا العشي هما الظهر والعصر . وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي وأكبر ظني أنها العصر ، وساقه ابن الأثير فقال : صلى بنا إحدى صلاتي العشي ، فسلم من اثنتين يريد صلاة الظهر أو العصر .
وقال : يقع العشي على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها ، كل ذلك عشي ، فإذا غابت الشمس فهو العشاء ، وقيل : العشي من زوال الشمس إلى الصباح ...

ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء أطلق اسم الدعاء عليها من باب تسمية الشيء ببعض ما يتضمنه, ولأن (الدعاء هو العبادة) كما قال-عليه الصلاة والسلام- والصلاة أفضل العبادات, وهي عماد الدين.
كما أنها تشتمل على جميع أنواع الدعاء من عبادة وثناء ومسألة وذكر وقراءة قرآن, فيعد قوله قولا عاما شمل ما جاء في معنى الآية من أقوال.

والأقوال الأخرى التي وردت في معنى الآية هي:
القول الأول: قال أصحاب هذا القول بأن المراد صلاتي الصبح والعصر, قاله مجاهد وقتادة , وذكر مقاتل بأن الصلاة يوما كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي قبل أن تفرض خمسا!
القول الثاني: هو ذكر الله, قاله إبراهيم النخعي.
القول الثالث: المراد ب(يدعون) عبادة الله, جاء هذا عن الضحاك.
القول الرابع: إن المراد ب(ايدعون) تعلم القرآن غدوة وعشية, قاله ابوجعفر.
القول الخامس: إن المقصود دعاء الله بالتوحيد, ولعلهم استندوا لقرينة قوله تعالى في نفس الاية:{يريدون وجهه}. قاله الزجاج.
القول السادس: وهو قول ضعيف جاء عن بعض القصاصين فقالوا إن المراد هو الاجتماع إليهم لسماع ما يلقون من مواعظ!!

الراجح:
الأقوال لا تعارض بينها-خلا الأخير لضعفه- فجميع ما ذكر فيها تصدق علبه الآية, فقد جاء لفظ الدعاء بمعنى التعبد والعبادة، قال تعالى:{قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا }, وقال:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}, وقال:{وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}, وقال:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
وجاء لفظ الدعاء بمعنى الاستعانة وهي قسيمة الدعاء, فقد قال تعالى:{قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون}.
وجاء بمعنى الدعاء :{وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.
وجاء بمعنى توحيد الله في قوله تعالى:{قُلِ ٱدعُوا ٱللَّهَ أَوِ ٱدعُوا ٱلرَّحمَـٰنَ}.

وجميع هذه الأمور المذكورة لا تكون إلا بتوحيد الله -سبحانه- ولا تفعل إلا لإرادة وجهه الكريم, فلا انفكاك بين الدعاء بأنواعه وبين التوحيد.

والدعاء قسمان:
الأول: دعاء عبادة, ومنه دعاء الثناء.
الثاني: دعاء مسألة
والآية لم تعين أحدهما فتبقى على عمومها, لأن إخراج أي منهما يحتاج إلى دليل ولا دليل.

وقد قال عليه الصلاة والسلام-فيما رواه الترمذي:(دعوة أخي ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا ‏بها مكروب إلا فرج الله كربته) فسماه النبي-عليه الصلاة والسلام-دعاء وفيه ما فيه من التوحيد والثناء والطلب .

أما من قال بأن المراد قراءة القرآن, فالقرآن من أفضل الذكر, وهو يشتمل على جميع أنواع الدعاء, وقد قال السلف:(تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلام) .

وحتى الاجتماع إلى دروس العلم والدعوة إلى الله تدخل في معنى الآية, لكن ليس على مراد القصاصين.

وقد خصت هذه الأوقات بالذكر في الاية لانشغال الناس فيها عادة, فهي أوقات أعمالهم وانصرافم إليها, ويأتي العصر وقد أنهكوا, فمن ذكر الله فيها فحري به أن يذكره في وقت الراحة والفراغ من باب أولى.

5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: ( هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء).

تخريج الأثر:
رواه عبدالله بن وهب المصري عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن فرقد عن إبراهيم قال: {ويخافون سوء الحساب}، أن يحاسب بذنبه، ثم لا يغفر له).
ورواه الطبري عن عفان عن حماد، عن فرقد، عن إبراهيم.
ورواه عن ابن سمان القزازعن ابي عاصم، عن الحجاج، عن فرقد عن إبراهيم وذكره.

توجيه القول:
لعله تأول ما جاء عند البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام:(قال من نوقش الحساب عذب) فقالت له عائشة-رضي الله عنها- راوية الحديث-:(أليس يقول الله تعالى:{فسوف يحاسب حسابا يسيرا}؟ قال:( ذلك العرض).
وما رواه الإمام أحمد لما سألته عائشة-رضي الله عنها-عن الحساب اليسير فقال عليه الصلاة والسلام:(الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها أنه من نوقش الحساب هلك), وهذا الحديث فيه إشارة لما قاله النخعي, فالحديث ذكر أن الحساب اليسير التجاوز عن الذنوب بعد عرضها, هذا يعني أن من عرضت له ذنوبه ولم يتجاوز له عنها: هلك.

وكلمة: "نوقش" تدل على المناقشة, وهي الأخذ والرد في الشيء والبحث على دقيقه وجليله, وقد جاء في النهاية في الحديث والأثر: ( وأصْل المُناقَشة : من نَقَش الشَّوْكة إذا اسْتَخْرجَها من جِسْمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشَها ومنه حديث أبي هريرة [وإذا شيكَ فلا انْتَقَش]).

الأقوال الأخرى التي وردت في المراد ب(سوء الحساب):
ذكر ابن الجوزي ثلاثة اقوال أولها قول النخعي, ثم ذكر :
القول الثاني: أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة.
القول الثالث: التوبيخ والتقريع عند الحساب.

الراجح:
ما ذكره ابن الجوزيمن أقوال يكمل بعضها بعضا, فنقاش الحساب لا بد أن يكون معه من التوبيخ والتقريع ما يلائم الحال, وسياق الآية في الكفار لقوله تعالى:{ومأواهم جهنم وبئس المهاد } فهؤلاء ولا بد لا تقبل منهم حسنة البتة.
أما عصاة الموحدين فيقبل منهم ما كان خالصا وصوابا, والذين وجبت لهم النار منهم ممن نوقش الحساب : أولئك طغت سيئاتهم على حسانتهم فهي بحكم المعدومة حتى يتم تطهيرهم في النار ليخلصوا إلى الجنة في نهاية المطاف.
لذا فقول النخعي لا يخرج عن هذه الأقوال بل يجمعها, فلا تعارض بينها.
وقد قال ابن كثير:(أي : يناقشون على النقير والقطمير ، والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب; ولهذا قال : { ومأواهم جهنم وبئس المهاد }).

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29 محرم 1441هـ/28-09-2019م, 02:16 PM
هيثم محمد هيثم محمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
المشاركات: 415
افتراضي

1: قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير من طريق ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ) قَالَ: الظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ. وَفِي قِرَاءَتِكُمْ: {بِضَنِينٍ} وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ.
وعزاه السيوطي لعبد بن حميد ولم أقف عليه.
محمد بن بشار وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان وزر: ثقات.
أما عَاصِم بن بهدلة: وهو عاصم بن أبي النجود الكوفي، القارئ، فصدوق، له أوهام، وكان حفظه سيئا، وحديثه -خاصة- عن زر وأبي وائل، مضطرب، كان يحدث بالحديث تارة عن زر، وتارة عن أبي وائل، كما قال حنبل بن إسحاق: (ثنا) مسدد، (ثنا) أبو زيد الواسطي، عن حماد بن سلمة، قال: كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي عن أبي وائل، وقال العجلي: عاصم ثقة في الحديث، لكن يختلف عليه في حديث زر وأبي وائل، ووثقه يحيى بن معين.
فيمكن القول بأنه حسن الإسناد.
التوجيه:
اختلفت القرّاء في قراءة قوله تعالى: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) على قراءتين:
فقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة {بِضَنِينٍ} بالضاد ونسبها الفراء لزيد بن ثابت، والضنين: الشَّحيحُ البخيل، فِعْلُهُ: ضَنَّ يَضِنُّ ضَنَّاً وضِنَّةٌ ومَضَنّة، فهو ضانٌّ ضَنينٌ، وكُلُّهُ الإمساكُ والبُخْلُ، قال ابنُ هرمة: إنَّ سَلْمى واللهُ يكْلَؤُها ... ضَنَّتْ بِشَيءٍ ما كانَ يَرْزَؤها
فيكون المعنى: أن النبي ليس بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه، والله ما ضنّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بلَّغه ونشره وبذله لكل من أراده.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي {بِظَنِينٍ} بالظاء، الظنين: المتهم، فعيل بمعنى مفعول، يقال: ظننت الرجل اتهمته، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين، فيكون المعنى: أن النبي ليس بمتهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء، وليس يظنّ بما أوتي.
وقد رجح ابن جرير قراءة الضاد لموافقتها لرسم المصحف، فقال: "وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه".
ومن رجح قراءة الظاء حجتهم في ذلك أن المعنى يقتضي هذه القراءة لمناسبتها للمقام، ومنهم ما يلي:
اختار أبو عبيد هذه القراءة لأن الكفار لم يُبخّلوه، وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي البخل، فقال "والظنين أولى؛ لأن الظنين هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم ينسب أحد رسول اللَّه إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كانوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند اللَّه، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه اللَّه تعالى مما قالوا بقوله: (وما هو على الغيب بظنين)"، ونقل عنه هذا المعنى ابن عطية، والمعنى الآخر الذي ذكره: "قوله: "على الغيب" ولو كان المراد بالبخل لقال: بالغيب، لأنه يقال: فلان ضنين بكذا، وقلّ ما يقال: على كذا".
وقال أبو علي الفارسي: "معنى (بظنين) أي: بمتهم، وهو من ظننت بمعنى اتهمت، ولا يجوز أن تكون هي المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أنه لو كان منه لوجب أن يلزمه مفعول منصوب؟ لأن المفعول الأول كان يقوم مقام الفاعل إذا تعدى الفعل إلى المفعول الأول، فلا بد من ذكر الآخر، وفي أن لم يذكر الآخر دلالة على أنه ظننت التي معناها: اتهمت ".
وقال الألوسي: "ورجحت هذه القراءة عليه - أي القراءة بالظاء- بأنها أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه".

الراجح:
أن كلا القراءتين متواترتين عن النبي، ومعناهما صحيح، فنأخذ بكليهما وتحمل كل واحدة على معناها ولا نرجح قراءة على أخرى، ولا يدخل ذلك في باب الاختلاف في التفسير، لأنهما آيتان اثنان وليست واحدة كما قال الدكتور مساعد الطيار، وعمل بذلك أكثر المفسرين، ورجحه الطاهر بن عاشور بقوله: " يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب. وههنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس، ولا أرى للاعتذار لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبي اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما، وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان ابن عفان وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين".

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم –مع اختلاف يسير في الألفاظ- كلهم من طريق داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت: "إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم"؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم.
وإسناد ابن جرير -دون المتن- قال عنه الألباني صحيح لغيره، وحكم عليه بعض المحققين بأنه صحيح على شرط مسلم، كما أنه أخرج لداود بن أبي هند: أحمد في "مسنده" والنسائي في "سننه" وابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان في "صحيحه".
توجيه القول:
أن معنى الآية على هذا القول: "إن الذين كفروا": من أهل الكتاب بمحمد، "بعد إيمانهم": بأنبيائهم وإيمانهم به قبل مبعثه وإيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، "ثم ازدادوا كفرًا": يعني: بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، "لن تقبل توبتهم": من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله، وَلَو كَانُوا على الْهدى قبلت تَوْبَتهمْ وَلَكنهُمْ على ضَلَالَة، لأنهم تَابُوا من الذُّنُوب وَلم يتوبوا من الأَصْل.
وقال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان.
ويشهد لهذا القول من أهل اللغة أبو حيان بقوله: "وَازْدَادُوا افْتَعَلُوا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَانْتِصَابُ: كُفْرًا، عَلَى التَّمْيِيزِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادَ كَفْرُهُمْ".
وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره.
وهذا القول هو ترجيح ابن جرير، لمناسبتها للسياق وموافقته لظاهر القرآن، كما قال رحمه الله: "وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد"، وقال أيضا: "وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص - أولى من غيره، وإن أمكن توجيهه إلى غيره".
كما أنه وجه معنى (لن تقبل توبتهم) أي مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم. فالذي لا يَقبل منه التوبة: هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، أي لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله. فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح، فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ، لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [سورة الشورى: 25].

الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: عنى الله عز وجل بقوله: "إنّ الذين كفروا": ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، "بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا": بكفرهم بمحمد، "لن تقبل توبتهم": عند حُضور الموت وحَشرجته بنفسه، وهو قول قتادة والحسن، رواه ابن أبي حاتم، ورده ابن جرير لأن التوبة المقبولة لا تكون إلا في حال الحياة، فهي غير كائنة غير حضور الأجل حتى تحمل الآية عليها، لكن ابن عطية أشار إلى أن المعنى هنا لا توبة لهم فتقبل، فنفى القبول والمراد نفي التوبة، فقد يكون ذلك في قوم بأعيانهم، حتم الله عليهم بالكفر، أي ليست لهم توبة فهم لا محالة يموتون على الكفر، كما أبو حيان أيضا.
وروى ابن أبي حاتم قولا آخر لقتادة معناه: "آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت" -يعني بالإنجيل ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم-، "وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت" -وكفرهم به تركهم اياه ثم ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد عليه السلام-.
القول الثالث: معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم "ثم ازدادوا كفرًا"، يعني: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، "لن تقبل توبتهم"، لن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم، لكفرهم الآخِر وموتهم، وهو قول عكرمة، ورده ابن جرير بأنه: "قول لا معنى له. لأن الله عز وجل لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر، ثم كُفْر بعد إيمان، بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان. فلم يتقدم ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمان لهم توبة منه".
القول الرابع: معنى قوله: "ثم ازدادوا كفرًا"، ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى "لن تقبل توبتهم"، لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهو قول ابن عباس والسدي ومجاهد، وهو مقارب للقول الثالث، وموافق للقول الثاني في معنى عدم قبول التوبة عند الموت، وأشار النحاس في معاني القرآن لاحتماله بقوله: "وهذا القول ليس يبعد في اللغة لأنهم إذا ماتوا على الكفر فقد هلكوا فهم بمنزلة من ازداد".
القول الخامس: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم، قيل أنه قول الكلبي، ونسبه البزار لابن عباس، وقَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْبَزَّار، ولذلك فهو قول ضعيف الإسناد، وقد ذكره ابن عطية احتمالا بقوله: "وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [آل عمران: 86]، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً".
الراجح:
أن الأصل حمل اللفظ على العموم، فالآية بعمومها تشمل كل من كفر بعد إيمان، فقد يدخل فيها أهل الكتاب والمرتدون كما أشار ابن عطية وأبو حيان، وأما المعنى من عدم قبول التوبة كما في القول الثاني والرابع: فهو معنى صحيح لتقييد الشرع بعدم قبولها عند حضور الموت كما في قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ".
لكن يقوي ترجيح القول الأول أن السياق والكلام موصول قبله في أهل الكتاب، كما اختار ابن جرير.

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).
تخريج الأثر:
رواه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر كلهم من طريق سفيان الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} قَالَ: «الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ».
إسناده صحيح، مداره على أبو بكير التيمي، واسمه "مرزوق" مَوْلَى الشَّعْبِيِّ. روى عن سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وروى عنه ليث بن أبي سليم، وإسرائيل، وسفيان الثوري، وشريك وعمر بن محمد، ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب الثقات، وَقَال: أصله من الكوفة وسكن الري. وَقَال ابن طهمان عَنْ يحيى بْن مَعِين: مرزوق أبو بكر مؤذن التيم ثقة، وَقَال يعقوب بْن سفيان: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، قال: حَدَّثَنَا سفيان عن مرزوق ولا بأس به، وَقَال ابن حجر في "التقريب": ثقة.
توجيه القول:
هو تفسير بالمثال، فالرفيق في السفر هو جارك إلى جانبك، وله حقان: حق الإسلام وحق الصحبة، ولهذا كان هذا القول اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: انها امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه، وهو قول عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم.
القول الثالث: هو الذي يلزمك ويصحبك رَجاء نفعك، وهو قول ابن زيد وعكرمة وابن جريج، ورواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
الراجح:
أن الآية تشمل جميع الأقوال، كما نقل عن مقاتل بن سليمان أنه الرفيق فِي السّفر والحضر، فالمسلم مطالب بالإحسان إلى هؤلاء والرفق بهم سواء كان في السفر أو الحضر، وهو اختيار ابن جرير كما قال: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: "الصاحب بالجنب"، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: "فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه"، وهو من قولهم: "جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا"، إذا كان لجنبه. ومن ذلك: "جَنَب الخيل"، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب، ... فإذ كان "الصاحب بالجنب"، محتملا معناه ما ذكرناه: من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به -ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنزيل- فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه".
وقال ابن رجب الحنبلي: "فسرهُ طائفة منهم ابنُ عباسٍ بالرَّفيقِ في السفر، ولم يريدُوا إخراجَ الصاحبِ الملازِمِ في الحضرِ، إنما أرادُوا أن صحبةَ السفرِ تكفِي، فالصحبةُ الدائمةُ في الحضرِ أوْلى، ولهذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الرفيقُ الصالحُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ: هو جليسُك في الحضرِ، ورفيقُك في السفرِ، وقالَ ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه، وفي "المسندِ" والترمذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم - قال: "خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِهِ، وخيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهُم لجارِهِ". صححه الألباني وقواه شعيب الأرناؤوط.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "وقد تتناول الآية الجميع بالعموم".

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير من طريق القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.
إسناده ضعيف.
القاسم بن الحسن: قال الذهبي في المغني: تكلم فِيه، وقال الذهبي في ديوان الضعفاء: متهم.
والحسين بن داود: هو الملقب بِسُنَيد، مختلف فيه، قال الذهبي صَدُوق صالح الحديث، وقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد لم يكن بِذَاك، وضعفه ابن أبي حاتم، وقد يسلم في روايته عن حجاج بن محمد.
وحجاج بن محمد المصيصي: ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره.
وابن جريج: ثقة وإن كان يدلس كما في التقريب، مع الانقطاع بينه ومجاهد، كما قال ابن معين وغيره: لم يسمع من مجاهد، وَقَال أَبُو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جُرَيْج" قال" فاحذره، وإذا قال: سمعت" أو "سألت" جاء بشيءٍ ليس في النفس منه شيء.
وعبد الله بن كثير: قال البخاري: عَبد اللَّهِ بْن كثير المكي القرشي، سمع مجاهدا سمع منه ابن جُرَيْج، وَقَال ابْن أَبي مريم عن ابْن مَعِين: عَبد اللَّهِ بن كثير الداري القارئ، ثقة، وَقَال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف إلا من رواية ابن جُرَيْج عنه، وما رأيت أحدًا وثقه ففيه جهالة". ووثقه النسائي وابن المديني، وَقَال ابن حجر في "التقريب": صدوق.
توجيه القول:
أنه قول محتمل مع ضعف سنده، لكون الصلوات المكتوبة من أعظم العبادات، كما أن فيها أعظم الدعاء وهو سؤال الله الهداية.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصف، وهو رواية عن ابن عباس، رواه ابن جرير، وأخرج ابن أبي حاتم أنها نزلت في ستة من ضعفاء الصحابة.
وحكم ابن كثير على رواية ابن جرير بأنها حديث غريب، ورد هذا القول لأن الآية مكية والراوية التي فيها ذكر الأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر، وهو أيضا قول ابن تيمية في منهاج السنة أن الآية مكية والقصة في أهل الصفة وذلك إنما كان بالمدينة.
القول الثالث: أن معنى" دعائهم"، ذكرُهم الله تعالى ذكره، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم.
القول الرابع: تعلمهم القرآن وقراءته، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي جعفر.
القول الخامس: عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه، رواه ابن جرير عن الضحاك، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهو داخل في القول الأول.
الراجح:
أن الآية -والله أعلم- أعم من الصلاة فيدخل فيها كل الأقوال، وهو الظاهر، لأنهم يدعون الله ويعبدونه بأنواع العبادات من صلاة وغيرها، ولذلك جمع ابن أبي حاتم بين القول الثالث والرابع والخامس في وجه واحد لكون معانيهم متقاربة، وهذا واضح في قول ابن كثير: "أَيْ لَا تُبْعِدْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّصِفِينَ بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كَقَوْلِهِ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً"، وهو اختيار ابن جرير بقوله: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي، و"الدعاء لله"، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا = وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له. وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها، فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي، لأن الله قد سمى "العبادة"، "دعاء"، فقال تعالى ذكره: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء. ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء"، ثم قال: "... ولا تطردهم ولا تُقْصِهم، فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه، وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي، يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه".

5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: (هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير وابن وهب والواحدي كلهم من طريق فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما “سوء الحساب"؟ قلت: لا! قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ ولم أقف عليه.
كما رواه سعيد بن منصور -مع اختلاف الألفاظ- مرة موقوفا على فرقد، ومرة مبهما عن إبراهيم.
إسناده ضعيف، مداره على فرقد بن يعقوب السبخي، هو أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه كان ضعيفا منكر الحديث، كثير الخطأ لأنه لم يكن صاحب حديث، وليس بثقة، كما في التقريب وتهذيب الكمال وميزان الاعتدال.
قال البخاري في الضعفاء الصغير: فرقد السبخي أَبُو يَعْقُوب عَن سعيد بن جُبَير فِي حَدِيثه مَنَاكِير، وقال النسائي في الضعفاء والمتروكون: فرقد السبخي ضَعِيف.
وروى العقيلي في الضعفاء عن سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ عِنْدَ أَيُّوبَ فَقَالَ: فَرْقَدٌ لَمْ يَكُنْ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ، وعن حَمَّادٌ: وَسَأَلْتُ أَيُّوبَ عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وروى ابن أبي حاتم عن أبي طالب قال سألت أحمد بن حنبل عن فرقد السبخي فقال رجل صالح ليس هو بقوى الحديث لم يكن صاحب حديث.

توجيه القول:
هو قول وجيه لموافقته للسياق، لأن ما بعده {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}، كما وجهه الزجاج بقوله: "لأن كفرهم أحبط أعمالهم".
كما أن (سوء الحساب) أي الحساب السيء: من إضافة الصفة للموصوف، فهذا يحتمل لمعنى القول أنه لا يغفر لهم شيئا من ذنوبهم.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: المناقشة في الأعمال، وهو قول أبي الجوزاء، ويدل عليه ما روي في حديث عائشة رَضِي الله عَنْهَا: من نوقش الحساب عذب، وفي هذا دليل على التوبيخ والتقريع عند الحساب.
القول الثالث: ألا يتجاوز لهم عن شيء، وهو قول ابن زيد، ونسب للحسن، ويدخل فيه قول القرطبي: ألا تُقبل لهم حسنة، ولا يُتجاوز لهم عن سيئة، وهو مقارب للقول الأول.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12 ربيع الثاني 1441هـ/9-12-2019م, 02:43 PM
كوثر التايه كوثر التايه غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 785
افتراضي

خرّج جميع الأقوال التالية ثمّ حرر المسائل التفسيرية المتعلقة بها



قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل


تخريج الأثر والحكم عليه


رواه الطبري من طريق عاصم عن زر، حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبدالرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر: " وما هو على الغيب بضنين"، قال: الظنين: المتهم، في قراءتكم: بضنين: البخيل


والأثر حسن ورجاله ثقة أو صدوق يُقبل حديثه


وبرواية أخرى من طريق عاصم عن زر، حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ( وما هو على الغيب بظنين ) قال : في قراءتنا بمتهم ، ومن قرأها ( بضنين ) يقول : ببخيل.


ابن حميد شيخ الطبري متهم أقرب إلى الترك، والرواية صحت من الطريق السابق.


وفي الدر المنثور عزاه السيوطي إلى ابن حميد


توجيه القول:


قال ابن عطية: وقوله تعالى: وما هو على الغيب بضنين بالضاد بمعنى: بخيل، أي: يشح به، ولا يبلغ ما قيل له ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه. وبالضاد هي في خطوط المصاحف كلها فيما قاله الطبري ، وهي قراءة نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، وعثمان بن عفان ، وابن عباس ، والحسن ، وأبي رجاء ، والأعرج ، وأبي جعفر ، وشيبة ، وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن جبير ، وعروة بن الزبير ، ومسلم وابن جندب ، ومجاهد ، وغيرهم: "بظنين" بالظاء، أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه بأمين، وقيل: معناه: بضعيف القوة، من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء،


وقال ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم . وقال غيره: ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه.


والقول صحيح والقراءتان متكاملتان تؤكدان تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه.


أقوال أخرى في الآية:


ذكر الطبري قولاً آخر: وقد تأول أهل العربية أن معناه: وماهو على الغيب بضعيف، ولكنه محتمل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف، هو ظنون"


وإن كان له وجه في العربية إلا أن أهل التفسير لم يذكروه.


الترجيح:


الاختلاف في الآيات هو من قبيل التنوع، فكل آية تعطي معنى وإضافة، وهذا من إعجاز القرآن وثراء معانيه، وقد جاءت الآيات القرآنية تؤكد المعنين، فالرسول صلى الله عليم وسلم لم يكتم شيئا من القرآن ولم يبخل به، قال الحسن: ما أنـزلت عليه آية كانت أشد عليه منها؛ قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) ولو كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كاتما شيئا من الوحي لكتمها( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ). )


قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم


تخريج الأثر والحكم عليه:


رواه الطبري من طريق داود، حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت: " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم "؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم


-حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكري قال، أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية عن: الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوًا منه.


والآثران صحيحان متصلان رجالهما ثقات.


وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية، وعزاه السيوطي إلى ابن حميد.


توجيه القول:


يتوعد الله تعالى الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد، بعد إيمانهم بأنبيائهم " ثم ازدادوا كفرًا "، يعني: ذنوبًا =" لن تقبل توبتهم " من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون واستمروا عليه إلى الممات، وهذا قول الطبري وابن كثير والقرطبي ووجه القول فقال:قال النحاس : وهذا قول حسن ; كما قال عز وجل : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن . وروي عن الحسن وقتادة وعطاء . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، وهذا ما جاء في سورة النساء.


"فلا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } { فلما زغوا أزاغ الله قلوبهم } فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال { وأولئك هم الضالون } وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة" قال السعدي.


وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال


أحدها: أنهم ارتدوا ، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم ، والكفر في ضمائرهم ، قاله ابن عباس ، فلم يحصل منهم إيمان أصلاً في قلوبهم بل هو في الظاهر ونفاق.


والثاني: أنهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك ، ولم يتوبوا من الشرك ، قاله أبو العالية، فهم مازالوا على كفرهم حتى عند طلوع الروح، وماتوا عليه.


والثالث: أن: معناه: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني والسدي، ولا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.


والرابع: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر ، قاله مجاهد، وهذا جاءت الآيات في معناه كثيرا


أقوال أخرى في الآية:


اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد ، فإنهم قالوا: نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .


والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن ، قاله الحسن ، وقتادة وعطاء الخراساني .


والثالث: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية ، فأطلع الله نبيه على سريرتهم.


والآية تحتمل جميع المعاني إذ هي تذكر من كان على الكفر وكتمه وأظهر خلافه، ومن آمن بمن سبق من الأنبياء وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، واستمر على كفره إلى مماته، فلن يقبل منه توتبته إذا غررت الروح.


قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: الرفيق في السفر


تخريج الأثر والحكم عليه


رواه الطبري من طريق أبي بكير، حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: " والصاحب بالجنب "، الرفيق في السفر.


أبو بكير ذكره ابن حبان في الثقات، والأثر حسن.وفي أثر آخر قريباً منه علقه ابن أبي حاتم.


توجيه القول:


قال الأصفهاني: جنب: قيل جنب الحائط وجانبه، " والصاحب بالجنب"، أي القريب، قال تعالى: " ياحسرتاه على ما فرطت في جنب الله" أي أمره وحده الذي حده لنا.


قال البيضاوي: "والصاحب بالجنب الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجنبك".


وقد ساقه ابن جبير رحمه الله من باب التفسير بالمثال، فالمعنى اللغوي يشمله وغيره، والرفيق في السفر تلزم حسن الصحبة معه لما في السفر من مشقة وتكشف للصفات والأحوال التي لا تظهر في الحضر.


أقوال أخرى في الآية:


الأول: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه ، وهو قول ابن مسعود، وابن أبي ليلى.


والثاني: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ، وهو قول ابن زيد.


الراجح:


الآية تفيد العموم وهو الصاحب القريب الملازم، فالزوجة صاحب، كما سماها قال رب العزة (وصاحبته)، ووصى بالرفق بها وحسن المعاشرة وذلك لطول الملازمة.


وكل من يلزم ويصاحبك وقريب منك كما قال البيضاوي فهو في عموم الآية.



قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة


رواه الطبري من طريق عن مجاهد عن سعيد بن المسيب: حدثنا القاسم ثنا حسين ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عبدالله بن كثير عن مجاهد صليت صلاة الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع بهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره، قال: وما قال؟ قلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا أنا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفت عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.


والأثر ضعيف لأن الحسين بن داود المصيصي كان يلقن شيخه الحجاج ويقبل التلقين.


ولعله لا يثبت عن سعيد بن جبير رحمه الله.


توجيه القول:


تأول ابن جبير الصلاة على معناها اللغوي، قال الأصفهاني: قال كثير من أ÷ل اللغة هي الدعاء والتبريك والنجيد، ومنه قوله تعالى: " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" أي دعائك، والصاة أصلا ًشرعت لذكر الله تعالى، قال تعالى: " وأقم الصلاة لذكري"، وهو قول وجيه صحيح.


أقوال أخرى في الآية:


قوله تعالى: يدعون ربهم في هذا الدعاء خمسة أقوال


الأول: أنه الصلاة ، المكتوبة قاله ابن عمر ، وابن عباس . وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس; وفي رواية عن مجاهد ، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر . وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي; ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك


الثاني: أنه عبادة الله ، قاله الضحاك،ومعنى قوله: يريدون وجهه فيه قولان: أحدهما: يريدون بدعائهم ، لأن العرب تذكر وجه الشيء إرادة له مثل قولهم: هذا وجه الصواب تفخيما للأمر وتعظيما. والثاني: معناه يريدون طاعته لقصدهم الوجه الذي وجههم إليه.


الثالث: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية ، قاله أبو جعفر


الرابع: أنه دعاء الله بالتوحيد ، والإخلاص له ، وعبادته ، قاله الزجاج . وقرأ الجمهور: "بالغداة" وقرأ ابن عامر هاهنا وفي [الكهف] أيضا: "بالغدوة" بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو.


قال الإمام الطبري: ولا أقول أولى بالصحة من وصف القوم بما وصفه الله به من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي فيعمون بالصفة التي وصفهم بها ربهم ولا يخصون منها بشيء.


وفي هذا ثناء عظيم عليهم فهم يتنقلون في أنواع الذكر والطاعت يتقربون إلى الله بذكره وعبادته ودعائه، وهذا لفظ جامع للفضائل والثناء.


قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء


تخريج الأثر والحكم عليه:


رواه الطبري من طريق فرقد عن ابراهيم: حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن الحجاج عن فرقد، قال: قال لي ابراهيم: تدري ماسوء الحساب؟ قلت: لا أدري، قال يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.


:.... عن عفان عن حماد عن فرقد عن ابراهيم قال: سوء الحساب أن ياسب من لايغفر له.


فرقد بن يعقوب السبخي أبو يعقوب ليس بثقة ضعيف الحديث.


توجيه القول:


قال القرطبي: ويخافون سوء الحساب " سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة .


وعند البخاري 6171- في كتاب الرقاق: " عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نوقش الحساب عذب قالت قلت أليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال ذلك العرض"


فالمناقشة ليست هي العرض: نَاقَشَهُ الْحِسَابَ أَوْ فِي الْحِسَابِ بَلَغَ الغَايَةَ فِي حِسَابِهِ، ناقش المسألة: درسها فحصها وبحثها من كل الوجوه.


فهو التقصي والتفصيل، كما قال تعالى حكاية عن الكفار: " مال لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".


والذي لا يًغفر له هو من أشرك، قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء".


أقوال أخرى في الآية:


الأول: أنها المناقشة بالأعمال رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس- والمناقشة هو الاستقصاء، وهو قول ابراهيم النخعي، وكذلك قول ابن زيد " الذي لا جواز فيه.


الثاني: أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة.


الثالث: أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب.


والله أعلى وأعلم.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11 جمادى الأولى 1441هـ/6-01-2020م, 01:35 PM
ماهر القسي ماهر القسي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 468
افتراضي

قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).
تخريج القول

روى الطبري : حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زِرّ ﴿وَما هوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: الظَّنين: المتهم. وفي قراءتكم: ﴿بِضَنِينٍ﴾ والضنين: البخيل، والغيب: القرآن.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: في قراءتنا بمتهم، ومن قرأها ﴿بِضَنِينٍ﴾ يقول: ببخيل.


ومعنى البخل المنفي هو البخل بالعلم
- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: ما يضنّ عليكم بما يعلم.
- حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: إن هذا القرآن غيب، فأعطاه الله محمدا، فبذله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنّ به رسول الله ﷺ.
- فَأمّا مَعْنى ضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ فَهو البَخِيلُ الَّذِي لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، وإذا بَخِلَ، ومُضارِعُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ.
- فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: وما صاحِبُكم بِبَخِيلٍ أيْ: بِما يُوحى إلَيْهِ وما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفاعِ بِما يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُنْبِئُكم عَنْهُ إلّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ كاهِنًا أوْ عَرّافًا يَتَلَقّى الأخْبارَ عَنِ الجِنِّ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلى الكُهّانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُخْبِرُونَ بِالمُغَيَّباتِ

- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَنِينٍ مَجازًا مُرْسَلًا في الكِتْمانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ بُخْلٌ بِالأمْرِ المَعْلُومِ لِلْكاتِمِ، أيْ: ما هو بِكاتِمٍ الغَيْبَ، أيْ: ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وقالُوا ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .

- وحَرْفُ ( عَلى ) عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى الباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أيْ: حَقِيقٌ بِي، أوْ لِتَضْمِينِ ضَنِينٍ مَعْنى حَرِيصٍ، والحِرْصُ: شِدَّةُ البُخْلِ وما مُحَمَّدٌ بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَما أخْبَرَكم بِهِ فَهو عَيْنُ ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ البَخِيلُ عَلى هَذِهِ كِنايَةً عَنْ كاتِمٍ وهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ. والمَعْنى: وما صاحِبُكم بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، أيْ: ما أخْبَرَكم بِهِ فَهو الحَقُّ.

القراءة الثانية الظنين هو المتهم
التخريج

روى الطبري : حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، أنه قرأ: ﴿بظَنينٍ﴾ قال: ليس بمتهم.
وروى أيضاًحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ يقول: ليس بمتهم على ما جاء به، وليس يظنّ بما أوتي.

الترجيح
قال الطبري : أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه.

مناقشة ترجيح الطبري
- وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضّادِ السّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن حافَّةِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الأضْراسَ، وهي القِراءَةُ المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ الإمامِ.
ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالظّاءِ المُشالَةِ مِن أهْلِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَواتِرًا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولِذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ في قِراءَتِهِمْ كَوْنُها مُخالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصاحِفِ الأمْصارِ؛ لِأنَّ تَواتُرَ القِراءَةِ أقْوى مِن تَواتُرِ الخَطِّ إنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَواتُرٌ.
- وما ذُكِرَ مِن شَرْطِ مُوافَقَةِ القِراءَةِ لِما في مُصْحَفِ عُثْمانَ لِتَكُونَ قِراءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْقِراءاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ مُتَواتِرَةً كَما بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
- وقَدِ اعْتَذَرَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفاقِ مَصاحِفِ الإمامِ عَلى كِتابَتِها بِالضّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، بِأنْ قالَ: لَيْسَ هَذا بِخِلافِ الكِتابِ؛ لِأنَّ الضّادَ والظّاءَ لا يَخْتَلِفُ خَطُّهُما في المَصاحِفِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى رَأْسِ الأُخْرى، فَهَذا قَدْ يَتَشابَهُ ويَتَدانى اهـ.
يُرِيدُ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ما رُسِمَ في المُصْحَفِ الإمامِ لَيْسَ مُخالَفَةً مِن كُتّابِ المَصاحِفِ لِلْقِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، أيْ أنَّهم يُراعُونَ اخْتِلافَ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ المَصاحِفِ عَلى اعْتِبارِ اخْتِلافِ القِراءاتِ وهو الغالِبُ. وها هُنا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجاءَتِ الظّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.
- ولا أرى لِلِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ حاجَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ القِراءَتانِ مُتَواتِرَتَيْنِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اعْتَمَدَ كُتّابُ المَصاحِفِ عَلى إحْداهُما وهي الَّتِي قَرَأ بِها جُمْهُورُ الصَّحابَةِ وخاصَّةً عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأوْكَلُوا القِراءَةَ الأُخْرى إلى حِفْظِ القارِئِينَ.
وإذا تَواتَرَتْ قِراءَةُ بِضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ و(بِظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِالوَجْهَيْنِ وأنَّهُ أرادَ كِلا المَعْنَيَيْنِ.

وأمّا مَعْنى (ظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، أيْ: مَظْنُونٌ. ويُرادُ إنَّهُ مَظْنُونٌ بِهِ سُوءٌ، أيْ أنْ يَكُونُ كاذِبًا فِيما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغَيْبِ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ ظَنِينٍ بِهَذا المَعْنى في الكَلامِ حَتّى صارَ الظَّنُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: ظَنَّ بِهِ سُوءًا، فَيَتَعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ الأوَّلِ بِحَرْفِ باءِ الجَرِّ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَذَفُوا الباءَ ووَصَلُوا الفِعْلَ بِالمَجْرُورِ فَصارَ مَفْعُولًا فَقالُوا ظَنَّهُ: بِمَعْنى: اتَّهَمَهُ، يُقالُ: سُرِقَ لِي كَذا وظَنَنْتُ فَلانًا.

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).


التخريج
- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم"؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم.
- حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكري قال، أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية عن: الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوًا منه.
- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون"، قال: هم اليهود والنصارى والمجوس، أصابوا ذنوبًا في كفرهم، فأرادوا أن يتوبوا منها، ولن يتوبوا من الكفر، ألا ترى أنه يقول:"وأولئك هم الضالون"؟
- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن داود، عن أبي العالية في قوله:"لن تقبل توبتهم"، قال: تابوا من بعضٍ، ولم يتوبوا من الأصل.
- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قوله:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا"، قال: هم اليهود والنصارى، يصيبون الذنوبَ فيقولون:"نتوب"، وهم مشركون. قال الله عز وجل: لن تُقبل التوبة في الضّلالة.

الترجيح
الأول :
- قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية، قولُ من قال:"عنى بها اليهودَ" = وأن يكون تأويله: إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله.
- وإنما قلنا:"ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب"، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد.
- وإنما قلنا:"معنى ازديادهم الكفر: ما أصابوا في كفرهم من المعاصي"، لأنه جل ثناؤه قال:"لن تقبل توبتهم"، فكان معلومًا أن معنى قوله:"لن تقبل توبتهم"، إنما هو معنيٌّ به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم. لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الشورى: ٢٥] ، فمحالٌ أنْ يقول عز وجل:"أقبل" و"لا أقبل" في شيء واحد. وإذْ كان ذلك كذلك = وكان من حُكم الله في عباده أنه قابلٌ توبةَ كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيمان أحدَ تلك الذنوب التي وعد قَبول التوبة منها بقوله:"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم" علم أنّ المعنى الذي لا يقبل التوبةَ منه، غيرُ المعنى الذي يَقبل التوبة منه. وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي لا يَقبل منه التوبة، هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله. فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح، فإنّ الله - كما وصف به نفسه - غفورٌ رحيمٌ.

الثاني :
- تَأْوِيلُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إمّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَتُوبُونَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا شَفاعَةَ لَها فَتُقْبَلُ وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
أيْ لا مَنارَ لَهُ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ ودَلِيلُهُ الحَصْرُ المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .

الثالث :
وإمّا أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ نِفاقًا، فالمُرادُ بِعَدَمِ القَبُولِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ في إيمانِهِمْ، وإمّا الإخْبارُ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ رَسَخَ في قُلُوبِهِمْ فَصارَ لَهم سَجِيَّةً لا يُحَوَّلُونَ عَنْها، فَإذا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَهم كاذِبُونَ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ بِمَعْنى عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لَهم، وأسْرارُهم مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ اليَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأسْلَمَ بَعْضُهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ.

أقوال أخرى في المراد من الآية
الأول
وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ المُسْلِمِينَ وماتُوا عَلى الكُفْرِ، فالمُرادُ بِالِازْدِيادِ الِاسْتِمْرارُ وعَدَمُ الإقْلاعِ. والقَوْلُ في مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ،
- فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ،
- وقالَ أبُو العالِيَةِ:مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ.

الثاني : وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ،

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).

التخريج
- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير قال: سمعت سعيد بن جبير يقول:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر.
- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والصاحب بالجنب"، الرفيق.
- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والصاحب بالجنب"، وهو الرفيق في السفر.
- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر، منزله منزلك، وطعامه طعامك، ومسيره مسيرك.

أقوال أخرى في المراد بالصاحب بالجنب
الأول :
- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر = أو القاسم = عن علي وعبد الله رضوان الله عليهما:"والصاحب بالجنب"، قالا هي المرأة.
- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن جابر، عن علي وعبد الله مثله.
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والصاحب بالجنب"، يعني: الذي معك في منزلك.
- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنه قال في هذه الآية:"والصاحب بالجنب"، قال: هي المرأة.

الترجيح

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى:"الصاحب بالجنب"، الصاحب إلى الجنب، كما يقال:"فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه"، وهو من قولهم:"جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا"، إذا كان لجنبه.ومن ذلك:"جَنَب الخيل"، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب، وقد:
قال أبو جعفر: فإذ كان"الصاحب بالجنب"، محتملا معناه ما ذكرناه: من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنزيل
فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).
التخريج

- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.

شواهد لقول سعيد بن جبير
- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشيّ"، يعني: الصلوات المكتوبة.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، هلك من لم يجلس إليهم.
- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
- حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة.
- حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية، أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.

المراد بطرد الرضعفاء
الأول : تأخيرهم عن الصف الأول
- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول، فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي ﷺ، فانثال الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] . فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة.وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله ﷺ طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ.
- وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ

الثاني: إبعادهم عنه صلى الله عليه وسلم نهائياً
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وإنما طلبوا ذلك خديعة ؛ لا لأجل أن يؤمنوا فمن يريد أن يؤمن لا يقف أمامه شيء ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فَأَوْلَى النَّاسِ بِمُلَازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيرَاهُمْ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: 68] .

المراد بالذين
اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ آهـ. وَسَمَّى الْوَاحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وَهُمْ صُهَيْبٌ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالْمِقْدَادُ


5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: ( هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء )
التخريج

روى الطبري : حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان قال: حدثني فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما"سوء الحساب"؟ قلت: لا! قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
- حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا عون، عن فرقد السبخي قال: قال لنا شهر بن حوشب: ﴿سوء الحساب﴾ أن لا يتجاوز لهم عن شيء.

معنى سوء الحساب
- وسُوءُ الحِسابِ ما يَحُفُّ بِالحِسابِ مِن إغْلاظٍ وإهانَةٍ لِلْمُحاسَبِ، وأمّا أصْلُ الحِسابِ فَهو حَسَنٌ لِأنَّهُ عَدْلٌ.
- أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَيْ: يُنَاقَشُونَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23 جمادى الأولى 1441هـ/18-01-2020م, 06:37 PM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 1,869
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فداء حسين مشاهدة المشاركة
خرّج جميع الأقوال التالية ثمّ حرر المسائل التفسيرية المتعلقة بها:

1: قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).


تخريج الأثر:
رواه الطبري عن ابن حميد, عن مهران, عن سفيان, عن عاصم, عن زر قال:(في قراءتنا: بمتهم, ومن قرأها {بضنين}, يقول ببخيل).
وأخرجه عبد بن حميد عن زر كما في الدر المنثور للسيوطي.
ورواه الفراء عن قيس بن الربيع عن عاصم ابن أبي النجود, عن زر بن حبيش قال: (أنتم تقرءون: (بضنين) ببخيل، ونحن نقرأ (بظنين) بمتّهم).
[مخرج الأثر هو عاصم بن أبي النجود]

توجيه القول:
هذا القول موافق لما جاء في الاية من قراءات تخص هذا اللفظ, فقد قرأت{بظنين{ وكذلك قرأت {بضنين} بالضاد.
فقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروَح عن يعقوب بالضاد كما رسمت في المصاحف, وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء.
قال الزجاج: (فمن قرأ (بظنين) فمعناه ما هو على الغيب بمتهم وهو الثقة فيما أداه عن اللّه جلّ وعزّ، يقال ظننت زيدا في معنى اتهمت زيدا، ومن قرأ {بضنين} فمعناه ما هو على الغيب ببخيل، أي هو -صلى الله عليه وسلم- يؤدي عن الله ويعلّم كتاب اللّه).
والقرءاتان صحيحتان متواترتان, وإن صحتا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فلا تفضل احداهما على الأخرى, بل ينزل كل معنى منهما بمنزلة الآية المستقلة.

الأقوال الأخرى في الاية:
وقد ذكر الطبري قولا نسبه لبعض علماء اللغة دون تحديد فقال في معنى (ظنين) اي ضعيف, فيكون معنى الآية: وما هو على الغيب بضعيف، ثم علق عليه بقوله:(ولكنه محتمِل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف: هو ظَنُون). [هو قول الفراء]

الراجح:
اختلاف القراءات في الآية هو من سبيل اختلاف التنوع الذي يكمل بعضه بعضا, فتزيد المعاني وضوحا واتساعا في الآية.
فكون النبي -عليه الصلاة والسلام- أمين من في السماء غير متهم على الوحي يلزم منه عدم كتمانه من أمر الوحي شيئا, ويلزم منه كذلك أنه لم يخص بالوحي أحد دون أحد.

فلا تعارض البتة بين المعنيين, فقد مدحه الله سبحانه وتعالى بقوله:{وصدق الله ورسوله}, وقال:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.
وقد جاء في القرآن بعض الآيات التي فيها وعيد شديد له في حال الكتمان, وهذه الآيات بذاتها من أعظم البراهين على كمال بلاغه-عليه الصلاة والسلام- وعدم كتمانه لشيء, إذ لو كان كاتما شيئا لكتمها, منها قوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} فلما لم يحصل هذا عُلم الصدق التام فيما أخبر به عن ربه, وقال تعالى:{وإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا }, فشهد الله -جل وعلا-لرسوله بالثبات على الرسالة بتثبيت الله له.
ومن أعظم الأدلة على كمال الصدق وكمال البلاغ قوله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
وهذا كله يتطلب قوة في البلاغ وقوة في الصبر, على ما جاء من معنى الضعيف, لو صح ما ذكره الطبري .

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).

تخريج الأثر:
رواه الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم وابن المنذر بطرق عن داود :
فرواه الطبري عن ابن المثنى عن ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية....ثم ذكره.
ورواه عن عبد الحميد بن بيان السُّكري عن ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية ...ثم ذكر نحوا منه.
ورواه عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن داود عنه وزاد:(ألا ترى أنهم يقول:{وأولئك هم الضالون}.
ورواه ابن ابي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد عن داود قال سألت أبا العالية....ثم ذكره.
ورواه ابن المنذر عن زكريا عن محمد بن حيوية عن مسدد عن يزيد بن زريع عن داود قال: سالت أبا العالية...
[مخرج الأثر هو داود بن أبي هند، وكل الروايات تدور حوله؛ فإذا اختلفت ألفاظها فيكفي ذكر الراوي عنه، دون ذكر كامل الإسناد]
توجيه قول أبي العالية:
قوله بأنهم (اليهود والنصارى) لأن سياق الآيات في الحديث عنهم.
وقوله :(ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم) حتى يزيل ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة التي فيها التصريح بقبول توبة العاصي والكافر ما لم يغرغر.
فتوبة الكافر لا تقبل مادام مصرا على كفره.

نذكر ما ورد في الآية من أقوال أخرى في المراد بقوله:{إن الذين كفروا بعد إيمانهم}:
القول الأول: قيل نزلت في جميع الكفار، فمع إقرارهم بأصل توحيد الربوبية إلا إنهم أشركوا معه غيره في العبودية.
القول الثاني: وقيل نزلت في أحد عشر رجلاً من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام، فلما رجع الحارث أقاموا على كفرهم بمكة.
[الصحيح أن قصة الحارث رويت عند قول الله تعالى: {كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم ...}، إلى قوله تعالى:{إلا الذين تابوا وأصلحوا ...} الآيات.
فالحارث ممن ارتد، ثم أسلم بعد ذلك.
والآية محل الدراسة في قوم كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا]

أما ما ورد من أقوال في المراد بقوله تعالى:{لن تقبل توبتهم}:
القول الأول: قيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت، فيقيد هذا القول بقوله تعالى:{وليست التوبة للذين يعملون السيآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}. قاله الحسن، وقتادة، وعَطاء الخراسانِي، والسدي.
وهذا يعارضه ظاهر الآية ولقوله في ختامها:{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}. [وضحي وجه المعارضة]

القول الثاني: قيل المعنى لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر أحبطها، فهؤلاء آمنوا ثم ارتدوا, فما كانوا عليه من أعمال قبل الردة لن يقبل منهم. [عزو القول؟]

القول الثالث: قيل لن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفر إلى كفر آخر. وهذا بعيد, ولعله تفسير بالمعنى اللغوي للتوبة وهو الرجوع, والمتبادر إلى الأذهان عند سماع الآية هو المعنى الشرعي, والأصل حمل اللفظ عليه ما لم تأت قرينة صارفة. [عزو القول؟]

القول الرابع: قيل فيه إن الكلام عن المنافقين, فالقصد أن توبتهم التي أظهروها لن تقبل منهم لأن الكفر كائن في ضمائرهم. قاله ابن عباس

القول الخامس: قيل فيه إن معنى الآية: لن تقبل توبتهم إذا ماتوا على الكفر. قاله مجاهد.
ولعله بعيد لأن الله-جل وعلا- قال بعدها:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}, ولأن من مات على الكفر لم تحصل منه توبة, وقد قال الله في هذه الاية:{لن تقبل توبتهم}.

القول السادس: قال بعض أهل العلم إن المراد عدم توفيق الله لهم للتوبة بسبب ما هم فيه من الضلال, وهذا تفسير باللازم, لأن من لم يوفق للتوبة لن تقبل توبته بطبيعة الحال. [عزو القول؟]
وهذا القول يرجع إلى قول من قال بان المراد من مات على كفره.

الترجيح:
نقول-والله أعلم- الآية التي معنا من الآيات التي تعددت فيها الأقوال واختلفت, ومن نظر في الأقوال الواردة في تفسيرها يلمح القاسم المشترك بينها, وهو رد الآية إلى غيرها من الآيات المحكمات, فكأنهم-والله اعلم- رأوها من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم ليتضح تفسيره, وهذا أسلوب أهل العلم في فهم النصوص كما مدحهم الله تعالى في قوله:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} وحتى لا يكونوا ممن سمى الله في قوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}.

فالأقوال في نفسها صحيحة, وسياق الآيات ولاحقها ذكرت توبة بعض أصناف الناس مع الحكم عليها:
الصنف الأول: من تاب وأصلح فهؤلاء يتوب الله عليهم كما قال تعالى:{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الصنف الثاني: من مات على الكفر ولم يتب, وهم من قال تعالى فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ}.
فهذان القسمان لا إشكال فيهما, وبقيت الآية التي بين أيدينا, ولعل أقرب الأقوال-والله أعلم- قول أبي العالية : هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشرك، ولم يتوبوا من الشرك.
فهم على اعتقاد فاسد بصلاح حالهم وقبول أعمالهم, وعندهم من العلم ما يفرقون به بين السيئة والحسنة, فمن أذنب منهم رجع وتاب, لكن الله لا يقبل توبته هذه لإقامته على غير الدين الذي ارتضاه لعباده, فلا تقبل التوبة حتى يتوب من كفره, لذا وصفهم الله بقوله:{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}, وقال سبحانه في الآيات السابقة لهذه الآية:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فعمله مردود عليه غير مقبول, وتوبته كذلك-وهي من عمله- مردودة عليه غير مقبولة مادام متلبسا بالكفر.
وقد اثبت الله للكافرين أعمالا يحسبونها صالحة فقال عز وجل:{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}, وقال:{مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} وقال:{وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}.
فتكون الآية عامة فيمن هذا وصفه سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم, كما جاء في لفظ لأبي العالية (المجوسي).

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).
تخريج الأثر:
رواه الطبري عن ابن بشار, عن يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير أنه سمع سعيد بن جبير يقول:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر.
ورواه الطبري بلفظ: (الرفيق الصالح). رواه عن المثنى عن أبي دكين عن سفيان، عن أبي بكيرعنه, ورواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم, عن سفيان, عن ابي بكير عنه, وذكره البيهقي في شعب الإيمان دون إسناد.
[مخرج الأثر هو أبو بكير، وإذا اختلف اللفظ يُذكر الراوي الذي يدور عليه الاختلاف]

توجيه القول:
قال الأخفش: وأما {الصّاحب بالجنب} فمعناه: "هو الذي بجنبك"، كما تقول "فلان بجنبي" و"إلى جنبي".
فلعل سعيد بن جبير خص السفر من باب التمثيل, ولقوله تعالى:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وقد كانا في سفر, وقال:{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} وقد كانا في سفر فسمى رفقة السفر صحبة.
وقد يستدل على إرادة التمثيل بما جاء عنه أيضا من قوله في معنى الاية:(هو الرفيق الصالح).
ولعله خصه لأن القرب في صحبة السفر أبين, والتوصية في هذا المقام الناس لها أحوج , لأن السفر يسفر عن أخلاق الرجال فلعله يرى ما لا يعجبه من رفيقه لطول المدة فيحجب عنه إحسانه وحسن صحبته فاحتيج للتنبيه.

وقد جاءت أقوال أخرى في الآية:
القول الأول: قيل المراد به المرأة, وهو قول علي وابن مسعود وابن ابي ليلى ووجه آخر لسعيد, وغيرهم.
القول الثاني: قيل المراد به الجليس في الحضر والرفيق في السفر. قاله زيد ابن أسلم.
القول الثالث: قيل إن المراد به من يصاحبك ويلزمك رجاء نفعك, قاله ابن جريج.

الراجح:
لا تعارض بين الأقوال فيمكن حمل الآية على هذه المعاني بما دل عليه ظاهرها وهو الملازم القريبز
فقد سمى الله سبحانه وتعالى-الزوجة (صاحبة) فقال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}, وقال:{أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ }.
والزوجة هي أقرب الناس للرجل, حتى وصف سبحانه العلاقة بينهما بقوله:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} فليس بعد هذا القرب قرب.

والرفيق في السفر سماه الله صاحب وسمى رفقة السفر صحبة-كما أسلفنا- فقال:{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي } وقد كانا في سفر, وقال:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وقد كانا في سفر.
كذلك الجليس في الحضر قد يكون الصاحب الذي تعلم معك العلم أو علمك, أو تعلم معك حرفة أو علمك غياها, أو وقف بجانبك يرشدك فيما احتجت إليه فيما يخص منافع الدين والدنيا, وقد قال تعالى:{لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى}وطول الملازمة تقتضي حسن اختيار الصحبة, كما قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}, وقال عليه الصلاة والسلام-فيما رواه ابو داود والترمذي:(لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)وهذا هو الرفيق المؤمن.

وقد قال تعالى واصفا نبيه:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ} وقال: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} تنبيها لهم على معرفتهم إياه وبما يتحلى به من مكارم الأخلاق والمروءة, فهذا مما تقتضيه الصحبة.
وتصدق الآية كذلك على من لازمك رجاء نفعك, فحال مثل هذا شدة الملاصقة للشخص حتى ينال بغيته منه, كما وصف تعالى السجينان مع يوسف الذان لازماه لمنفعة السؤال عن تأويل الرؤى فقال:{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}.
فالآية عامة أوصت بالإحسان إلى كل من كان هذا وصفه بحسب درجة المصاحبة له.

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).

تخريج الأثر:
أخرجه الطبري عن القاسم عن الحسين عن حجاج ، عن ابن جريج ، عبد الله بن كثيرعن مجاهد قال : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص ، فقال سعيد : ما أسرع بهم إلى هذا المجلس ! قال مجاهد : فقلت يتأولون ما قال الله - تعالى ذكره - . قال : وما قال ؟ قلت : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " قال : وفي هذا ذا ؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن ، إنما ذاك في الصلاة .

توجيه قول سعيد بن المسيب:
معنى الصلاة في اللغة: الدعاء, قال النحاس: الصلاة: الدعاء فيها معروف قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا.......يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فا اغتمضي.......نوما فإن لجنب المرء مضطجعا

وقد جاء تسمية صلاة الفجر بصلاة الغداة في قوله عليه الصلاة والسلام:(...من صلّى معنا صلاة الغداة بجمع ووقف معنا حتى نفيض...).
قال الأزهري : وأما العشي فقال أبو الهيثم : إذا زالت الشمس دعي ذلك الوقت العشي...
وقال : وصلاتا العشي هما الظهر والعصر . وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي وأكبر ظني أنها العصر ، وساقه ابن الأثير فقال : صلى بنا إحدى صلاتي العشي ، فسلم من اثنتين يريد صلاة الظهر أو العصر .
وقال : يقع العشي على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها ، كل ذلك عشي ، فإذا غابت الشمس فهو العشاء ، وقيل : العشي من زوال الشمس إلى الصباح ...

ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء أطلق اسم الدعاء عليها من باب تسمية الشيء ببعض ما يتضمنه, ولأن (الدعاء هو العبادة) كما قال-عليه الصلاة والسلام- والصلاة أفضل العبادات, وهي عماد الدين.
كما أنها تشتمل على جميع أنواع الدعاء من عبادة وثناء ومسألة وذكر وقراءة قرآن, فيعد قوله قولا عاما شمل ما جاء في معنى الآية من أقوال.

والأقوال الأخرى التي وردت في معنى الآية هي:
القول الأول: قال أصحاب هذا القول بأن المراد صلاتي الصبح والعصر, قاله مجاهد وقتادة , وذكر مقاتل بأن الصلاة يوما كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي قبل أن تفرض خمسا!
القول الثاني: هو ذكر الله, قاله إبراهيم النخعي.
القول الثالث: المراد ب(يدعون) عبادة الله, جاء هذا عن الضحاك.
القول الرابع: إن المراد ب(ايدعون) تعلم القرآن غدوة وعشية, قاله ابوجعفر.
القول الخامس: إن المقصود دعاء الله بالتوحيد, ولعلهم استندوا لقرينة قوله تعالى في نفس الاية:{يريدون وجهه}. قاله الزجاج.
القول السادس: وهو قول ضعيف جاء عن بعض القصاصين فقالوا إن المراد هو الاجتماع إليهم لسماع ما يلقون من مواعظ!!

الراجح:
الأقوال لا تعارض بينها-خلا الأخير لضعفه- فجميع ما ذكر فيها تصدق علبه الآية, فقد جاء لفظ الدعاء بمعنى التعبد والعبادة، قال تعالى:{قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا }, وقال:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}, وقال:{وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}, وقال:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
وجاء لفظ الدعاء بمعنى الاستعانة وهي قسيمة الدعاء, فقد قال تعالى:{قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون}.
وجاء بمعنى الدعاء :{وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.
وجاء بمعنى توحيد الله في قوله تعالى:{قُلِ ٱدعُوا ٱللَّهَ أَوِ ٱدعُوا ٱلرَّحمَـٰنَ}.

وجميع هذه الأمور المذكورة لا تكون إلا بتوحيد الله -سبحانه- ولا تفعل إلا لإرادة وجهه الكريم, فلا انفكاك بين الدعاء بأنواعه وبين التوحيد.

والدعاء قسمان:
الأول: دعاء عبادة, ومنه دعاء الثناء.
الثاني: دعاء مسألة
والآية لم تعين أحدهما فتبقى على عمومها, لأن إخراج أي منهما يحتاج إلى دليل ولا دليل.

وقد قال عليه الصلاة والسلام-فيما رواه الترمذي:(دعوة أخي ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا ‏بها مكروب إلا فرج الله كربته) فسماه النبي-عليه الصلاة والسلام-دعاء وفيه ما فيه من التوحيد والثناء والطلب .

أما من قال بأن المراد قراءة القرآن, فالقرآن من أفضل الذكر, وهو يشتمل على جميع أنواع الدعاء, وقد قال السلف:(تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلام) .

وحتى الاجتماع إلى دروس العلم والدعوة إلى الله تدخل في معنى الآية, لكن ليس على مراد القصاصين.

وقد خصت هذه الأوقات بالذكر في الاية لانشغال الناس فيها عادة, فهي أوقات أعمالهم وانصرافم إليها, ويأتي العصر وقد أنهكوا, فمن ذكر الله فيها فحري به أن يذكره في وقت الراحة والفراغ من باب أولى.

5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: ( هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء).

تخريج الأثر:
رواه عبدالله بن وهب المصري عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن فرقد عن إبراهيم قال: {ويخافون سوء الحساب}، أن يحاسب بذنبه، ثم لا يغفر له).
ورواه الطبري عن عفان عن حماد، عن فرقد، عن إبراهيم.
ورواه عن ابن سمان القزازعن ابي عاصم، عن الحجاج، عن فرقد عن إبراهيم وذكره.

توجيه القول:
لعله تأول ما جاء عند البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام:(قال من نوقش الحساب عذب) فقالت له عائشة-رضي الله عنها- راوية الحديث-:(أليس يقول الله تعالى:{فسوف يحاسب حسابا يسيرا}؟ قال:( ذلك العرض).
وما رواه الإمام أحمد لما سألته عائشة-رضي الله عنها-عن الحساب اليسير فقال عليه الصلاة والسلام:(الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها أنه من نوقش الحساب هلك), وهذا الحديث فيه إشارة لما قاله النخعي, فالحديث ذكر أن الحساب اليسير التجاوز عن الذنوب بعد عرضها, هذا يعني أن من عرضت له ذنوبه ولم يتجاوز له عنها: هلك.

وكلمة: "نوقش" تدل على المناقشة, وهي الأخذ والرد في الشيء والبحث على دقيقه وجليله, وقد جاء في النهاية في الحديث والأثر: ( وأصْل المُناقَشة : من نَقَش الشَّوْكة إذا اسْتَخْرجَها من جِسْمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشَها ومنه حديث أبي هريرة [وإذا شيكَ فلا انْتَقَش]).

الأقوال الأخرى التي وردت في المراد ب(سوء الحساب):
ذكر ابن الجوزي ثلاثة اقوال أولها قول النخعي, ثم ذكر :
القول الثاني: أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة. [هو قول الزجاج]
القول الثالث: التوبيخ والتقريع عند الحساب.

الراجح:
ما ذكره ابن الجوزيمن أقوال يكمل بعضها بعضا, فنقاش الحساب لا بد أن يكون معه من التوبيخ والتقريع ما يلائم الحال, وسياق الآية في الكفار لقوله تعالى:{ومأواهم جهنم وبئس المهاد } فهؤلاء ولا بد لا تقبل منهم حسنة البتة.
أما عصاة الموحدين فيقبل منهم ما كان خالصا وصوابا, والذين وجبت لهم النار منهم ممن نوقش الحساب : أولئك طغت سيئاتهم على حسانتهم فهي بحكم المعدومة حتى يتم تطهيرهم في النار ليخلصوا إلى الجنة في نهاية المطاف.
لذا فقول النخعي لا يخرج عن هذه الأقوال بل يجمعها, فلا تعارض بينها.
وقد قال ابن كثير:(أي : يناقشون على النقير والقطمير ، والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب; ولهذا قال : { ومأواهم جهنم وبئس المهاد }).
[أحسنتِ، بارك الله فيكِ، ويجدر الإشارة كذلك إلى الموضع الآخر الذي ذُكِر فيه "سوء الحساب" في نفس السورة، في سياق خوف المؤمنين من سوء الحساب]

أحسنتِ، بارك الله فيكِ.
لديكِ مهارة جيدة في التحرير وتوجيه الأقوال، وأرجو أن تعتني كذلك بالتخريج وتعيين مخرج الأثر.
التقويم: أ
وفقكِ الله وسددكِ.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23 جمادى الأولى 1441هـ/18-01-2020م, 06:39 PM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 1,869
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم محمد مشاهدة المشاركة
1: قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير من طريق ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ) قَالَ: الظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ. وَفِي قِرَاءَتِكُمْ: {بِضَنِينٍ} وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ.
وعزاه السيوطي لعبد بن حميد ولم أقف عليه.
محمد بن بشار وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان وزر: ثقات.
أما عَاصِم بن بهدلة: وهو عاصم بن أبي النجود الكوفي، القارئ، فصدوق، له أوهام، وكان حفظه سيئا، وحديثه -خاصة- عن زر وأبي وائل، مضطرب، كان يحدث بالحديث تارة عن زر، وتارة عن أبي وائل، كما قال حنبل بن إسحاق: (ثنا) مسدد، (ثنا) أبو زيد الواسطي، عن حماد بن سلمة، قال: كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي عن أبي وائل، وقال العجلي: عاصم ثقة في الحديث، لكن يختلف عليه في حديث زر وأبي وائل، ووثقه يحيى بن معين.
فيمكن القول بأنه حسن الإسناد.
[ورواه الفراء في معاني القرآن بلفظ قريب منه، ومخرج الأثر هو عاصم]
التوجيه:
اختلفت القرّاء في قراءة قوله تعالى: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) على قراءتين:
فقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة {بِضَنِينٍ} بالضاد ونسبها الفراء لزيد بن ثابت، والضنين: الشَّحيحُ البخيل، فِعْلُهُ: ضَنَّ يَضِنُّ ضَنَّاً وضِنَّةٌ ومَضَنّة، فهو ضانٌّ ضَنينٌ، وكُلُّهُ الإمساكُ والبُخْلُ، قال ابنُ هرمة: إنَّ سَلْمى واللهُ يكْلَؤُها ... ضَنَّتْ بِشَيءٍ ما كانَ يَرْزَؤها
فيكون المعنى: أن النبي ليس بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه، والله ما ضنّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بلَّغه ونشره وبذله لكل من أراده.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي {بِظَنِينٍ} بالظاء، الظنين: المتهم، فعيل بمعنى مفعول، يقال: ظننت الرجل اتهمته، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين، فيكون المعنى: أن النبي ليس بمتهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء، وليس يظنّ بما أوتي.
وقد رجح ابن جرير قراءة الضاد لموافقتها لرسم المصحف، فقال: "وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه".
ومن رجح قراءة الظاء حجتهم في ذلك أن المعنى يقتضي هذه القراءة لمناسبتها للمقام، ومنهم ما يلي:
اختار أبو عبيد هذه القراءة لأن الكفار لم يُبخّلوه، وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي البخل، فقال "والظنين أولى؛ لأن الظنين هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم ينسب أحد رسول اللَّه إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كانوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند اللَّه، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه اللَّه تعالى مما قالوا بقوله: (وما هو على الغيب بظنين)"، ونقل عنه هذا المعنى ابن عطية، والمعنى الآخر الذي ذكره: "قوله: "على الغيب" ولو كان المراد بالبخل لقال: بالغيب، لأنه يقال: فلان ضنين بكذا، وقلّ ما يقال: على كذا".
وقال أبو علي الفارسي: "معنى (بظنين) أي: بمتهم، وهو من ظننت بمعنى اتهمت، ولا يجوز أن تكون هي المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أنه لو كان منه لوجب أن يلزمه مفعول منصوب؟ لأن المفعول الأول كان يقوم مقام الفاعل إذا تعدى الفعل إلى المفعول الأول، فلا بد من ذكر الآخر، وفي أن لم يذكر الآخر دلالة على أنه ظننت التي معناها: اتهمت ".
وقال الألوسي: "ورجحت هذه القراءة عليه - أي القراءة بالظاء- بأنها أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه".
[يمكنك تلخيص أقوال المفسرين بأسلوبك، وذكر حججهم مع نسبتها إليهم، دون الحاجة لإطالة التحرير بذكر نص كلامهم]
الراجح:
أن كلا القراءتين متواترتين عن النبي، ومعناهما صحيح، فنأخذ بكليهما وتحمل كل واحدة على معناها ولا نرجح قراءة على أخرى، ولا يدخل ذلك في باب الاختلاف في التفسير، لأنهما آيتان اثنان وليست واحدة كما قال الدكتور مساعد الطيار، وعمل بذلك أكثر المفسرين، ورجحه الطاهر بن عاشور بقوله: " يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب. وههنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس، ولا أرى للاعتذار لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبي اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما، وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان ابن عفان وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين".

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم –مع اختلاف يسير في الألفاظ- كلهم من طريق داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت: "إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم"؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم. [واللفظ لابن جرير]
وإسناد ابن جرير -دون المتن- قال عنه الألباني صحيح لغيره، وحكم عليه بعض المحققين بأنه صحيح على شرط مسلم، كما أنه أخرج لداود بن أبي هند: أحمد في "مسنده" والنسائي في "سننه" وابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان في "صحيحه".
توجيه القول:
أن معنى الآية على هذا القول: "إن الذين كفروا": من أهل الكتاب بمحمد، "بعد إيمانهم": بأنبيائهم وإيمانهم به قبل مبعثه وإيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، "ثم ازدادوا كفرًا": يعني: بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، "لن تقبل توبتهم": من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله، وَلَو كَانُوا على الْهدى قبلت تَوْبَتهمْ وَلَكنهُمْ على ضَلَالَة، لأنهم تَابُوا من الذُّنُوب وَلم يتوبوا من الأَصْل.
وقال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان.
ويشهد لهذا القول من أهل اللغة أبو حيان بقوله: "وَازْدَادُوا افْتَعَلُوا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَانْتِصَابُ: كُفْرًا، عَلَى التَّمْيِيزِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادَ كَفْرُهُمْ".
وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره.
وهذا القول هو ترجيح ابن جرير، لمناسبتها للسياق وموافقته لظاهر القرآن، كما قال رحمه الله: "وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد"، وقال أيضا: "وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص - أولى من غيره، وإن أمكن توجيهه إلى غيره".
كما أنه وجه معنى (لن تقبل توبتهم) أي مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم. فالذي لا يَقبل منه التوبة: هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، أي لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله. فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح، فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ، لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [سورة الشورى: 25].

الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: عنى الله عز وجل بقوله: "إنّ الذين كفروا": ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، "بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا": بكفرهم بمحمد، "لن تقبل توبتهم": عند حُضور الموت وحَشرجته بنفسه، وهو قول قتادة والحسن، رواه ابن أبي حاتم، ورده ابن جرير لأن التوبة المقبولة لا تكون إلا في حال الحياة، فهي غير كائنة غير حضور الأجل حتى تحمل الآية عليها، لكن ابن عطية أشار إلى أن المعنى هنا لا توبة لهم فتقبل، فنفى القبول والمراد نفي التوبة، فقد يكون ذلك في قوم بأعيانهم، حتم الله عليهم بالكفر، أي ليست لهم توبة فهم لا محالة يموتون على الكفر، كما أبو حيان أيضا.
وروى ابن أبي حاتم قولا آخر لقتادة معناه: "آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت" -يعني بالإنجيل ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم-، "وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت" -وكفرهم به تركهم اياه ثم ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد عليه السلام-.
القول الثالث: معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم "ثم ازدادوا كفرًا"، يعني: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، "لن تقبل توبتهم"، لن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم، لكفرهم الآخِر وموتهم، وهو قول عكرمة، ورده ابن جرير بأنه: "قول لا معنى له. لأن الله عز وجل لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر، ثم كُفْر بعد إيمان، بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان. فلم يتقدم ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمان لهم توبة منه". [القول بأن معنى الزيادة في الكفر تمامهم عليه هو قول مجاهد، رواه عنه ابن جرير، والقول بأن معنى التوبة الإيمان الأول هو قول ابن جريج، رواه ابن جرير أيضًا؛ فمن روى قول عكرمة؟]
القول الرابع: معنى قوله: "ثم ازدادوا كفرًا"، ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى "لن تقبل توبتهم"، لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهو قول ابن عباس والسدي ومجاهد، وهو مقارب للقول الثالث، وموافق للقول الثاني في معنى عدم قبول التوبة عند الموت، وأشار النحاس في معاني القرآن لاحتماله بقوله: "وهذا القول ليس يبعد في اللغة لأنهم إذا ماتوا على الكفر فقد هلكوا فهم بمنزلة من ازداد".
القول الخامس: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم، قيل أنه قول الكلبي، ونسبه البزار لابن عباس، وقَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْبَزَّار، ولذلك فهو قول ضعيف الإسناد، وقد ذكره ابن عطية احتمالا بقوله: "وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [آل عمران: 86]، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً".
الراجح:
أن الأصل حمل اللفظ على العموم، فالآية بعمومها تشمل كل من كفر بعد إيمان، فقد يدخل فيها أهل الكتاب والمرتدون كما أشار ابن عطية وأبو حيان، وأما المعنى من عدم قبول التوبة كما في القول الثاني والرابع: فهو معنى صحيح لتقييد الشرع بعدم قبولها عند حضور الموت كما في قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ".
لكن يقوي ترجيح القول الأول أن السياق والكلام موصول قبله في أهل الكتاب، كما اختار ابن جرير.

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).
تخريج الأثر:
رواه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر كلهم من طريق سفيان الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} قَالَ: «الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ».
إسناده صحيح، مداره على أبو بكير التيمي، واسمه "مرزوق" مَوْلَى الشَّعْبِيِّ. روى عن سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وروى عنه ليث بن أبي سليم، وإسرائيل، وسفيان الثوري، وشريك وعمر بن محمد، ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب الثقات، وَقَال: أصله من الكوفة وسكن الري. وَقَال ابن طهمان عَنْ يحيى بْن مَعِين: مرزوق أبو بكر مؤذن التيم ثقة، وَقَال يعقوب بْن سفيان: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، قال: حَدَّثَنَا سفيان عن مرزوق ولا بأس به، وَقَال ابن حجر في "التقريب": ثقة.
توجيه القول:
هو تفسير بالمثال، فالرفيق في السفر هو جارك إلى جانبك، وله حقان: حق الإسلام وحق الصحبة، ولهذا كان هذا القول اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: انها امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه، وهو قول عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم.
القول الثالث: هو الذي يلزمك ويصحبك رَجاء نفعك، وهو قول ابن زيد وعكرمة وابن جريج، ورواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن جبير. [مع اختلاف في لفظ كل منهم]
الراجح:
أن الآية تشمل جميع الأقوال، كما نقل عن مقاتل بن سليمان أنه الرفيق فِي السّفر والحضر، فالمسلم مطالب بالإحسان إلى هؤلاء والرفق بهم سواء كان في السفر أو الحضر، وهو اختيار ابن جرير كما قال: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: "الصاحب بالجنب"، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: "فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه"، وهو من قولهم: "جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا"، إذا كان لجنبه. ومن ذلك: "جَنَب الخيل"، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب، ... فإذ كان "الصاحب بالجنب"، محتملا معناه ما ذكرناه: من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به -ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنزيل- فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه".
وقال ابن رجب الحنبلي: "فسرهُ طائفة منهم ابنُ عباسٍ بالرَّفيقِ في السفر، ولم يريدُوا إخراجَ الصاحبِ الملازِمِ في الحضرِ، إنما أرادُوا أن صحبةَ السفرِ تكفِي، فالصحبةُ الدائمةُ في الحضرِ أوْلى، ولهذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الرفيقُ الصالحُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ: هو جليسُك في الحضرِ، ورفيقُك في السفرِ، وقالَ ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه، وفي "المسندِ" والترمذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم - قال: "خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِهِ، وخيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهُم لجارِهِ". صححه الألباني وقواه شعيب الأرناؤوط.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "وقد تتناول الآية الجميع بالعموم".

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير من طريق [عن القاسم، أو من طريق ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن كثير ...] القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.
إسناده ضعيف.
القاسم بن الحسن: قال الذهبي في المغني: تكلم فِيه، وقال الذهبي في ديوان الضعفاء: متهم.
والحسين بن داود: هو الملقب بِسُنَيد، مختلف فيه، قال الذهبي صَدُوق صالح الحديث، وقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد لم يكن بِذَاك، وضعفه ابن أبي حاتم، وقد يسلم في روايته عن حجاج بن محمد.
وحجاج بن محمد المصيصي: ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره.
وابن جريج: ثقة وإن كان يدلس كما في التقريب، مع الانقطاع بينه ومجاهد، كما قال ابن معين وغيره: لم يسمع من مجاهد، وَقَال أَبُو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جُرَيْج" قال" فاحذره، وإذا قال: سمعت" أو "سألت" جاء بشيءٍ ليس في النفس منه شيء.
وعبد الله بن كثير: قال البخاري: عَبد اللَّهِ بْن كثير المكي القرشي، سمع مجاهدا سمع منه ابن جُرَيْج، وَقَال ابْن أَبي مريم عن ابْن مَعِين: عَبد اللَّهِ بن كثير الداري القارئ، ثقة، وَقَال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف إلا من رواية ابن جُرَيْج عنه، وما رأيت أحدًا وثقه ففيه جهالة". ووثقه النسائي وابن المديني، وَقَال ابن حجر في "التقريب": صدوق.

[الإسناد إلى سعيد بن المسيب صرح فيه ابن جريج بالسماع من عبد الله بن كثير؛ فلم يرسل الأثر عن مجاهد كما فعل في النص الأول]
توجيه القول:
أنه قول محتمل مع ضعف سنده، لكون الصلوات المكتوبة من أعظم العبادات، كما أن فيها أعظم الدعاء وهو سؤال الله الهداية.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصف، وهو رواية عن ابن عباس، رواه ابن جرير، وأخرج ابن أبي حاتم أنها نزلت في ستة من ضعفاء الصحابة.
وحكم ابن كثير على رواية ابن جرير بأنها حديث غريب، ورد هذا القول لأن الآية مكية والراوية التي فيها ذكر الأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر، وهو أيضا قول ابن تيمية في منهاج السنة أن الآية مكية والقصة في أهل الصفة وذلك إنما كان بالمدينة.
القول الثالث: أن معنى" دعائهم"، ذكرُهم الله تعالى ذكره، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم.
القول الرابع: تعلمهم القرآن وقراءته، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي جعفر.
القول الخامس: عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه، رواه ابن جرير عن الضحاك، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهو داخل في القول الأول. [الأقوال جميعها داخلة فيه لأن معنى العبادة أعم]
الراجح:
أن الآية -والله أعلم- أعم من الصلاة فيدخل فيها كل الأقوال، وهو الظاهر، لأنهم يدعون الله ويعبدونه بأنواع العبادات من صلاة وغيرها، ولذلك جمع ابن أبي حاتم بين القول الثالث والرابع والخامس في وجه واحد لكون معانيهم متقاربة، وهذا واضح في قول ابن كثير: "أَيْ لَا تُبْعِدْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّصِفِينَ بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كَقَوْلِهِ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً"، وهو اختيار ابن جرير بقوله: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي، و"الدعاء لله"، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا = وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له. وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها، فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي، لأن الله قد سمى "العبادة"، "دعاء"، فقال تعالى ذكره: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء. ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء"، ثم قال: "... ولا تطردهم ولا تُقْصِهم، فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه، وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي، يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه".

5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: (هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء).
تخريج الأثر:
رواه ابن جرير وابن وهب والواحدي كلهم من طريق فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما “سوء الحساب"؟ قلت: لا! قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء، وعزاه السيوطي [في الدر المنثور] لأبي الشيخ ولم أقف عليه.
كما رواه سعيد بن منصور -مع اختلاف الألفاظ- مرة موقوفا على فرقد، ومرة مبهما عن إبراهيم.
إسناده ضعيف، مداره على فرقد بن يعقوب السبخي، هو أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه كان ضعيفا منكر الحديث، كثير الخطأ لأنه لم يكن صاحب حديث، وليس بثقة، كما في التقريب وتهذيب الكمال وميزان الاعتدال.
قال البخاري في الضعفاء الصغير: فرقد السبخي أَبُو يَعْقُوب عَن سعيد بن جُبَير فِي حَدِيثه مَنَاكِير، وقال النسائي في الضعفاء والمتروكون: فرقد السبخي ضَعِيف.
وروى العقيلي في الضعفاء عن سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ عِنْدَ أَيُّوبَ فَقَالَ: فَرْقَدٌ لَمْ يَكُنْ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ، وعن حَمَّادٌ: وَسَأَلْتُ أَيُّوبَ عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وروى ابن أبي حاتم عن أبي طالب قال سألت أحمد بن حنبل عن فرقد السبخي فقال رجل صالح ليس هو بقوى الحديث لم يكن صاحب حديث.

توجيه القول:
هو قول وجيه لموافقته للسياق، لأن ما بعده {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}، كما وجهه الزجاج بقوله: "لأن كفرهم أحبط أعمالهم". [قول الزجاج هو أصل قول القرطبي الذي ذكرته أدناه، فذكر أنه لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة، وهو مناسب لخوف المؤمنين الذين أتوا الأعمال الصالحة من سوء الحساب، أعني الآية الأخرى التي ذُكر فيها " سوء الحساب]
كما أن (سوء الحساب) أي الحساب السيء: من إضافة الصفة للموصوف، فهذا يحتمل لمعنى القول أنه لا يغفر لهم شيئا من ذنوبهم.
الأقوال الأخرى في الآية:
القول الثاني: المناقشة في الأعمال، وهو قول أبي الجوزاء، ويدل عليه ما روي في حديث عائشة رَضِي الله عَنْهَا: من نوقش الحساب عذب، وفي هذا دليل على التوبيخ والتقريع عند الحساب.
القول الثالث: ألا يتجاوز لهم عن شيء، وهو قول ابن زيد، ونسب للحسن، [هذا مشابه لقول إبراهيم أعلاه] ويدخل فيه قول القرطبي: ألا تُقبل لهم حسنة، ولا يُتجاوز لهم عن سيئة، وهو مقارب للقول الأول.

أحسنت، بارك الله فيك ونفع بك.
التقويم: أ
لديك مهارة جيدة في التخريج، ويُرجى الاعتناء كذلك بتوجيه الأقوال، مع صياغة ما تلخص لك من أقوال المفسرين بأسلوبك، دون الحاجة لتكرار النسخ عنهم.
زادك الله توفيقًا وسدادًا.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 24 جمادى الأولى 1441هـ/19-01-2020م, 01:31 AM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 1,869
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة كوثر التايه مشاهدة المشاركة
خرّج جميع الأقوال التالية ثمّ حرر المسائل التفسيرية المتعلقة بها



قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل


تخريج الأثر والحكم عليه


رواه الطبري من طريق عاصم عن زر، حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبدالرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر: " وما هو على الغيب بضنين"، قال: الظنين: المتهم، في قراءتكم: بضنين: البخيل

[لا حاجة لذكر الإسناد كاملا وقد ذكرتِ الطريق من مخرجه، والفراء روى الأثر أيضًا من طريق عاصم عن زر، بلفظ قريب منه]
والأثر حسن ورجاله ثقة أو صدوق يُقبل حديثه
[لا يلزمكم الحكم على الاثر]


وبرواية أخرى من طريق عاصم عن زر، حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ( وما هو على الغيب بظنين ) قال : في قراءتنا بمتهم ، ومن قرأها ( بضنين ) يقول : ببخيل.


ابن حميد شيخ الطبري متهم أقرب إلى الترك، والرواية صحت من الطريق السابق.


وفي الدر المنثور عزاه السيوطي إلى ابن حميد


توجيه القول:


قال ابن عطية: وقوله تعالى: وما هو على الغيب بضنين بالضاد بمعنى: بخيل، أي: يشح به، ولا يبلغ ما قيل له ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه. وبالضاد هي في خطوط المصاحف كلها فيما قاله الطبري ، وهي قراءة نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، وعثمان بن عفان ، وابن عباس ، والحسن ، وأبي رجاء ، والأعرج ، وأبي جعفر ، وشيبة ، وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن جبير ، وعروة بن الزبير ، ومسلم وابن جندب ، ومجاهد ، وغيرهم: "بظنين" بالظاء، أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه بأمين، وقيل: معناه: بضعيف القوة، من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء،


وقال ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم . وقال غيره: ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه.
[من خلال فهمك لكلام المفسرين تقومين بإعادة التحرير بأسلوبك، بحيث تظهر شخصيتك في التحرير، فتذكرين كل قراءة، والخلاف في معناها - إن وُجد- ثم بيان معنى الآية]

والقول صحيح والقراءتان متكاملتان تؤكدان تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه.
[الأولى التفصيل في بيان هذا المعنى]

أقوال أخرى في الآية:


ذكر الطبري قولاً آخر: وقد تأول أهل العربية أن معناه: وماهو على الغيب بضعيف، ولكنه محتمل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف، هو ظنون"


وإن كان له وجه في العربية إلا أن أهل التفسير لم يذكروه.


الترجيح:


الاختلاف في الآيات هو من قبيل التنوع، فكل آية تعطي معنى وإضافة، وهذا من إعجاز القرآن وثراء معانيه، وقد جاءت الآيات القرآنية تؤكد المعنين، فالرسول صلى الله عليم وسلم لم يكتم شيئا من القرآن ولم يبخل به، قال الحسن: ما أنـزلت عليه آية كانت أشد عليه منها؛ قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) ولو كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كاتما شيئا من الوحي لكتمها( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ). )


قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم


تخريج الأثر والحكم عليه:


رواه الطبري من طريق داود [عن أبي العالية] ، حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت: " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم "؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم
[نفس الملحوظة السابقة]

-حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكري قال، أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية عن: الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوًا منه.


والآثران صحيحان متصلان رجالهما ثقات.


وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية، وعزاه السيوطي إلى ابن حميد.


توجيه القول:


يتوعد الله تعالى الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد، بعد إيمانهم بأنبيائهم " ثم ازدادوا كفرًا "، يعني: ذنوبًا =" لن تقبل توبتهم " من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون واستمروا عليه إلى الممات، وهذا قول الطبري وابن كثير والقرطبي ووجه القول فقال:قال النحاس : وهذا قول حسن ; كما قال عز وجل : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن . وروي عن الحسن وقتادة وعطاء . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، وهذا ما جاء في سورة النساء.


"فلا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } { فلما زغوا أزاغ الله قلوبهم } فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال { وأولئك هم الضالون } وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة" قال السعدي.


وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال
أحدها: أنهم ارتدوا ، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم ، والكفر في ضمائرهم ، قاله ابن عباس ، فلم يحصل منهم إيمان أصلاً في قلوبهم بل هو في الظاهر ونفاق.
والثاني: أنهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك ، ولم يتوبوا من الشرك ، قاله أبو العالية، فهم مازالوا على كفرهم حتى عند طلوع الروح، وماتوا عليه.
والثالث: أن: معناه: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني والسدي، ولا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.
والرابع: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر ، قاله مجاهد، وهذا جاءت الآيات في معناه كثيرا

[ما تحته خط ينبئ أن لديكِ ملكة جيدة، فلمَ الاعتماد على النسخ من كلام ابن الجوزي؟
ثم لا يصح الاعتماد على نسبة الأقوال للسلف من كتاب ابن الجوزي، لأنه مصدر ناقل وقد يخطئ في هذه النسبة ونتداول نحن الخطأ، وهذا ما تعلمتيه في التطبيق السادس من تطبيقات المهارات المتقدمة في التفسير]

أقوال أخرى في الآية:


اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد ، فإنهم قالوا: نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .


والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن ، قاله الحسن ، وقتادة وعطاء الخراساني .
[هذا والذي يسبقه من تفسير زاد المسير]

والثالث: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية ، فأطلع الله نبيه على سريرتهم. [ما عزو القول؟]


والآية تحتمل جميع المعاني إذ هي تذكر من كان على الكفر وكتمه وأظهر خلافه، ومن آمن بمن سبق من الأنبياء وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، واستمر على كفره إلى مماته، فلن يقبل منه توتبته إذا غررت الروح.


قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: الرفيق في السفر


تخريج الأثر والحكم عليه


رواه الطبري من طريق أبي بكير، حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: " والصاحب بالجنب "، الرفيق في السفر.
[نفس الملحوظة السابقة على التخريج، وللأثر مصادر أخرى غير تفسير ابن جرير]

أبو بكير ذكره ابن حبان في الثقات، والأثر حسن.وفي أثر آخر قريباً منه علقه ابن أبي حاتم.


توجيه القول:


قال الأصفهاني: جنب: قيل جنب الحائط وجانبه، " والصاحب بالجنب"، أي القريب، قال تعالى: " ياحسرتاه على ما فرطت في جنب الله" أي أمره وحده الذي حده لنا.


قال البيضاوي: "والصاحب بالجنب الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجنبك".


وقد ساقه ابن جبير رحمه الله من باب التفسير بالمثال، فالمعنى اللغوي يشمله وغيره، والرفيق في السفر تلزم حسن الصحبة معه لما في السفر من مشقة وتكشف للصفات والأحوال التي لا تظهر في الحضر.


أقوال أخرى في الآية:


الأول: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه ، وهو قول ابن مسعود، وابن أبي ليلى.


والثاني: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ، وهو قول ابن زيد.


الراجح:


الآية تفيد العموم وهو الصاحب القريب الملازم، فالزوجة صاحب، كما سماها قال رب العزة (وصاحبته)، ووصى بالرفق بها وحسن المعاشرة وذلك لطول الملازمة.


وكل من يلزم ويصاحبك وقريب منك كما قال البيضاوي فهو في عموم الآية.



قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة


رواه الطبري من طريق عن مجاهد عن سعيد بن المسيب: حدثنا القاسم ثنا حسين ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عبدالله بن كثير عن مجاهد صليت صلاة الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع بهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره، قال: وما قال؟ قلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا أنا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفت عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.


والأثر ضعيف لأن الحسين بن داود المصيصي [؟؟؟] كان يلقن شيخه الحجاج ويقبل التلقين.


ولعله لا يثبت عن سعيد بن جبير رحمه الله.


توجيه القول:


تأول ابن جبير الصلاة على معناها اللغوي، قال الأصفهاني: قال كثير من أ÷ل اللغة هي الدعاء والتبريك والنجيد، ومنه قوله تعالى: " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" أي دعائك، والصاة أصلا ًشرعت لذكر الله تعالى، قال تعالى: " وأقم الصلاة لذكري"، وهو قول وجيه صحيح.


أقوال أخرى في الآية:


قوله تعالى: يدعون ربهم في هذا الدعاء خمسة أقوال


الأول: أنه الصلاة ، المكتوبة قاله ابن عمر ، وابن عباس . وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس; وفي رواية عن مجاهد ، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر . وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي; ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك


الثاني: أنه عبادة الله ، قاله الضحاك،ومعنى قوله: يريدون وجهه فيه قولان: أحدهما: يريدون بدعائهم ، لأن العرب تذكر وجه الشيء إرادة له مثل قولهم: هذا وجه الصواب تفخيما للأمر وتعظيما. والثاني: معناه يريدون طاعته لقصدهم الوجه الذي وجههم إليه.


الثالث: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية ، قاله أبو جعفر


الرابع: أنه دعاء الله بالتوحيد ، والإخلاص له ، وعبادته ، قاله الزجاج . وقرأ الجمهور: "بالغداة" وقرأ ابن عامر هاهنا وفي [الكهف] أيضا: "بالغدوة" بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو.
[زاد المسير لابن الجوزي]

قال الإمام الطبري: ولا أقول أولى بالصحة من وصف القوم بما وصفه الله به من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي فيعمون بالصفة التي وصفهم بها ربهم ولا يخصون منها بشيء.


وفي هذا ثناء عظيم عليهم فهم يتنقلون في أنواع الذكر والطاعت يتقربون إلى الله بذكره وعبادته ودعائه، وهذا لفظ جامع للفضائل والثناء.


قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء


تخريج الأثر والحكم عليه:


رواه الطبري من طريق فرقد عن ابراهيم: حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن الحجاج عن فرقد، قال: قال لي ابراهيم: تدري ماسوء الحساب؟ قلت: لا أدري، قال يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.


:.... عن عفان عن حماد عن فرقد عن ابراهيم قال: سوء الحساب أن ياسب من لايغفر له.

[نفس الملحوظة السابقة، والتخريج ناقص، فللأثر مصادر أخرى]
فرقد بن يعقوب السبخي أبو يعقوب ليس بثقة ضعيف الحديث.


توجيه القول:


قال القرطبي: ويخافون سوء الحساب " سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة .


وعند البخاري 6171- في كتاب الرقاق: " عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نوقش الحساب عذب قالت قلت أليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال ذلك العرض"


فالمناقشة ليست هي العرض: نَاقَشَهُ الْحِسَابَ أَوْ فِي الْحِسَابِ بَلَغَ الغَايَةَ فِي حِسَابِهِ، ناقش المسألة: درسها فحصها وبحثها من كل الوجوه.


فهو التقصي والتفصيل، كما قال تعالى حكاية عن الكفار: " مال لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".


والذي لا يًغفر له هو من أشرك، قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء".


أقوال أخرى في الآية:


الأول: أنها المناقشة بالأعمال رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس- والمناقشة هو الاستقصاء، وهو قول ابراهيم النخعي، وكذلك قول ابن زيد " الذي لا جواز فيه.


الثاني: أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة.


الثالث: أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب.


والله أعلى وأعلم.
بارك الله فيكِ أختي الفاضلة، ترددتُ في طلب الإعادة، فلا أريد أن أشق عليكِ، ولكن لابد من هذا، سبب الإعادة هو:
- الاعتماد في أغلب المواضع على النسخ واللصق، خاصة عند تحرير الأقوال ونسبتها للسلف؛ فلا يصح الاعتماد على تفسير ابن الجوزي والماوردي.
- توجيه الأقوال يكون بأسلوبك الخاص بعد فهمك لكلام المفسرين، ولديكِ ملكة حسنة لتحقيق ذلك، فقط اقرأي كلام المفسرين واحفظيه لديكِ في مسودة ثم أعيدي الكتابة بأسلوبك دون النسخ من كلامهم، حتى تنمو عندكِ ملكة الكتابة ومن ثمّ تميزين ما لابد من نسخه، مما ينبغي أن يكون بأسلوبك.
- تخريج الأقوال وأرجو مراجعة درس التخريج في المهارات المتقدمة، وللشيخ عبد العزيز الداخل فيديو على قناته على اليوتيوب يشرح فيه هذا الدرس صوتيا.
التقويم: هـ
وفقكِ الله وسددكِ ونفع بكِ الإسلام والمسلمين.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 24 جمادى الأولى 1441هـ/19-01-2020م, 02:22 PM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 1,869
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماهر القسي مشاهدة المشاركة
قول زر بن حبيش: ( الظنين المتّهم، وقي قراءتكم {بضنين} والضنين البخيل).
تخريج القول

روى الطبري : حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زِرّ ﴿وَما هوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: الظَّنين: المتهم. وفي قراءتكم: ﴿بِضَنِينٍ﴾ والضنين: البخيل، والغيب: القرآن.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ قال: في قراءتنا بمتهم، ومن قرأها ﴿بِضَنِينٍ﴾ يقول: ببخيل.

[نحدد مخرج الأثر وهو عاصم، والأثر رواه الفراء في معاني القرآن أيضًا من طريق عاصم عن زر، نحوه]
ومعنى البخل المنفي هو البخل بالعلم
- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: ما يضنّ عليكم بما يعلم.
- حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قال: إن هذا القرآن غيب، فأعطاه الله محمدا، فبذله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنّ به رسول الله ﷺ.
- فَأمّا مَعْنى ضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ فَهو البَخِيلُ الَّذِي لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، وإذا بَخِلَ، ومُضارِعُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ.
- فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: وما صاحِبُكم بِبَخِيلٍ أيْ: بِما يُوحى إلَيْهِ وما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفاعِ بِما يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُنْبِئُكم عَنْهُ إلّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ كاهِنًا أوْ عَرّافًا يَتَلَقّى الأخْبارَ عَنِ الجِنِّ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلى الكُهّانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُخْبِرُونَ بِالمُغَيَّباتِ

- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَنِينٍ مَجازًا مُرْسَلًا في الكِتْمانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ بُخْلٌ بِالأمْرِ المَعْلُومِ لِلْكاتِمِ، أيْ: ما هو بِكاتِمٍ الغَيْبَ، أيْ: ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وقالُوا ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .

- وحَرْفُ ( عَلى ) عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى الباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أيْ: حَقِيقٌ بِي، أوْ لِتَضْمِينِ ضَنِينٍ مَعْنى حَرِيصٍ، والحِرْصُ: شِدَّةُ البُخْلِ وما مُحَمَّدٌ بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَما أخْبَرَكم بِهِ فَهو عَيْنُ ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ البَخِيلُ عَلى هَذِهِ كِنايَةً عَنْ كاتِمٍ وهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ. والمَعْنى: وما صاحِبُكم بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، أيْ: ما أخْبَرَكم بِهِ فَهو الحَقُّ.
[بارك الله فيكم، هذا الكلام منسوخ من كلام ابن عاشور، والمطلوب أن يكون التحرير بأسلوبك الخاص،ولديك ملكة جيدة للتعبيير يحسن استغلالها وتنميتها، لا أن تعتمد على النسخ واللصق، علاوة على أنه لا يصح نسخ كلام لأحد دون نسبته إليه]
القراءة الثانية الظنين هو المتهم
التخريج

روى الطبري : حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، أنه قرأ: ﴿بظَنينٍ﴾ قال: ليس بمتهم.
وروى أيضاًحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ يقول: ليس بمتهم على ما جاء به، وليس يظنّ بما أوتي.

الترجيح
قال الطبري : أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه.

مناقشة ترجيح الطبري
- وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضّادِ السّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن حافَّةِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الأضْراسَ، وهي القِراءَةُ المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ الإمامِ.
ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالظّاءِ المُشالَةِ مِن أهْلِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَواتِرًا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولِذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ في قِراءَتِهِمْ كَوْنُها مُخالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصاحِفِ الأمْصارِ؛ لِأنَّ تَواتُرَ القِراءَةِ أقْوى مِن تَواتُرِ الخَطِّ إنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَواتُرٌ.
- وما ذُكِرَ مِن شَرْطِ مُوافَقَةِ القِراءَةِ لِما في مُصْحَفِ عُثْمانَ لِتَكُونَ قِراءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْقِراءاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ مُتَواتِرَةً كَما بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
- وقَدِ اعْتَذَرَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفاقِ مَصاحِفِ الإمامِ عَلى كِتابَتِها بِالضّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، بِأنْ قالَ: لَيْسَ هَذا بِخِلافِ الكِتابِ؛ لِأنَّ الضّادَ والظّاءَ لا يَخْتَلِفُ خَطُّهُما في المَصاحِفِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى رَأْسِ الأُخْرى، فَهَذا قَدْ يَتَشابَهُ ويَتَدانى اهـ.
يُرِيدُ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ما رُسِمَ في المُصْحَفِ الإمامِ لَيْسَ مُخالَفَةً مِن كُتّابِ المَصاحِفِ لِلْقِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، أيْ أنَّهم يُراعُونَ اخْتِلافَ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ المَصاحِفِ عَلى اعْتِبارِ اخْتِلافِ القِراءاتِ وهو الغالِبُ. وها هُنا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجاءَتِ الظّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.
- ولا أرى لِلِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ حاجَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ القِراءَتانِ مُتَواتِرَتَيْنِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اعْتَمَدَ كُتّابُ المَصاحِفِ عَلى إحْداهُما وهي الَّتِي قَرَأ بِها جُمْهُورُ الصَّحابَةِ وخاصَّةً عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأوْكَلُوا القِراءَةَ الأُخْرى إلى حِفْظِ القارِئِينَ.
وإذا تَواتَرَتْ قِراءَةُ بِضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ و(بِظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِالوَجْهَيْنِ وأنَّهُ أرادَ كِلا المَعْنَيَيْنِ.

وأمّا مَعْنى (ظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، أيْ: مَظْنُونٌ. ويُرادُ إنَّهُ مَظْنُونٌ بِهِ سُوءٌ، أيْ أنْ يَكُونُ كاذِبًا فِيما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغَيْبِ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ ظَنِينٍ بِهَذا المَعْنى في الكَلامِ حَتّى صارَ الظَّنُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: ظَنَّ بِهِ سُوءًا، فَيَتَعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ الأوَّلِ بِحَرْفِ باءِ الجَرِّ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَذَفُوا الباءَ ووَصَلُوا الفِعْلَ بِالمَجْرُورِ فَصارَ مَفْعُولًا فَقالُوا ظَنَّهُ: بِمَعْنى: اتَّهَمَهُ، يُقالُ: سُرِقَ لِي كَذا وظَنَنْتُ فَلانًا.
[التحرير والتنوير لابن عاشور]

2: قول أبي العالية الرياحي في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم).


التخريج
- [قال ابن جرير الطبري] حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية، قال، قلت:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم"؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم.
- حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكري قال، أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألت أبا العالية عن: الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوًا منه.
- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون"، قال: هم اليهود والنصارى والمجوس، أصابوا ذنوبًا في كفرهم، فأرادوا أن يتوبوا منها، ولن يتوبوا من الكفر، ألا ترى أنه يقول:"وأولئك هم الضالون"؟
- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن داود، عن أبي العالية في قوله:"لن تقبل توبتهم"، قال: تابوا من بعضٍ، ولم يتوبوا من الأصل.
- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قوله:"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا"، قال: هم اليهود والنصارى، يصيبون الذنوبَ فيقولون:"نتوب"، وهم مشركون. قال الله عز وجل: لن تُقبل التوبة في الضّلالة.
[ما مخرج الأثر؟]
الترجيح
الأول :
- قال أبو جعفر[أيهم؟ الطبري أم النحاس؟ أم غيرهما؟] : وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية، قولُ من قال:"عنى بها اليهودَ" = وأن يكون تأويله: إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله.
- وإنما قلنا:"ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب"، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد.
- وإنما قلنا:"معنى ازديادهم الكفر: ما أصابوا في كفرهم من المعاصي"، لأنه جل ثناؤه قال:"لن تقبل توبتهم"، فكان معلومًا أن معنى قوله:"لن تقبل توبتهم"، إنما هو معنيٌّ به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم. لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الشورى: ٢٥] ، فمحالٌ أنْ يقول عز وجل:"أقبل" و"لا أقبل" في شيء واحد. وإذْ كان ذلك كذلك = وكان من حُكم الله في عباده أنه قابلٌ توبةَ كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيمان أحدَ تلك الذنوب التي وعد قَبول التوبة منها بقوله:"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم" علم أنّ المعنى الذي لا يقبل التوبةَ منه، غيرُ المعنى الذي يَقبل التوبة منه. وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي لا يَقبل منه التوبة، هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله. فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح، فإنّ الله - كما وصف به نفسه - غفورٌ رحيمٌ.

الثاني :
- تَأْوِيلُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إمّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَتُوبُونَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا شَفاعَةَ لَها فَتُقْبَلُ وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
أيْ لا مَنارَ لَهُ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ ودَلِيلُهُ الحَصْرُ المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .
[التحرير والتنوير لابن عاشور]
الثالث :
وإمّا أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ نِفاقًا، فالمُرادُ بِعَدَمِ القَبُولِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ في إيمانِهِمْ، وإمّا الإخْبارُ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ رَسَخَ في قُلُوبِهِمْ فَصارَ لَهم سَجِيَّةً لا يُحَوَّلُونَ عَنْها، فَإذا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَهم كاذِبُونَ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ بِمَعْنى عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لَهم، وأسْرارُهم مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ اليَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأسْلَمَ بَعْضُهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ.
[التحرير والتنوير لابن عاشور]

أقوال أخرى في المراد من الآية
الأول
وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ المُسْلِمِينَ وماتُوا عَلى الكُفْرِ، فالمُرادُ بِالِازْدِيادِ الِاسْتِمْرارُ وعَدَمُ الإقْلاعِ. والقَوْلُ في مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ،
- فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ،
- وقالَ أبُو العالِيَةِ:مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ.
الثاني : وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ، [تفسير ابن عطية]

3: قول سعيد بن جبير في الصاحب بالجنب قال: (الرفيق في السفر).

التخريج
- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير قال: سمعت سعيد بن جبير يقول:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر.
- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والصاحب بالجنب"، الرفيق.
- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والصاحب بالجنب"، وهو الرفيق في السفر.
- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والصاحب بالجنب"، الرفيق في السفر، منزله منزلك، وطعامه طعامك، ومسيره مسيرك.

أقوال أخرى في المراد بالصاحب بالجنب
الأول :
- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر = أو القاسم = عن علي وعبد الله رضوان الله عليهما:"والصاحب بالجنب"، قالا هي المرأة.
- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن جابر، عن علي وعبد الله مثله.
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والصاحب بالجنب"، يعني: الذي معك في منزلك.
- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنه قال في هذه الآية:"والصاحب بالجنب"، قال: هي المرأة.

الترجيح

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى:"الصاحب بالجنب"، الصاحب إلى الجنب، كما يقال:"فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه"، وهو من قولهم:"جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا"، إذا كان لجنبه.ومن ذلك:"جَنَب الخيل"، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب، وقد:
قال أبو جعفر: فإذ كان"الصاحب بالجنب"، محتملا معناه ما ذكرناه: من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنزيل
فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

4: قول سعيد بن المسيّب في قول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: (إنما ذاك في الصلاة).
التخريج

- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.

شواهد لقول سعيد بن جبير
- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشيّ"، يعني: الصلوات المكتوبة.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، هلك من لم يجلس إليهم.
- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
- حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة.
- حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية، أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.

المراد بطرد الرضعفاء
الأول : تأخيرهم عن الصف الأول
- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول، فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي ﷺ، فانثال الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] . فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة.وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله ﷺ طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ.
- وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ

الثاني: إبعادهم عنه صلى الله عليه وسلم نهائياً
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وإنما طلبوا ذلك خديعة ؛ لا لأجل أن يؤمنوا فمن يريد أن يؤمن لا يقف أمامه شيء ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فَأَوْلَى النَّاسِ بِمُلَازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيرَاهُمْ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: 68] .

المراد بالذين
اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ آهـ. وَسَمَّى الْوَاحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وَهُمْ صُهَيْبٌ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالْمِقْدَادُ


5: قول إبراهيم النخعي في تفسير المراد بسوء الحساب: ( هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء )
التخريج

روى الطبري : حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان قال: حدثني فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد أتدري ما"سوء الحساب"؟ قلت: لا! قال: هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
- حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا عون، عن فرقد السبخي قال: قال لنا شهر بن حوشب: ﴿سوء الحساب﴾ أن لا يتجاوز لهم عن شيء.

معنى سوء الحساب
- وسُوءُ الحِسابِ ما يَحُفُّ بِالحِسابِ مِن إغْلاظٍ وإهانَةٍ لِلْمُحاسَبِ، وأمّا أصْلُ الحِسابِ فَهو حَسَنٌ لِأنَّهُ عَدْلٌ.
- أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَيْ: يُنَاقَشُونَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

بارك الله فيك، ونفع بك.
الغرض من هذخ التطبيقات هي التدرب على بعض المهارات للوصول إلى إتقانها وهي مهارات التخريج والتحرير العلمي وتوجيه أقوال المفسرين.
وهذا لن يتأتى بالاعتماد على نسخ كلام المفسرين دون ظهور شخصيتك في التحرير.
بالإضافة إلى أن التخريج الذي ورد في تطبيقك ليس صحيحًا.
التقويم: هـ
فأرجو مراجعة دروس دورة المهارات المتقدمة في التفسير جيدًا، ومن ثم إعادة التطبيق، زادك الله توفيقًا وسدادًا ونفع بك.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المجلس, الرابع

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:14 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir