دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > الدعوة بالقرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22 محرم 1444هـ/19-08-2022م, 11:05 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,523
افتراضي كيف نكونُ من أولي الألباب؟

هل جربت مرة الاستعداد لدخول اختبار؟
العكوف على الكتب في محاولة إنهاء المقرر في الموعد؟
المجاهدة أمام ورقة الاختبار لتذكر الإجابة الصحيحة؟
فأحيانا تتذكر وأحيانا تخونك الذاكرة، وأحيانا أخرى تعض أناملك حسرة لأنك لم تدرس هذه المسألة من الأساس ولم تستعد لها !
إذا لم تمر بهذه التجربة في اختبارات المدارس والمعاهد والجامعات
فاعلم أننا جميعا نمر بها يوميا بل في كل لحظة من لحظات الحياة الدنيا
تُرى الحياةُ كلها بطول سنواتها وشهورها وأيامها وساعاتها بل ولحظاتها منذ أن تبلغ وتصل لمرحلة التكليف الشرعي إلى مماتك، ما هي إلى اختبارات متتالية تحتاج منك إلى تذكر عملي
وإليك بعض الأمثلة للتوضيح
تعلم أنّ الله عز وجل أمر بالصلاة فقال: (وأقيموا الصلاة)
فإذا سمعت الأذان هل تبادر بالصلاة على وقتها، ولو بأن تجر قدميك، وتخطو خطوات ثقيلة نحوها، أو تقدم لهوًا ولعبًا أو حتى عملا دنيويا لا ضرورة فيه على صلاتك؟
وتؤخرها ساعة تلو ساعة حتى يضيع وقتها؟
كيف تتذكر وجوب الاستجابة لأمر الله عز وجل بإقامة الصلاة؟
وكيف تتذكر أن لذة ما يلهيك عنها زائلة؟
وكيف تتذكر عقوبة الساهين عن الصلاة الذين يؤخرونها عن وقتها وأنت تعلم قول الله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) [سورة الماعون: 4-5]
وكيف تتذكر أثر المحافظة على الصلاة على قلبك واطمئنانه وسكينته، ثم أجر الصلاة في الآخرة؟
قال تعالى: (إن الإنسان خُلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون)[سورة المعارج: 19-23]
أليست هذه اللحظة التي تتكرر خمس مرات في اليوم اختبار يحتاج منك إلى تذكر يُترجم إلى عمل؟
وإليك مثال آخر
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني. قال: ((لا تغضب)).فردد مرارا، قال:((لا تغضب)).
والنهي عن الغضب هنا ليس خاصا بالرجل السائل وإنما تشريع عام من النبي صلى الله عليه وسلم لكل أمته
ألا نغضب ابتداء، فإذا حصل منا الغضب فلا ننفذ مقتضاه من تحطيم أثاث أو ضرب أو أذى من تسبب في الغضب ونحو ذلك، بل نبادر لفعل ما يخفف هذا الغضب كما جاء في أحاديث أخرى، من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء ونحو ذلك.
ويأتي السؤال: كلنا - حتى أشد الناس حلما - تأتي علينا لحظات غضب، فهل نتذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لنطفئ بفعلها نار الغضب فلا تحرقنا وتحرق من حولنا ويحصل ما لا تحمد عقباه؟
وهكذا يمكن أن تتصور كم الاختبارات التي تتعرض لها يوميا مع أهلك وجيرانك وفي العمل وفي الشارع والبيت وحتى في خلواتك.
هل تتذكر الإجابة الصحيحة، أو تغفل عنها؟
وإذا غفلت فهل لأنك لم تدرسها أصلا؟ أو لأنك تخلفت عن العمل بها؟

عند هذه النقطة يمكن أن أوضح لك معنى التذكر الشرعي الذي ورد في نصوص القرآن الكريم، وكيف السبيل إليه؟
التذكر شرعا هو العمل بالعلم، ويسبقه مرحلتان؛ التفكر والتبصر، والفرق بين هذه المعاني الثلاثة ذكرها الشيخ السعدي في كتابه (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن) حيث قال:(والفرق بين التبصرة والتذكرة في مثل قوله: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}[ق: 8]
أن التبصرة هي العلم بالشيء والتبصر فيه، والتذكرة هي العمل بالعلم اعتقادا وعملا، وتوضيح هذا أن العلم التام النافع يفتقر إلى ثلاثة أمور: التفكر أولا في آيات الله المتلوة والمشهودة، فإذا تفكر أدرك ما تفكر فيه بحسب فهمه وذكائه، فعرف ما تفكر فيه وفهمه، وهذا هو التبصرة، فإذا علمه عمل به، فإن كان اعتقادا وإيمانا صدقه بقلبه وأقرَّ به واعترف، وإن اقتضى عملا قلبيا أو قوليا أو بدنيا عمل به، وهذا هو التذكر وهو التذكرة، وحاصل ذلك هو معرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه). اهـ
وخلاصة الأمر أنك إذا تفكرت علمت وفهمت؛ فإذا علمت صرت ذا بصيرة وعلى بينة بما عليك فعله، فلم يبق إلا أن تتذكر فتعمل.
وإذا بحثت في آيات القرآن الكريم ستجد أن الله حصر التذكر في فئة معينة ألا وهم أولو الألباب
حاول أن تبحث في مصحفك الإلكتروني عن كلمة (الألباب)
ستجد أنهم ذكروا في ستة عشر موضعًا من القرآن منها تسعة مواضع ارتبط فيها ذكر أولي الألباب مع التذكر، أربعة من هذه المواضع حصرت التذكر فيهم؛ مرتان بالنفي والاستثناء ، قال تعالى: {وما يذَّكر إلا أولو الألباب}، ومرتان بـ (إنما) الدالة على الحصر، قال تعالى: {إنما يتذكر أولو الألباب}
وبقية المواضع فيها بيان أن الله عز وجل أنزل الآيات ليتذكر أولو الألباب، أو أن هذه الآيات ذكرى لأولي الألباب.
وتأملوا معي هذه الآية على سبيل المثال:
{هَـٰذَا بَلَـٰغ لِّلنَّاسِ وَلِیُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِیَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰه وَ ٰ⁠حِد وَلِیَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}[سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ: 52]
حقيقة الإنذار والعلم بأن الله عز وجل واحد وهو وحده المستحق للعبادة حاصلة لجميع الناس الذين وصلهم بلاغ القرآن، لكن من يتذكر فيعمل بما علم؛ فقط أولو الألباب
ومثلها قوله تعالى:{ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَك لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ }[سُورَةُ صٓ: 29]
التدبر وهو تأمل الألفاظ للوصول إلى المعاني، يمكن أن يحصل لكل أحد مؤمن وكافر، لكن من يتذكر فيعمل بما فهمه وتدبره؛ إنهم أولو الألباب.
كما قال تعالى عن قوم ثمود: {فأما ثمودُ فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [سورة فصلت: 17]
وقال عن قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا}[سورة النمل: 14]
ومما سبق تعلم أن التذكر على درجات كما أن حقيقة الدخول في صفة أولي الألباب على درجات
فأقل التذكر ما يحمل المرء على توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به شيئا أو ارتكاب أي ناقض من نواقض الإسلام، وأعلاها الوصول لدرجة المحسنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
{ وَٱلَّذِینَ ٱجۡتَنَبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن یَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ () ٱلَّذِینَ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}[سُورَةُ الزُّمَرِ: 17-18]

فمن هم أولو الألباب وكيف نكون منهم؟
نكون منهم !
أراك تستبعد الأمر، وتراهم من سفح جبل عالٍ وقد سبقوك لأعلاه!
فهل يمكن أن نكون منهم؟
نعم، يمكن لأي منا أن يكون من أولي الألباب إن اتبع خُطاهم وعمل بما أرشدنا الله عز وجل به لنكون منهم.
فتعالوا معنا نتعرف عليهم، ونتعرف السبيل للحاق بركبهم
أولو الألباب هم أولو العقول، ولكن الألباب معنى أخص من العقول
الألباب جمع لُب، وهو عقل خالٍ من الهوى، وراسخ في العلم ثابت على الحق؛ فكل لب عقل، وليس كل عقل لبًا.
واشتقاق اللب إما من اللباب وهو الخالص، كما قال الراغب الأصفهاني في المفردات: (اللُّبُّ: العقل الخالص من الشّوائب، وسمّي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه، كَاللُّبَابِ واللُّبِّ من الشيء وقيل: هو ما زكى من العقل، فكلّ لبّ عقل وليس كلّ عقل لبّا.
ولهذا علّق الله تعالى الأحكام التي لا يدركها إلّا العقول الزّكيّة بأولي الْأَلْبَابِ نحو قوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً إلى قوله:
أُولُوا الْأَلْبابِ [البقرة/ 269] ونحو ذلك من الآيات). اهـ
وإما من ألبّ ولبّ بالمكان أي أقام فيه ولزمه، قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط:(الألباب: جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك، إما لبنائه من قولهم: ألب بالمكان، ولب به: أقام، وإما من اللباب، وهو الخالص). اهـ
ويدلك على المعنيين قول الله عز وجل: { یُؤۡتِی ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرا كَثِیراۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}[سُورَةُ البَقَرَةِ: 269]

وقوله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰت مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰت فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰ⁠سِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ () رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ (٨) رَبَّنَاۤ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِیَوۡم لَّا رَیۡبَ فِیهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُخۡلِفُ ٱلۡمِیعَادَ}[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: 7-9]

ولهذا لا تعجب إذا وجدت الله عز وجل حصر التذكر في أولي الألباب، وبيّن لنا شيئا من صفاتهم الكريمة
قال تعالى: {أَفَمَن یَعۡلَمُ أَنَّمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰۤۚ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ () ٱلَّذِینَ یُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا یَنقُضُونَ ٱلۡمِیثَـٰقَ() وَٱلَّذِینَ یَصِلُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَیَخَافُونَ سُوۤءَ ٱلۡحِسَابِ () وَٱلَّذِینَ صَبَرُوا۟ ٱبۡتِغَاۤءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرّا وَعَلَانِیَة وَیَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّیِّئَةَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ () جَنَّـٰتُ عَدۡن یَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَاۤىِٕهِمۡ وَأَزۡوَ ٰ⁠جِهِمۡ وَذُرِّیَّـٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَدۡخُلُونَ عَلَیۡهِم مِّن كُلِّ بَاب () سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} [سُورَةُ الرَّعۡدِ: 19-24]

إنما يتذكر أولو الألباب … فمن هم أولو الألباب؟
عرفهم الله عز وجل لك في آيات سورة الرعد بأعمالهم.
أعد قراءة الآيات مرة أخرى وتأمل كل عمل منها، تأمل كيف يمكن للعالم أن يكون في حال أفضل إن كان في حياتك من هم بهذه الصفات؟
بل تأمل حالك أنت، كيف يمكن أن تكون بحال أفضل إذا كنت ممن يوفون بعهد الله عز وجل بالتوحيد وفي جميع أوامره، ولا تنقض المواثيق والعهود، وتصل كل ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام وغيرها من أوامر الله عز وجل، ويمتلئ قلبك خوفًا وخشية لله عز وجل، تعلم عظيم صفاته وجلاله سبحانه وأنه شديد العذاب فتخشى سوء الحساب بأن يحاسبك على كل ما قدمت ولا يتجاوز لك عن شيء.
ثم تكون من الصابرين ابتغاء وجه الله سبحانه، تشق عليك الطاعة فتجر نفسك جرًا وتحملها على الطاعة ابتغاء وجه الله
وتهوى المعصية فتصد نفسك عنها وتصبر على مر حرمانك منها ابتغاء وجه الله
وتبتلى بالأقدار المؤلمة فتصبر ولا تتسخط موقنًا أن الشر ليس إلى ربك الحكيم العليم وأنه مع الصابرين
تقيم الصلاة وتنفق مما رزقك الله؛ مالا كان أو علما أو جهدًا، في السر والعلانية
تذنب فتعلم أن لك ربا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب فتبادر لطلب عفوه تعمل الحسنات لتدرأ بها السيئات
راجيًا أن يكون عاقبة أمرك جنات عدن وأن تستقبلك الملائكة بقولهم: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)
وأراك عند هذه النقطة عدت لتنظر إلى أولي الألباب من تحت سفح جبل عال، وترى أمل اللحاق بركبهم بعيد، ولكن الله عز وجل الذي أنزل القرآن نورًا مبينًا للناس لم يتركنا دون بيان سبيل اللحاق بهم.
قال تعالى: { إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔایَـٰت لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}[سورة آل عمران: 190]
فكيف نكون من أولي الألباب؟
قال تعالى بعد هذه الآية يعرف لنا أولو الألباب
وفي هذا التعريف بيان السبيل للحاق بهم: { ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰما وَقُعُودا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ:191]
إذا هم الذين يذكرون الله عز وجل على كل أحوالهم؛ قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم من يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فيتذكرون بهذين الفعلين أن الله عز وجل لم يخلق الناس عبثًا وإنما سيحاسبهم على أفعالهم فيستجيبون لنداء الإيمان ويستعيذون من عذاب النار ويرجون ثواب الله عز وجل الذي وعد الله به عباده المؤمنين.
مفتاح الأمر إذا هو ذكر الله والتفكر في خلق والسماوات والأرض، وقد علمت أن التفكر يؤدي إلى التبصر والتبصر يؤدي إلى التذكر، الصفة التي حصرها الله عز وجل في أولي الألباب، فإذا تذكروا كانوا من الراسخين في العلم، الثابتين على الحق، أولي الحكمة، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، وسائر الأعمال التي سبق بيانها.
ولمزيد بيان وتأكيد على هذه الفكرة يمكنك أن تبحث في مصحفك الإلكتروني عن كلمة (تذكرون) وتأمل الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة؛ فعلى سبيل المثال، نتوقف أمام آيتين منهما:
قال تعالى: {أفمن يخلُقُ كمن لا يخلُق أفلا تذكرون}[سورة النحل: 17]
وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون}[سورة الزمر: 27]
بيّن الله عز وجل آياته في كتابه، ودعانا للتفكر في آياته الكونية لعلنا نتبصر فنتذكر ما ينبغي أن نكون عليه في هذه الحياة الدنيا !
فهل من السهل ذكر الله عز وجل على كل حال، والتفكر في خلق السماوات والأرض؟
نظريًا يبدو الأمر سهلا، عمليًا أعلم وتعلم أنه من الصعوبة بمكان، وأن هذا التغير من الصعب حصوله بين عشية وضحاها.
إذا أعدت النظر في تعريف اللُب؛ ستجد أنه العقل الخالص من الشوائب ومنه استفاد أبو حيان الأندلسي هذا المعنى: (العقل الخالي من الهوى)
الهوى وكل ما يشغل قلبك هو ما يحول بينك وبين ذكر الله عز وجل على كل حال
ولو تصورت أنك أخليت قلبك دفعة واحدة من كل شيء سوى الله عز وجل، ثم ملأته بذكر الله عز وجل، لتمكنت من ذكر الله عز وجل على كل حال، ولَتغير حالك بين عشية وضحاها، وهو مشاهد في بعض المسلمين الجدد وبعض التائبين إلى الله عز وجل من الغفلة والذنوب العظيمة
ولكن في غالب الأحوال يحتاج الأمر إلى مجاهدة طويلة قد تستمر لأيام أو شهور وربما سنوات
مجاهدة تحملك على إفراغ ما بقلبك مما يشغلك عن الله عز وجل، ليحل محله ذكر الله عز وجل
وهذه المجاهدة جاء في القرآن وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيان معالمها وسبيل الثبات عليها
فلم يتركنا الله عز وجل أبدًا دون بيان لما يصلح قلوبنا ويأخذ بها إليه
وقبل بيان شيء من هذه المعالم ينبغي أن تعلم أن ذكر الله عز وجل لفظ عام يدخل فيه ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح؛ فالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، والصلاة وقراءة القرآن والدعاء والتفكر في معاني أسماء الله الحسنى وصفاته كلها أنواع من الذكر، بل ويدخل في معنى الذكر التفكر في خلق السماوات والأرض إن كان يدلك على عظمة الخالق وتمجيده وتوحيده.
إذا علمت ما سبق فاعلم أن الله عز وجل شرع لنا عبادات مخصوصة في أوقات مخصوصة لذكره، منها ما هو فرض يجب الإتيان به، ومنها ما هو سنة يستحب الإتيان بها، وكلما أتى المرء بهذه العبادات وأحسن فيها كلما ازداد قلبه صفاء وكلما دخل في زمرة أهل الاصطفاء عند رب العالمين.
وأهم هذه العبادات، الصلاة، وأهم الصلوات ما فُرض منها، خمس صلوات على مدار اليوم والليلة، سبع عشرة ركعة ربما لن تأخذ منك أكثر من ساعة أو ساعة ونصف من يومك كله
هذه الصلوات إذا استحضرت فيها أنك تقيمها ذكرا لله عز وجل كما قال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري}[سورة طه: 14] واستحضرت كذلك أنك تؤديها تقربًا إليه وتعظيما لأمره، لتجد أنك ومع أداء صلاة بعد صلاة، ويومًا بعد يوم ستجعل قلبك أنقى وأقرب وأكثر قدرة على ذكر الله عز وجل على كل حال؛ فكثيرون يصلون، ولكن أكثرهم إنما يصلي ليؤدي الصلاة المفروضة حتى لا يأثم بتركها، وهو قدر جيد مطلوب، لكن زده إحسانًا تزدد قربًا وتعلو قدرًا وتقترب من أولي الألباب.
ومن العبادات التي شرعها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، الأذكار المخصوصة في أوقات مخصوصة ومنها أذكار الصباح والمساء، وأعلم أن كثيرًا منا يحرصون عليها، لكن قل من يستحضر معناها ويقرأها بقلب حاضر لا غافل لاه.
وسأضرب لك مثالا بذكر واحد فقط لترى كيف يمكن أن يؤثر في حياتك كلها ويخرجك من ظلمات الهم والكرب إلى نور الهدى والطمأنينة لجناب الله عز وجل
ألا وهو قول (سبحان الله وبحمده)
كلمة خفيفة جدًا، ثقيلة في ميزان الله عز وجل، يحبها الله ويحب من يحرص عليها، وجاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة تبين فضلها، وهي من الأذكار التي يستحب قولها كل صباح ومساء مائة مرة، وكذا من الأذكار التي يستحب قولها على مدار اليوم.
فما سر هذا الذكر؟
إليك بيان الأمر
أولا: معناها: وفيه تنزيه الله عن كل نقص وإثبات كل كمال له
حين ترددها ستخلي قلبك من كل ما يقدح في هذا المعنى
مهما يكن بك من ألم أو ابتلاء فليس عن عجز منه سبحانه، ولا هو غافل عن حالك -حاشاه- ولكنه العليم الحكيم له كل صفات الكمال، فمؤكد ما أصابك لحكمة يعلمها سبحانه وإن جهلته أنت!
مهما كانت الطاعة شاقة عليك، فإذا كانت من الفرائض، فمؤكد أنك تستطيعها أو أن في شرعه باب للتيسير عليك
فسبح بحمد ربك لتصبر على إتيانها، موقنا أن الله - سبحانه- منزه عن أن يفرض على عباده ما لا طاقة لهم به !
ومهما تكن المعصية أحب إليك، يؤلمك تركها، فسبح بحمد ربك لتصبر على تركها، فمؤكد أن فيها أذيتك من حيث تعلم أو لا تعلم.
ومن الجميل أن نتذكر أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكمه، ثم ذكر بعدها الأمر بالتسبيح بحمده فهو مما يعينه على الصبر لحكم الله عز وجل؛ وحكم الله شامل لابتلائه والأمر بالطاعة والنهي عن المعصية
قال تعالى: (وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡیُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِینَ تَقُومُ ۝ وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ) [سورة الطور 48 - 49]
ثانيا: إذا كان قول " سبحان الله وبحمده" يعلمنا أن لله عز وجل صفات الكمال، فهو يعلمنا كذلك عكس هذا المعنى في حق كل منا كإنسان؛ الله وحده له صفات الكمال، لكن لنا صفات النقص، وارد علينا الخطأ، الضعف، العجز، النسيان، الخوف...
من خلقنا يعلم عنا هذا؛ يعلم أننا سنذنب طوال حياتنا، بطبيعة نقصنا؛ لهذا شرع لنا التوبة والإصلاح، وبابها مفتوح أبدا حتى لحظة الوفاة، لكن هل سنتوب ونصلح الخطأ ونتبع السيئة الحسنة؟ هذا هو السؤال!
يعلم -سبحانه- أننا سنخاف، ونحزن، ونأسى…، لهذا شرع لنا ما يخفف عنا كل هذا.
ومن الجميل أن نلاحظ أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يسبح بحمده عند شعوره بالضيق والحزن من كلام المشركين المستهزئين
قال تعالى : (وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ یَضِیقُ صَدۡرُكَ بِمَا یَقُولُونَ ۝ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)[سورة الحجر 97 - 98]
وقال: (فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَاۤىِٕ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ) [سورة طه: 130]
ثالثا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قال: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، في يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». رواه البخاري.
أرأيت زبد البحر وهو الرغوة والفقاقيع إلتي تعلوه عند هيجانه، تصور كثرتها، وتصور كيف تحجب عنك صفاء البحر !
هكذا الذنوب، تحجب عن القلوب نورها وصفاءها، فإذا قلت سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، غفر الله ذنوبك ولو كانت كثيرة بمثل زبد البحر.
فتصور زبد البحر على كثرته، كيف تدفع به الأمواج وتطرحه، ويبقى البحر هو البحر، كذلك حين ينقينا الله من ذنوبنا ويطهرنا؛ لذا سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقولها في كل يوم رجاء مغفرة الله عز وجل، لنتطهر من ذنوبنا، ونقولها يومياً لأننا سنذنب في كل وقت وما لم نتطهر في كل وقت ستتراكم علينا الأدران ولا ندري علي أي حال سنلقى الله عز وجل، والله المستعان.
هذا أثر التفكر في ذكر واحد فقط، والتبصر به، فكيف يكون أثره عليك إن تذكرته في يومك وليلتك، وعند حزنك وضيق صدرك؟!
ولعلي لن أستطيع أن أبين لك معاني جميع الأذكار في هذا البحث القصير لكن أحيلك على كتاب معاني الأذكار لشيخنا الفاضل محمد صالح المنجد، بارك الله فيه ونفع به.
وهكذا أنت بحاجة إلى أن تدرب نفسك شيئا فشيئا على ذكر الله عز وجل؛ تبدأ بالصلوات المفروضة ثم تزدد من الأذكار المشروعة شيئا فشيئا ثم يكون لك وردٌ من القرآن ولو صفحة واحدة تزيدها يومًا بعد يوم، تتفكر في كل هذه العبادات، تفقه روحها وتأتيها بقلب حاضر، يلجأ إلى الله وإلى كلامه لجوء المحتاج لا لجوء المتعجل الذي يريد قضاء العبادة في أسرع وقت ليعود وينغمس في حياته الدنيا
ثم يكون لك وردٌ للتفكر في خلق السماوات والأرض، وأنت ذاهب إلى عملك أو محل دراستك
تتأمل هذا الكون على اتساعه كيف سخره الله لك لتتمكن من عبادته؟
هذه المخلوقات على كثرتها، وتنوعها، كيف يدبر الله أمرها ويرزقها جميعًا؟
هذه الأشجار حين تسقط أوراقها، الله يعلم كل ورقة تسقط على هذه الأرض كيف سقطت وأين سقطت، وأين ذهبت بها الرياح، أيغفل عنك وعما تفعل من طاعة أو معصية؟
أتغيب عنه حاجتك وفاقتك واضطرارك؟
حاشاه سبحانه!
ألا يورثك هذا التفكر تعظيم الله عز وجل واستشعار معاني أسمائه الحسنى وصفاته العليا؟!
وكلما تفكرت كلما تبصرت وكلما تذكرت هذه المعاني:
أولا: أن الله عز وجل لم يخلقنا عبثًا وإنما خلقنا لعبادته وسخر الكون كله لنا، وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعلمنا سبيل مرضاته فنتبعه ويبين لنا سبيل المجرمين فنجتنبه، وأعطانا إرادة الاختيار، ثم هو يبعثنا فيحاسبنا على ما قدمنا
ثانيًا: تعظيم الله عز وجل واستشعار معاني أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، صفات جلاله وجماله؛ فتزداد محبة له وتعظيمًا وانقيادًا لأمره مهما شق عليك.
ثالثا: يحصل لك توازن بين عبادتي الخوف والرجاء، فلا أنت خائفًا حد اليأس والقنوط من رحمته بعدما قادك ذكره والتفكر في خلقه إلى معاينة سعة رحمته سبحانه، ولا أنت راجيًا في عفوه ومغفرته حد التفريط في عبادته، بعدما امتلأ قلبك تعظيمًا لأمره وأيقنت أنه لم يخلقك عبثًا وأنك لابد محاسب على ما قدمت؛ فيستقيم قلبك على جناحي الخوف والرجاء، تقوده محبة الله عز وجل وتعظيمه؛ فتزداد إقبالا وقربًا وكلما ازددت ذكرًا وتفكرًا كلما ازددت تبصرًا وتذكرًا.
وتأمل قول الله عز وجل:
{أَمَّنۡ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَاۤءَ ٱلَّیۡلِ سَاجِدا وَقَاۤىِٕما یَحۡذَرُ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَیَرۡجُوا۟ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ} [سورة الزمر:9]
قانت ءاناء الليل ساجدًا وقائمًا
يحذر الآخرة
ويرجو رحمة الله ربه
جمع بين الخوف والرجاء وحسن العمل، لأنه يعلم أي تبصر، فأداه التبصر للتذكر
{إنما يتذكر أولو الألباب} !
وهذا المعنى هو ما أخبرنا الله عز وجل أن أولي الألباب توصلوا إليه مع ذكرهم لله عز وجل قياما وقعودًا وعلى جنوبهم وتفكرهم في خلق السماوات والأرض، إلا أنهم صاغوه في دعاء يتضرعون به إلى الله عز وجل:
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)} [سورة آل عمران: 190-194]
ومع هذا فلا تعجب إذا وجدت تكرار الأمر بالتقوى لأولي الألباب في كتاب الله عز وجل، أليسوا هم أولى بتحقيق التقوى مع ما نالوه من تفكر وتبصر وتذكر؟ والله المستعان.
قال سبحانه: {وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ } [سُورَةُ البَقَرَةِ: 197]
وقال: {قُل لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡخَبِیثُ وَٱلطَّیِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِیثِۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}[سُورَةُ المَائـِدَةِ: 100]
وقال: { وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَـٰهَا حِسَابا شَدِیدا وَعَذَّبۡنَـٰهَا عَذَابا نُّكۡرا () فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا () أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابا شَدِیداۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكُمۡ ذِكۡرا} [سورة الطلاق: 8-10]
ولا تعجب كذلك إذا وصفهم بالاعتبار بآياته كما قال تعالى:{ لَقَدۡ كَانَ فِی قَصَصِهِمۡ عِبۡرَة لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِۗ مَا كَانَ حَدِیثا یُفۡتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصۡدِیقَ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَتَفۡصِیلَ كُلِّ شَیۡء وَهُدى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ } [سُورَةُ يُوسُفَ: 111]
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: (بتّ في بيت ميمونة ليلةً والنبي صلى الله عليه وسلم عندها لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فتحدّث رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم مع أهله ساعةً، ثمّ رقد، فلمّا كان ثلث اللّيل الآخر، أو بعضه، قعد فنظر إلى السّماء، فقرأ:
{إنّ في خلق السّموات والأرض} إلى قوله: {لأولي الألباب}،
ثمّ قام فتوضّأ واستنّ ثم صلّى إحدى عشرة ركعةً، ثمّ أذّن بلالٌ بالصلاة فصلّى ركعتين، ثمّ خرج فصلّى للناس الصّبح)
ولنا في رسول الله صلى الله أسوة حسنة، فحريٌ بكل مؤمن أن يسعى لأن يكون له ورد ثابت من الذكر -على اختلاف أنواعه- والتفكر في خلق السماوات والأرض، يحسن فيهما قدر استطاعته، يتفكر ويتبصر ليتذكر وليسير على درب أولي الألباب، جعلني الله وإياكم منهم.
ختامًا أحمد الله عز وجل الذي أعانني على إتمام هذا البحث،؛ فما كان فيه من صواب فمن الله عز وجل وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان
وأشكر أستاذة ضحى على حثها لي على إتمامه وأشكرها على رسالتها التفسيرية التي استفدت منها فكرة البحث عن كيفية اللحاق بركب أولي الألباب، وهي في تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)}
يمكنكم الاطّلاع عليها هنا:
http://www.afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=45816

ربنا لا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
نكونُ, كيف


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:47 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir