دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > الأقسام العامة > المجالس العلمية > مجلس عبد العزيز الداخل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10 صفر 1441هـ/9-10-2019م, 10:15 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,372
افتراضي الخلاص من أسر الأمنيات

الخلاص من أسر الأمنيات


#بصائر_وبينات

قيل لأبي الدرداء رضي الله عنه: إنك من أهل بيت يقولون الشعر؛ فأنشدنا؛ فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه وقال:
يودّ المرء أن يُعطى مُناهُ ... ويأبي الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أعظم ما استفادا
رواه ابن عساكر في تاريخه من طرق عنه.

وهذا البيتان فيهما من الفقه والتبصير في الدين وفي أحكام القضاء والقدر ما ينبغي التوقف عنده وتوضيحه.

فالمرء له مراد من حياته يتبدّى له في أمانيه وما يسعى إليه، والله تعالى الذي بيده القضاء والقدر له مراد أجلّ مما يتمنّاه كلّ امرئ، ولا يكون في كون الله إلا ما أراده الله؛ فهو الذي يقدّر، وهو الذي يبتلي، وهو الذي بيده عواقب الأمور.

أما المرء فيودّ أن تكون أقدارُ الله جاريةً له على ما يتمنّى؛ يدور مع أمانيه حيث دارت، ينطلق منها ويرجع إليها، فإن أعطي ما تمنّى ظنّ ذلك إكراماً من الله له، وإن حُرم ما تمنّاه ظنّ ذلك إهانة له، وليس الأمر كما توهّم.
قال الله تعالى: {فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن . وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا }

وقوله: (يقول المرء فائدتي ومالي) أي هذا نظره للحياة؛ يحوم حول ما يستفيده في دنياه، وما يتمناه فيها.
(وتقوى الله أعظم ما استفادا) أي لو أنّه أبصر حقيقة الأمر لعلم أن أعظم ما يمكن أن يستفيده هو تحقيق تقوى الله تعالى فيما يُبتلى به في أمور يومه وليلته وفي جميع شؤونه؛ لأنّ ما يحصل له بالتقوى خير له مما يتمنّى.

وذلك أنّ مراد الله تعالى مما يقضيه على عباده هو تحقيقهم للتقوى {ولكن يناله التقوى منكم} ، ولذلك يتكرر في القرآن التنبيه على مقاصد الأوامر والنواهي بقوله تعالى: {لعلكم تتقون}
والله تعالى يعلم غايات العباد من أمانيهم، ويبتلي عبادَه ببعض ما يكرهون، لينظر ما يكون في قلوبهم، وما يصدر عنهم من عمل؛ وما يتكلمون به حين ورود الابتلاء؛ فمن كان منهم سالكاً سبيل التقوى وما يرضي الله جعل الله له من العاقبة الحسنة خيراً مما كان يتمنّى.
فالله لا يرضى لعبده المؤمن المتّبع لرضوانه إلا بما هو خير له.
فمن اشتغل بما أريد منه أوتي خيراً مما يريد، ومن شغله ما يريد من الدنيا عما يراد منه ضيّع ما أريد له - لو اتّبع رضوان الله - وشقي بما أراد.

ومشكلة الأمنيات الآسرة تكاد تعصف بكثير من النفوس وتنهك قواها، فيعيش المرء في دائرة الإحباط وآثار خيبة الأمل يعمل بلا غاية بيّنة، ويخبط بلا بصيرة، وقد يعجز عن العمل لفقدان البصيرة أو ضعفها.

وقد روى ابن حبان في روضة العقلاء عن ابن سيرين أنه قال: ( إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون )
وهذه الوصية بالرضا بما قدّره الله وعقد العزم على العمل بما يمكن تحقيقه من أنجع الأدوية لمعالجة أسر الأمنيات التي قد لا تتحقق:
وقوله: (فأرد ما يكون) يحتمل معنيين صحيحين:
أحدهما: (فأرد ما يكون) أي ما يقدّره الله، وليعلم المؤمن أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه ما دام يحسن الظنّ بربّه.
والآخر: (فأرد ما يكون) أي ما يمكن أن يكون، وهذا فيه إرشاد للعمل بالأسباب المتيسّرة لتحقيق الأهداف الممكنة؛ حتى يترقّى لأهداف أعظم مما كان يتمنى.

وينبغي أن يفرّق بين الرجاء المحمود والأماني المذمومة:
- فالرجاء المحمود هو ما كان قائماً على عزيمة صادقة يسعى لتحقيقها بما يمكن من الأسباب المشروعة.
- والأماني المذمومة هي تشهّي النفس مع القعود عن العمل، وترك بذل الأسباب الممكنة.
والأماني المجرّدة لا تنفع صاحبها، بل قد تضرّه ويُذمّ بها، وقد روي في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه وغيرها من حديث أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)) وابن أبي مريم ضعيف، والمعنى صحيح، فإن العجز هو ترك بذل الأسباب مع إمكانها.

فالذي يتمنى حصول الخير ولا يبذل أسبابه إنما هو عاجز متمنٍّ
إذا منَّتك نفسك نيل خير ... ولم تبذل له سبباً مؤتَّى
فما تبني وإن أجهدتَ فكراً ... سوى حلم يزول إذا صحوتَ

وهذه الأماني هي رؤوس أموال المفاليس، والمفلس هو الذي لا مال له، والإفلاس الذي لا حيلة للإنسان فيه ليس عيباً، وإنما المعيب أن يسترسل في الأماني الباطلة التي تجهد فكره، وتضيع وقته، وتصدّه عن العمل النافع، كما قال أحدهم فيما حكاه الجاحظ في كتاب الحيوان:
إذا تمنَّيت مالاً بتّ مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس
لولا المنى متُّ من همّ ومن حَزَنٍ ... إذا تذكَّرت ما في داخل الكيس

والمؤمن لا يُفلس على الحقيقة لأنّ معه رأس الأمر وهو الإسلام، وهو موعود بما وعد الله به المؤمنين من الحياة الطبية والعاقبة الحسنة.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
من, الخلاص


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir