دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > دورات برنامج إعداد المفسّر > السبيل إلى فهم القرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 جمادى الآخرة 1441هـ/14-02-2020م, 10:13 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي الدرس الحادي عشر: دلالات الأساليب والتراكيب

الدرس الحادي عشر: دلالات الأساليب والتراكيب

عناصر الدرس:
تمهيد
المبحث الأول: دلالات الجمل الاسمية والجمل الفعلية
المبحث الثاني: الإضافة
المبحث الثالث: الحذف والذكر
المبحث الرابع: التقديم والتأخير
المبحث الخامس: التعريف والتنكير


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 جمادى الآخرة 1441هـ/14-02-2020م, 10:15 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

تمهيد:
من الأبواب المهمّة لفهم القرآن معرفة دلائل تراكيبه وأساليبه؛ فتراكيب الجمل الاسمية والفعلية وما فيها من إضافة وقلب، وتقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وذكر وحذف، وقطع ووصل، وإضمار وإظهار، وإيجاز وإطناب، والتفات وإضراب، وحمل على اللفظ وحمل على المعنى، وغير ذلك من مباحث التراكيب والأساليب في القرآن لها دلائلها البديعة الباهرة، التي تدلّ مَن وقف عليها وتفطّن لها على عظمة هذا القرآن وإعجاز بيانه.
وهذه المباحث مع ما تقدّم من دلائل المفردات هي قطب رحى التفسير البياني، وميدان فرسانه، يصولون فيه ويجولون، ويبحثون وينقّبون، ويُعيدون ويُبدئون ليستخرجوا من كنوز القرآن وبدائع معانيه ولطائف دلائله ما لا ينقضي كثرة، ولا يخلق بالتكرار، ولا تزيده المدارسة إلا تجدداً واستنارة.

وإحكام طالب العلم معرفةَ أصول هذه المباحث، واطّلاعه على قدر كافٍ من أقوال أهل العلم فيها، وتدرّبه على بحث مسائلها، ومحاكاة أمثلتها بإشراف علمي من أعظم ما يعينه على سلوك سبيل التمكّن في هذا العلم الجليل، وهو باب واسع لاستخراج الفوائد القرآنية، والأوجه التفسيرية، ومن فُتح له في هذا الباب أمكنه أن يستخرج من الآية الواحدة جملة من الفوائد العجيبة.

وسأذكر – بعون الله تعالى - خلاصات نافعة لبعض هذه المباحث مقرونة بأمثلتها ليكتسب بها الطالب تصوّر المراد، وتُطرّقَ له السبيل إلى محاكاة تلك الأمثلة، والله المستعان، وبه التوفيق.


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 جمادى الآخرة 1441هـ/14-02-2020م, 10:46 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

المبحث الأول: دلالات الجمل الاسمية والجمل الفعلية
الأصل أن الجملة الاسمية تدلّ على الثبوت، ثم قد تدلّ على الدوام والتمكن لقرينة.
والجملة الفعلية تدلّ على حدوث الفعل؛ ثمّ تتنوّع دلالتها بتنوّع صيغة الفعل؛ كما تقدّم في درس الصيغ الصرفية.
فإذا قلت: زيد قائم ؛ أفدت السامع أنه مستمر في القيام.
وإذا قلت: قام زيد؛ أفدت حدوث فعل القيام منه.
وإذا قلت: زيد يقوم ويقعد، أفدت أمرين:
- تكرر القيام والقعود منه لدلالة الفعل المضارع على التجدد.
- واستمراره على هذا الحال لدلالة الجملة الاسمية على الثبات والدوام.
ولذلك إذا أريد البيان عن معاني الثبات والدوام والتمكّن أُتي بالجملة الاسمية، وإذا أريد بيان حدوث الفعل أتي بالجملة الفعلية، وإذا أريد الجمع بينهما أتي بجملة اسمية تتضمن جملة فعلية.
والإتيان بالجملة الاسمية يفيد التقوية، وقد يُعدل عن المتبادر إلى الذهن في الجمل لغرض بلاغي، ولكلّ ذلك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم:
- قال الله تعالى: {ولو أنّهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} عدل في الجواب عن جملة "لأثيبوا" وهي فعلية إلى جملة اسمية "لمثوبة من عند الله" لإفادة ثبوتها وتمكنها، ثم أكدّت بما يفيد الضمان التامّ بأنها من عند الله.
- وقال الله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} عُدل عن مقابلة الجملة الفعلية بمثلها إلى الجملة الاسمية لإفادة تمكنهم في عدم الإيمان.
- وقال الله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4)} فدلّت الجملة الاسمية في قوله تعالى: {فهم يعمهون} على تمكّن العمَه منهم ودوامهم عليه، ودلّ الفعل المضارع على تجدّد هذا العمَه، وتكرر حدوثه؛ فهو عمَه ثابتٌ متجدد.

وهذا المبحث من المباحث التي عني بها علماء التفسير البياني، وتتكرر أمثلته كثيراً في كتبهم، وسأذكر شيئاً من ذلك:
- قال ابن القيّم رحمه الله: (وقوله: {فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} متضمّن لمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيَّوه به؛ فإنَّ تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: "سلمنا عليك سلاماً"، وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم، والفعلية تقتضي التجدد والحدوث؛ فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن).
- وقال شرف الدين الطيبي في حاشيته على الكشاف في تفسير قول الله تعالى: {ثمّ أنزل عليكم من بعد الغمّ أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمّتهم أنفسهم} قال: (وفائدة عطف الجملة الاسمية على الفعلية: الإيذان بحدوث الأمن لأولئك، واستمرار الخوف على هؤلاء).
- وقال ابن عاشور في تفسير قول الله تعالى: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}: (وأوثرت الجملة الإسمية في قوله: {ونحن نسبح} لإفادة الدلالة على الدوام والثبات، أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم، وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه الجملة الاسمية من الدوام، أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا المخلوق).
- وقال ابن الأثير في الجامع الكبير: (من هذا النحو قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن} فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإنَّ المشددة؛ فقالوا: في خطاب المؤمنين {آمنا}ولإخوانهم {إنا معكم} لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلّوا على صدق ورغبة ووفور نشاط، وكان ذلك متقبلاً منهم ورائجاً عند إخوانهم، وما قالوه للمؤمنين فإنما قالوه تكلفاً وإظهاراً للإيمان خوفاً ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجاً ظاهراً لا باطناً، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم {إنا معكم} وهذه نكت دقيقة ولطائف خفية لا توجد في نوع من الكلام العربي إلا في القرآن الكريم، وما أكثر ذلك وأمثاله في أثنائه وأوفره! مودعاً في غضونه، فاعرفه وقس عليه).


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21 جمادى الآخرة 1441هـ/15-02-2020م, 12:31 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

المبحث الثاني: الإضافة
الإضافة في اللغة العربية على قسمين:
القسم الأول: الإضافة المعنوية
وهي التي تفيد تعريف المضاف أو تخصيصه، ولذلك تُسمَّى الإضافة الحقيقية، والإضافة المحضة، وهي على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الإضافة على معنى اللام، وهي أكثر أنواع الإضافات، وأصلها.
وهذه اللام قد تفيد الملك، كعباد الله، وقلم زيد؛ فتكون من باب إضافة المملوك إلى مالكه.
وقد تفيد الاختصاص كفناء المسجد، ويوم الخميس، وزيد صديق عمرو
وقال الشاعر:

علا زيدنا يوم النَّقا رأس زيدكم .. بأبيض مصقول الغرار يمان
فإن تقتلوا زيداً بزيد فإنما .. أقادكم السلطان بعد زمان
فالإضافة في قوله: "زيدنا" و"زيدكم" بمعنى اللام المفيدة للاختصاص لا للملك

والنوع الثاني: الإضافة على معنى "مِن" البيانية التي تفيد بيان الجنس، كقولهم خاتم ذهب، وثوب حرير، فيكون المضاف إليه اسماً للجنس الذي منه المضاف.
وضابطها أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، مع صحة تقدير "من" بين المضاف والمضاف إليه إذا قطعت الإضافة؛ فتقول: خاتم من ذهب، وثوب من حرير.
ومن أمثلة هذا النوع في القرآن الكريم: قول الله تعالى: {تلك آيات الكتاب}، وقوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير}، وقوله تعالى: {أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} وقوله تعالى: {ومن الناس من يشتر لهو الحديث}.

والنوع الثالث: الإضافة على معنى "في"، وضابطها أن يكون المضاف إليه ظرفاً للمضاف؛ فيصحّ تقدير "في" بين المضاف والمضاف إليه إذا قطعت الإضافة؛ كقولهم: سَهَرُ الليل، وعالِمُ المدينة.
ومن أمثلتها في القرآن الكريم: قول الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}، وقوله تعالى: {وهو ألدّ الخصام}، وقوله تعالى: {تربّص أربعة أشهر}، وقوله تعالى: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله} على أحد القولين في تفسيرها.
- قال ابن مالك في شرح التسهيل: (وقد أغفل النحويون التي بمعنى "في" وهي ثابتة في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح).
وذكر لها شواهد كثيرة من القرآن والحديث وأشعار العرب.
- وخالفه ابنه في شرح الألفية؛ فقال: (والذي عليه سيبويه وأكثر المحققين أن الإضافة لا تعدو أن تكون بمعنى اللام أو بمعنى "من" وموهم الإضافة بمعنى "في" محمول على أنها فيه بمعنى اللام على المجاز).
- وقال ابن هشام: (أكثر النحويين لم يثبت مجيء الإضافة بمعنى "في").

والقسم الثاني: الإضافة اللفظية، وهي الإضافة التي يكون فيها المضاف إليه معمولاً للمضاف، ويكون المضاف اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة، كقولك: قائم الليل، ومسموع الكلمة، وليّن الجانب.
وهذه الإضافة ليس فيها تقدير حرف، ولا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه، ولذلك سمّيت إضافة غير حقيقية، وإضافة غير محضة لأنها لم تتمحّض للإضافة، وإنما جيء بها لتخفيف التركيب؛ ليحذف التنوين ونونا التثنية والجمع في المضاف، فالذي استفاده المضاف من الإضافة إنما هو أمر لفظي لا معنوي، ولذلك سمّيت إضافة لفظية.
ومن دلائل عدم إفادتها التعريف:
1: أنها تأتي وصفاً للنكرة كقولك: رأيت رجلاً حسَنَ الوجه؛ فلم يفد هذا القول تعريفاً بالرجل.
2: وتأتي حالاً بعد المعرفة، والحال لا تكون إلا نكرة، قال الشاعر: جاء شقيقٌ عارضاً رمحَه؛ فيجوز أن تقول: عارضَ رمحِه على الإضافة اللفظية.
3: وتأتي بعد ربّ؛ كقول الشاعر: ألا رُبَّ راجي شَرْبة لا يذوقها
ويجوز أن يقطع الإضافة فيقول: ربَّ راجٍ شربةً؛ بتنوين "راجٍ".
ومن أمثلتها في القرآن الكريم: قول الله تعالى: {إن الله فالق الحبّ والنوى} وقوله تعالى: {إن ربي لسميع الدعاء} وقوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} ، وقوله تعالى: {بديع السموات والأرض} وقوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربّهم} وقوله تعالى: {كلّ نفس ذائقة الموت} وقوله تعالى: {إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم..} الآية

أنواع ما يضاف إلى الله عز وجل:
ما يضاف إلى الله جلّ وعلا؛ إما أن يكون صفةً أو عيناً قائمة بذاتها.
فالصفات منها صفات ذاتية كرحمة الله وقدرته ومشيئته.
ومنها صفات فعليّة كرضوان الله ومحبته وغضبه.
والأعيان القائمة بذاتها تكون إضافتها على نوعين:
النوع الأول: إضافة عامّة بمقتضى الملك والتدبير، كمخلوقات الله، وعباد الله إذا أريد بهم جميع العباد برّهم وفاجرهم.
والنوع الثاني: إضافة خاصة تدل على التشريف والتكريم؛ كما في قول الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} ، وقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده}
وقول الله تعالى: {فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها} اختصت هذه الناقة بهذه الإضافة الشريفة في القرآن الكريم؛ فكان لها مزية وشرف على غيرها من النوق، مع أن هذه الناقة مخلوقة، وسائر النوق مخلوقة كذلك ، لكن لأن الله أضافها إلى نفسه شَرُفَت بهذه الإضافة.

إضافة الصفة إلى الموصوف وإضافة الموصوف إلى صفته
- أما إضافة الصفة إلى الموصوف فمثل قول الله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} وقوله تعالى: {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} وقوله تعالى: {واعلموا أنّ الله شديد العقاب}.
- وأما إضافة الموصوف إلى صفته؛ فمثل قول الله تعالى: {إن هذا لهو حقّ اليقين} وقوله تعالى: {وحبّ الحصيد} وقوله تعالى: {ولدار الآخرة خير} وقوله تعالى: {وأيدنا بروح القدس} وقوله تعالى: {استكباراً في الأرض ومكر السيءّ}.

الإضافة لأدنى ملابسة
العرب تتوسّع في الإضافة فتضيف لأدنى ملابسة؛ ويُمثل النحاة لهذا النوع من الإضافة بقول الشاعر:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسُحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
الخرقاء هي الحمقاء من النساء التي لا تحسن تدبير أمورها كما ينبغي، وكوكبها هو سهيل، وهو نجم يدلّ طلوعه في السَّحَر على قرب الشتاء؛ فيذمّ الشاعر المرأة الخرقاء بأنها إذا طلع هذا الكوكب وزّعت ما تحتاج إلى غزله على قراباتها من النساء ليساعدنها عليه، ولو أنّها استعدّت للشتاء قبل ذلك بمدّة كما تفعل النساء الكيّسات ذوات التدبير الحسن في زمانهم لما احتاجت لهذه الاستغاثة المتعجلة في الوقت الضيق.
والشاهد قوله: كوكب الخرقاء؛ فأضاف الكوكب إليها توسّعاً في العبارة.


ومما ذُكر من هذا النوع من الإضافات في القرآن الكريم:
قول الله تعالى: {أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} فأضيف الليل إلى الصيام والمعنى الليل الذي يكون في نهاره صيام.
وقال تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلى عشية أو ضحاها} أي ضحى يوم تلك العشية.

أنواع مسائل الإضافة في التفسير البياني

مسائل الإضافة في التفسير البياني على أنواع:
النوع الأول: الاجتهاد في تعيين نوع الإضافة، وقد يصحّ في الإضافة الواحدة أكثر من نوع، كما في قول الله تعالى: {مالك يوم الدين}
اختلف في معنى الإضافة فيه على قولين:
القول الأول: هي بمعنى (في) أي هو المالك في يوم الدين؛ والملك في يوم الدين، ففي يوم الدين لا يملك أحد دونه شيئاً.
والقول الثاني: هي بمعنى اللام، أي هو المالك ليوم الدين.
قال ابن السراج: (إن معنى مالك يوم الدين: أنه يملك مجيئه ووقوعه). ذكره أبو حيان.
وكلا الإضافتين تقتضيان الحصر، وكلاهما حقّ، والكمال الجمع بينهما.

والنوع الثاني: الاجتهاد في توجيه معنى الإضافة، كما في قول الله تعالى: {يا صاحبي السجن} في معنى الإضافة وجهان:
أحدهما: أن تكون من باب الإضافة إلى الظرف، والمعنى: يا صاحبيَّ في السجن.
والآخر: أن تكون من باب الإضافة إلى شبه المفعول، والمعنى: يا ساكني السجن، كما في "أصحاب الجنة" وأصحاب النار"

والنوع الثالث: الاجتهاد في التماس الحكمة من قطع الإضافة، كما في قول الله تعالى: {قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم} لم يقل "بأخيكم" بالإضافة؛ لأن التنكير يفيد إيهامهم بعدم معرفته به.
- قال ابن عاشور:(ولم يقل: "بأخيكم" ليوهمهم أنه لم يُرِد أخا معهودا عنده).
- وقال أبو حيان الأندلسي: (ولم يقل "بأخيكم" وإن كان قد عرفه وعرفهم مبالغة في كونه لا يريد أن يتعرَّف لهم، ولا أنه يدري من هو، ألا ترى فرقا بين مررت بغلامك، ومررت بغلام لك؟
إنك في التعريف تكون عارفاً بالغلام، وفي التنكير أنت جاهل به؛ فالتعريف يفيد فرع عهد في الغلام بينك وبين المخاطَب، والتنكير لا عهد فيه البتة).

قلت: وفيه وجه آخر وهو أنّ إخوة يوسف الذين جاؤوه لم يكن لهم إلا أخ واحد من أبيهم؛ فلو قال: ائتوني بأخيكم من أبيكم؛ لكان كالنص على أنّه يعرف أنهم ليس لهم إلا أخ واحد من أبيهم؛ فكان قطع الإضافة أقرب لإيهام عدم المعرفة.

قال الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة: (ويجوز تحويل الإضافة اللفظية إلى إضافة معنوية إلا في الصفة المشبهة؛ فإنَّ إضافتها لفظية على كل حال).

أمثلة من أقوال المفسرين

قال الله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض}
- قال محمود شكري الألوسي: (والخلق إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في، أي يتفكرون فيما خلق في السموات والأرض...
أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السموات والأرض.
وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم، ويستدلون بذلك على الصانع ووحدته الذاتية، وأنه الملك القاهر، والعالم القادر، والحكيم المتقن، إلى غير ذلك من صفات الكمال، ويجرّهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل، وحقيَّة الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء).

قال الله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري}.
- قال ابن القيّم: (قال سبحانه وتعالى: {وأقم الصلاة لذكري}.
قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها، وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها.
واللام على هذا لام التعليل.
وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}وقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر، لأن هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف، والذكر مصدر إلا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري.
وهذا محتمل.
والأظهر أنها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري.
ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره، فإنه لما ذكره ألهمه ذكره، فالمعاني الثلاثة حق).


قال الله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم}
- قال ابن عاشور: (ولهو الحديث ما كان من الحديث مرادا للهو؛ فإضافة لهو إلى الحديث على معنى "من" التبعيضية على رأي بعض النحاة، وبعضهم لا يثبت الإضافة على معنى من التبعيضية فيردها إلى معنى اللام).
- قلت: (الأرجح أنها على معنى "من" البيانية أي اللهو من الحديث).

قال الله تعالى: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}
- قال محمد الأمين الشنقيطي: (والإضافة في قوله: {سُوءَ الْعَذَابِ} من إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: يذيقونكم العذاب الموصوف بسوء من يقع عليه؛ أي: العذاب السيئ الشديد).

قال الله تعالى: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً}
- قال ابن يعيش: (وأمّا قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فإنّه أضاف المصدر إليهما، ويحتمِل ذلك أمرَيْن:
أحدُهما: أن يكون على إضافة المصدر إلى المفعول على حدّ قوله تعالى: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} والمعنى: بسُؤاله نعجتك، فيكون التقدير: بل مكركم الليلَ والنهار، جعلهما مفعولَيْن على السعة، ثمّ أضاف إليهما.
والأمر الثاني: أن يكون جَعَلَ المكرَ لهما، لأنّه يكون فيهما كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ"؛ جُعل ذلك لهما لحدوثه فيهما؛ فيكون حينئذٍ من قبيلِ إضافةِ المصدر إلى الفاعل، نحو قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}).


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 6 رجب 1441هـ/29-02-2020م, 09:23 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

المبحث الثالث: الحذف والذكر
من المباحث المهمة في التفسير البياني مبحث الحذف والذكر، وقد عني به علماء البيان عناية بالغة.
- قال عبد القاهر الجرجاني: (هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكرِ أفصحَ من الذكر، والصمتَ عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِنْ)ا.هـ.
والأصل في البلاغة حذف ما يدلّ الكلام على ذكره إلا لمرجّح، وللحذف والذكر أنواع وأغراض يستدلّ بها اللبيب على معانٍ لطيفة، وأوجه بليغة، تكشف له عن فوائد الإتيان بالذكر والحذف في مواضعهما اللائقة بهما، والتي لا يحسن فيها غير ذلك.

أنواع الحذف وأغراضه
وما يُحذف من الكلام على أنواع:
النوع الأول: حذف المتعلّق
والمتعلّق هو ما تعلّق به الكلام، ولو كانت الجملة تامة فيما يظهر؛ ولذلك فإنّ المتعلق البياني عند البلاغيين أعم من المتعلق الإعرابي عند النحاة.
فإذا قلت: أكل زيد؛ كانت الجملة تامة إعرابياً، لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال عن المأكول ما هو؟ وهذا هو المراد بمتعلّق الأكل هنا.
وفي قول الله تعالى: {اقرأ باسم ربّك الذي خلق} يتبادر إلى الذهن سؤال عن متعلّق القراءة، ومتعلّق الخلق، أي ماذا يقرأ؟ وخلق ماذا؟
ولعلماء التفسير والبيان عناية بالمتعلقات لأنها معينة على فهم المعنى، وإدراك لطائف الحذف وأغراضه.

ولحذف المتعلّق أغراض منها:
1: الدلالة على العموم؛ كما في قوله تعالى: {الذي خلق} ليعم جميع المخلوقات، وحذف متعلق الاستعانة في قوله تعالى: {وإياك نستعين} ليعمّ جميع الأمور التي يحتاج العبد فيها إلى عون.
2: وصرف الاشتغال عن المتعلَّق إلى ما سيق الكلام لأجله كما في قول الله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} حذف متعلق العلم لأن المقصود نفي العلم النافع عنهم، لا نفي علمهم بشيء مخصوص.
وقوله تعالى: {حتى يُعطوا الجزية عن يد} حذف المفعول الأول لعدم تعلّق المراد به.
وقوله تعالى: {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنّهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم} حذف المفعول الأول ليسألون لعدم تعلّق المراد به.
وفي قول الله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمّة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان} حذف متعلق السقي والذود لأن الغرض لا يتعلق بهما، ولئلا ينصرف الذهن إليهما.
3: والجهل به كما في قول أصحاب الكهف: {ينشر لكم ربكم من رحمته} ، حذف متعلّق النشر، واكتفى بذكر نوعه وأنه من رحمة الله لجهلهم به مع إحسان ظنّهم بالله.
4: والتعظيم والتفخيم، كما في حذف متعلّق الجزاء في قول الله تعالى: {وسنجزي الشاكرين}.
5: والتشويق، كما في حذف متعلق القراءة في قوله تعالى: {اقرأ} ، وحذف متعلق الشغل في قوله تعالى: {في شغل فاكهون}.
6: والتنزيه، كحذف متعلقّ يطمع في قوله تعالى: {فيطمع الذي في قلبه مرض}
7: والمدح، كما في حذف متعلق السبق في قوله تعالى: {والسابقون السابقون}.
8: والتحقير والتهوين، كحذف متعلّق الصنع في قوله تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر}.
9: وكثرة الاستعمال، كما في حذف متعلق الإيمان والكفر في قوله تعالى: {الذين آمنوا} وقوله: {الذين كفروا} في مواضع كثيرة.
10: والإيجاز لظهور المراد ؛ كما في قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)} حذف متعلق الصدق لدلالة ما قبله عليه، وحذف متعلق الامتراء في قوله تعالى: {فلا تكونن من الممترين}

فهذه أشهر فوائد حذف المتعلق، وله فوائد أخرى، وتأمّل هذه المتعلقات وفوائد حذفها يفتح لطالب العلم باباً من أبواب فهم القرآن.

النوع الثاني: حذف جزء من تركيب الجملة
كحذف المبتدأ، أو الخبر، أو عامل النصب، أو المفعول، أو المضاف، أو المضاف إليه، أو جواب الشرط، أو جواب القسم.
1: فحذف المبتدأ، كما في قول الله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} صمّ خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: هم صمّ.
وقوله تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه} أي فعمله لنفسه.
وقوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم.
وقوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي: فالإساءة لها على أحد القولين في الإعراب.
ويكثر حذف المبتدأ بعد القول كما في قول الله تعالى: {قال فرعون وما ربّ العالمين . قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين}. أي هو ربّ السموات والأرض.
وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} أي هي أساطير الأولين.
وقوله تعالى: {قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} أي: نحن خصمان.
2: وحذف الخبر، كما في قول الله تعالى: {أفمن زيّن له عمله فرآه حسناً} أي: كمن ليس كذلك.
وقوله تعالى: {أفمن هو قائم على كلّ نفس بما كسبت}
وقوله تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}.
3: وحذف العامل كما في قول الله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً } أي: أرسلنا، وقوله تعالى: {وامرأته حمالةَ الحطب} لفظ "حمالةَ" منصوب على التخصيص الذي يُراد به الذمّ بفعل محذوف تقديره أعني.

4: وحذف المفعول، وهو كثير شائع.

قال عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز: (ومثال ذلك قول الناس: "فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع"، وكقولهم: "هي يعطي ويجزل، ويقري ويضيف"، المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرض لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: "صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه حل وعقد، وأمر ونهي، وضر ونفع"، وعلى هذا القياس. وعلى ذلك قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}
المعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ من غير أن يقصد النص على معلوم. وكذلك قوله تعالى: {هو الذي يحيي ويميت}
وقوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا}
وقوله: {وأنه هو أغنى وأقنى}
المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة والغَناء والإقناء.
وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن تخبر بأن من شأنه أن يكون منه، أو لا يكون إلا منه، أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدى هناك، لأن تعديته تنقُض الغرَضَ وتغيّر المعنى.
ألا ترى أنك إذا قلت: "هو يعطي الدنانير"، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء، لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه، بل مع من أثبت له إعطاء، لكن لم يثبت إعطاء الدنانير؛ فاعرف ذلك، فإنه أصل كبير عظيم النفع)ا.هـ.
وله أغراض أخرى تقدّم ذكر بعضها.

5: وحذف المضاف، كما في قول الله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود . النار ذات الوقود} ، وقد أخطأ من أعرب النار بدل اشتمال من الأخدود.
- قال أبو القاسم السهيلي: (والعجب كل العجب من إمام صنعة النحو في زمانه، وفارس هذا الشأن ومالك عنانه، يقول في كتاب " الإيضاح " في قوله سبحانه: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)} إنها بدل من {الأخدود} بدل الاشتمال، والنار جوهر وليست بعرَض، ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود، وليس فيها شرط من شروط بدل الاشتمال.
وذهل أبو علي عن هذا، وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال: "قتل أصحاب الأخدود، أخدود النار ذات الوقود" ؛ فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة)ا.ه.

ومِن النحاة والمعربين مَن توسّع في دعوى حذف المضاف، كما قيل في قول الله تعالى: {ولكن البر من آمن} قال بعض المفسّرين، التقدير: ولكن البرَّ برّ من آمن، لأن البرّ مصدر معنوي، ومَن اسم موصول للعاقل؛ والأصل أن يخبر عن المصدر بمصدر مثله.
وهذا التوجيه قد يكون مقبولاً من جهة التفسير الذي يراد به تقريب المعنى، وأما من جهة صنعة البيان فهو خروج عن قصد البلاغة، وتفويت لغرض الحذف الذي جيء بهذا التركيب قصداً إليه، وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الحذف، والأظهر أن الإخبار عن المصدر بالاسم الموصول على جهة المبالغة في الثناء، كما يقال للمرأة العفيفة هي الطهر والعفاف، مبالغة في الثناء على طُهرها وعفافها.
وقالت الخنساء في وصف حزنها على أخيها صخر، وتشبيه نفسها ببقرة وحش فَقَدَت وَلدَها:

فما عَجولٌ على بوٍّ تطيف به ... لها حنينان: إعلانٌ وإسرارُ
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبالٌ وإدبارُ
يوماً بأوجد منّي حين فارقني ... صخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرارُ
فأخبرت عن بقرة الوحش أنها إذا ذكرت ولدها وأخذها الحزن بقولها فإنما هي إقبال وإدبار، والإقبال والإدبار مصدران، وإنما أرادت أنها من شدة حزنها تأخذ في الإقبال والإدبار لا يقرّ لها قرار حتى يكون هذا الحال منها كأنه سمة بارزة من سماتها، واسم تستحقّ أن تُسمّى به.
ومن هذا الباب تسمية بعض الأعلام بالمصادر كما يقال: سعد، وبشر، وسَهْل، وحَزن، وهذه أوصاف سموا بها لملاحظة معانيها.
فقول الله تعالى: {ولكن البرّ من آمن بالله ... } الآية ؛ يدلّ المتفكّر فيه على أنّ القائمين بأعمال البرّ المذكورة فيها قد صاروا كأنهم عنوان البرّ وآيته الدالّة عليه؛ فكأنهم هم البرّ.
وكثيراً مما يُدّعي فيه حذف المضاف يقع في تقديره تقصير عن المعنى البياني الرفيع للقرآن، وإن كان فيه تقريب شيء من المعنى للذهن.
6: وحذف المضاف إليه، كما في قول الله تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} ، وقوله تعالى: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} ، وقوله تعالى: {أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}. أي: أي اسم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (حذف المضاف إليه يقارنه قرائن فلا بد أن يكون مع الكلام قرينة تبين ذلك).
7: وحذف جواب الشرط، كما في قول الله تعالى: {ولو أنّ قرآنا سيرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى بل لله الأمر جميعاً} أي لكان هذا القرآن.
وقوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأنّ الله تواب حكيم}.
وحذف جواب الشرط في مثل هذه المواضع أوقع في النفس، وأعظم أثراً لتذهب النفس في جوابه كلّ مذهب ممكن.
8: وحذف جواب القسم، كما في قول الله تعالى: { والنازعات غرقاً } الآيات، فيكون من صفات المقسم به ما يُعرف به غرض القسَم ويستغنى به عن التصريح بجوابه.
- قال ابن القيم رحمه الله: (وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيراً كقوله تعالى:{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} وقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} {ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت} {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ}.
ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام؛ لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولاً عظيماً؛ فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دلَّ عليه الشرط، وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم: لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا، ومنه قوله تعالى {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} فالمعنى في أظهر الوجهين لو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} كما قال تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه)ا.هـ.

النوع الثالث: الاحتباك
وهو حذف جزء من الجملة يدلّ عليه الجزء المذكور في الجملة المقابلة، مع العكس، وقد شرحته في كتاب "طرق التفسير" وقلت فيه: (هو افتعال من الحبك، وهو شدّة الإحكام في حسن وبهاء، وكلّ ما أُجيد عمله فهو: محبوك، وتقول العرب: فرس محبوكة إذا كانت تامّة الخلق شديدة الأسر، ومنه يقال: لشدّ الإزار وإحكامه: الاحتباك.

والمراد بالاحتباك عند أهل البديع أن يقابَل بين جملتين مقابلة غير متطابقة؛ فيحذف من الجملة الأولى ما يقابل الثانية، ويحذف من الثانية ما يقابل الأولى، فتدلّ بما ذكرت على ما حذفت، ويحتبك اللفظ والمعنى بإيجاز بديع.
ولذلك سمّاه بدر الدين الزركشي (ت:795 هـ) "الحذف المقابَلي"، وهو من أجود أنواع البديع المعنوي، وله أمثلة كثيرة في القرآن:
منها: قول الله تعالى: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فدلّ على الاحتباكِ في هذهِ الآيةِ المقابلةُ بين جزاء وحال، والمتبادر إلى الذهن أن يُقابَل بين جزاء وجزاء، وأن يقابل بين حال وحال؛ فالخروج عن المتبادر لا يكون إلا لفائدة بلاغية؛ فكان تقدير الكلام على هذا المعنى: أفمن يأتي خائفاً يوم القيامة ويلقى في النار خير أمّ من يأتي آمناً ويدخل الجنّة.
والناظر في أمثلة الاحتباك التي يذكرها بعض المفسّرين وأهل البديع يتبيّن له إمكان تقسيم الاحتباك إلى درجتين:
- احتباك ثنائي التركيب، ومثاله ما تقدّم.

- واحتباك ثلاثي التركيب، وهو بديع جداً، ومن أمثلته قول الله تعالى في سورة الفاتحة: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
ففي هذه الآية نوع عزيز من أنواع الاحتباك أشار إليه ابن عاشور رحمه الله.
وشَرْحُ كلامِه: أنّ التقابلَ في هذه الآية ثلاثي التركيب ففيه:
1. مقابلة بين الإنعام والحرمان.
2. ومقابلة بين الرضا والغضب.
3. ومقابلة بين الهدى والضلال.
وتقدير الكلام بما يتّضح به هذا المعنى: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم} فهديتَهم ورضيت عنهم {غير المغضوب عليهم} الذين حُرموا نعمتك وضلّوا، {ولا الضالّين} الذين حُرموا نعمتك وغضبت عليهم.
وقد اعتنى بهذا النوع جماعة من العلماء كبدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن، وبرهان الدين البقاعي في "نظم الدرر"، وجلال الدين السيوطي في "التحبير" و"الإتقان" و"معترك الأقران"، والألوسي في "روح المعاني"، وابن عاشور في "التحرير والتنوير"؛ وأفرده البقاعي بمؤلّف سمّاه "الإدارك لفنّ الاحتباك"، وأُفردت فيه رسائل علمية في هذا العصر.هـ.
ومن أمثلته أيضاً: قول الله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة}
والتقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.

النوع الرابع: حذف الإيجاز

وهو حذف بعض المفردات أو الجمل لدلالة ما ذكر عليها من غير أن يقع خلل في بيان المعنى، بل يزيده الحذف حسناً وبهاءً، وقوّة سبكٍ، ولذلك أمثلة كثيرة في القرآن الكريم منها:
1: قول الله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا} أي: يقولان: ربنا تقبل منا.
2: وقوله تعالى: { وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا}
3: وقوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ، أي: فيقال لهم.
4: وقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} أي فضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.
5: وقوله تعالى: { فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)} أي: فذهبا إليهم؛ فبلغاهم رسالة الله؛ فكذبوهما فدمرهم الله تدميراً.

تنبيه:
وقد ذكر بعض العلماء أنواعاً أخرى من الحذف سموها: الاكتفاء والاقتطاع والاختزال، ولم أذكرها لأن كثيراً من الأمثلة التي ذكرت فيها لا تُسلّم، وتوجيه ما ادّعي فيه الحذف يحتاج إلى بسط وتطويل أخشى أن يخرجنا عن المقصود.

ومما ينبغي أن يُنبَّه عليه أيضاً أن بعض المفسرين والبلاغيين توسّعوا في دعوى الحذف حتى ذكروا أمثلة كثيرة توّهموها من الحذف وليست منه، ومن ذلك:
1: قول ابن قتيبة في قول الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه} قال: (أي: يخوّفكم بأوليائه كما قال سبحانه: {لينذر بأساً شديداً من لدنه} أي: لينذركم ببأس شديد} ).

وما ذكره إنما هو تفسير ببعض لازم المعنى، وليس هو المعنى نفسه، بل فيه قصر للمعنى البياني للآية، ومعنى الآية أوسع مما ذكر، وتقرير ذلك:أن فعل التخويف قد يُعدّى بمفعول واحد وقد يعدّى بمفعولين:
- فتعديته بمفعول واحد كقولك: خوّفتُ زيداً فخاف.
- وتعديته بمفعولين كقولك: خوّفتُ زيداً الأعداءَ فخافهم.
فالمفعول الثاني بيان للمخوف منه.

والآية فيها حذف للمفعول الأوّل، ويصحّ أن يقدّر في الإعراب: يخوّف الناسَ أولياءَه.

وهذا التخويف إنما يكون بتعظيم شأن أوليائه وتهويل شدّة بطشهم حتى يخافوهم.
ومن التصريح بذكر المفعولين للتخويف قول عروة بن الورد:
أرى أمَّ حسان الغداة تلومنيتخوفني الأعداءَ والنفس أخوف
وقول عنترة:
بكَرتْ تخوفني الحتوفَ كأنني أَصْبحْتُ عن غَرَض الحتوفِ بِمَعْزِل
ويصحّ أن يُسبق المفعول الثاني بـ "من" فيقال: خوّفه من الأعداء؛ فيكون الجار والمجرور في محلّ نصب مفعول ثانٍ.
ويصحّ أن يحذف المفعول الأول فيقال: أتى زيدٌ يخوّف الأعداءَ ؛ أي يُعظّم شأنهم وخطرَهم حتى يخافهم الناس.
وهذا هو معنى قول الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه} أي يعظّم شأنهم وخطرهم حتى تخافوهم {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}، فحذف المفعول الأوّل، ولحذف المفعول لطائف بيانية:
منها: أنّ ذلك لإرادة العموم فيدخل فيه تقدير: "يخوّفكم أولياءه" كما قدّره بعض المفسرين، ويدخل فيه غير المؤمنين من المنافقين واليهود ومشركي العرب؛ فالشيطان مجتهد في تخويف شأن أوليائه ليخافهم المؤمنون ويخافهم المستضعفون من المشركين فيطيعوهم؛ ويخافهم غيرهم فيتبعوا خطواته؛ فكان في حذف المفعول زيادة في المعنى.
ومنها: أن المقام مقام بيان غرض الشيطان في التخويف من أوليائه وتعظيم شأنهم بغضّ النظر عمّن يصيبه هذا التخويف.
ومنها: أنّ حذف المفعول الذي يشار فيه إلى المؤمنين فيه تحقير لكيد الشيطان، وأنّ مقصوده الأعظم تخويف المؤمنين، ومن كان مؤمناً قويّ الإيمان فلن يخافَ كيده، ولذلك قال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} فمقتضى الإيمان الصحيح أن ينتفي خوف المؤمن من الشيطان.
والمقصود أن معنى الآية على ما تقرر هو أن الشيطان يخوّف المؤمنين وغيرهم شأنَ أوليائه، وهذا التخويف إنما يكون بتعظيم خطرهم في أعين المؤمنين وتهويل كيدهم كما قال أبو مالك الغفاري رحمه الله: (يعظّم أولياءه في أعينكم) رواه ابن أبي حاتم.

ومن قال من المفسرين: المعنى (يخوّفكم بأوليائه) فهو تفسير بلازم المعنى؛ لأن المعنى يفضي إلى هذا اللازم؛ فالشيطان إنما يخوّف بأوليائه؛ فأوقع أولياءه موقع الأداة التي يخوّف بها، وهذا التفسير رواه ابن جرير عن سالم الأفطس، وهو من أصحاب سعيد بن جبير رحمهما الله.

فهذه الآية فيها حذف لكنه على غير ما ذكره ابن قتيبة رحمه الله، وإنما المحذوف فيها المفعول الأول ليخوّف.

2: وقول ابن قتيبة في قول الله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} قال: (أي: يعلم أنّ العزة لمن هي).
3: وقول أبي الفتح ابن جني في قول الله تعالى: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} أي: جزاء ما أترفوا فيه.
4: وقول العز بن عبد السلام في كتابه الإمام في قول الله تعالى: {حرّمت عليكم أمهاتكم} معناه نكاح أمهاتكم.
وقد توسع جداً في كتابه الإشارة إلى الإيجاز في أنواع المجاز في ذكر أمثلة من هذا النوع
في القرآن ورتّبها على السور والآيات، وعد ذلك كلّه من المجاز.
وقال أبو الفتح ابن جني: (وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيفًا على ألف موضع؛ وذلك أنه على حذف المضاف لا غير).
قال ابن القيّم رحمه الله: (الحذف الذي يزعمه هؤلاء ليس بحذف في الحقيقة فإن قوة الكلام تعطيه، ولو صرح المتكلم بذكره كان عيّا وتطويلا مخلا بالفصاحة كقوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى}
قالوا: هذا مجاز تقديره: ما أفاء الله من أموال القرى، وهذا غلط وليس بمجاز، ولا يحتاج إلى هذا التقدير، والمعنى مفهوم بدون هذا التقدير، فالقائل اتصل إلي من فلان ألف، يصح كلامه لفظا ومعنى بدون تقدير، فإن (من) للابتداء في الغاية، فابتداء الحصول من المجرور بمن، وكذلك في الآية.
يوضحه أن التقدير إنما يتعين حيث لا يصح الكلام بدونه، فأما إذا استقام الكلام بدون التقدير من غير استكراه ولا إخلال بالفصاحة كان التقدير غير مفيد ولا يحتاج إليه، وهو على خلاف الأصل.

فالحذف المتعيّن تقديرُه كقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} وقوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} ونحو ذلك.
وأما نحو قوله: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} فليس هناك تقدير أصلاً، إذ الكلام مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقدير، فإنَّ الذي يُدَّعى تقديره قد دلَّ اللفظ عليه باللزوم فكأنَّه مذكور؛ لأن اللفظ يدل بلازمه كما يدل بحروفه، ولا يقال لما دل عليه دلالة التزام إنه محذوف، فتأمله فإنه منشأ غلط هؤلاء في كثير مما يدعون فيه الحذف)ا.هـ.

ومن أشهر الأمثلة التي ادّعي فيها حذف المضاف قول الله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها}
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: {واسأل القرية}.
قالوا: المراد به أهلها فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب؛ وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحال كلاهما داخل في الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحالّ، وهو السكان وتارة على المحلّ وهو المكان.
وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر وهو المحلّ، وجرى النهر وهو الماء، ووضعت الميزاب وهو المحلّ، وجرى الميزاب وهو الماء.
وكذلك القرية قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة}، وقوله: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} ، وقال في آية أخرى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون} ؛ فجعل القرى هم السكان.
وقال: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم}، وهم السكان، وكذلك قوله تعالى {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا}.
وقال تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها}؛ فهذا المكان لا السكان لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونا؛ فلا يسمَّى قرية إلا إذا كان قد عمر للسكنى مأخوذ من القرى وهو الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه.
ونظير ذلك لفظ " الإنسان " يتناول الجسد والروح، ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما؛ فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت، وإذا خربت كان عذابا لأهلها؛ فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر؛ كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما.

فقوله: {واسأل القرية} مثل قوله: {قرية كانت آمنة مطمئنة}؛ فاللفظ هنا يراد به السكان من غير إضمار ولا حذف)ا.هـ.
- وقال ابن القيّم رحمه الله: (أكثر المواضع التي ادعي فيها الحذف في القرآن لا يلزم فيها الحذف ولا دليل على صحة دعواه كقوله: {وكم من قرية أهلكناها} ، {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} إلى أمثال ذلك، فادعى أهل المجاز أن ذلك كله من مجاز الحذف، وأن التقدير في ذلك كله أهل القرية، وهذا غير لازم، فإن القرية اسم للقوم المجتمعين في مكان واحد، فإذا نسب إلى القرية فعل أو حكم عليها بحكم أو أخبر عنها بخبر كان في الكلام ما يدل على إرادة المتكلم من نسبة ذلك إلى الساكن أو المسكن، أو هو حقيقة في هذا وهذا، وليس ذلك من باب الاشتراك اللفظي، بل القرية موضوعة للجماعة الساكنين بمكان واحد، فإذا أطلقت تناولت الساكن والمسكن، وإذا قيدت بتركيب خاص واستعمال خاص كانت فيما قيدت به، فقوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} حقيقة في الساكن، وكذلك لفظة القرية في عامة القرآن إنما يراد بها الساكن فتأمله، وقد يراد بها المسكن خاصة، فيكون في السياق ما يعينه كقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} أي ساقطة على سقوفها، وهذا التركيب يعطي المراد، فدعوى أن هذا حقيقة القرية، وأن قوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله}ونحوه مجاز، تحكم بارد لا معنى له)ا.هـ.


أغراض الذكر
وفي مقابل الحذف يقع أحيانا تصريح بذكر ما لو حذف لعُرف؛ فيكون الذكر أوقع في السمع وأبين للمراد وأحسن تأثيراً على المخاطب.
وللذكر في المواضع التي يمكن فيها الحذف أغراض منها:
1: دفع اللبس بالتصريح بالذكر، كما في قول الله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)}
ولو قيل فما متاعها؛ لوقع اللبس بعود الضمير إلى أقرب مذكور، مع ما في التصريح بالذكر من زيادة تصوير الموازنة بين متاع الحياة الدنيا والآخرة.
2: زيادة التقرير والإيضاح كما في قول الله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فأعاد ذكر اسم الإشارة {أولئك} مع ما تشعر به هذه الزيادة من المدح والثناء.
3: زيادة المعنى بإعادة الذكر مع إضافة وصف أو حكم؛ كما في قول الله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} فكان في ذكرهم بوصف الظلم بدل الضمير زيادة معنى، مع ما يدلّ عليه الالتفات من الإعراض عنهم.
وكذلك قول الله تعالى: {وبالحقّ أنزلناه وبالحقّ نزل}.
4: التأثير على المخاطب تخويفاً أو تسكيناً أو تشويقاً أو تشنيعاً أو تهويلاً.
- فمثال التخويف: قول الله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بياتا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}
- ومثال التسكين وزيادة الاطمئنان قول الله تعالى: {لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين . ليكفّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} ففي ذكر اسم الله صريحاً غير مضمر ما يبعث في نفوسهم الطمأنينة والسكينة، ولو قال: ليكفّر عنهم ؛ لكان المعنى مفهوماً، لكن الاسم الظاهر أوقع في النفس من الضمير.
ومثاله أيضاً قوله تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18)}
- ومثال التشويق: قول الله تعالى: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}، فكرر ذكر الأنهار في مواضع لو أضمرت لفهم المعنى، لكن النصّ على ذكر الأنهار يفيد من التشويق ما لا يفيده العطف المجرد عن الذكر.
- ومثال التشنيع: قول الله تعالى: { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)}.
وقد يجتمع التشنيع والتخويف كما في قول الله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) }
- ومثال التهويل: قول الله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها . وأخرجت الأرض أثقالها }
5: التعظيم، كما في قول الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)}
فكرر ذكر {هو الله} ثلاث مرات تعظيماً لشأنه جلّ وعلا.
وقال الله تعالى: {فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين} ولا يخفى ما في تكرار الذكر من معنى التعظيم.
وكذلك في قول الله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد . وأنت حلّ بهذا البلد} فيه تعظيم للبلد الحرام.
6: التوسّل بتكرار ذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته كما في قول الله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}
7: التلطّف بتكرار ذكر المخاطَب، كما في قول الله تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)}
فكرر الخليل عليه السلام ذكر {يا أبت} تلطّفاً لأبيه.

أمثلة من أقوال العلماء
المثال الأول: معنى الحذف في قول الله تعالى: {ولذكر الله أكبر}

- قال ابن القيّم رحمه الله: (وقال سبحانه وتعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} فقيل: المعنى أنكم في الصلاة تذكرون الله وهو من ذكره، ولذكره الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه، وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم، وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل ابن مرزوق عن عطية {ولذكر الله أكبر} قال: وهو قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه.
وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شيء.
وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ أما تقرأ القرآن {ولذكر الله أكبر} ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق» الحديث.
وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول: الصحيح أن معنى الآية أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر: فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر.
وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر.
وفي السنن عن عائشة عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

المثال الثاني: الحذف في قول الله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل}
- قال عبد القاهر الجرجاني: (وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل}
فيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى: "وجد عليه أمة من الناس يسقون" أغنامهم أو مواشيهم و "امرأتين تذودان" غنمهما و "قالتا لا نسقي" غنمنا "فسقى لهما" غنمهما.
ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سَقْي، فأما ما كان المسقي؟ أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، وموهم خلافه.

وذاك أنه لو قيل: "وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما"، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما أنك إذا قلت:"ما لك تمنع أخاك؟ "، كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه).

المثال الثالث: حذف جواب القسم في قول الله تعالى: {ص . والقرآن ذي الذكر}

- قال ابن القيم رحمه الله: (وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم به ما يدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال والذي أرسل محمداً بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشه فقال والذي استوى على عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك وكذلك من حلف لشخص أنه يحبه ويعظمه فقال والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقاً من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ}فاعترض بين القسم وجوابه بقوله {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالاً وبالله كم أعتقت عبداً وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُل} وأبعد منه قول من قال الجواب {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ}وأبعد منه قول من قال الجواب قوله {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} وأقرب ما قيل في الجواب لفظاً وإن كان بعيداً معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} كما قال {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت ما بعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال {ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق} كما تقول والله إن زيداً لقائم قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون بل بمعنى أن"ا.هـ
وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش وهذا يقوله الكوفيون وليس يجيد في العربية لو قلت والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمداً عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجهاً آخر في جواب القسم فقال يجوز ن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ص الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضاً فقال ص جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله والقرآن وذكر النحاس وغيره وجهاً آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} مخالفاً لهذا المضمر فكأنه قيل والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم
ونظير هذا قوله تعالى {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا} قيل جواب القسم قد علمنا وقال الفراء محذوف دل عليه قوله أإذا متنا أي لتبعثن وقيل قوله بل عجبوا كما تقدم بيانه).

المثال الرابع: الذكر في قول الله تعالى: {قل هو الله أحد . الله الصمد}
- وقال عبد القاهر الجرجاني:(ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وقوله تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد}من الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما لا يخفى موضعه على بصير، وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل: "وبالحق أنزلناه وبه نزل": و "قل هو الله أحد هو الصمد" لعدمت الذي أنت واجده الآن).


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14 رجب 1441هـ/8-03-2020م, 12:13 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

المبحث الرابع: التقديم والتأخير
التقديم والتأخير من المباحث المهمة التي تعرف بها بعض الأوجه التفسيرية واللطائف القرآنية، الدالة على عظمة بيان القرآن وبركة ألفاظه وسعة معانيه وتنوّع دلالاته.
- قال عبد القاهر الجرجاني: (هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفترّ لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة).

ومباحث التقديم والتأخير يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: تقديم المعمول على عامله
وهو على أنواع منها:
1: تقديم المفعول على الفاعل، كما في قول الله تعالى: {بل اللهَ فاعبد}.
2: وتقديم الجار والمجرور على متعلّقه، كما في قول الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا}
3: وتقديم الظرف على عامله، كما في قول الله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب}
4: وتقديم الخبر على المبتدأ كما في قول الله تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر}
5: وتقديم خبر إنّ وأخواتها على الاسم ، كما في قول الله تعالى: {إنّ إلينا إيابهم}
6: وتقديم خبر كان وأخواتها على الاسم، كما في قول الله تعالى: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}
7: وتقديم الحال على العامل فيها كما في قول الله تعالى: {خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر} ، وقوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةً لذكورنا} على قراءة نصب خالصةً.

وتقديم المعمول على عامله على مرتبتين:
المرتبة الأولى: ما يفيد الحصر
كما في قول الله تعالى: {إياك نعبد} أي نعبدك ولا نعبد غيرك، وكما في قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين . بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون}
فقوله: {بل إياه تدعون} أي تدعونه ولا تدعون غيره.
وكما في قول الله تعالى: {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} أي لا نتوكل إلا عليه، وأما الإيمان فنؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبكلّ ما أمرنا بالإيمان به.
والمرتبة الثانية: ما يفيد الاختصاص
وهو اختصاص بالذكر لا يقتضي الحصر، كما في قول الله تعالى: {ونوحاً هدينا من قبل} ، قدَّم اسم نوح على الفعل، والله تعالى قد هدى نوحاً وهدى غيره من أنبيائه وصالحي عباده، لكن اختص نوحاً عليه السلام للتنويه بذكره.
وقال تعالى: {والرجز فاهجر} فاختص الرجز بالأمر بالهجر لتعظيم الأمر بهجرها وأنها أولى ما يجب أن يُهجر مما نهى الله عنه.
وقال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك} قدّم المفعول الثاني وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً له وتنويهاً بذكره، وأخّر المفعول الأوّل تشويقاً إليه.
والأصل في الاختصاص إفادة العناية والاهتمام بالمقدَّم، ولذلك دأب كثير من المفسرين والبيانيين على تعليل التقديم بإفادة العناية.
- قال سيبويه: (كأنّهم إنَّما يقدّمون الذي بيانه أهمّ لهم، وَهُم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يُهِمّانِهم ويَعْنِيانهم).
وهذا وإن كان هو الأصل إلا أنّ الأجود تفسير تلك العناية والكشف عن وجهها.
- قال عبد القاهر الجرجاني: (إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قُدِّمَ في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير.
لا يكفي أن يقال قُدِّمَ للعناية.
وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال: "إنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم"، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟ ولتخيلهم ذلك، قد صغر أمر "التقديم والتأخير" في نفوسهم، وهوَّنوا الخطب فيه، حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرباً من التكلف)
.
إلى أن قال: (لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، وصد بأوجههم عن الجهة التي هي فيها، والشقّ الذي يحويها، والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة، وهذه من أعجبها).

وخلاصة ما اطلعت عليه مما ذكره البيانيون من أغراض التقديم ومن تأمّل ما شاء الله من أمثلته في القرآن الكريم أن التقديم يقع لأغراض منها: التشريف، والتعظيم، والتعجب، والتشويق، والتبكيت، وتعجيل المسرّة، وتعجيل المساءة.
فإذا كان المفسّر في موضع يقتضي الإيجاز اكتفى بالتنبيه على الغرض؛ فإنّ اللبيب يدرك ما وراء العبارة إذا كشفتَ له عن وجهها وفتحتَ له باب التأمّل فيها، وإن كان المفسّر في موضع يجمل فيه التفصيل أسهب في شرح الغرض وبيان وجهه ومناسبته.
وشرح ذلك بالمثال بيان ما دلّ عليه التقديم في قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة} فقدّم "إلى ربّها" تقديماً يفيد أنّ المؤمنين إذا رأوا ربّهم يوم القيامة لم يلتفتوا إلى غيره من النعيم؛ فكأنّهم يوم يرون ربّهم لا ينظرون إلى غيره.
فلو قلت: التقديم للعناية والاهتمام لكان كلاماً مجملاً غير مبيَّن، وإن كان صواباً في نفسه.

والقسم الثاني: تقديم غير المعمول، كتقديم بعض المفردات والجمل المتناظرة على بعض
ومن ذلك تقديم بعض الأسماء الحسنى على بعض في خواتم الآيات، وتقديم السموات على الأرض في بعض المواضع وتقديم الأرض على السموات في مواضع أخر، وتقديم الجن على الإنس، وتقديم الإنس على الجنّ كذلك، وتقديم الرحمة على العذاب والعكس، وتقديم النفع على الضر والعكس، ونظائر ذلك كثيرة.
ومن ذلك أيضاً تقديم بعض المتعاطفات على بعض كما في قول الله تعالى في التذكير بنعمة نار الدنيا: {إنا جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} فقدَّم التذكرة على المتاع؛ لأن التذكرة فائدتها أخروية، والمتاع فائدته دنيوية، وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن نقدّم ما منفعته في الآخرة أعظم.
ولذلك يتكرر في القرآن تقديم المنافع الدينية على المنافع الدنيوية، كما قول الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين}
فقدّم نعمة بعث الأنبياء فيهم على نعمة جعلهم ملوكاً؛ لأنّ منفعة الأنبياء منفعة دينية وباتباعهم صلاح أمورهم في الدنيا والآخرة، ومنفعة جعلهم ملوكاً منفعة دنيوية.

وأمثلة هذا القسم من التقديم والتأخير كثيرة جداً في القرآن الكريم، واعتبارات التقديم والتأخير متنوّعة، ومشتملة على لطائف لا تنقضي.
- قال ابن عاشور: (وإن للتقديم والتأخير في وضع الجمل وأجزائها في القرآن دقائق عجيبة كثيرة لا يحاط بها، وسننبه على ما يلوح منها في مواضعه إن شاء الله. وإليك مثلا من ذلك يكون لك عوناً على استجلاء أمثاله.
قال تعالى:
{إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا} - إلى قوله:- {إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا}- إلى قوله:- {وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا}؛ فكان للابتداء بذكر جهنم ما يفسر المفاز في قوله: {إن للمتقين مفازا} أنه الجنة؛ لأن الجنة مكان فوز، ثم كان قوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا} ما يحتمل لضمير "فيها" من قوله: {لا يسمعون فيها} أن يعود إلى {كأسا دهاقا}
وتكون "في" للظرفية المجازية أي الملابسة أو السببية أي لا يسمعون في ملابسة شرب الكأس ما يعتري شاربيها في الدنيا من اللغو واللجاج، وأن يعود إلى {مفازا} بتأويله باسم مؤنث وهو الجنة، وتكون "في" للظرفية الحقيقة أي لا يسمعون في الجنة كلاماً لا فائدة فيه ولا كلاما مؤذياً.
وهذه المعاني لا يتأتى جميعها إلا بجمل كثيرة لو لم يقدم ذكر جهنم ولم يعقب بكلمة مفازا، ولم يؤخّر و{كأسا دهاقا} ولم يعقب بجملة: {لا يسمعون فيها لغوا} إلخ).


- وقال د.فاضل السامرائي: (إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام؛ فما كانت به عنايتك أكبر قَدَّمتَهُ في الكلام، والعناية باللفظة لا تكون من حيث إنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال، ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإننا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام.
فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه فن القول وسياق التعبير.
فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة هنا للعناية بها والاهتمام دون تبيين موطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.
فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم الله السماء على الأرض هنا؟

قلت: لأن الاهتمام بالسماء هنا أكبر.
ثم إذا قيل لك: ولماذا قدم الله الأرض على السماء في هذه الآية؟
قلت: لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر.
فإذا قيل لك: ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض أكبر؟
وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين، بحيث تُبين أنه لا يصح أو لا يَحْسُنُ تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء، أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى.
أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام، والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق)
ا.هـ.

§ اعتبارات التقديم والتأخير
والتقديم والتأخير يقع لاعتبارات متعددة، تعرف بدلالة السياق والمناسبة المعنوية أو اللفظية، ولذلك يُفسّر الاعتبار في كلّ موضع بحسبه، وقد يجتمع في المسألة الواحدة اعتبارات متعددة، وتمرّن طالب العلم على دراسة أمثلة التقديم والتأخير عند المفسرين والبيانيين تفيده في معرفة هذه الاعتبارات وإجراء مثلها على نظائرها.
وسأذكر مثالاً على مسألة من المسائل التي سبقت دراستها في تفسير سورة الفاتحة لبيان المراد بتعدّد الاعتبارات:

الحكمة من تقديم {إياك نعبد} على {إياك نستعين}.
هذه المسألة من مسائل التفسير البياني، وهي مسألة ظهرت عناية المفسّرين بها واشتهرت، وتعددت أقوالهم فيه وكثرت، وتنوّعت مسالكهم في الجواب عنها، والبيان عن حِكَم هذا التقديم العجيب، في سورة قد أُحكمت غاية الإحكام.
وأشهر الأقوال في هذه المسألة ستة أقوال:
القول الأول: الحكمة مراعاة فواصل الآيات في السورة، وهذا القول ذكره البيضاوي وجهاً وكذلك النسفي وابن عاشور وغيرهم.
والقول الثاني: أنه لا فرق في المعنى بين تقديم العبادة على الاستعانة والعكس، وهذا القول قاله ابن جرير قال: (لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل- كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها: "قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ " ، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي"، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ)ا.هـ.
وهذا القول فيه نظر.
القول الثالث: أن العبادة أعم من الاستعانة، لأن الاستعانة نوع من أنواع العبادة فقدم الأعم على الأخص، وهذا القول ذكره البغوي في تفسيره.
القول الرابع: أن العبادة هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه، وقال به ابن كثير في تفسيره.
- قال ابن تيمية: (قال في الفاتحة: {إياك نعبد وإياك نستعين} فقدَّم قوله: {إياك نعبد}لأنه المقصود لنفسه [تعالى] على قوله: {وإياك نستعين} لأنه وسيلة إلى ذلك، والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل).ا.هـ.
- وقال ابن كثير رحمه الله: (وإنما قدم: { إياك نعبد } على { وإياك نستعين } لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم)ا.ه.
القول الخامس: أنه لبيان أن عبادة العبد لربه لا تكون إلا بإعانة الله تعالى وتوفيقه وهذا مما يستوجب الشكر ويذهب العجب فلذلك ناسب أن يتبع قوله: (إياك نعبد) بـ(إياك نستعين) للاعتراف بفضل الله تعالى في توفيقه للعبادة والإعانة عليها، وهذا القول ذكره البيضاوي وجها، وألمح إليه أبو السعود.

القول السادس: قول ابن عاشور إذ قال في التحرير والتنوير: (ووجه تقديم قوله { إياك نعبد }على قوله :{ وإياك نستعين } أن العبادة تَقَرُّبٌ للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة ، وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدِّم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبوداً للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل . وقد حصل من ذلك التقديم أيضاً إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان)ا.هـ.
وفي المسألة أقوال وأوجه أخرى حتى أوصلها الألوسي في روح المعاني إلى أحد عشر وجهاً، وفي بعضها نظر.

وهذه الأقوال كما ترى مبناها على تلمّس الحكمة من تقديم {إياك نعبد} على {إيَّاك نستعين} ، وقد تقرر أنَّ الله تعالى حكيم عليم، وأن الله قد أحكم كتابه غاية الإحكام، وأن القرآن قد بلغ الذروة العليا في الفصاحة وحسن البيان، فلذلك قد يجتمع في المسألة الواحدة من المسائل البيانية حِكَمٌ متعدّدة ويتفاوت العلماء في إدراكها وحسن البيان عنها.
والقاعدة في مثل هذه المسائل أن يُقبل ما يحتمله السياق وترتيب الكلام ومقاصد الآيات وغيرها من الدلالات بشرطين:
أحدهما: أن يكون القول في نفسه صحيحاً.
والثاني: أن يكون لنظم الآية دلالة معتبرة عليه.
ومن أمعن النظر في هذه الأمور وكانت له معرفة حسنة بعلم البيان تبيّنت له حكم متعدّدة في غالب الأمر، بل ربّما ظهر له من الدلائل ما غفل عن ذكره كثيرون، كما فعل ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين" في جوابه على هذا السؤال؛ فقد أحسن بيان جملة من الحكم والأسرار البديعة التي لا تكاد تجدها في كتب التفسير بمثل تنبيهه وبيانه، وقد استفاد أصلها من شيخه ابن تيمية لكنَّه بنى على هذا الأصل من التفصيل والتفريع ما أجاد فيه وأفاد.
فقال رحمه الله: (تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خُلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها.
- ولأن
{إياك نعبد} متعلق بألوهيته واسمه "الله"، {وإياك نستعين} متعلق بربوبيته واسمه "الرب" فقدم {إياك نعبد} على {إياك نستعين} كما قدم اسم "الله" على "الرب" في أول السورة.
- ولأن {إياك نعبد} قِسْم "الرب"؛ فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به، و{إياك نستعين} قِسْم العبد؛ فكان من الشطر الذي له، وهو " {اهدنا الصراط المستقيم} " إلى آخر السورة.
- ولأن "العبادة" المطلقة تتضمن "الاستعانة" من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب.
- ولأن "الاستعانة" جزء من "العبادة" من غير عكس.
- ولأن "الاستعانة" طلب منه، و"العبادة" طلب له.
- ولأن "العبادة" لا تكون إلا من مخلص، و"الاستعانة" تكون من مخلص ومن غير مخلص.
- ولأن "العبادة" حقّه الذي أوجبه عليك، و"الاستعانة" طلب العون على "العبادة"، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته.
- ولأن "العبادة" شكر نعمته عليك، والله يحب أن يُشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه.

- ولأن {إياك نعبد} له، و{إياك نستعين} به، وما له مقدم على ما به، لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار، والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته: طاعتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته.
فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم
{إياك نعبد} على {إياك نستعين})
ا.هـ.
وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وجهاً حسناً فقال: (وإتيانه بقوله: {وإياك نستعين} بعد قوله: {إياك نعبد} فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً واضحاً في آيات أخر كقوله: {فاعبده وتوكل عليه}).


وهذا المثال يدلّ دلالة بيّنة على تعدد إمكان الاعتبارات في التقديم والتأخير، وأن من العلماء من يُفتح له في ذلك ما لا يُفتح لغيره.

وقد يُقدّم لفظ على لفظ في موضع لاعتبار ويؤخر عنه في موضع آخر لاعتبار آخر ، وتختلف اجتهادات العلماء في تلمّس تلك الاعتبارات والكشف عنها.
- ومن ذلك: قول الله تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون} فلمّا ذكر الخلق بدأ بأوّل مخلوق منهما كما قال الله تعالى: {والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم}، وفي قول الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجنّ} قدّم الإنس لأن عداوتهم أظهر وأشهر عند المخاطبين؛ فكان تقديمهم أنسب.
- ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)} وقال في موضع آخر: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)}
فقدّم عيسى على أمّه في سورة المؤمنون لمناسبة السياق فإنه في الحديث عن الرسل ومخاطبتهم فقال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)}
وقدّم مريم في سورة الأنبياء لما كان الحديث عن تفريج كربها وإحصانها فرجها فكان تقديمها أنسب، قال الله تعالى: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)}.

لكن يحسن بالمفسّر أن يعرف جملة مما يتكرر ذكره من أغراض التقديم والتأخير في كتب التفسير والبيان، ثم يسهب في تفصيلها وبيانها عند الحاجة، ومن هذه الأغراض:
1: البدء بالأهمّ، كما في قول الله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.
2: البدء بالأولى لمناسبة السياق ومقام الخطاب، ومن ذلك ترتيب أصول الإيمان في قول الله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} فإنّ الإيمان مبناه في الأصل على التصديق بالغيب، فقُدّم ذكر اسم الله ثم الملائكة ثم الكتب ثم الرسل.
- ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: {متاعاً لكم ولأنعامكم} في سورة عبس والنازعات لأن الخطاب لجنس الإنس فقال في سورة النازعات:{أأنتم أشدّ خلقاً أم السماء} وقال في سورة عبس: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} فكان تقديمهم أنسب، وقال تعالى في سورة السجدة: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)} فلما تقدّم ذكر الأكل من الزرع ناسب تقديم الأنعام ، ولدفع توّهم الشراكة حين الأكل أخّر ذكر المخاطبين وفصلهم بالاسم الظاهر ولم يكتف بالإضمار، فإنه لو قيل: يأكلون منهم وأنعامهم لأوهم اشتراكهم حين الأكل.
4: التنزّل والترقي، وله أنواع:
- فمنها البدء بالأفضل، ومثاله قول الله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}
- ومنها البدء بالأقلّ، وهو وجه في الآية السابقة.
- ومنها البدء بالأكثر كما في قول الله تعالى: {زين للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث} فكان في ترتيب أنواع الشهوات من مراعاة حال أكثر المخاطبين ما هو ظاهر بيّن.
- ومنها التدرج من الأخص إلى الأعمّ كما في قول الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)}
- ومنها التدرج من الأعمّ إلى الأخص: كما في قول الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}.
5: والتشويق، كما في قول الله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}.
6: والتبكيت كما في قول الله تعالى: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين}

أمثلة من أقوال العلماء

المسألة الأولى:
- قال ضياء الدين ابن الأثير: (وأما الثاني: وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي، فنحو قوله تعالى: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ}، وقوله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ}
فإنه إنما أخر الظرف في الأول؛ لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه، ولو قدم الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله: {لَا فِيهَا غَوْلٌ} ، فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلًا من غير تفصيل، وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا، أي ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهذا مثل قولنا: لا عيب في الدار، وقولنا لا فيها عيب، فالأول نفي للعيب عن الدار فقط، والثاني تفضيل لها على غيرها: أي ليس فيها ما في غيرها من العيب، فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب)
.

المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. وقال بعد ذلك: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ}.
قال ابن جماعة الكناني: (ما فائدة التقديم والتأخير والتعبير بقبول الشفاعة، تارة، والنفع أخرى؟
جوابه: أن الضمير في منها راجع في الأولى إلى (النفس) الأولى، وفى الثانية راجع إلى (النفس) الثانية. كأنه بين في الآية.
الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا تتقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، ولأن الشافع يقدم الشفاعة على بذل العدل عنها.
ويبين في الآية الثانية أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدلٌ عن نفسها، ولا تنفعها شفاعة شافع فيها، وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند رده.
فلذلك كله قال في الأولى: لا يقبل منها شفاعة، وفى الثانية: ولا تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع، وإنما تنفع المشفوع له)
.

المسألة الثالثة: التقديم والتأخير في قول الله تعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77)}
- قال ابن عاشور: (من بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعا، ثم يصدر تعبيرا عن المعاني وترتيبا عنه كلاما يريح به نفسه.
وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالا لإنشاء المنشئ إنشاءه على حسب ترتيب الحصول في نفس الأمر، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم والتأخير ودواعي الحذف والزيادة).


المسألة الرابعة: التقديم والتأخير في قول الله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104)}
- قال ابن عاشور:(قد رتب نظم الجملة على التقديم والتأخير لأغراض بليغة. وأصل الجملة: نعيد الخلق كما بدأنا أول خلق يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب وعدا علينا.
فحوَّل النظمَ؛ فقدَّم الظرفَ بادئ ذي بدء للتشويق إلى متعلّقه، ولما في الجملة التي أضيف إليها الظرف من الغرابة والطباق إذ جعل ابتداء خلق جديد وهو البعث مؤقتا بوقت نقض خلق قديم وهو طي السماء.
وقدم
{كما بدأنا أول خلق} وهو حال من الضمير المنصوب في نعيده للتعجيل بإيراد الدليل قبل الدعوى؛ لتتمكَّن في النفس أفضلَ تمكّن.
وكل ذلك وجوه للاهتمام بتحقيق وقوع البعث، فليس قوله:
{يوم نطوي السماء} متعلقا بما قبله من قوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة}.
وعقَّب ذلك بما يفيد تحقق حصول البعث من كونه وعداً على الله بتضمين الوعد معنى الإيجاب، فعدي بحرف "على" في قوله تعالى: {وعدا علينا} أي حقاً واجباً.
وجملة: {إنا كنا فاعلين} مؤكدة بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر قدرة الله لأنهم لما نفوا البعث بعلة تعذّر إعادة الأجسام بعد فنائها فقد لزمهم إحالتهم ذلك في جانب قدرة الله.
والمراد بقوله:
{فاعلين} أنه الفاعل لما وعد به، أي القادر، والمعنى: إنا كنا قادرين على ذلك.
وفي ذكر فعل الكون إفادة أنَّ قدرته قد تحققت بما دلَّ عليه دليل قوله:
{كما بدأنا أول خلق نعيده})
.

المسألة الخامسة: في ذكر أمثلة متعددة للتقديم والتأخير في القرآن الكريم

- قال د.فاضل السامرائي: (إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف.
إن القرآن - كما ذكرت - يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام - مثلاً - متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى: {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم.
ونحو قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم.
ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى:
{وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ}فإن عاداً أسبق من ثمود.
وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر} فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة، وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود.
وقال: {يُقَلِّبُ الله الليل والنهار} إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.
قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم قال تعالى:
{وَهُوَ العزيز الحكيم} قالوا: لأنه عَزَّ فَحكَمَ.
ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب فالقوة أول قال تعالى:
{إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} وقال: {وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً}
وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف، ومنه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً}.
فقدم الله على الرسول، ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم.
كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين، فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل.
ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلّما ترقى الناس في الفضل قلَّ صنفهم)
.


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14 رجب 1441هـ/8-03-2020م, 12:59 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي

المبحث الخامس : التعريف والتنكير
دلالات التعريف والتنكير من المباحث المهمة في التفسير البياني، ويَستخرج بها أهلُ البيان أنواعاً من المعاني واللطائف والأوجه التفسيرية، وبعض معاني التعريف والتنكير ظاهرة بيّنة، وبعضها دقيقة جداً، ولذلك قال بدر الدين الزركشي في البحر المحيط: (والكلام في التعريف والتنكير أدقّ من الدقيق).
ومن مهمّ ما يحتاج إليه دارس التفسير البياني معرفة أغراض التعريف والتنكير، ولطائف العدول عن المعرفة إلى النكرة والعكس، وعطف المعرفة على النكرة والعكس.
وأنواع المعارف سبعة على المختار من أقوال النحاة وهي: الضمير، والاسم العلَم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والمحلّى بأل، والمضاف لواحد مما ذكر، والمنادَى إذا كان نكرة مقصودة.
فأما التعريف بالضمير:فيؤتى به للدلالة على المتكلّم أو المخاطَب أو الغائب، ولاختصار الكلام بما يُغني عن إعادة الاسم الظاهر، وللربط بين الجمل، وقد يقع الالتفات بين أنواع الضمائر لأغراض بلاغية.
وقد يقع ضمير الجمع للمتكلّم الفرد على سبيل التعظيم كما في قول الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر}.
وقد تُخاطب المرأة الواحدة بضمير الجمع مبالغة في سترها كما في قوله تعالى: {إذ قال لأهله امكثوا} على أحد الأقوال.
ويُؤتى بضمير الفصل بين المبتدأ والخبر لإفادة الحصر كما في قول الله تعالى: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} وقوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر}.
والأصل في الخطاب أن يكون لمعيّن، لكن قد يقع في اللغة خطاب لغير معيَّن؛ ليعمّ كلَّ من يصلح أن يُخاطب به؛ كما في قول الله تعالى: {عمّ يتساءلون} الآية فيها خطاب بالاستفهام لكن المخاطب غير معيّن على أحد القولين؛ وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

ولا بدّ للضمير من مرجع يعود إليه، ويسمّيه بعض النحاة والمفسرين "مفسّر الضمير"، والأصل في الضمير أن يتأخّر في الذكر عن مفسِّره، لكن يتقدّم في أحوال كما في قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} وقوله تعالى: {ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون}.
وقد يُضمر لمعلوم من غير تقدّم ذكره كما في قول الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} أي القرآن ولم يسبق ذكره في السورة، وقوله تعالى: {كل من عليها فان} ، وقوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة}
وكذلك على أحد القولين في قول الله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} على اعتبار عود الضمير على الشمس من غير تقدم ذكر لها.
وفي ضمير الشأن كما في قول الله تعالى: {قل هو الله أحد} وضمير القصة كما في قول الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

وأما التعريف بالعلَم فيفيد النصَّ على تعيين المسمَّى به، كما في قول الله تعالى: {محمّد رسول الله}، وقوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} وقوله تعالى: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}.
والعَلم قد يكون اسماً أو كنية أو لقباً، والإتيان به في مقام التعظيم يدلّ على التعظيم، وفي مقام التحقير يدلّ على التحقير، وهكذا في سائر المعاني، ولا سيما إذا كان بين لفظ العَلَم والمقام مناسبة؛ فإن التعريف به يكون حسناً في صنعة البيان.
وقد يكون لبعض الأعلام من الأسماء والكنى والألقاب ما له اختصاص بمدح أو ذمّ فيؤتى بها في سياق يناسبها، وقد يُقلب ما كان معروفاً بالمدح إلى مناسبة تقتضي الذمّ، وهو نوع لطيف من أنواع التعريف، كما في قول الله تعالى: {تبّت يدا أبي لهب وتبّ . سيصلى ناراً ذات لهب}
وهو تعريف لطيف لأنّ أبا لهب لقّب بذلك لشدة بياضه وصباحة وجهه، لكن إيراده في هذا السياق قلب الدلالة إلى الذم؛ فما كان يُمدح به صار سبباً لذمّه.

وأما التعريف باسم الإشارة فالأصل فيه الدلالة على المشار إليه لتعيينه في الخطاب تعييناً بيّناً لا لبس فيه، كما في قول الله تعالى: {فأنبئوني بأسماء هؤلاء} وقوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة}، وقوله تعالى: {وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه}
ثم يدل اسم الإشارة المختار بعد ذلك على القرب والبعد بحسبه كما في: "هذا" ، وذاك، وذلك، وهؤلاء، وأولئك"
وقد يراد مع التعيين أغراض أخرى منها:
1: التعظيم كما في قول الله تعالى: {إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ، وقوله تعالى: {إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتّبعوه وهذا النبيّ والذين آمنوا}، وقوله تعالى: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} أي ذلك الأمر العظيم الذي اقترفتموه.
2: التعلية، فتفيد بيان علوّ المشار إليه:
- وقد تكون تعلية حسية كما في قول الله تعالى: {تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيا}.
- وقد تكون تعلية معنوية كما في قول الله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه}، وقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} وقوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} ، وقول امرأة العزيز: {فذلكنّ الذي لُمتنني فيه}
- وقد تكون جامعة بينهما كما في قول الله تعالى: {ذلكم الله ربّكم}
3: التحقير كما في قول الله تعالى: {أهذا الذي يذكر آلهتكم} ، وقوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} ، وقوله تعالى فيما حكاه عن فرعون: {إنّ هؤلاء لشرذمة قليون}
4: الإبعاد ويتركّب من الإتيان باسم الإشارة الدال على البعد في سياق الذم والمقت، وهو عكس التعلية، كما في قول الله تعالى: {فذلك الذي يدعّ اليتيم} ، وقوله تعالى: {تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها}، وقوله تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله}، وقوله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون}
وهذا النوع قد يصلح في كثير من الأمثلة أن يراد به معنى الإبعاد، ومعنى تعظيم خطر ما أتوا من القبائح، وفي بعضها يظهر تغليب أحد المعنيين.
5: التقرير، كما في قول الله تعالى: {أليس هذا بالحقّ}.
6: إجمال الموصوفين بصفات متعددة، كما في قول الله تعالى: {ليس البر أن تولوا جوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البر من آمن بالله والملائكة والكتاب ...} إلى قوله تعالى: {أولئك الذين صدقوا} فأجمل باسم الإشارة الموصوفين بهذه الصفات، مع ما في لفظ "أولئك" في سياق المدح من إرادة التعلية.

وأما التعريف بالاسم الموصول؛ فيأتي لمعانٍ أشهرها:
1: التعيين، وهو تعيين المسند إليه بما تبيّنه صلة الموصول، وهو أصل معانيه، كما في قول الله تعالى: {إن ربّكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} ، وقوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا}.
وهذا النوع منه ما يكون نصاً على مفرد، ومنه ما يكون عامّاً بوصف يصلح لجماعة.
فمن الأول قول الله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه}
ومن الثاني قول الله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} فكلّ متّق وكلّ محسن لهم نصيبهم من هذه المعية الخاصة.
ويرد التعريف بالاسم الموصول مع ذلك لأغراض بلاغية أخرى منها:
2. التعظيم والتفخيم، كما في قول الله تعالى: {إن ربّكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش}، وقوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد}.
3: الإبهام، ويأتي لمعانٍ منها:
أ: التعظيم والتهويل، كما في قول الله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} وقوله تعالى: {فغشّاها ما غشّى} ، وقوله تعالى: {وفعلت فعلتك التي فعلت}، وقوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه}
ب: التعمية، كما في قول الله تعالى: {قال بصرت بما لم يبصروا به}
ج: الرغبة عن التصريح،كما في قول الله تعالى: {فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب الله لكم} ، وقوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها} هذا مع ما تفيده صلة الموصول في هذه الآية من ذكر وجه مهم من أوجه اشتداد الفتنة على يوسف عليه السلام مع هذه المرأة ولكنّه استعصم بالله، وتعدد الأغراض ممكن.
4: التعليل، كما في قول الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً} ، ويسمّيه الأصوليون الإيماء؛ وهو بيان أن الإيمان والعمل الصالح سبب لحصول المودّة.
5: التشويق، كما في قول الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}
6: التحقير، كما في قول الله تعالى: {فإنكم وما تعبدون . ما أنتم عليه بفاتنين . إلا من هو صال الجحيم} ، وقوله تعالى: {قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ} ، وقوله تعالى: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون . أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين}.
7: التهكّم، كما في قول الله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنّك لمجنون} ، وقوله تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم}.

وأما التعريف بأل فيرد لمعانٍ منها:
1: الجنس، كما في قول الله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} أي: جنس الإنسان.
وتعريف الجنس على مراتب:
أولها: تعريف الماهية، كالماء، والتراب، والهواء، كما في قول الله تعالى: {وجعلنا من الماء كلّ شيء حي} وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {وأخاف أن يأكله الذئب}.
والثاني: استغراق الجنس، كما في قول الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} هذا التعريف يعمّ كلّ إنسان، وعلامتها أن يصح تقدير "كلّ" موضع "أل"
والثالث: الجنس المخصَّص، والتخصيص يكون عقليا أو عرفيا أو ذكريّا كما في قول الله تعالى: {وقال فرعون ائتوني بكلّ ساحر عليم . فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} ، فالسحرة هنا هم المخصوصون بأمر فرعون المتقدّم ذكره.
وكما في قول الله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}.

2: الكمال والتمام كما في قول الله تعالى: {أولئك هم المؤمنون حقاً} وقوله: {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون}.
3: الأولوية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»، وقوله: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به، فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».
4: العهد، والمراد به ما يعهده المخاطَب ويعرفه، وهو على ثلاثة أنواع:
- العهد الحضوري، كما في قول الله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} فهي شجرة يعهدها آدم ويعرفها بمقتضى الإشارة إليها.
- والعهد الذِكْري: كما في قول الله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً. فعصى فرعون الرسول} أي الرسول الذي ذُكر في الآية التي قبلها، وقوله تعالى: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري}
- والعهد الذهني، وهو ما يعهده المخاطب في ذهنه لظهور العلم به نحو قول الله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك} المراد به القصة التي عرفوها فهي معهودة لهم في أذهانهم.
وقوله تعالى: {إنّ الذين يبايعونك تحت الشجرة} ، وقوله تعالى: {إذ هما في الغار}

ومعرفة هذه الأنواع من مهمّات ما يحتاجه طالب علم التفسير، وكثيرا ما يكون مرجع الاختلاف بين أقوال المفسرين لاختلافهم في معنى التعريف.
وقد يقع بين هذه المعاني شيء من التداخل في بعض الأمثلة، وقد يقع بين المفسّرين اختلاف في تعيين بعض هذه المعاني، ومن ذلك اختلافهم في معاني الفلق، والوسواس، والقلم، والطور، والفجر، ونظائرها؛ على أقوال يمكن تخريجها على أصلين لغويين:
الأصل الأول: أن المراد بالتعريف في هذه الألفاظ الجنس، أي جنس الفلق؛ فيدخل في ذلك جميع ما يُفلق من الأمور الحسية والمعنوية، وجنس "الوسواس"، أي كل ما يوسوس؛ فيدخل في ذلك وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس، وجنس الأقلام، وهكذا.
والأصل الثاني: أن المراد بها العهد الذهني.
والذين سلكوا هذا المسلك ذهبت كل طائفة منهم إلى ما تراه أولى بالعهد الذهني، ففسّر جماعة من المفسّرين الفلق بأنه فلق الصباح، وفسّر جماعة الوسواس بالشيطان الرجيم، وفسّر جماعة القلمَ بالقلم الذي كُتب به في اللوح المحفوظ، وفسّر جماعة الطور بالجبل الذي نادى الله فيه موسى.

ومما يلتحق بمسائل التعريف بأل:
1: أن إضافة "أل" إلى أفعل التفضيل تفيد الأفضلية المطلقة أو النسبية:
- فالأفضلية المطلقة كقول الله تعالى: {اقرأ وربّك الأكرم} ، وقوله تعالى: {سبّح اسم ربّك الأعلى}.
- والأفضلية النسبية كما في قول الله تعالى: {قلنا لا تخف إنّك أنت الأعلى} ، وقوله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل}، وقوله تعالى: {أفرأيتم ما تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون}، وقوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم العدوة القصوى}.

2: إذا وقع المحلّى بأل خبراً فإنه يفيد القصر الحقيقي أو الذي يفيد معنى الأولوية
- فمن الأول قول الله تعالى: {وهو الغفور الودود} وقوله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}، ذلك أنّه لا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يقع تراحم قلّ أو أكثر إلا وهو من آثار رحمة الله.
- ومن الثاني قول الله تعالى: {هم العدوّ فاحذرهم}، وقوله تعالى: {إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم}
فدخول أل على الشيطان في صدر جملة الخبر أفاد معنى القصر.

وأما التعريف بالإضافة إلى أحد المعارف المتقدّمة؛ فيفيد مع فوائد التعريف بها كما تقدّم فوائد أخرى، منها:
1: إجمال ما لا يتعلّق بذكره مفصّلاً فائدة، كما في قوله تعالى: {وجاء إخوة يوسف}.
ويلتحق به:
- إجمال ما يتعذّر عدّه أو يتعسّر، كأن تقول أجمع علماء المسلمين، في مسألة من مسائل العلم التي يتعذّر إحصاء العلماء الذين حُكي عنهم مقتضى هذا الإجماع.
- والإجمال لغرض الخروج من حرج الترتيب الذكري، كما تقول: حضر علماء البلد، فإنّ ذكرهم بأسمائهم لا بدّ أن يكون فيه ترتيب على نسقٍ ما، وتأخير بعضهم عن بعض قد يوقع المتكلّم في حرج، فيخرج منه بإجمال ذكرهم بهذه الإضافة.
- والاختصار، كما ظاهر في المثالين السابقين.
2: التشريف، وذلك بإضافة المفردة إلى شريف القدر، فيشرف المضاف بنسبته إلى المضاف إليه، كما في قول الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله تعالى: {ناقة الله وسقياها}
3: التحقير، وذلك بإضافة المفردة إلى وضيع القدر، كما في قول الله تعالى: {رجس من عمل الشيطان} ، وقوله تعالى: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت}
ويقع هذا المعنى أيضاً في المضاف إلى نكرة محقَّرة، كما في قول الله تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر}.
4: التلطّف، كما في قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {يا أبت إلى أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا}، وقوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قومِ إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} الإضافة فيهما إلى ياء المتكلّم تفيد التلطف، وكذلك قول الله تعالى عن مؤمني الجنّ: {يا قومنا أجيبوا داعي الله}.
5: الاختصاص، كما في قول الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه}، وقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون}
6: إرادة العموم كما في قول الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.

وهذه الأغراض من أشهر أغراض التعريف بالإضافة، وهي غير حاصرة لها، بل قد يظهر للناظر أغراض أخرى بمقتضى مناسبة الإضافة لسياق الكلام، ولذلك أمثلة منها:
- التشنيع، كما في قول الله تعالى: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم صادقين} ، وقوله تعالى: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير}
- والتهكم، كما في قول الله تعالى عن فرعون: {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ، وكما في قوله تعالى عن اليهود: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسولَ الله} فإن هذه الإضافة خرجت مخرج التهكّم منهم على أحد الوجهين في الآية، والوجه الآخر أنها جملة اعتراضية من كلام الله تعالى تفيد التشنيع عليهم.

وأما المنادَى فإن كان من المعارف فله حكمها بحسب نوع تلك المعرفة كما تقدم، وإن كان المنادى نكرة غير مقصودة فليس من المعارف، وإذا كان نكرة مقصودة كأن تنادي رجلاً فتقول: "يا رجل" ؛ فهو ملتحق بالمعارف لأن قصدك من النكرة ألحقه بالمعرفة، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك وسماء أقلعي} وقوله تعالى: {قلنا يا نار كوني برداً وسلام على إبراهيم}

وأما التنكير فهو مقابل التعريف، ويؤتى به للدلالة على اسم شائع في جنسه غير معَيَّن.
والتنكير على نوعين:
أحدهما: تنكيري حقيقي، وهو تنكير ما له أفراد من جنسه كرجل وحصان وشجرة.
والآخر: تنكير غير حقيقي، وهو تنكير ما لا يُعرف له نظير من جنسه كشمس وقمر، وفي تنكيرهما وجهان:
أحدهما: أن تنكيرهما جائز باعتبار صفاتهما وتعدد أحوالهما، فتقول: قمر منير، وشمس حارقة، وإن كان لهما أوصاف أخرى في غير وقت الخطاب.
والآخر: أن تنكيرهما باعتبارهما من جنس أعمّ منه، وهو الكواكب.

وقد تكون النكرة اسماً مفرداً، وقد تكون مثنى وجمعاً، وقد تقيّد النكرة بما يخصصها ولا يُكسبها التعريف، كما لو قال قائل: رأيت رأس إنسان؛ فالرأس هنا نكرة، لكن إضافته إلى كلمة "إنسان" قيَّدته فأخرجت ما سوى الإنسان من حيوان وغيره، ولم تكسبه التعريف الذي يُعيّن به صاحب الرأس.
والنكرات تُقيّد بأمور منها:
1: الإضافة كما تقدّم، ومنه قوله تعالى: {ما كان أبوك امرأ سوءٍ}
2: وبالوصف كما في قول الله تعالى: {وبئر معطلة وقصر مشيد} ، وقوله تعالى: {إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة} جملة "وضع للناس" صفة مقيّدة.
3: وبالعطف عليها كما لو قيل: رأيت ناقةً وولدها.

والنكرة المخصصة يسمّيها بعض النحاة نكرة غير محضة، لأنها ليست موغلة في التنكير ولا هي بمعرفة.

والتنكير يؤتى به لأغراض منها:
1: الإبهام، وهو أصل معاني التنكير، ويؤتى به لمقاصد منها:
- صرف نظر المخاطَب عن عين المنكَّر إلى صفته الاعتبارية أو القضية الأصلية، كما في قول الله تعالى: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون}
وقوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى}.
وقوله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} لم يرمز له بالضمير مع تقدم ذكره، ولم يذكره باسمه مع شهرته، لبيان أن الحكم متعلق بالوصف لا بالشخص، وهو أوقع في الاحتجاج على المشركين المخاطبين بهذه الآيات عند نزولها، وحكمها عامّ لكل من يصلح له الخطاب.
- ومنها: إخفاء المنكَّر، كما في قول الله تعالى: {قالت هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون}.
- ومنها عدم علم المخاطب به، كما في قول الله تعالى: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}.
2: الإطلاق، كما في قول الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} فلو ذبحوا أيّ بقرة حين ورود هذا الأمر لأجزأتهم، لكنّهم شددوا فشُدّد عليهم.
وقوله تعالى: {أو اطرحوه أرضاً}.
3: التهويل، وهو على نوعين:
أحدهما: التعظيم، كما في قول الله تعالى: {واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله} ، وقوله تعالى: {ولها عرشٌ عظيم}، وقوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمّةً قانتاً لله}، وقوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً}
والآخر: التشنيع، كما في قول الله تعالى: {لقد جئتم شيئاً إدّاً}، وقوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً}.
4: التحقير، كما في قول الله تعالى: {من نطفةٍ خلقه}، وقوله تعالى: {إنما هذه الحياة الدنيا متاع}، وقوله تعالى: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم}، وقوله تعالى: {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون}.
5: التجاهل، كما في قول الله تعالى: {قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم}، وقوله تعالى: {وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجلٍ ينبئكم إذا مزّقتم كلّ ممزّق إنّكم لفي خلق جديد}
6: التقليل كما في قول الله تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيّة أو ضحاها} ، وقوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}، وقوله تعالى: {ولئن مسّتهم نفحة من عذاب ربك ليقولون يا ويلنا إنا كنا ظالمين}
7: التكثير، كما في قول الله تعالى: {يُطاف عليهم بصحافٍ من ذهب وأكواب}، وقوله تعالى: {فإن كذبوك فقد كُذّبَ رسلٌ من قبلك}، وقوله تعالى: {كم تركوا من جناتٍ وعيون . وزروع ومقام كريم}
8: التشويق، كما في قول الله تعالى: {هل أدلّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذاب أليم}.
9: الاستغراق في العموم، كما في قول الله تعالى: {ما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير}

أمثلة على مسائل التعريف والتنكير في التفسير البياني:
المسألة الأولى: تنكير لفظ القرآن في قول الله تعالى: {تلك آيات الكتاب وقرآن مبين}
في تنكير القرآن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه من باب إطلاق الكلّ على الجزء، كما لو رأيت إنساناً يقرأ سورة من القرآن جاز لك أن تقول هو يقرأ القرآن، وإن لم يقرأ القرآن كلّه، فكان التنكير باعتبار تعدد الأجزاء.
والثاني: باعتباره من جنس الكتب المنزّلة.
والثالث: باعتبار لمح الأصل قبل العَلَمية، وذلك أنّ القرآن اسم منقول من المصدر الدالّ على القراءة.
ففي تنكيره على هذا الوجه إحضار لمادّة المصدر، لإفادة قوة المعنى، وأنه ليس كحال كثير من أسماء الأعلام التي تخلو من حقيقة معناها.

المسألة الثانية: تعريف الحسنة وتنكير السيئة في قول الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}
في هذه الآية بيان لسوء حال بني إسرائيل فيما يُبتلون به من فتن السراء والضراء؛ فإذا توالت عليهم النعم وألفوها زعموا أنهم مستحقوها ومختصون بها، ولذلك جيء بأداة الشرط "إذا" التي تدلّ على الكثرة، وعرّفت الحسنة تعريف العهد وهي الحال الحسنة ألفوها وعهدوها.
{وإن تصبهم سيئة} جيء بأداة الشرط "إنْ" لما يقلّ حدوثه، ونكّرت السيئة للدلالة على أنهم مهما تصبهم من سيئة وإن قلّ قدرها، وقلّ حدوثها بادروا إلى التطيّر بموسى ومن معه، واتّهامهم بأن ما أصابهم من سوء كان بسببهم تطيّراً وتشاؤماً منهم في غير محلّه، وسوء أدب مع الله تعالى ومع رسوله الكريم.

أمثلة من أقوال المفسرين:
المسألة الأولى: تنكير لفظ البلد وتعريفه في قول الله تعالى:{ربّ اجعل هذا بلداً آمنا} وقوله تعالى: {ربّ اجعل هذا البلد آمنا}.
- قال ابن كثير رحمه الله: (قال في هذه القصة: {رب اجعل هذا البلد آمنا} فعرَّفه كأنه دعا به بعد بنائها؛ ولهذا قال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضا فقال: {رب اجعل هذا بلدا آمنا}).
- وقال ابن عاشور: (إن كان المشار إليه في وقت دعاء إبراهيم أرضا فيها بيت أو بيتان؛ فالتقدير في الكلام اجعل هذا المكان بلدا آمنا أي قرية آمنة فيكون دعاء بأن يصير قرية وأن تكون آمنة.
وإن كان المشار إليه في وقت دعائه قرية بنى أناس حولها ونزلوا حذوها وهو الأظهر الذي يشعر به كلام «الكشاف» هنا وفي سورة إبراهيم كان دعاء للبلد بحصول الأمن له، وأما حكاية دعوته في سورة إبراهيم بقوله: {اجعل هذا البلد آمنا} فتلك دعوة له بعد أن صار بلدا).
وشرح كلام ابن عاشور أن قول الخليل عليه السلام: {ربّ اجعل هذا البلد آمنا} بعد أن كان المكان بلداً لأنه إشارة إلى ما يقع عليه اسم البلد.
وأما قوله: {رب اجعل هذا بلداً آمنا} فيحتمل أن يراد به أن يجعله بلداً فيكون الدعاء قبل أن يكون بلداً، ويحتمل أن يراد به أن يجعله بلداً آمناً بعد أن صار بلداً.

المسألة الثانية: تنكير الإناث وتعريف الذكور في قول الله تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}
- قال زين الدين محمد بن أبي بكر الرازي: (فإن قيل: كيف قدم سبحانه الإناث على الذكور في قوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم عليهن، ولم نكر الإناث وعرف الذكور؟
قلنا: إنما قدم الإناث لأن الآية إنما سيقت لبيان عظمة ملكه ونفاد مشيئته، وأنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء عبيده، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه عبيده أهم، والأهم واجب التقديم، فلما قدمهن وأخر الذكور لذلك المعنى تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المشهورين الذين لا يخفون على أحد، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، فعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر فقال تعالى: {ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} كما قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} وقال: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}).
- وقال د.فاضل السامرائي:(قال تعالى في سورة الشورى {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) }
سورة الشورى عموماً هي في مستكرهات الأمور أي فيما يشاؤه الله تعالى لا ما يشاؤه الإنسان {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30) }
وقوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)}
وكذلك قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ (48)
{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)}.
وعند العرب الإناث مما يُستكره من الأمور كما في قوله تعالى:{وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى}
وقوله تعالى: {ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون}
إذن تنكير الإناث وتقديمهم على الذكور جاء للأسباب التالية:
1- الله سبحانه يهب ما يشاء هو لا ما يشاء الناس
2- التقديم فيه أمر آخر وهو أن الإحسان إليهن ستر من النار
3- التقديم له دلالة أخرى وهي أن الإناث ألصق بالأب من الذكور، فالذكر تنتهي رعايته عند البلوغ إنما البنت فلابد من وجود قيّم عليها من الذكور (أبوها أو أخوها هي في بيت أهلها ثم زوجها بعد أن تتزوج)
4- تعريف الذكور وتنكير الإناث: هناك قاعدة عامة عند العرب سجّلها أهل اللغة مفادها أن العرب لا يذكرون أسماء الإناث وينكّرونها عن التحدث فنسأل (كيف الأهل؟ ولا نقول كيف أختك فلانة أو ابنتك فلانة) أي لا يُصرّح باسم الإناث، لأن العرب يصونون بناتهم وإناثهم عن الذكر بخلاف الذكور حتى في الغرب ينسبون المرأة إلى زوجها.
5- والذكور من المعارف وإناث من التنكير (جاري بحسب طبيعة العرب صوناً للإناث) وليس من باب الحظوة أو تفضيل الذكور على الإنسان كما يفهمها البعض. وقد قال الشاعر:

وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخرٌ للهلال).

المسألة الثالثة: تنكير الحياة في قول الله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة}
- قال عبد القاهر الجرجاني(ت:471هـ): (ومما ينظر إلى مثل ذلك قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسَّك، وجدت لهذا التنكير وأن قيل: {على حياة}، ولم يقل: "على الحياة"، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادره قدره، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما.
والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي، فأما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا على غيرها.
وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: "ولتجدنهم أحرص الناس، ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة في الذي يستقبل".
فكما أنك لا تقول ههنا: "أن يزدادوا إلى حياتهم الحياة" بالتعريف، وإنما تقول: "حياة" إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا: "كل أحد يحب الحياة، ويكره الموت"، كذلك الحكم في الآية).

- وقال ابن عاشور: (ونكر (الحياة) قصدا للتنويع أي كيفما كانت تلك الحياة وتقول يهود تونس ما معناه «الحياة وكفى»).

المسألة الرابعة: تعريف الخلق وتنكيره في قول الله تعالى: {أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}
قال الدكتور محمود بن عبد الرحيم صافي (ت:1376هـ) رحمه الله: (في قوله تعالى {أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} فقد عرّف الخلق الأول، ونكّر اللبس والخلق الجديد، والتعريف لا غرض منه إلا تفخيم ما قصد تعريفه وتعظيمه، ومنه تعريف الذكور في قوله: {وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ}ولهذا المقصد عرّف الخلق الأول، لأن الغرض جعله دليلا على إمكان الخلق الثاني بطريق الأولى، أي إذا لم يعي تعالى بالخلق الأول على عظمته، فالخلق الآخر أولى أن لا يعبأ به، فهذا سرّ تعريف الخلق الأول.
وأما التنكير فأمر منقسم: فمرة يقصد به تفخيم المنكر، من حيث ما فيه من الإبهام، كأنه أفخم من أن يخاطبه معرفة ومرة يقصد به التقليل من المنكر والوضع منه.

- وعلى الأول {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وهو أكثر من أن يحصى.
- والثاني: هو الأصل في التنكير، فلا يحتاج إلى تمثيله، فتنكير اللبس من التعظيم والتفخيم، كأنه قال: في لبس أيّ لبس، وتنكير الخلق الجديد للتقليل منه والتهوين لأمره بالنسبة إلى الخلق الأول، ويحتمل أن يكون للتفخيم، كأنه أمر أعظم من أن يرضى الإنسان بكونه متلبسا عليه، مع أنه أول ما تبصر فيه صحته).


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الحادي, الدرس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir