دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > الرسالة التدمرية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 5 ذو الحجة 1429هـ/3-12-2008م, 07:09 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,453
افتراضي أصل الشرك: الشرك بالشيطان

وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الشِّرْكِ بِالْمَلاَئِكَةِ، وَالشِّرْكِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَالشِّرْكِ بِالْكَوَاكِبِ، وَالشِّرْكِ بِالْأَصْنَامِ - وَأَصْلُ الشِّرْكِ، الشِّرْكُ بِالشَّيْطَانِ - فَقَالَ عَنِ النَّصَارَى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا واحدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وَقَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعَلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)، وَقَالَ تَعَالَى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولُ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْد إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، فَبَيَّنَ أَنَّ اتَّخَاذَ الْمَلاَئِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كُفْرٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَزْعُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَوِ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ شَارَكُوا اللَّهَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ وَلاَ زَعَمَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْعَالَمَ لَهُ صَانِعَانِ مُتَكَافِئَانِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ وَلاَ أَثْبَتَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَهًا مُسَاوِيًا لِلَّهِ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، بَلْ عَامَّةُ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ شَرِيكُه مِثْلَه، بَلْ عَامَّتُهمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الشَّرِيكَ مَمْلُوكٌ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ كَوْكَبًا أَوْ صَنَمًا، كَمَا كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَك، إِلاَّ شَرِيكًا هُوَ لَك، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَالَ: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ).
وَقَدْ ذَكَرَ أَرْبَابُ الْمَقَالاَتِ مَا جَمَعُوا مِنْ مَقَالاَتِ الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالْآرَاءِ وَالدِّيَانَاتِ، فَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ أَحدٍ إِثْبَاتَ شَرِيكٍ مُشَارِكٍ لَهُ فِي خَلْقِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلاَ مُمَاثِلٍ لَهُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَقَلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلُ الثَّنَوِيَّةِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْأَصْلَيْنِ: النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَأَنَّ النُّورَ خَلَقَ الْخَيْرَ،وَالظُّلْمَةَ خَلَقَتِ الشَّرَّ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُمْ فِي الظُّلْمَةِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُحَدَثَةٌ، فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا قَدِيمَةٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ إِلاَّ الشَّرَّ، فَكَانَتْ نَاقِصَةً فِي ذَاتِهَا وَصَفَاتِهَا وَمَفْعُولاَتِهَا عَنِ النُّورِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَنِ المُشْرِكِينَ مِنْ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْمَخْلُوقَاتِ مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِيَ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وَقَالَ تَعَالَى: ( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) إِلَى قَوْلِهِ: ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ).

  #2  
قديم 7 ذو الحجة 1429هـ/5-12-2008م, 04:17 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,453
افتراضي تقريب التدمرية للشيخ: محمد بن صالح العثيمين

فَصْلٌ

مَبْنَى الإِسلامِ على توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)([1]). ولا بُدَّ في التَّوحيدِ منَ الجَمْعِ بينَ النَّفْيِ والإِثباتِ، لأنَّ النَّفيَ وحدَهُ تعطيلٌ، والإِثباتَ وحْدَهُ لا يَمنعُ المشاركةَ فلا توحيدَ إلاَّ بنفيٍ وإثْباتٍ.
وقدْ قسَّمَهُ العلماءُ بالتَّتَبُّعِ والاسْتقراءِ إلى ثلاثةِ أَقسَامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ.
القِسْمُ الثَّاني: توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
القِسْمُ الثالثُ: توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وقدْ جَمَعَ اللهُ هذهِ الأقسامَ في قولِهِ تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)([2]).
فأمَّا توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ فهوَ إفرادُ اللهِ تعالى بالخَلْقِ، والمُلْكِ، والتَّدبيرِ.
ومنْ أدلَّتِهِ قولُهُ تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([3]). وقولُهُ: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)([4]) وقولُهُ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)([5]).
وهذَا قدْ أَقَرَّ بهِ المشركونَ الّذينَ بُعِثَ فيهمْ رسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كمَا قالَ اللهُ تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)([6]). (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)([7]). وقالَ تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)([8]).
وقالَ تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَسَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، إلى قولِهِ: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)([9]).
ولم يكنْ أحدٌ منْ هؤلاءِ المشركينَ ولاَ غيرِهِمْ ممَّنْ يُقِرُّ بالخالقِ يَعتَقدُ أنَّ أحداً منَ الخَلْقِ شارَكَ اللهَ تعالى في خلْقِ السَّمواتِ والأَرْضِ أوْ غيرِهِمَا، ولاَ أنَّ للعالَمِ صانِعَيْنَ متكافِئَيْنَ في الصِّفاتِ والأفعالِ، ولم يَنقُلْ أربابُ المقالاتِ الّذينَ جَمَعُوا مَا قيلَ في المِلَلِ والنِّحَلِ، والآراءِ والدِّياناتِ عنْ أحدٍ منَ النَّاسِ أنَّهُ قالَ بذلكَ.
وغايةُ ما نَقلُوا قولَ الثَّنَويَّةِ القائِلينَ بالأصْلَيْنِ: النورِ، والظُّلمةِ، وأنَّ النورَ خلَقَ الخيرَ، والظُّلْمَةَ خَلَقَت الشَّرَّ، لكنَّهُمْ لاَ يقولونَ بتساويهِمَا وتكافئِهِمَا فالنُّورُ مُضيءٌ موافِقٌ للفطرةِ، بخلافِ الظُّلْمَةِ، والنُّورُ قديمٌ، ولهمْ في الظُّلْمَةِ قولاَنِ:
أحدُهُمَا: أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مخلوقةٌ للنُّورِ، فيكونُ النُّورُ أَكمَلَ منْهَا.
الثَّاني: أَنَّهَا قديمةٌ لكنَّهَا لا تَخْلُقُ إلا الشَّرَّ.
فصَارت الظُّلْمَةُ ناقِصَةً عنِ النُّورِ في مفْعُولاتِهَا، كمَا أنَّهَا ناقصةٌ عنْهُ في وجودِهَا وصِفَاتِهَا. وأمَّا قولَ فِرْعَونَ لِقَوْمِهِ حينَ جَمَعَهُمْ فنَادَى: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)([10]). وقولُهُ: (يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)([11]). فمُكابَرةٌ لمْ يَصدُرْ عنْ عقيدةٍ، بلْ كانَ يَعتقدُ في قَرارةِ نفسِهِ أنَّ اللهَ هوَ ربُّ السَّمواتِ والأَرْضِ ولهذَا لم يَكْذِبْ موسى حينَ قاَلَ لهُ: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لاَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)([12]). واقْرأْ قولَهُ تعالى عنْ فِرعونَ وقومِهِ: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)([13]).
وأما قولُ منْ قالَ منَ النَّاسِ إنَّ بعْضَ الحوادثِ مخلوقةٌ لغيرِ اللهِ كالقدريَّةِ الذينَ يقولونَ إنَّ العِبادَ خَلَقُوا أفعالَهُمْ، فإنَّهُمْ يُقِرُّونَ بأنَّ العِبادَ مخلوقونَ واللهَ تعالى هوَ خالِقُهُمْ وخالِقُ قُدْرَتِهِم.
وكذلكَ أهلُ الفلسَفَةِ، والطَّبْعِ، والنُّجُومِ الّذينَ يَجعلونَ بعضَ المخلوقاتِ مُبْدِعَةٌ لبعضِ الأمورِ يَعتقدونَ أنَّ هذِهِ الفاعلاتِ مخلوقةٌ حادثةٌ.
وبهذَا يَتقرَّرُ أنَّهُ لمْ يكنْ أحدٌ منَ النَّاسِ يَدَّعي أَنَّ للعالَمِ صانعِينَ متكافِئَيْنَ.

([1]) سورة الأنبياء، الآية: 108.

([2]) سورة مريم، الآية: 65.

([3]) سورة الأعراف، الآية: 54.

([4]) سورة آل عمران، الآية: 189.

([5]) سورة سبأ، الآيتان: 22، 23.

([6]) سورة الزخرف، الآية: 87.

([7]) سورة لقمان، الآية: 25.

([8]) سورة يونس، الآية: 31.

([9]) سورة المؤمنون، الآيات: 84-90.

([10]) سورة النازعات، الآية: 24.

([11]) سورة القصص، الآية: 38.

([12]) سورة الإِسراء، الآي: 102.

([13]) سورة النمل، الآية: 14.

  #3  
قديم 16 ذو الحجة 1429هـ/14-12-2008م, 06:24 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي التحفة المهدية للشيخ: فالح بن مهدي الدوسري


قولُه:
وقد قالَ سبحانَه: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ذَكرَ ذلك في موضعين من كتابِه، وقد بيَّنَ في كتابِه الشرْكَ بالملائكةِ، والشرْكَ بالأنبياءِ، والشرْكَ بالكواكبِ، والشرْكَ بالأصنامِ فقالَ عن النصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وقالَ تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}. وقالَ تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ}. إلى قولِه: {وَلاَ يَأْمُرَكُم أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فبيَّنَ أنَّ اتِّخاذَ الملائكةِ والنبيِّين أرباباً كُفْرٌ. ومعلومٌ أن أحداً من الخلْقِ لم يَزعمْ أن الأنبياءَ والأحبارَ والرهبانَ ومريمَ شاركوا اللهَ في خلْقِ السمواتِ والأرضِ، بل ولا زَعمَ أحدٌ من الناسِ أن العالَمَ له صانعان متكافِئان في الصفاتِ والأفعالِ، بل ولا أَثبتَ أحدٌ من بني آدمَ إلهاً مُساوياً لِلَّهِ في جميعِ صفاتِه. وعامَّةُ المشركين باللهِ مقِرُّونَ بأنه ليس شريكُه مثلَه، بل عامَّتُهم يُقرِّون أن الشريكَ مملوكٌ له، سواءً كان ملِكاً أو نبيًّا أو كوكباً أو صنَماً، كما كان مشركو العربِ يقولون في تلبيتِهم لبَّيكَ لا شريكَ لك، إلا شريكاً هو لك، تَمْلِكُه وما مَلكَ، فأهَلَّ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيدِ وقالَ: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ).

وقد ذَكرَ أربابُ المقالاَتِ ما جَمَعوا من مقالاَتِ الأوَّلين والآخِرين في المِللِ والنِّحَلِ والآراءِ والدياناتِ فلم يَنقُلوا عن أحدٍ إثباتَ شريكٍ مشارِكٍ له في خلْقِ جميعِ المخلوقاتِ، ولا مماثلٍ له في جميعِ الصفاتِ، بل من أعظمِ ما نَقَلُوا في ذلك عن الثنَوِيَّةِ الذين يقولون بالأصلين النورِ والظُّلمةِ وأن النورَ خَلقَ الخيرَ، والظُّلمةَ خلَقَت الشرَّ، ثم ذَكروا لهم في الظُّلمةِ قولين: أحدُهما أنها محدَثةٌ، فتكونُ من جملَةِ المخلوقاتِ له، والثاني أنها قديمةٌ، لكنها لم تَفعلْ إلا الشرَّ، فكانت ناقصةً في ذاتِها وصفاتِها ومفعولاتِها عن النورِ، وقد أخبرَ اللهُ سبحانَه عن المشركين من إقرارِهم بأن اللهَ خالقُ المخلوقاتِ ما بيَّنَه في كتابِه، فقالَ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} وقالَ تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. إلى قولِه: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} إلى قولِه: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} وقالَ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}.





الشرْحُ:
بعدَ أن بيَّنَ الشيخُ أن الإسـلامَ بمعناه العامِّ هو دِينُ جميعِ الرسُلِ وأن مَن أَطاعَ رسـولَه من الأُمَمِ السابقةِ يُقالُ له مسلِمٌ، كما يُقالُ ذلك لأمَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بيَّنَ بعدَ ذلك أن مَن صَرفَ شيئاً مِن أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ بأن تقرَّبَ إلى مَلِكٍ، أو نَبِيٍّ، أو وَلِيٍّ، أو كوكبٍ، أو شجرةٍ، أو حجَرٍ، فهو مشرِكٌ وقد قالَ اللهُ جلَّ وعَلا في حقِّ المشرِكين {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيماً} وقالَ في الموضعِ الآخَرِ من سورةِ النساءِ أيضاً: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} ثم استَشهدَ المؤلِّفُ بآيةِ براءةٍ وآيةِ المائدةِ، وآيةِ آلِ عِمرانَ على ذَمِّ عابدِ العلْماءِ والعبَّادِ والملائكةِ والأنبياءِ وبيانِ شِرْكِهم وكُفرِهم. وحكْمُ اللهِ عليهم بالكفْرِ إنما هو بسببِ شِركِهم مع اللهِ في عبادتِه ما لا يَخلُقُ شيئاً وهم يُخلقون ولا يَستطيعون لهم نصراً ولا أنفسَهم يَنصرون، فكان المشركون من النصارى والعربِ وغيرِهم من أصنافِ الأممِ الضالَّةِ يَعتقدون في الملائكةِ أو الأنبياءِ أو الشيوخِ أنهم شفعاءُ لهم عندَ اللهِ، كما يَشفعُ الشفعاءُ إلى ملوكِ الدنيا، ويَضربون للهِ مثلاً فيقولون: من أَرادَ أن يَتقرَّبَ إلى مَلكٍ عظيمٍ فلا ينبغي له أن يأتيَ إليه أوَّلاً؛ بل يتقرَّبُ إلى خاصَّتِه وهم يَرفعون حوائجَه ويُقرِّبونه إليه قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} ذَكرَ سبحانَه هذا بعد قولِه: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ثم قالَ سبحانَه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وقد نَفى هذه الشفاعةَ التي يَزعمونها كما قالَ تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} وقالَ: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} وقالَ تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}، وقالَ سبحانَه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وقالَ تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}.

قالَ الشيخُ: فهذه الشفاعةُ التي يَظنُّها المشركون هي مُنتفِيَةٌ يومَ القيامةِ كما نَفاها القرآنُ، وأما شفاعتُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الآخرةِ فقد أَخبرَ أنه يأتي فيَسجدُ لربِّه ويَحمَدُه ولا يَبدأُ بالشفاعةِ أوَّلاً، فإذا سَجدَ وحَمِدَ ربَّه بمحامدَ يَفتحُها عليه، قيلَ له: أيْ محمَّدُ ارفعْ رأسَك، وقلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَ، واشفَعْ تُشفَّعْ. فيقولُ أيْ ربِّ أُمَّتِي، فيَحُدُّ له حدًّا فيُدخلُهم الجنةَ وكذلك في الثانيةِ وكذلك في الثالثةِ، قالَ أبو هريرةَ مَن أَسعدُ الناسِ بشفاعتِك يومَ القيامةِ؟ قالَ: (مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ). فتلك الشفاعةُ لأهلِ الإخلاصِ بإذنِ اللهِ ليست لمن أَشركَ باللهِ، ولا تكونُ إلاِ بإذنِ اللهِ وحقيقةُ الأمرِ أن اللهَ هو الذي يَتفضَّلُ على أهلِ الإخلاصِ والتوحيدِ فيَغفرُ لهم بواسطةِ دعاءِ الشافعِ الذي أَذنَ له أن يَشفعَ ليُكرمَه بذلك، ويَنالَ المقامَ المحمودَ الذي يَغبطُه به الأوَّلون والآخِرون. كما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدنيا يَستسقي لهم ويدعو لهم. فمقصودُ القرآنِ، بنفيِ الشفاعةِ: نفيُ الشرْكِ؛ وهو أن لا يُعبدَ إلا اللهُ ولا يُدعى سواه ولا يُسئلَ غيرُه ولا يُتوكَّلَ على غيرِه لا في شفاعةٍ ولا غيرِها. فليس له أن يَتوكَّلَ على أحدٍ في أن يَرزقَه، وإن كان اللهُ يأتيه برزقِه بأسبابٍ.

وحينئذٍ فالمشركون جميعاً لم يكونوا جاحدين لربِّ العالمين، ولا قالَ أحدٌ قَطُّ من الآدميِّين إن الشمسَ أو القمرَ أو شيئاً من الكواكبِ أبدعَ السمواتِ أو غيرَها، بل عُبَّادُ الشمسِ والقمرِ وغيرِهما من الكواكبِ يَعبدونها كما يَعبدُ عُبَّادُ الأصنامِ الأصنامَ بل قد يَجعلونها شفعاءَ ووسائطَ بينَهم وبينَ ربِّ العالمين كما قالَ تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ} حتى الثَّنَوِيَّةُ من المجُوسِ يقولون: إن العالمَ صادرٌ عن أصلَيْن: النورُ والظلمةُ، والنورُ عندَهم هو إلهُ الخيرِ المحمودُ، والظُّلمةُ هي الإلهُ الشريرُ المذمومُ، وبعضُهم يقولُ: إن الظلمةَ هي الشيطانُ، ومنهم من قالَ: إن الظلمةَ قديمةٌ أزليَّةٌ مع أنها مذمومةٌ ليست مماثلةً للنورِ، ومنهم من قالَ بل هي حادثةٌ، وأن النورَ فكرةٌ رديئةٌ فحدَثت الظلمةُ عن تلك الفكرةِ الرديئةِ. وهؤلاءِ مع إثباتِهم اثنين، وتسميةِ الناسِ لهم بالثَّنَوِيَّةِ فهم لا يقولون إن الشرَّ مماثلٌ للخيرِ، ومَن ظَنَّ أن قومَ إبراهيمَ الخليلِ كانوا يَعتقدون أن النجمَ أو الشمسَ أو القمرَ ربُّ العالمين أو أن الخليلَ عليه السلام لمَّا قالَ هذا ربِّي أرادَ به ربَّ العالمين فقد غَلطَ غلَطاً بيِّناً، بل قومُ إبراهيمَ كانوا مُقرِّين بالصانعِ وكانوا يُشركون بعبادتِه كأمثالِهم من المشركين. قالَ اللهُ تعالى عن الخليلِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} - إلى قولِه - {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} فأَخبرَ اللهُ تعالى عن الخليلِ أنه عدوٌّ لكل ما يَعبدون إلا ربَّ العالمين، وأَخبرَ عنهم أنهم يقولون يومَ القيامةِ {تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} يعني آلهتَكم، فلم يكونوا جاحدين للصانعِ بل عَدَلوا به، وجَعلوا له أنداداً في العبادةِ والمحبَّةِ والدعاءِ.

وكذلك مُشرِكو العربِ، وأمثالُهم كانوا مقرِّين بالصانعِ وأنه خلَقَ السمواتِ والأرضَ، إذ كانوا مقرِّين بأن هذه السمواتِ والأرضِ مخلوقةٌ للهِ حادثةٌ بعد أن لم تكن وقد استَشهدَ المؤلِّفُ على ذلك بآيةِ العنكبوتِ وآيةِ الزُّمَرِ وآياتِ (المؤمنون)، ثم استَشهدَ بما كان العربُ يقولونه في تلبيتِهم من الإقرارِ بربوبيَّةِ اللهِ الشامِلَةِ، كما ذَكرَ أهلُ السِّيَرِ أن التلبيةَ من عهْدِ إبراهيمَ عليه السلام (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ)، حتى كان عمرُو بنُ لُحَيٍّ الخزاعيُ فبينما هو يُلبِّي تَمثَّلَ له الشيطانُ في صورةِ شيخٍ يُلبِّي معه فقالَ لَبَّيكَ لا شريكَ لك فقالَ الشيخُ إلا شريكاً هو لكَ فأَنكرَ ذلك عمرٌو، وقالَ ما هذا؟ فقالَ الشيخُ: تَملِكُه وما مَلكَ فإنه لا بأسَ بهذا فقالَها ودانَتْ بها العربُ. وقد روى مسلِمٌ من حديثِ سهيلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بِنْ قَمْعَةَ بْنِ خَندفٍ أَخَا بَنِي كَعْبٍ وَهُوَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ). ومن العلْمِ المشهورِ أن عمرَو بنَ لُحَيٍّ هو أوَّلُ من نَصَبَ الأنصابَ حولَ البيتِ، ويُقالُ إنه جلبَها من البلْقاءِ من أرضِ الشامِ متَشبِّهاً بأهلِ البلقاءِ، وهو أوَّلُ من سيَّبَ السائبةَ، ووَصَلَ الوصيلةَ، وحَمَى الحامِ، قالَ الشيخُ: ومعلومٌ أن العربَ قبلَه كانوا على ملَّةِ أبيهم إبراهيمَ، على شريعةِ التوحيدِ والحنيفيَّةِ السمحَةِ دِينِ أبيهم إبراهيمَ، فتَشبَّهوا بعمرِو بنِ لُحَيٍّ وكان عظيمَ أهلِ مكَّةَ يومئذٍ لأن خُزاعةَ كانوا وُلاةَ البيتِ قبلَ قريشٍ وكان سائرُ العربِ متَشبِّهين بأهلِ مكَّةَ؛ لأن فيها بيتَ اللهِ، وإليه الحَجُّ. فتشبَّهَ عمرُو بمن رآه في الشامِ واستحسَنَ بعقلِه ما كانوا عليه ورأى أن في تحريمِ ما حرَّمَه من البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامي تعظيماً للهِ ودِيناً فكان ما فعلَه أصْلَ الشرْكِ في العربِ وأصلَ تحريمِ الحلالِ فلم يَزَلِ الأمرُ يتزايدُ ويَتفاقَمُ حتى غَلبَ الشرْكُ باللهِ عزَّ وجلَّ وتغييرُ دينِه الحنيفِ، إلى أن بَعثَ اللهُ رسولَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأحيا ملَّةَ إبراهيمَ عليه السلام، وأقامَ التوحيدَ، وحلَّلَ ما كانوا يُحرِّمونه، وقولُه: (فأهَلَّ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني: كما في الحديثِ الطويلِ الذي رواه مسلِمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه أن رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهَلَّ بالتوحيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ).

وكذلك عِبادةُ الأحبارِ والرُّهبانِ لم تكن لا عتقادِهم فيهم مشارَكَةَ اللهِ في ربوبيَّتِه بل كان اعتقادُهم كما قالَ الربيعُ بنُ أنسٍ، قلتُ لأبي العاليةِ: كيفَ كانت تلك الربوبيَّةُ في بني إسرائيلَ؟ قالَ كانت الربوبيَّةُ أنهم وَجدوا في كتابِ اللهِ ما أُمِروا به ونُهوا عنه، فقالوا لن نَسبقَ أحبارَنا بشيءٍ: فما أَمَرونا به ائْتَمَرْنا، وما نَهَوْا عنه انتَهَيْنا، فاستَنْصَحوا الرجالَ؛ ونَبَذُوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم. وقد بيَّنَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عبادتَهم إيَّاهم كانت في تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ، لا أنهم صلُّوا لهم، أو صاموا لهم، أو دَعَوْهم من دونِ اللهِ، وفي حديثِ عديِّ بنِ حاتمٍ الذي رواه أحمدُ والترمذيُّ وغيرُهما، وكان قد قَدِمَ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نَصرانيٌّ، فسمِعَه يقرأُ هذه الآيةَ. قالَ: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم. قالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟ قالَ فقلتُ: بلى. قالَ: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ).

(والصنَمُ) هو الوثَنُ جمْعُه أصنامٌ، هو ما قُصدَ بنوعٍ من أنواعِ العِبادةِ من دونِ اللهِ، من القبورِ والمشاهِدِ والتماثيلِ، يقولُ الخليلُ عليه السلامُ: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} مع قولِه: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} وقولُه: {أَتَعْبدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} فبذلك يُعلمُ أن الوثَنَ يُطلَقُ على الأصنامِ مما عُبدَ من دونِ اللهِ، وقيلَ الصنَمُ هو ما صُوِّرَ على هيئةِ الإنسانِ وعُبدَ من دونِ اللهِ من خَشبٍ أو حجَرٍ أو ذهبٍ أو فضَّةٍ أو غيرِ ذلك.

وقولُه: (وقد ذكَرَ أربابُ المقالاتِ ما جَمَعُوا من مقالاتِ الأوَّلين والآخِرين في المِلَلِ والنِّحَلِ والآراءِ والدِّيَاناتِ) معناه أن الباحثين في المِلَلِ والمتحدِّثين عن الدِّياناتِ مثلُ: محمَّدِ بنِ عبدِ الكريمِ الشَّهْرستانيِّ في كتابِه ((المِلَلِ والنِّحَلِ)) ومثلُ عبدِ القاهرِ بنِ طاهرِ بنِ محمَّدٍ البَغداديِّ في كتابِه ( الفَرْقُ بينَ الفِرَقِ). ومثلُ أبي محمَّدٍ عليُّ بنُ حزْمٍ الأندلسيُّ في كتابِه (الفِصَلُ في المِلَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ) فقد تحدَّثَ هؤلاءِ وغيرُهم عن نِحَلِ العالَمِ ولم يَذكروا عن أحدٍ إثباتَ شريكٍ مشارِكٍ للهِ في خلْقِ جميعِ المخلوقاتِ ولا مُماثِلٍ له في جميعِ الصفاتِ.

وقولُه سبحانَه في آيتَي النساءِ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} معناه: أن ما دونَ الشرْكِ باللهِ من سائرِ المعاصي فهو تحتَ المشيئةِ إن شاءَ اللهُ عَذَّبَ مرتكِبَه، وإن شاءَ غَفرَ له، ففي ذلك رَدٌّ على كلٍّ من الخوارجِ المكفِّرين بالذنوبِ وعلى المعتزِلةِ القائلين بأن أصحابَ الكبائرِ يُخلَّدون في النارِ، وليسوا عندَهم بمؤمنين ولا كفَّارٍ، ولا يَجوزُ أن يُحملَ قولُه سبحانَه: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} على التائبِ فإن التائبَ من الشركِ مغفورٌ له كما قالَ تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} فهنا عمَّمَ وأَطلَقَ. لأن المرادَ هنا التائبُ وهناك خَصَّ وعَلَّقَ لأن المرادَ به من لم يَتُبْ.

  #4  
قديم 16 ذو الحجة 1429هـ/14-12-2008م, 06:25 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي التوضيحات الأثرية للشيخ: فخر الدين بن الزبير المحسِّي


بيانُ القرآنِ لأنواعِ الشِّرْكِ
قولُه: ( وقد بَيَّنَ في كتابِه الشرْكَ بالملائكةِ، والشرْكَ بالأنبياءِ، والشرْكَ بالكواكبِ، والشرْكَ بالأصنامِ،فقالَ عن النَّصَارَى:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ * وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقالَ تعالى: { وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } وقالَ تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِن دُونِ اللهِ } إلى قولِه:{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } فَبَيَّنَ أنَّ اتِّخاذَ الملائكةِ والنبيِّينَ أَربابًا كُفْرٌ ).

التوضيحُ

حَذَّرَ اللهُ تعالى عِبادَه من الشرْكِ في مواضِعَ من كتابِه،وذَكَرَ بأنه لا يَغْفِرُه أَبَدًا،ويَغْفِرُ ما دونَه لِمَنْ يَشَاءُ،كما قالَ تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} في مَوْضِعَيْنِ من القرآنِ، وقد بَيَّنَ أنواعَ الآلِهَةِ التي تُعْبَدُ من دونِه،ومن ذلك ما يَلِي:
أصلُه الشرْكُ بالشيطانِ، كما قالَ إبراهيمُ: { يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا }.
الشرْكُ بالأصنامِ: { وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا }.
الملائكةُ والأنبياءُ: { وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
الكواكبُ:{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الْآفِلِينَ }.
الأحبارُ والرُّهْبَانُ:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ }.

إقرارُ عامَّةِ المشْرِكينَ بالربوبيَّةِ
قولُه: ( ومعلومٌ أنَّ أحدًا من الخلْقِ لم يَزْعُمْ أنَّ الأنبياءَ والأحبارَ والرُّهبانَ ومَريمَ شارَكُوا اللهَ في خَلْقِ السماواتِ والأرْضِ، بل ولا زَعَمَ أحَدٌ من الناسِ أنَّ العالَمَ له صانعانِ مُتكافئانِ في الصِّفاتِ والأفعالِ، بل ولا أَثْبَتَ أحَدٌ من بني آدَمَ إلَهًا مساويًا للهِ في جميعِ صِفَاتِه، وعامَّةُ المشرِكينَ باللهِ مُقِرُّونَ بأنه ليس شريكُه مِثْلَه، بل عامَّتُهُم يُقِرُّونَ أنَّ الشريكَ مَملوكٌ له، سواءٌ كان مَلِكًا أو نَبِيًّا أو كَوْكَبًا أو صَنَمًا، كما كان مُشْرِكو العربِ يقولون في تلبيتِهم " لبَّيْكَ لا شريكَ لك، إلا شَريكًا هو لك، تَمْلِكُه وما مَلَكَ، فأَهَلَّ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيدِ وقالَ " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ " ).

التوضيحُ

ذَكَرْنَا في مقدِّمَةِ هذه الرسالةِ أنَّ عُلماءَ السنَّةِ قَسَّمُوا التوحيدَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ بالتَّتَبُّعِ والاستقراءِ، وهي توحيدُ الربوبيَّةِ، والأُلوهيَّةِ، والأسماءِ والصفاتِ، وقد اجتَمَعَتْ هذه الأقسامُ الثلاثةُ في قولِه تعالى: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} فالربوبيَّةُ في قولِه: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والألوهيَّةُ في قولِه: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} والأسماءُ والصفاتُ في قولِه: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}. وهو ما تَمَّ تفصيلُه في الأصْلِ الأوَّلِ. ومن أوَّلِ مَن أشارَ إلى مَضمونِ ذلك الإمامُ أبو حنيفةَ حيث قالَ: " واللهُ يُدْعَى من أَعْلَى؛لا من أَسْفَلَ؛لأنَّ الأسْفَلَ ليس من وَصْفِ الربوبيَّةِ والألوهيَّةِ في شيءٍ.
وقد سَبَقَ بيانُ دعوةِ الرسُلِ،وأنها مُجتمِعَةٌ على الدعوةِ إلى توحيدِ الألوهيَّةِ، ويَذْكُرُ شيخُ الإسلامِ هنا أنَّ عامَّةَ المشرِكينَ كانوا مُقِرِّينَ بالربوبيَّةِ،أي:اعتقادِ أنَّ اللهَ تعالى خالِقُهم وخالِقُ السماواتِ والأرضِ ومالِكُ كلِّ شيءٍ، وأدلَّةُ ذلك ما يَلِي:

قولُه تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ}.
قولُه تعالى: { قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}.
فهم مُقِرُّونَ بالربوبيَّةِ من حيث أُصُولُهَا، وهي كما يَلِي:
لم يَزْعُمُوا أنَّ العالَمَ له صانعانِ مُتكافئانِ في الصفاتِ والأفعالِ.
عامَّتُهم مُقِرُّون بأنه ليس له شريكٌ مِثْلُه،مساوٍ له في جميعِ الصفاتِ.
وعامَّتُهُم مُقِرُّونَ بأنَّ الشريكَ مَمْلوكٌ له،سواءٌ كان مَلِكًا أو نَبِيًّا أو كوكبًا أو صَنَمًا.كما كان يقولُ مُشْرِكُو العَرَبِ في تَلْبِيَتِهِمْ: لبَّيكَ لا شريكَ لك إلا شَريكًا هو لك تَمْلِكُه وما مَلَكَ" فأهَلَّ رسولُ الله صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيدِ،وقالَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، وهذا داخِلٌ في الأصْلَيْنِ السابقَيْنِ:
لا شريكَ له في خَلْقِ جميعِ المخلوقاتِ، ولا مُمَاثِلَ له في جميعِ الصفاتِ، وليس المقصودُ عَدَمَ وقوعِ الشرْكِ في الربوبيَّةِ مُطْلَقًا، فإنَّ طوائفَ مِن الناسِ ادَّعَتْ أنَّ هناك بعضَ المخلوقاتِ خالِقَةً ومُبْدِعَةً،ولكن لم يَقُلْ أحَدٌ إنها مُماثِلَةٌ للهِ في جميعِ الأفعالِ والصِّفاتِ.
أَعْظَمُ مَن نُقِلَ عنه مخالَفَتُه للربوبيَّةِ
قولُه: ( وقد ذَكَرَ أربابُ المقالاَتِ ما جَمَعُوا من مقالاَتِ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ في الْمِلَلِ والنِّحَلِ والآراءِ والدِّياناتِ، فلم يَنْقُلُوا عن أَحَدٍ إثباتَ شريكٍ مشَارِكٍ له في خَلْقِ جميعِ المخلوقاتِ، ولا مُمَاثِلٍ له في جميعِ الصفاتِ، بل من أَعْظَمِ ما نَقَلوا في ذلك: قولُ الثَّنَوِيَّةِ الذين يقولون بالأصلَيْنِ؛النورِ والظُّلْمَةِ، وأنَّ النورَ خَلَقَ الخيرَ، والظُّلْمَةَ خَلَقَتِ الشرَّ، ثم ذَكَروا لهم في الظُّلْمَةِ قَوْلَيْن، أحدُهما: أنها مُحْدَثَةٌ. فتكونُ من جملةِ المخلوقاتِ له، والثاني أنها قديمةٌ لكنها لم تَفْعَلْ إلا الشرَّ، فكانت ناقصةً في ذاتِها وصِفاتِها ومَفعولاتِها عن النورِ ).

التوضيحُ

أربابُ الْمَقالاَتِ أي الْمُصَنِّفونَ في الْمِلَلِ والنِّحَلِ والآراءِ والدِّياناتِ،كالشَّهرسْتَانِيِّ والبَغداديِّ وابنِ حَزْمٍ وأبي الْحَسَنِ في مَقالاَتِ الإسلاميِّينَ ومِن أَسْبَقِهِم الإمامُ الملطيُّ في كتابِه التنبيهُ والردُّ، وقد نَقَلْتُ عنه في أثناءِ التوضيحَاتِ.
فلم يَذْكُرْ هؤلاءِ أنَّ أحدًا من الناسِ أَثْبَتَ شَريكًا للهِ في جميعِ مخلوقاتِه،ولا مُمَاثِلاً له في جميعِ صِفاتِه، وذَكَرُوا أنَّ أعْظَمَ الطوائفِ انحرافًا في الربوبيَّةِ هم " الثَّنَوِيَّةُ" ومع ذلك لم يُثْبِتُوا رَبَّيْنِ مُتكافئينِ. والثَّنَوِيَّةُ فِرْقَةٌ من الْمَجُوسِ تقولُ بالأصلَيْنِ؛النورِ والظُّلْمَةِ، وأنَّ النورَ خَلَقَ الخيرَ والظُّلْمَةَ خَلَقَت الشرَّ، فهم يُثْبِتُون خالِقَيْنِ،ومع ذلك لم يُثْبِتُوا التماثُلَ في جميعِ الأفعالِ والصِّفاتِ؛لأنهم ذَكَرُوا في الظُّلْمَةِ قولَيْنِ:
أنها مُحْدَثَةٌ مَخلوقَةٌ من جُملةِ المخلوقاتِ للنورِ.
أنها قديمةٌ لكنها لم تَخْلُقْ إلا الشَّرَّ، فتكونَ أنْقَصَ في صِفاتِها وأفعالِها من النورِ، فبذلك لم يُثْبِتُوا صانِعَيْنِ مُتكافئيْنِ.
إخبارُ القرآنِ عن إقرارِ الْمُشرِكينَ بالربوبيَّةِ
قولُه: وقد أَخْبَرَ اللهُ سبحانَه عن المشرِكينَ من إقرارِهم بأنَّ اللهَ خالِقُ المخلوقاتِ ما بَيَّنَهُ في كتابِه،فقالَ: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ * قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ * إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بَضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } وقالَ تعالى: { قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ * قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ * قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}إلى قولِه:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } إلى قولِه:{ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ * وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ * وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ * سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ } وقالَ: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ }.

التوضيحُ

ذَكَرَ هنا الأدلَّةَ على إقرارِ المشرِكينَ بالربوبيَّةِ،وقد سَبَقَتْ، وهذا تابِعٌ للمَبْحَثِ الذي تَحْتَ عُنوانِ:إقرارُ عامَّةِ المشرِكينَ بالربوبيَّةِ،فصَلَ بينَهما شيخُ الإسلامِ بذِكْرِ الثنويَّةِ دَفْعًا لاعتراضٍ مُقَدَّرٍ، وسيأتي بعد ذلك بأمْثِلَةٍ لطوائفَ أُخرى انْحَرَفَتْ في الربوبيَّةِ،وهم القَدَرِيَّةُ،وأهلُ الفلسفةِ،وبعضُ المشرِكين لأنه قد يُقالُ: إنَّ هذه الطوائفَ أشْرَكَتْ في الربوبيَّةِ،فأرادَ أن يُبَيِّنَ أنها مُقِرَّةٌ بأصْلِ الربوبيَّةِ. قولُه تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } أي يؤمنون بالربوبيَّةِ ويُشرِكون في الألوهيَّةِ،قالَ الإمامُ القُرطبيُّ: " نَزَلَتْ في قومٍ أَقَرُّوا باللهِ خالِقِهم وخالِقِ الأشياءِ كلِّها،وهم يَعْبُدُونَ الأوثانَ.قالَه الحسَنُ ومُجاهِدٌوأكثرُ المفسِّرِينَ".
وقالَ الإمامُ البَغَوِيُّ: " فكان من إيمانِهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَ السماواتِ والأرضَ قالوا: اللهُ، وإذا قيلَ لهم:مَن يُنَزِّلُ الْمَطَرَ؟ قالوا: اللهُ. ثُمَّ مع ذلك يَعْبُدُونَ الأصنامَ ويُشْرِكون ".

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أصل, الشرك

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:16 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir