دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > الدعوة بالقرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17 شوال 1436هـ/2-08-2015م, 09:22 PM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,523
افتراضي رسالة في تفسير قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }

رسالة في تفسير قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }

الحمدُ لله الذي أنزل القرآن هدىً للناس عامةً ثم خص المتقين بالانتفاع به ، وصلى الله على المبعوثِ رحمة للعالمين ، أمّا بعد :
فقد تأملتُ في حالِ أمتنا فتألمت ؛ تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتِها ولسنا بقليل ، فما أكثر ذوي المناصب والسلطان في بلادنا وقد أوتنيا قوة من علم في مختلف التخصصات وقوة مادية من أموال وثروات وغير ذلك.
فلما رأيتُ ذلك هرعتُ إلى كتاب الله ألتمسُ منه الهدى ووصف الدواء حتى وقفتُ على آيةٍ قليلة اللفظ عظيمة المعنى ، كافية لتنير درب الحائرين مثلي وتشفي صدور قومٍ مؤمنين ؛ ألا وهي قوله تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }
وقد جاء هذا الأمرُ الإلهي بعد الحديث عن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك عن غير عذرٍ ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزوة وسألهم عن سبب تخلفهم ، لم يختلقوا أعذارًا ولم يكذبوا عليه - صلى الله عليه وسلم - وإنما تحملوا الصدق راجين أن يتوب الله عليهم بسبب صدقهم ، فأرجأ رسول الله أمرهم حتى يحكم الله فيهم ومن ذلك قوله: { وعلى الثلاثة الذين خُلفوا } أي : أرجأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المقابل : قَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعذار المنافقين وأوكل سرائرهم إلى الله - عز وجل -. حتى إذا مرَّت خمسون ليلة على هؤلاء النفر الثلاثة ، يعانون فيها من مقاطعة جماعة المؤمنين وعلى رأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يتضرعون إلى رب العباد أن يتقبلهم ويكشف عنهم ما هم فيه ؛ وقد وصلوا إلى حال ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، فأنزل الله فيهم آياتٍ تُتلى إلى يوم الدين
قال كعب بن مالك - رضي الله عنه - بعدما ساق قصة تخلفه عن غزوة تبوك ، ووصف بالتفصيل ما لاقوه ثم حكى لحظة الفرج : "
" فوالله ما أعلم أحداً أبلاه الله في صدق الحديث أحسنَ مما أبلاني ما تعمدتُ منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً فأنزل الله - عز وجل - { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خُلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم }
حتى بلغ : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }". رواهُ مسلم.

فلنتوقف أمام تفسير هذه الآية ونتدبر معاني كلماتها ، عسانا نكونُ من أهلِها :

{ يا أيها الذين آمنوا }
هذا النداء الإلهي لعموم المؤمنين ، يفيد بأن ما بعده من لوازم الإيمان التي لا يتم إيمان المرء إلا بها ؛ كأنه يقول : يا أيها الذين آمنوا اعملوا بما يقتضيه إيمانكم ؛ فتتهيأ النفوس لاستقبال هذا الأمر ويحثها نداءُ ربِّ العالمين على امتثاله ، وعلى قدرِ إيمان العبدِ يكونُ امتثاله لأمر ربه.
ومن أعظم الأسباب التي تقوي إيمان العبد أن يتأمل في آيات الله - عز وجل - فيتفكر في عظيم خلقه للكون ، بل عظيم خلقه لك - أيها الإنسان - ، وأن تتأمل في رسالات الله إليك ؛ ذلك القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، ثم يبادر إلى الطاعات ويجتنب المحرمات راجيًا رحمة الله ، يقبل عليه حبًا وتعظيمًا وانقيادًا لأمره ، وكلما اقترب من الله شبرًا ، وابتعد عما يغضب الله - عز وجل - ، قربه الله أكثر ، فالإيمان - كما هو معلومٌ -: قول باللسان واعتقادٌ بالجنان - أي القلب - وعمل بالأركان - أي : أعمال الجوارح - ، يزيدُ بالطاعاتِ وينقص بالمعصية .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة ، أعلاها قولُ " لا إله إلا الله " وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان ). رواهُ مسلم.
فتأمل كيف جمع هذا الحديث عمل اللسان المتمثل في قول " لا إله إلا الله " ، وعمل الجوارح المتمثل في إماطة الأذى عن الطريق ، وعمل القلب المتمثل في الحياء.


فيا معاشر من آمنوا بالله :
{ اتقوا الله }
وأصلُ تحقيق التقوى أن يجتنب المسلم ما نهى الله عنه ، ويؤدي ما فرضه الله عليه ، فإذا فعل ذلك فقد اتقى عذاب الله - عز وجل -.
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية : " (اتقوا الله) وراقبوه بأداء فرائضه، وتجنب حدوده "
ومن هذا المعنى العام نستفيد أن فيه حثًا على امتثال الأمر التالي ؛ وكأنه يقول : أن الأمر بأن نكون مع الصادقين من تقوى الله فافعلوه.


{ وكونوا مع الصادقين }
فإن قيل فمن هم الصادقون الذين أمرنا أن نكون معهم ؟
اختلفت أقوال المفسرين في تحديد المقصود بالصادقين تبعًا لاختلافهم في تحديد المخاطب بالآية :
القول الأول : أنهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأصحابهما ، رواه ابن جرير عن نافع وسعيد بن جبير والضحاك ، بألفاظٍ متقاربة.
وهذا على القول بأن المخاطبين بالآية هم الثلاثة الذين خُلفوا ، فكأنما قيل لهم : كونوا مع من صدقوا الله فما تخلفوا عن الغزو.

وقال بنحو هذا القول الزجاج في معاني القرآن وابن كثير في تفسيره ، والألوسي في روح المعاني.

القول الثاني : أنهم الثلاثة الذين خُلفوا ، وهذا على القول بأن المخاطب بالآية هم عموم المؤمنين ؛ فكأنما قيل : كونوا مثل هؤلاء الثلاثة في صدقهم.
وقال بنحو ذلك ابن كثير في تفسيره وابن عاشور في التحرير.
القول الثالث : أن المقصود عموم المؤمنين ، وهذا على القول بأن بالمخاطب بالآية هم أهل الكتاب ، فكأنما قيل : كونوا مثلهم في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة.قال بذلك الألوسي في روح المعاني ، ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - القول بأن الخطاب في الآيات لأهل الكتاب.

وذكر القرطبي أقوالًا أخرى في تفسير المقصود بالصادقين ببعض آيات القرآن الكريم ،
  • مثل قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب … } إلى قوله - تعالى - : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون }
  • أو أنهم المقصودون بقوله تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . . }
  • أو أنهم المهاجرون لقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين …. } ، ثم قال: { أولئك هم الصادقون }
والمتأمل لجميع الأقوال الواردة يجد أن اللفظ يحتملها ، وإن كان الأنسب للسياق القول الأول منها ، ولكن بالنظر إلى قاعدة : " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " ؛ فإن الخطاب لعموم المؤمنين أن يكونوا مع من كان وصفهم الصدق ؛ نية وقولا وعملا ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم أولى من يتصف بذلك.

فإن قيل : فما هو المقصود بالصدق في الآية ، هل يقتصر المراد على صدق الحديث أم هو أعم من ذلك ؟
يقال : اختلفت أقوال المفسرين أيضًا في هذه المسألة على قولين :
القول الأول : أن المقصود صدق الحديث ، وروى ابن جرير عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: قال ابن مسعود: : " إن الكذب لا يحلُّ منه جدٌّ ولا هزلٌ, اقرءوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ)، قال: وكذلك هي قراءة ابن مسعود: (من الصادقين), فهل ترون في الكذب رُخْصَة؟".

القول الثاني : أن اللفظ أعم من صدق الحديث ولكن يشمل الصدق في النية والقول والعمل ، وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري وابن عطية.

قال ابن عطية في تفسيره :
" إن اللفظ أعم من صدق الحديث، وهو بمعنى الصحة في الدين والتمكن في الخير، كما تقول العرب: عود صدق ورجل صدق" واستنبط ذلك من قول نافع والضحاك بأن المقصود بالصادقين هم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -.

وفي صيغة الأمر بقوله : { كونوا مع الصادقين } لطيفة بديعة ؛ وهو أنه لم يأمر بمجرد الصدق ولكن أمر بأن نكون مع الصادقين وهذا يستلزم صحبتهم في الحال ، وأن نتصف بما اتصفوا به.
وقد ذكر نحو ذلك ابن عطية في تفسيره وابن عاشور في التحرير.


فإن قيل فما صفات الصادقين التي يجب أن نتحلى بها لنكون معهم ؟
قلتُ : قد بينها الله - عز وجل - في أكثر من آية في كتابه الكريم ، وبينتها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته - رضوان الله عليهم - ، وهي أكثر من تحصر ، فقد كانوا صادقين في نياتهم حين أخلصوا عملهم لله - عز وجل - ، صادقين في أعمالهم ؛ لم يعرفوا كسلا ولا فتورًا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما اشتد الأمر ، صادقين في أقوالهم ؛ لم يتعمدوا كذبًا حتى وإن أدى ذلك إلى مقاطعة جماعة المؤمنين لهم كما حدث مع الثلاثةِ الذين خُلفوا ، ولكن حسبي أن أشير إلى بعضها فيغني ذلك عن البقية.
وأول ذلك : الصدق مع الله ؛ وكل ما بعده يتفرعُ عنه :
وأولُ الصدق مع الله أن تصدق النية ، فتجعل عملك خالصًا لوجهه الكريم ، ثم تصدق العزم فتسعى جاهدًا لفعل ما أمرك الله به واجتناب ما نهاك عنه ، وتصبر على ذلك مهما لاقيت من أذى.
وقال الله - عز وجل - : { من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }
وقال الله - عز وجل - : { فأولى لهم. طاعةٌ وقولٌ معروف فإذا عزم الأمرُ فلو صدقوا الله لكان خير لهم }
قال السعدي في تفسيره لهذه الآية : " أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه.{ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ } أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } " اهـ.

وفي الحديث عن شداد بن الهاد - رضي الله عنه -: " أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه ، ثم قال : أهاجر معك ، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - سبيا ، فقسم وقسم له ، فأعطى أصحابه ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوه إليه ، فقال: ما هذا؟! ، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما هذا؟! ، قال: (قسمته لك) ، قال: ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا ــ وأشار إلى حلقه ــ بسهم؛ فأموت ، فأدخل الجنة.
فقال: ( إن تصدق الله يصدقك ) ، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأُتِيَ به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أهو هو ) ، قالوا: نعم ،قال: (صدق الله فصدقه) ، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته : (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك).رواهُ النسائي ، وصححه الألباني في صحيح النسائي.
فتأمل ذلك الصحابي ، وتأمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن تصدق الله يصدقك "
فكان الشرط أن يصدق الله في النية والعزم ، حتى يتحقق جواب الشرط فيصدقه الله بتحقيق أمله.

وإذا تأملنا قصة الثلاثة الذين خُلفوا وتأملنا وصف كعب بن مالك لحالته وحالة أصحابه ، سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما خلفك ؟ ، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " ، قال كعب : " يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ،والله ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ".

وتأملوا قوله : " إني لأرجو فيه عقبى الله " ؛ فهو لا يرجو من ذلك رضا أحدٍ من البشر ، وإنما يرجو عقبى اللهِ.
ثم تأملوا ما حصل له وهو يصف ذلك ويقول : ( فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ؛ فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ، ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله ؟ ، قال : فسكت ، فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك قال ، فطفق الناس يشيرون له إلي ، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه : " أما بعد : فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك". قال : فقلت حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور). رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، واللفظ لمسلم.

والشاهد أنه برغم مقاطعة المسلمين لهم ، وشدة ذلك الأمر عليهم ، إلا أن كعب بن مالك لم يستجب لدعوة ملك غسان بل حتى لم يفكر ، وألقى الكتاب في النار ! ، ثم كانت النتيجة بعد خمسين ليلة من هذه الحالة أن أنزل الله فيهم قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين يبشر بقبول توبتهم !
صدقوا الله فصدقهم ؛ صدقوا النية حينما رجوا بتوبتهم الله - عز وجل - ،وصدقوا القول حينما لم يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا في الفعل حين ثبتوا على توبتهم راجين أن يفرج الله عنهم ما فهم فيه.
وسبيل تنمية الصدق مع الله يؤخذ من أول النداء في الآية وهو : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله }
فإن تحقيق الإيمان في قلب العبد ، ومراقبة الله عز وجل هي ما تجعل العبد يصدق مع ربه في كل شيء ، كما قال كعب : " يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله"
فهو يوقنُ أن الله مطلع عليه ، ويعلم سريرته ، ويعلم أنه لم يكن له عذر ، فمنعه ذلك الإيمان من الكذب.


ثم الصدق مع النفس :
ولا يصدق مع نفسه إلا من تجرد من أمراض القلب ، فلا يعرف كبرًا ولا عجبًا ولا غرورًا.
ولا يرتقي في دينه ودنياه إلا صادق مع نفسه لأنه لا يبالي أن يعترف بأخطائه إذ يعلم جيدًا أن أخطاءَه تلك تورده المهالك إن بقي عليها.
وإذا صدق المرءُ مع نفسه واعترف بذنبه ، سهل عليه التخلص منه ، بعكس من يفعل الذنب وهو يحسبُ أنه يحسنُ صنعًا.
قال الله - عز وجل : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم والله غفور رحيم }
وقال : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا }
وإذا عدنا إلى قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - مرةً أخرى ، نجد أنه قال : " والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك " .


ثم الصدقُ مع الناس :
ومن أمثلة الصدقُ مع الناس صدقُ الحديث و الوفاء بالعهد.
وقد عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب في صفات المنافقين فقال :
" عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " أربع من كن فيه كان منافقا ، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر ، وإذا عاهد غدر". أخرجه البخاري ومسلم .

ومن المؤسف أن يتفشى الكذب في مجتمعنا ويعتقد الناس أن فيه نجاةً ، ولكن الحقيقة أنه يوقعهم في كثير من المهالك وليس أصدق من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : " إن الكذب فجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ".
فلننظر إلى ذلك الوصف ثم ننظر إلى ما يقابله من عاقبة الصدق : " إن الصدق بر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا "
وفي روايةٍ أخرى عند مسلم أيضًا : " إن الصدق يهدي إلى البر وإنّ البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا ".
قال النووي في شرح الحديث : " قال العلماء : معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم ".
وقال في معنى تحري الصدق : " قصده والاعتناء به ".


ومن الآيات التي جمعت صفات الصادقين ، قوله تعالى :
{ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ البقرة : 177]

فتأمل كيف ختم الله هذه الصفات بقوله : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون }
وتأمل كيف تنوعت الصفات لتشمل العبادات القلبية والعملية ، ولتشمل العبادة في حال الرخاء ، وحال الشدة عند الفقر أو المرض أو القتال؛ بل ووصفهم بأنهم يبذلون من أحب مالهم في سبيل الله فقال : { وآتى المال على حبه }.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره : " يعني - تعالى ذكره- بقوله: " أولئك الذين صدقوا "، من آمن بالله واليوم الآخر, ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية. يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله.
وقال : حُدِثتُ عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أولئك الذين صدقوا " قال، فتكلموا بكلام الإيمان, فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله.
قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل, فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.


ومن الآيات التي تؤكد على هذا المعنى أيضًا قوله تعالى :
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات: 15 ]
قال ابن زيد, في قوله ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) : " صدّقوا إيمانهم بأعمالهم ". رواه ابن جرير في تفسيره.

وأختمُ بحديث يبين الفرق بين حالنا الآن وحال الصحابة الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله فاستحقوا أن ينصرهم الله - عز وجل - ويعزهم ويقوي دولتهم بعد أن كانوا ضعافًا متفرقين !
وهذا الحديث من مشهدِ بيعة العقبة الثانية ،
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - لما قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعونه وقد كانوا سبعين رجلا وامرأتين :
قالوا : " يا رسول الله علام نبايعك ، قال : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. قال : فقمنا إليه فبايعناه ، وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - ، فقال : رويدا يا أهل يثرب ، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف ؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله ، قالوا : أمط عنا يا أسعد ؛ فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا. قال : فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط ، ويعطينا على ذلك الجنة ". اهـ
الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال :روى أصحاب السنن منه طرفا . رواه أحمد ، والبزار وقال في حديثه : فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها . ورجال أحمد رجال الصحيح .

فتأمل ، كيف حثهم أسعد بن زرارة - رضي الله عنه - على الصدق في العهد ، وكيف أصروا على البيعة ، ثم تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف نصره أصحابه ، وثباتهم بعد وفاته حتى نشروا الإسلام لحدود الصين شرقًا ولإفريقيا جنوبًا ، وللأندلس في الشمال الغربي.

فــ { يا أيها الذين آمنو اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }
واتقوا يومًا تُبلى فيه السرائر ، يومٌ لا ينفعُ فيه مثل الصدق ، قال الله - عز وجل - : { هذا يوم ينفعُ الصادقين صدقهم } [ المائدة : 119 ]
أسأل الله أن يدخلنا مدخل صدقٍ ، ويخرجنا مخرج صدقٍ ويجعل لنا من لدنه سلطانًا نصيرًا ، وصلى الله على نبينا محمد وسلّم تسليمًا كثيرًا.

_____________________________________________________________

عملي في الرسالة :
المقصد :
بيان أهمية الصدق في صلاح الأمة في الدنيا والآخرة.

المخاطب :
طلاب العلم والمتصدرون للدعوة والعمل الإصلاحي خاصة.

الأسلوب :
وعظي علمي ، وإن كنتُ لجأتُ إلى التقرير العلمي أحيانًا لأن المخاطبين من طلاب العلم.

الأنموذج :
تفسير الوصية الأولى للشيخ عبد العزيز الداخل - حفظه الله - ، واستفدتُ من طريقة ابن القيم - رحمه الله - في رسائله ، بالأخص تفسيره لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }.

المراجع :
- تفسير ابن جرير الطبري.
- معاني القرآن للزجاج.
- تفسير ابن عطية.
- تفسير ابن كثير.
- تفسير الألوسي ( روح المعاني ).
- تفسير ابن عاشور ( التحرير والتنوير).
- تفسير القرطبي.
- تفسير السعدي.
- صحيح مسلم وشرحه للنووي.
- مجمع الزوائد للهيثمي.



والله أسأل أن ينفع بي وبكم الإسلام والمسلمين.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
رسالة, في


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:46 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir