دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > المستوى الثالث > منتدى المستوى الثالث ( المجموعة الثانية)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 جمادى الأولى 1442هـ/27-12-2020م, 03:07 AM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,410
افتراضي تطبيقات على درس الأسلوب البياني

تطبيقات على درس الأسلوب البياني
الدرس (هنا)

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13 جمادى الأولى 1442هـ/27-12-2020م, 11:57 PM
إيمان جلال إيمان جلال غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 192
افتراضي

رسالة في تفسير قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون} [المعارج:32]


تضمنت الآية على قصرها من الأوجه البيانية البديعة والفوائد واللطائف العجيبة ما يملأ قلب متأملها تعظيما لكلام الله تعالى، فيتيقن أنه كلام الله العظيم، وليس بكلام البشر.
وهذه الرسالة فيها بيان لما يسر الله معرفته من الأوجه البيانية في هذه الآية، وبديع اختيار بعض الألفاظ على بعض، وبيان أسرار التقديم والتأخير، وما فيها من إعجاز بليغ يعجز البشر عن الإتيان بمثله.

وقد جاءت هذه الآية المباركة في معرض ذكر أوصاف أهل الإيمان المصدقون بوعد الله الذين يرجون رحمته ويخافون عذابه، الدائمون على صلاتهم، الذين لا تشغلهم أموالهم عن أداء حق الله فيها وحق عباده، المحافظون على فروجهم، فلا يتعدون فيها ما أمرهم الله به، ثم وصفهم سبحانه بأنهم مؤدون للأمانات والعهود التي ألزمهم الله بها وألزموا بها أنفسهم.

أما وجه ارتباط الآية بما قبلها فهو ظاهر البيان، فالحفظ يكون لكلٍّ من الفروج والأمانات والعهود، وإن المفرط بهم فهو ملوم يلام على تعدّيه ذلك.

وفي الضمير المنفصل "هم" معنى لطيف بديع، وهو التأكيد على أن الصفة المذكورة في الآية هي صفة ملازمة لأهل الإيمان الذين أثنى عليهم الرحمن لا تنفك عنهم.

ومن اللطائف البيانية في الآية أن "الأمانات" جاءت جمعا، بينما العهد جاء مفردا، وذلك لتعددها وتنوعها، فهي كثيرة جدا، فمنها: ما يؤتمن عليه الشخص من ودائع الناس وأموالهم، ومنها ما يطلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها الأقوال التي يسمعها ويستأمن عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها ما يودع من الأهل والصغار عند شخص أهل حتى يعود من استودعهم عنده أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، وقد يجعل الزرع أمانة عند أحدهم فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم ومتولي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، وقد قال تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال".
فهي تشمل كل ما ائتمن الخلق عليه من جهة الله ومن جهة الناس، لذلك جمعت، أما العهد فقد أفرد إيذانا بأنه ليس كالأمانة كثرة، فالأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة.

وقد قدمت الأمانات على العهد لأهميتها، فقد جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له" أخرجه أحمد (12567) وصححه الألباني.

وأما اختيار كلمة "راعون" مع الأمانة والعهد وليس "حافظون" كالتي ذكرت مع الفروج، ففيه لطيفة بديعة، وذلك أن "راعون" اسم فاعل من رعى، وأصل الرعي حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه، ويعني أيضا تولي أمره وتفقد شأنه. فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل يزيد عليه بالإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا يناسب الأمانة، فالحفظ ليس كافيا، كمن يأتمن أهله وأبناءه عند أحدهم، فلا يكفي مجرد حفظهم، بل لابد من تفقد أحوالهم وصلاح شؤونهم، ومثله من تولى الرعية أو اؤتمن على زرع أو ضرع.
ثم إنها تختلف عن الفروج التي اقترنت في الآية قبلها بالحفظ، وذلك أن الفرج هو جزء من الإنسان لا ينفك عنه، بينما الأمانات فهي متعددة وفي أمكنة متفرقة تحتاج معها إلى التفقد والرعاية كما يتفقد الراعي الحيوان من أن تعتدي عليه الوحوش الضارية، فيخبئها ويعتني بها وليس مجرد حفظها، لذلك كانت "راعون" أنسب من حافظون.

وكما هو ملاحظ أن كلمة "راعون" جاءت اسما وليست فعلا ك "يرعون"، ليدل ذلك على لزوم ثبات الرعي ودوامه وليس فعله على سبيل الندرة.
وأما تقديم الأمانات والعهد على "راعون" فهو للاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يجب مراعاته في هذه الحياة.

وزيادة اللام في "لأماناتهم" تفيد فائدتين:
- الزيادة في الاختصاص والتوكيد على أنهم راعون للأمانات وللعهد.
- أن كلمة الراعي قد تكون بمعنى الصاحب، فتقول: (من راعي هذه الدار؟) و (من الراعي لهذه الدار؟) أي من صاحبها ومتولي أمرها؟ فيكون المعنى: الذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي أهلها ومتولوها.


وبهذا نلحظ أن مقصد الآية هو حث المؤمنين على رعاية الأمانات والوفاء بالعهد ولزومها ليخرجوا من وصف أهل النفاق الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم في الحديث الذي رواه أبو هريرة: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". رواه السيوطي في الجامع الصغير، ولينالوا أيضا ثناء الله عليهم، وليجتهدوا في طلبها لينالوا جنات النعيم.


المصادر:
- تفسير الطبري.
- تفسير ابن كثير.
- التحرير والتنوير لابن عاشور.
- "روح المعاني" للألوسي.
- "الكشاف" للزمخشري.
- نظم الدرر للبقاعي.
- فتح القدير للشوكاني.
- البحر المحيط لأبي حيان.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15 جمادى الأولى 1442هـ/29-12-2020م, 11:30 PM
هنادي الفحماوي هنادي الفحماوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 145
افتراضي

تفسير آية ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)
مسائل الآية
ـ معنى الوحي لأم موسى
ـ دلالة الإيحاء لأم موسى على العناية بموسى
ـ الأمر بالرضاعة
ـ سبب الخوف
ـ الأمر بالإلقاء في اليم
ـ الخوف المنهي عنه
ـ الحزن المنهي عنه
ـ وعد الله لأم موسى
ـ الأساليب البيانية في الآية
التفسير الإجمالي للآية:
تبين الآية أن الله أوحى لأم موسى حين ولدته وخشيت عليه أن يذبحه فرعون كما يذبح أبناء بني إسرائيل أن ارضعيه مطمئنة فإذا خشيت أن يعرف أمره فضعيه في صندوق وألقيه في النيل دون خوف من فرعون وقومه أن يقتلوه ودون حزن على فراقه إنا رادوا ولدك إليك وباعثوه رسولا فكانت عاقبة ذلك أن جعله الله لهم عدوا وحزنا فكان اهلاكهم على يده أن فرعون وهامان وأعوانهما كانوا مشركين.
فما طبيعة الإيحاء الذي اوحاه الله لأم موسى؟
الوحي لغة هو الإعلام بسرعة وخفاء فكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيفما كان.
والوحي في القرآن تعددت إطلاقاته:
- فهو الإلهام الفطري للإنسان كما في هذه الآية الكريمة: (وأوحينا إلى أم موسى)
- وهو الإلهام الغريزي للحيوانات كما أوحى الله إلى النحل (وأوحى ربك إلى النحل)
- وقد يعني الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء كإيحاء زكريا عليه السلام (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم)
- وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليردوهم)
- إلقاء الله بما يريد إلى ملائكته (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم)
- إلقاء الله الوحي إلى انبيائه (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده)
فالوحي إلى أم موسى من النوع الأول الذي لا يترتب عليه نبوة بإجماع العلماء.
وقد أشار الإمام الرازي أن الوحي إلى ام موسى قد يكون أما عن طريق الإلهام كما في قوله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل) أو عن طريق المنام أو عن طريق ملك أرسله الله إليها.
وقال الألوسي: والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك ولا ينافي ذلك لاإجماع على عدم نبوتها لما أن الملائكة قد ترسل إلى غير الانبياء وتكلمهم.
وذكر البغوي أنه وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها.
وذكر ابن كثير: أنها أي ام موسى (ألهمت في سرها وألقي في خلدها ونفث في روعها)
وجمع القرطبي الأقوال في هذا الوحي فقال: واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى فقالت فرقة: كان قولا في منامها وقال قتادة: كان إلهاما وقالت فرقة كان بملك يمثل لها، قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك على ذلك يكون وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية وإنما إرسال لاملك لها على نحو تكليم الملك للأقرع والابرص والأعمى.
ومهما كانت الطريقة التي تم بها الأمر فإن هذا يدل على عظم أمر موسى عليه السلام عند الله وكيف أن الله هيأ له من الاسباب التي تحفظه وتعده للنبوة والرسالة وكيف لا وقد امتن الله على موسى بهذه الحادثة (ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ اوحينا إلى أمك ما يوحى) إلى أن قال تعالى (ولتصنع على عيني).
ثم فسرت بقية الآية فحوى هذا الوحي لأم موسى:
الأمر الاول (أن أرضعيه)
فابتدأت بأمرها أن ترضعه وقد تعددت أقوال العلماء في هذا الأمر فمنهم من قال أن الأمر بالرضاع قبل ولادته ومنهم من قال بعدها واختلفوا في مدة الرضاع ؛ قال السدي لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به ما في الآية لأن الخوف كان عقب الولادة و قال ابن جريج أمرت بارضاعه أربعة أشهر في بستان فإذا خافت عليه أن يصيح لأنه لينها لا يكفيه صنعت به هذا والأول أظهر إلا أن الثاني يعضده قوله (فإذا خفت) لما يستقبل من الزمان.
وهذه الآية دلالة واضحة على أهمية الرضاعة من الام لطفلها حال ولادته لما يقوي من وشائج المحبة بين الطفل وأمه فالطفل يعرف أمه في هذه المرحلة من رائحتها ولعل في هذا الأمرهو ما جعل موسى عليه السلام لا يقبل الرضاعة من آي مرضعة أخرى وهذا من لطف الله بموسى وأمه وأجدر أن يتحقق وعده لها أن يرده إليها. وقد ذكر البغوي في تفسيره ما يشير إلى ذلك فقال: فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا.
- (فإذا خفت عليه)
علم الله بما وضع في قلب الأم من محبة لابنائها وشفقة عليهم أنها ستخاف عليه من ان يكشف أمره فيقتله جنود فرعون. وهذا خوف طبيعي لم ينهاها الله عنه بل جعله دافعا لأن تحرص على إنقاذ ابنها وفي هذا تعليم وإرشاد للخلق بان العواطف والمشاعر طاقة إن احسنوا توجيهها واستثمارها فإنها تنجيهم وتنفعهم ولا يكون ذلك إلا بالاستعانة بالله وطاعته.
فأمرها أنه إذا أحست أحدا يمكن أن يوصله إليهم (فألقيه في اليم) وهو نيل مصر.
وفي هذا المقطع من الآية تحس قوة الوحي من الله وتأثيره العجيب على النفس فهو يدفع المرء لفعل أشياء لا يقبلها المنطق ولكنه بتأييد من الله وما يلقيه في الروع يكتسب يقينا يدفعه إلى فعل ما تأباه النفوس عادة وما هذا إلا تأكيد لأن كل ما في الكون هو بمشيئة الله سبحانه وحفظه وكلاءته.
وقد أمرت كما جاء في سورة طه بصنع تابوت له فترضعه وتضعه فيه ثم تلقيه في النهر
- (ولا تخافي) ثم جاء النهي عن خوف ثان وهو أن تخاف عليه من الغرق قاله ابن زيد أو تخاف عليه من الضيعة قاله يحيى بن سلام
وهذا الخوف الثاني نهاها الله عنه بينما الخوف الأول تفبله الله منها ودلها كيف تتعامل معه.
وقال الزمخشري فإن قلت ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر؟
قلت: أما الأول فالخوف عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه.
وأما الثاني فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان وغير ذلك من المخاوف.
وهات أية امرأة وقل لها: إن كنت خائفة على ابنك من أمر ما فارميه في البحر من المؤكد أنها لن تصدقك بل ستسخر منك لأنها ستتساءل كيف أنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وهذا هو الأمر الطبيعي لكن نحن هنا أمام وارد من الله إلى خلق الله ووارد الله لا يصادمه شك إذن فالخاطر والإلهام إذا جاء من الله لا يزاحمهما شيء قط ولا يطلب الإنسان عليه دليلا لأن نفسه قد اطمأنت إليه لذلك ألقت أم موسى برضيعها إلى البحر.
(ولا تحزني) وفيه أيضا وجهان لا تحزني لفراقه قاله ابن زيد ولا تحزني أن يقتل قاله يحيى بن سلام. قال ابن عباس: فلما توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إليّ من إلقائه في البحر فقال الله تعالى: إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين أي إلى أهل مصر.
فانظر إلى روعة الخطاب الإلهي في ظل الخوف والحزن واضطراب المشاعر يبشر الله أم موسى ببشارتين الأولى عاجلة والثانية آجلة فالعاجلة هي أنه سيرد ابنها إليه من بعد أن ألقته في البحر والآجلة أنه سيكون ذو شأن عظيم وسيكون من المرسلين.
إنها آية واحدة اجتمع فيها الماضي والحاضر والمستقبل فماضيها الحالة التي سبقت مولد موسى عليه السلام من بطش فرعون بالمواليد الذكور من بني إسرائيل وقتلهم وحاضرها حالة أم موسى والأمر الذي اوحي لها وخوفها المختلط بحزنها ومستقبلها هو الوعد الإلهي لأم موسى بحفظ ابنها وتشريفه بالرسالة.
وإجتمع فيها أساليب بيانية ففيها الأمر: (أرضعيه، فألقيه)
النهي: لا تخافي ولا تحزني
الخبر: إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين.
ومن اللطائف التي ذكرت في هذه الآية ماحكاه العلامة القرطبي عن الأصمعي أنه قال سمعت جارية أعرابية تنشد:
استغفر الله لذنبي كله *** قتلت إنساناً بغير حله
مثل الغزال ناعماً في دله *** انتصف الليل ولم أصله
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت: ويحك أويعد هذا فصاحةً مع قول الله عز وجل (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فقد جمع في آيةٍ واحدةٍ بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين.).


المصادر:
تفسير الطبري
تفسير القرطبي
تفسير ابن كثير
تفسير البغوي
تفسير السعدي
تأملات في الآية من موقع إسلام أون لاين.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19 جمادى الأولى 1442هـ/2-01-2021م, 08:04 PM
رولا بدوي رولا بدوي متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 151
افتراضي

)إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (>
آيات بينات من لدن حكيم عليم ، فيها بيان بحال المتقين يوم القيامة و أعمالهم التي استحقوه بها ، و هذا مقابل حال المكذبين الذي سبق ذكره في السورة، بيان هو أجل البيان ؛ تحث النفوس على الانقياد و الاتباع ، و العمل بعملهم لتنال ثوابهم ، كل لفظ و حرف جاء في نظم متجانس ، بديع ، تتلقفه الآذان و القلوب راجية السير على الطريق.
و هذه الرسالة في بيان بعض ما حوت هذه الآيات من بليغ لغة و بديع عبارة و نظم ، فيها إجابة لماذا و ماذا، لماذا جاءت هذه الألفاظ و لم يأت غيرها ، لماذا جاء هذا الترتيب ، لماذا هذا الأسلوب ، و ماذا فيه من فوائد ، نبدأ مستعينين بالله ، سائلينه عز و جل التوفيق .
(إن المتقين في جنات و عيون )
1- بدأت الآية بإن ، حرف توكيد ، لتؤكد بما لا يدخله شك حُكماً بعدها ،و هو جزاء المتقين ، و هو استهلال ناسب المخاطبين الشاكين المكذبين .
2- المتقين، لم يقل الذين اتقوا و جاء بالمتقين ، لتأكيد أن المراد العموم و استغراق وصف حالهم ، إنهم المتقين الذين يقُون أنفسهم اللعن و الطرد من رحمة الله ، بالتصديق و الإيمان و قاموا بما يلزم الإيمان من أعمال قلوب و جوارح ، و اتقوا تَعاطي ما يُعاقَب عليه من فِعل أو تَرْك، والتقوى لغةً؛ جعْل النفس في وقاية مما تخاف، وأصل الاتِّقاء: الحَجْز؛ كأنَّهم وضعوا بينهم وبين العذاب حاجزًا واقياً، اتقوا بعملهم مصير من ذُكِروا قبلهم ، و اقبلوا على الله .
و بيان معنى المتقين نجده في آيات الكتاب الحكيم ، قال تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}،البقرة
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ* الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}،[آل عمران
و لفظ المتقين هو أنسب الألفاظ لهذا المقام ، لمناسبته حال المكذبين الذي ذكر قبلهم .
3- حُذِف متعلق التقوى و هذا من الإيجاز و أُريد به العموم ، فشمل كل فعل يقرب لله ، فعل أمر أو اجتناب نهي ، بما يقيهم غضب الله و يقيهم عذابه في الدنيا و الآخرة.
4- (إن المتقين في جنات و عيون ) جاء التعبير بالجملة الاسمية التي تحمل معنى الثبوت و الاستقرار في الجنات ، بما يشير إلى حالة الطمأنينة التي هم فيها في الجنة .
4- في الآية تقدير ، قبل في جنات و عيون ، منغمسون ، حُذف و جاء حرف الجر تعويض عنه ، و هذا من الحذف للإيجاز و هو واضح في الآية .
5- ( في جنات و عيون ) حرف الجر في ، يفيد ظرفية المكان ، أي منغمسون في الجنات ، محيطة بهم من كل جانب كالغطاء يحتويهم يسكنونها و يقيمون بها ، و هل مثل هذا من نعيم ، أن تكون محاطاً بالنعيم من حولك ، منغمس فيه ، و هذا تصوير يحمل بين طياته مدى النعيم الذي هم فيه ، لا نقص فيه و لا يشوبه شائبة .
6- تنكير جنات و عيون ، للتعظيم ، فهي جنات و عيون ، فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على بال بشر ، لا نهاية لما فيها من النعيم ، هي مِن مِنَنِ العظيم ، فكيف لا تكون عظيمة القدر و المكان ؟.
7- ( جنات ) ، والجنات : جمع جنة ، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره ، و تجمع الجنة على وجهين ، وجه كثرة و هو جنان و وجه قلة و هو ما جمع هنا ( جنات ) ،جاء مناسب لسياق الآيات ، فالجنات هي للمتقين التي أخبر الله عنها في سورة الرحمن : (وقال الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [46]} [الرحمن: 46].
8- و جاءت الجنة بالجمع جنات، و لم تأت بالمفرد جنة ، و ذلك موافق للمتقين ، و هناك لطيفة في الفرق بينها و بين الإفراد في الآية ( . مثل الجنة التي وعد المتقون) ذكرها ابن الخطيب ( كما أخبر عنه بن عادل في اللباب في علوم الكتاب )
: إن الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجَنَّات ثم يقول إنه في جنة، لأنه دون الموعود.
9- (عيون )، هل هي جمع قلة أم كثرة ؟ و لماذا لم تأتي أعين ؟ إجابة هذه الأسئلة من تتبع كلمتي أعين و عيون في القرآن ، فأعين جاءت في القرآن مختصة بالباصرة وعيون مختصة بالجارية وعلى هذا فإن "عين" بمعنى الباصرة على الاستعمال القرآني ليس لها إلا جمع قلة وليس لها جمع كثرة فهي تستعمل حقيقة بمعنى القلة والكثرة على سواء ، و العيون: هي الأنهـار الأربعة: ماء، وخمر، ولبن، وعسل، وهذه الأنهـار تجري مِن تحت القصور والأشجار، قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15].
10- 0( عيون ) ما سبب تخصيص العيون بالذكر دوناً عن نعيم الجنة ؟ ذلك من عطف جزء على الكل ، فالعيون هي جزء من هذه البساتين ، تمتد داخلها ، و تنتشر و هي سبب من أسباب ازدهار البساتين ، كما أنها ناسبت عقاب المكذبين بذكر أنهم على النار يفتنون ، فالمتقين في مكان فيه عيون منها ينبع الماء الجار .
11- ( جنات و عيون ) حرف العطف الواو في الآية بمعنى المعية ، أي جنات معها عيون جارية .
12-( آخذين ) ، اسم فاعل من الفعل أخذ ، و قال المفسرين أن اللفظ هنا على حقيقته و أيضاً يفسر بالمجاز ، فالتعبير بالأخذ يعني قبول ما آتاهم الله ، و رضا هم و سعادتهم به ، و الأخذ يكون باليد ، و ليس كل نعيمٍ في الدنيا يؤخذ باليد ، فإما قصد بذاته أي أخذوا ما آتاهم الله مما يؤخذ باليد بأيديهم من أكواب و غيرها، أو كان التعبير كناية عن رضاهم و قبولهم ما آتاه الله .
قال بن عاشور في التحرير و التنوير (َإطْلاقُ الأخْذِ عَلى ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها في سُورَةِ الأعْرافِ.
و قال بن عادل في لباب القرآن (ومعنى: «آخذين» أي قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله، لامتناع استيفاء ما لا نهاية له .

13- (آخذين) : جاء بالاسم و لم يأت فعلا ( أخذوا أو يأخذون ، و هذا لأن الاسم يدل على الثبات و الدوام ، و يتضمن داخله زمناً أن الأمر متجدد و هو هنا منصوب على الحالية من في جنات و عيون ، ‏ فهم في الجنة ماذا يفعلون يتناولن و يتمتعون بكل ما آتاهم الله من فضله .
13- (آخذين ، آتاهم )، بينهما انسجام ، حرف المد في أول كل منهما تدل على الاتساع و أنهم يقبلون أموراً كثيرة ، و الله يؤتيهم أمورا ًكثيرة ،لا نهاية لعطائه جلا و علا .
14- ما الموصولة ، تفيد العموم ، أي كل ما آتاهم ربهم ، لا ينقص لهم منه شيء و هذا من كمال المنة .
15- آتاهم : لماذا جاء الفعل أتى و لم يأتي يعطي ؟ أتى أوسع في المعنى و فيها المنة و أنها عطية ، من المعطي المانع ، يمنعها إن أراد ، و يؤتيها بفضله و منته و أنها من الملك ، الذي لا غيره يوم القيامة ، فهم مع أنهم يقيمون و يسكنون هذه الجنان فهم لا يملكونها و لا يملكون التصرف بها و في هذا إشارة لأن الله هو الملك يوم القيام و لا ملك غيره ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) .
و مما يبين الفرق قوله تعالى (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.... هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) أي بما انه عطاء من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له.
17- قال (آتاهم) التي تعود على الجنات و ما فيها من عيون و غيرها و لم يأت بضمير يدل على الجنات و العيون ( آخذينها ) و في هذا مزيد إظهر لمنة الله و عظمته و أن الأمر ليس بالعدل بل بالإحسان ، و أن الأمر فيه زيادة عن الجنات و العيون قال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ ) ، و عن صهيب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) وقال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، نادى مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه . فيقولون : وما هو ؟ ألم يثقل موازيننا ، ويبيض وجوهنا ، ويدخلنا الجنة ، ويزحزحنا من النار ؟ " . قال : " فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ، ولا أقر لأعينهم " ..
18- ( ربهم ) جاء باسم الله الرب دوناً عن باقي الأسماء ، تعريضاً بالمكذبين الذين أبوا أن يعبدوا الله ربهم الذي يؤمنون به رباً لا إلاهاً، و لأن الرب فيها الرعاية بالمتقين في الدنيا و الآخرة ، كأنه يقول لهم صدقتم ربكم في الدنيا، فصدقكم في الآخرة ،طلبتم الهداية فهداكم، آمنتم فآمكم، كما أن الإيتاء هو من أفعال الله و ربوبيته فذلك أيضاً مما يناسب السياق.
19- في إضافة الضمير العائد على المتقين للرب ، أنه ربهم هم لا غيرهم ، اختصاص و تشريف ، فهو رب من صدقه و آمن به و أستسلم له ، لا من كذب و عصاه و أعرض عن ذكره .
17- (آخذين ما آتاهم ) قيل قد يكون المعنى للمتقين في الدنيا ، أنهم أخذوا أومر الله بقوة في الدنيا ، و هذا نظير قوله تعالى في سورة المؤمنين (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) ، قبلوها و استسلموا لشرعه ، برحابة صدر و بسعادة طاعته الله عز و جل و ثبتوا عليها و هذا من إحسانهم ، أنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، لكن يرد هذا القول ( من قبل )فيها دلالة أن هذا القول لا يناسب السياق الذي يتحدث عن يوم القيامة .
18- ( آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) في الآية تشريع ، أن يكون أثناء الآية ما يصح الوقوف عليها ، يكون فاصلة ، فيصح الوقوف فيما بعد ربهم و باقي الآية جاء كالتعليل مستأنف .
19- (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) جملة فيها علة الحكم بأنهم في جنات و عيون ، استحقوا ذلك بما كانوا عليه في الدنيا ، و هذا كما لو كان إجابة لمن يسأل ، بما استحقوا هذا الأحسان من الله ؟ و هذا مما يزيد التشويق لما بعده لكون الإجابة مجملة ، فينتظر ما يأتي لبيان ما هو إحسانهم الذي كانوا عليه؟ .
20- ( إنهم ) التأكيد بحرف إن ، ناسب سياق الكلام و المخاطبين الشاكين في الجزاء .
24- ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) أن حالهم التي أقاموا عليها و كاوا يتصفون بها ( دل على ذلك فعل كان ) ، من قبل : أي في الدار الدنيا ( محسنين ) ، كقوله : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) [ الحاقة : 24)
25- ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين)، لماذا جاء بقبل ذلك ؟ ذلك لبيان أن الأمر متعلق بحال آخر ، مختلف مغاير لحالهم يوم القيامة ، هو حال الماضي البعيد في الدنيا .
26- (قبل ذلك) ، ذلك اسم إشارة للبعيد ، و ذلك إشارة للمدة بين الدنيا و الآخرة ، و تدل كذلك على رفعة حالهم في الجنة ، فمقامهم بعيد في غرف عالية .
27- استخدام اسم الفاعل ( محسنين ) و ذلك إشارة لما كان حالهم عليه من الثبات و الاستمرار على فعل الإحسان ، و ليس أمراً عارضاً بهم ، فقد اتصفوا بهذا الوصف حتى صار لهم وسماً .
28- حُذف متعلق الإحسان إيجازاً و للعموم ، فإحسانهم كان في معاملتهم مع الله ( يعبدون الله كأنهم يروه ) و إحسانهم مع الناس ، يراقبون الله فيهم و هذا إجمال يشوق من يسمعه لما فُصل في الآيات التي بعدها.
29- كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (>؛ تفصيل الإحسان الذي كان عليه المتقين ، كل آية منهم هي بدل من كل ، فإحسانهم كان مع الله و مع الخلق و هذه الآيات نظير قوله تعالى ( . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .
30- ( محسنين ) معنى الإحسان مع الله أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنك تراه ، و هذه أعلى مراتب العبادة و أجلها مقاماً و أجراً .
31- ( قليلا من الليل ما يهجعون )فيها كناية عن قيام الليل ، و بهذا التعبير يتبين اجتهادهم في الطاعة ، فمن قام الليل لا ينام إلا قليلاً ، و أن قلة النوم هي مشقة و لكنهم يأتونها طوعاً و محبة ، و الليل هو وقت الراحة بعد تعب النهار و النوم شهوة و كذلك وقت ليقضيه الرجل مع زوجه ، فيترك شهوتين ليقبل على خالقه طالباً رضاه و إحسانه و هذا غاية البذل و الانقياد . .
33- مدح الله المتقين بقيامهم الليل هو مدح لقلة النوم ، ( قليلاً من الليل ما يهجعون 9) ، ( من ) ( من الليل ) هي تبعيضيه ، أي جزء من الليل ،و قد ذم النبي صلى الله عليه و سلم كثرة النوم (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ لِسُلَيْمَانَ‏:‏ يَا بُنَيَّ، لا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ يَدَعُ صَاحِبَهُ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَامُوا فَإِذَا انْتَبَهْتُمْ فَأَحْسِنُوا‏.‏ ( كتاب الآداب)
34- (قليلاً ) جاءت نكرة دليل على التقليل ، و قيل المعنى ؛ إما أن قليل منهم كان هو من يقيم الليل و ينام نومة خفيفة ،أو أنهم كانوا قليلي النوم في الليل ، و لعل المعنين يجتمعان ، قال تعالى ( اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) ، و قيام الليل هو من شكر الله ، كما قال رسول الله صلى اله عليه و سلم عندما سألته عائشة رضي الله عنها عن قيامه بالليل و أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فأجاب ( أفلا أكون عبداً شكورا ) .
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما . ولا يفر إذا لاقى " .
33-
33- ما ، قيل فيها أقوال ؛ ما نافية ، أي لا ينامون قليلاً أو أنها مصدرية ، أي قليلاً هجوعهم و هذا أقرب لسياق الآية.
34- في تقديم ( قليلاً من الليل ) إشارة إلى فضل قيام الليل و شرفه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن سَهْل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءَ جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا مُحمَّد، عِشْ ما شِئتَ فإنَّك ميِّت، واعملْ ما شئتَ فإنَّك مَجْزيٌّ به، وأحْبِبْ مَن شئتَ فإنَّك مُفارقُه، واعلمْ أنَّ شرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعِزَّه استغناؤُه عن الناس))؛ رواه الطبراني في "الأوسط" (4278) وحسَّن إسنادَه المنذريُّ في "الترغيب والترهيب" (929).

34- ( قليلاً ) فيها محذوف مقدر ( زمناً قليلاً ) و الحذف للاختصار و الإيجاز .
35- و( بالأسحار )عطف بالواو ، و العطف هنا للترتيب ، فبعد قيامهم يستغفرون ، فقد جاء الأمر بالاستغفار بعد كل طاعة ، و هذا الاستغفار من تقواهم ، و إحسانهم ، فهم يرون أنفسهم مقصرين ، فلعل الاستغفار يجبر تقصيرهم .
قال تعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
و ثبت في صحيح مسلم: (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ) ، و في هذا المدح حث على عمله ، فهو عمل يحبه الله ، و عمل يحتاجه المسلم ، فلا طاعة كاملة و التقصير كائن في كل عمل ، كما أن العبد لا بد له أن لا يرى عمله ، و إلا أصابه العجب و ترك العمل بعد ذلك ، بل لا بد أن يغلب عليه أنه مقصر ، و أن ما يفعله لا شيء أمام نعم الله و مننه عليه ، و كان هذا فعل النبي صلى الله عليه و سلم كما ذكرنا سابقاً في قصة قيامه الليل و أنه يستغفر بعد الصلاة و هو من هو ، فكيف بأي عبد ؟
36- ( و بالأسحار هم يستغفرون ) في الآية تقديم و تأخير ، تقديم الجار و المجرور بالأسحار على هم يستغفرون , ذلك للتنبيه على أهمية هذا الوقت و لاختصاصه بالاستغفار ، و هذا مما ثبت لنا في الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام: ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر ).
37- ( بالأسحار ) حرف الجر ب، يفيد الملاصقة أي بعد القيام مباشرة يستغفرون ، أي مدوا القيام حتى وقت السحر و هذا معنى كلام الحسن (و وقال الحسن في قوله تعالى : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون مدوا الصلاة من أول الليل إلى السحر ثم استغفروا في السحر .
أو تكون بمعنى ( في) ؛ أي أن استغفارهم يكون في الأسحار .
38-جاءت الأسحار و ليس السحر ، و هذا جمع تكثير ، و ذلك لتكرار فعلهم في هذا الوقت .
39- ( و بالأسحار هم يستغفرون ) هم ضمير الفصل ، للتأكيد و لاختصاصهم بهذا الفعل و اختصاص الوقت به ، و لان هذا الأمر لا يفعله غيرهم ، فهم فقط من أحسنوا في عبادتهم من رزقوا الاستغفار في هذا الوقت المبارك .
40 - ( بالاسحار هم يستغفرون ) جاء الفعل المضارع يستغفرون و ليس الاسم مستغفرون ، إشارة إلى أن عملهم هذا كان متجددا ، مستمراً معهم ، يستغفرون عن تقصيرهم لأنهم لا يرون عملهم ، و قيل من نومهم ، حيث حذف متعلق الاستغفار ، فهو استغفار عن كل شيء .
41- و من المفسرين من فسر الاستغفار بالصلاة و ممن قال ذلك مجاهد ، وغير واحد : يصلون . و فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن .و هذا ما اختاره بن كثير ، فالاستغفار يكون في الصلاة أكمل ، و هنا يكون الاستغفار مجاز مرسل ، ذكر و أريد به الصلاة كلها ،و الجمع بين المعنين ، فهو الاستغفار في الصلاة .
42- (و في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم ) : في الآية محذوف للإيجاز ، أي جعلوا في أموالهم حق معلوم ، و السورة مكية ، فهذا النصاب من المال الذي فرضوه هم على أنفسهم ، هذا من الإحسان للخلق ، طاعة لله و طلباً لرضاه ، و هو عمل عظيم ، فالصدقة برهان الإيمان ،فالنفس جبلت على الشح ، و من يوق شح نفسه وصفهم الله ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ) ، فالفلاح كل الفلاح في العطاء لوجه الله .
41- ( و في أموالهم ) قدم الجار و المجرور و ذلك للتشويق لما سيأتي بعده و الذي هو أمر كبير ، البذل عن رضا و ليس ذلك فقط بل جعلوه حق لمستحقيه ، و هذا أمر غريب عجيب ، لا يكون إلا من نفس عالية و إيمان قوي و ذلك مثل قول الشاعر المعرّي أبو العلاء:
والذي حارت البرية فيه **** حيوان مستحدث من جماد
فهنا المسند إليه تقدم واتصل به مايدعو إلى العجب ويشعر بالغرابة وهو (حارت البرية فيه)، وهذا يترك في النفس تشويقا ويدفعها قضولا لمعرفة الخبر المتأخر .

42- ( في أموالهم ) الضمير ( هم ) يشير أن الأمر هم فعلوه و فرضوه على أنفسهم ، و لم يفرضوه على غيرهم ، و هذا من حسن فهمهم ، فالأمر قد يكون ثقيلاً على غيرهم ، يعلمون أنه ليس أحد يأتيه .
43- (حق معلوم ) : جاءت نكرة ، لتعظيم أمر هذا الحق ، فهم أوجبوه على أنفسهم حتى صار حقاً للسائل و المحروم و هذا أمر عظيم ، و قد بينا سابقاً عظمة هذا الأمر .
42- للسائل و المحروم : حرف الجر الام تفيد الاختصاص ‘ فهذا المال خصص لهم حتى أصبح مستحقا لهم ، و الحق يجوز لصاحبه أن يطالب به و لا لوم عليه ، هذا من جميل فعلهم ، و إحسانهم للضعفاء من حولهم .
43- في الجمع بين السائل و المحروم لطيفة ، أنه جمع العمل الظاهر للناس ، فالسائل ، يقف على الأبواب يطلب ، عرفه الناس و عرف أن العطاء له واجب ، و بين الصدقة الخفية و هي ما كان حقاً للمحروم ؛ من لا يسأل الناس ، و يخفى شأنه عن كثير إلا عن المحسنين ممن يدفعون لهم الصدقة ،
44- ( المحروم ) يشمل كل من كان ظاهر الأمر أنه محروم من حقه في أموالهم ، و هذا من بليغ التعبير أن شبه حاله بالمحروم و لكنه لا يحرم الخير .
45- في تقديم قيام الليل و الاستغفار عن الصدقة دليل أن الواجب تقديم حق الله على حق العبيد .
46- في الآيات تتابع ، فالآية الأولى ذكر وصفهم بالمتقين ، ثم ذكر وصفهم بالمحسنين ، ثم فصل في ذكر معنى المحسنين بآيات متتابعات تبين معنى الإحسان.
46- في الآيات إجمال و تفصيل ، ذكر المحسنين إجمالاً ، ثم فصل وصفهم .
و لعل الآيات لازال بين حروفها المزيد من الخير الذي لا ينتهي من أساليب البيان و بديعه ، لكن ما انتهينا إليه فيه ما يحرك النفس و يعلي الهمة ، ببيان من هم المتقين الذين كانوا محسنين و بفعلهم هذا فعلوا ما يحبه الله عز و جل ؛ وأثنى فيها على المحسنين قال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) وقوله: { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [النحل:128] وقوله: { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة:195] إلى غير ذلك ، فكان جزاؤهم من جنس عملهم قال تعالى : { هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ } [الرحمن:60] وقوله: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [يونس:26] ، إيجاز و إجمال يتبعه تفصيل و بيان ، تعريف و تنكير ، تعظيم و تنبيه ، كل ما سبق هو لتصل الرسالة التي تحملها الآيات ، من الحث على تقوى الله ، و على العمل بعمل المتقين ، من التشويق و الترغيب في الجزاء و الثواب ، من تعظيم الله لله و لأوامره ، من الاجتهاد في طاعته ، و بذل الوقت و الجهد لرضاه ، من حب المساكين و حب الإحسان عليهم ، من الحث عل طاعة السر و علو منزلة الخبيئة بين العبد و ربه و بين العبد و من حوله من المحتاجين ، و من التعريض بالمكذبين ، المعرضين و بالمتكاسلين عن طلب معالي الأمور، معانٍ عظيمة ، و مقاصد عالية ، لا يدركها إلا من سعى و بذل و سلم و استسلم ، رزقنا الله و إياكم حسن الفهم و حسن الإتباع .

المصادر
تم الإطلاع على الرسائل المرفقة للدرس بالإضافة إلى :
تفسير الطبري
كتاب لباب الكتاب لابن عادل
تفسير بن كثير
تفسير التحرير و التنوير
تفسير الطنطاوي
تفسير السعدي

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 جمادى الأولى 1442هـ/3-01-2021م, 03:39 AM
سعاد مختار سعاد مختار غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 176
افتراضي

. ⚪ رسالة تفسيرية:( أسلوب البيان) ⚪


قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين }

▪- توسطت هذه الآية أعظم سورة في كتاب الله وهي سورة الفاتحة سبقتها ثلاث آيات ثناء وتمجيد لله رب العالمين ويتلوها ثلاث آيات دعاء و سؤال .
- توسطت هذه الآية السورة العظيمة وهي شطران : شطر للرب ، وشطر للعبد، قال تعالى في الحديث القدسي:" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله تعالى : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي ، وقال مرة : فوض إلي عبدي ، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " وفي رواية : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة .


▪ أما تفسير معاني هذه الآية فهو زاخر مزهر ينتظم الدين كله وخلاصة الإيمان ،فقد دلت على توحيد الألوهية؛ نخلص لك العبادة والتوحيد الهنا ولا نشرك معك غيرك أنت المستحق وحدك للعبادة.
ودلت على توحيد الربوبية ؛ نستمد العون منك ربنا على أن نعبدك كما تحب ونستعين بك في جميع أمور ديننا و دنيانا ونعلن عجزنا وبراءتنا من كل حول وقوة إلا بك.


▪- هذه الآية المقتصدة لفظا جاءت بأسلوب غاية في البلاغة وحسن البيان ، أورد بعضا من الفرائد والفوائد التي تبين منها وتفهم وحاشا أن نحيط بها علما وفهما فكلام الله لا تنتهي عجائبه ولا ينضب معين عطائه
.
▪ أولا : تقديم المفعول "إياك" على عامله هو تقديم عجيب تعددت أقوال العلماء في النظر واستخراج دلالاته – وقبل البدء في تتبعها علينا أن نعلم أن التقديم والتأخير من فرائد القرآن وخصائصه فلا يتقدم لفظ ولا يتأخر إلا لغرض وموجب ، فإن وضع الكلمة في مكانها المناسب من الجملة من أهم مقومات البلاغة والبيان ، ويمثل تقديم الألفاظ في الجمل وتأخيرها مبحثا هاما عني به العلماء والنحاة والمفسرين ، فقد بلغ القرآن الكريم في هذا الذروة كما في غيره من فنون الكلام.
هنا في هذه الآية الكريمة -التي تعد مسألة من مسائل التفسير البياني- كان لتقديم " إياك" غايات ومطالب فقد تعددت أقوال أهل العلم وتفاوت إدراكهم للحكمة وحسن البيان فيها
– وإن كان في بعضها نظر ،فقبولها. مبني على ضوابط وشروط أهمها:
-أن يكون القول صحيحا في نفسه .
- مراعاة نظم الآية ودلالته المعبرة على القول.
▪ وكان لابن القيم رحمه الله قصب السبق في بيان جملة بديعة من أسرار هذه المسألة استفاد أصلها من شيخه –شيخ الاسلام ابن تيمية- وزاد عليه تفصيلا وتفريعا أدهش فيه وأجاد كعادته فجاء كتابه الكبير (مدارج السالكين) تفصيلا للكلام على منازل{ إياك نعبد وإياك نستعين}.
قال رحمه الله : الغاية مقدمة على الوسيلة فتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل ، فغاية الخلق أن يعبدوا ربهم متوسلين راجين عونه على تحقيق هذه العبادة كما يحب ويرضى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .
-"إياك نعبد" متعلق بالألوهية واسمه سبحانه (الله) ، "إياك نستعين" متعلق بالربوبية واسمه تعالى(الرب)، فكان التقديم يوافق أول السورة حيث قدم اسم (الله) على اسمه (الرب).
-"إياك نعبد" قسم الرب في سورة الفاتحة وهو الشطر الأول منها والذي هو ثناء وتمجيد لله.
-"إياك نستعين" قسم العبد في سورة الفاتحة وهو الشطر الثاني فيها والذي هو دعاء سؤال{ اهدنا الصراط المستقيم }.
- جاء ذكر الاستعانة بعد العبادة المطلقة وهذا خصوص بعد عموم فكل عابد لله عبودية عامة مستعين به.
- العبادة طلب لله تعالى ، والاستعانة طلب منه سبحانه.
- العبادة لا يطلبها إلا مخلص لله والاستعانة يطلبها المخلص وغير المخلص.
-العبادة حق الله على المعبود والاستعانة طلبه لتحقيق هذه العبادة الواجبة ، فكان تقديم.الواجب المفروض أولى من التعرض لطلبه وصدقته
العبادة شكر من العبد لربه وتوفيقه لهذا العبد والله يحب أن يشكر
- على قدر التزام العبد بالعبودية وقيامه بها تكون إعانة الله له.
-"إياك نعبد" له متعلق بمحبته ورضاه ، و" إياك نستعين" متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته.
هذا مما أورده ابن القيم من لطائف وأسرار هذا التقديم البياني العجيب.


▪ كما أورد غيره من العلماء أوجه أخرى لهذا التقديم منها:
- لئلا يتقدم ذكر العبد على ذكرالرب .
- مراعاة فواصل الآي؛ و هذا قول ذكره البيضاوي والنسفي وابن عاشور وغيرهم وفي المسألة أقوال أخرى حتى أن الألوسي في تفسيره روح المعاني عدها أحد عشر وجها،
.
▪ الالتفات وتغيير لغة الخطاب في هذه الآية :
تغيرت لغة الخطاب في سورة الفاتحة عند قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم } وانتقل من الغيبة إلى الخطاب المباشر
وهو مايسمى بالإلتفات ، وهو صورة من صور البلاغة ، ومثله كثير في كتاب الله :
قال تعالى { وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ، إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً } 21-22الإنسان


-▪جاء الالتفات من الغيبة : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين } إلى المخاطبة{إياك نعبد وإياك نستعين } لأن المقام ، مقام دعاء ، وأجدر بالدعاء وأولى الحضور ، بينما جاء الثناء في أول السورة بالغيبة ،لأن الثناء يكون في الحضور والغيبة ، وللحافظ ابن كثير رحمه الله كلام جميل في هذا ، يقول :
لما أثنى العبد على الله فكأنه اقترب وحضر بين يديه تعالى ، فقال : {إياك نعبد وإياك نستعين }


ء▪فائدة الإتيان بالفعل المضارع في (نعبد) و (نستعين)
- وذلك لإفادة التجدد والتكرار ، فالعبادة والإستعانة أعمالاً لا ينفك عنها المؤمن العابد لربه في دنيا حتى يلقى ربه ومولاه


▪ - تكرار ضمير الفصل إياك لأمور وفوائد :
- التنصيص على أن العبادة والاستعانة لا تكون إلا لمن دل عليه ضميرإياك وهو ( الله)
- ليحصل تفريق بين العبادة والإستعانة ، فلابد من إخلاص العبادة لله وحده ، في حين أن الإستعانة قد تكون من مخلوق فيما يقدر عليه ، قال تعالى :
{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة 2



▪. دلالة ضمير الجمع (نعبد) و(نستعين):
مالفائدة من نون الجمع هنا؟
هذا التعبير القرآني له دلالاته و لطائفه ؛ ففيه:
-التحريض على صلاة الجماعة –بالنسبة للرجل- لأن قوله نعبد ونستعين يدل على الجماعة.
-حسن السؤال وتعلم الأدب في مناجاة المصلي لمولاه كما قال بعض المفسرين كأن المصلي يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى أن أذكرها وحدها فقد شابها التقصير والذنوب وها أنا أخلطها مع العابدين لك لتقبلها مني.
-العبادة لفظ جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه ، ومجيئه هنا بلفظ الجمع إياك نعبد يشير إلى تعاون العابدين لله في كل ما يحبه ويرضاه.
-النون هنا للتعظيم على الحقيقة ، فمقام العبودية مقام تشريف وتعظيم لا يناله كل أحد ، فلا يوفق إليه إلا من أطاع الله وانقاد لهداه – ألم تر أن الله وصف نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- في أعلى المقامات وأرقى المنازل فقال عزمن قائل:}سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير{(الإسراء،1)، وقال تبارك وتمجد : }تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده { (الفرقان،1) ،وكان كثير من السلف لا يرضى أن يجرد من التعبيد لله إذا ناداه أحد- كما ذكر ابن القيم-
-الإتيان بضمير الجمع أغيظ للمشركين وأبلغ في الثناء على الله –عز وجل-(ذكره ابن عاشور).


▪{ إياك نعبد وإياك نستعين }
-هنا حذف متعلق الاستعانة لجلب نفع أو دفع ضر ؛ (أي المستعان عليه)، لإفادة الجمع بين طلب العون منه سبحانه في عبادته ، واستمداد لعونه على حوائج الدنيا وما يكتنفنا فيها ، روى الضحاك عن ابن عباس –رضي الله عنهما- في قوله تعالى{ إياك نستعين} ؛أي على طاعتك وعلى أمورنا كلها .(أخرجه ابن جرير).
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض من مظاهر وصور البيان البديع المبهر في هذه الآية الكريمة على أن كلام الله تعالى كله لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي عطاياه ومواهبه .
(اللهم علما بكتابك نحقق به تمام الإيمان به قولا وتصديقا ، وعملا).

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20 جمادى الأولى 1442هـ/3-01-2021م, 04:53 AM
سعاد مختار سعاد مختار غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 176
افتراضي

▫المراجع
تفسير ابن عطية
تفسير الطبري
تفسير البغوي
تفسير القرطبي
تفسير ابن كثير
تفسير السعدي
تفسير ابن عاشور
تفسير ابن عثيمين
بحوث ومقالات في الإعجاز البياني


* نسيت كتابة المصادر مرفقة مع الرسالة

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20 جمادى الأولى 1442هـ/3-01-2021م, 10:23 PM
هيئة التصحيح 2 هيئة التصحيح 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 3,466
افتراضي

تقويم التطبيقات على درس الأسلوب البياني

1: إيمان جلال.أ+
أحسنتِ وأجدتِ بارك الله فيكِ.

2: هنادي الفحماوي.أ+
أحسنتِ بارك الله فيكِ.
عند اقتباس كلام المفسرين ينبغي وضع علامات الاقتباس وفقكِ الله.

3: رولا بدوي.أ
أحسنتِ بارك الله فيكِ، وأثني على اجتهادك.
- نقول ذكره ابن عاشور بإثبات الألف في كلمة (ابن) لعدم وقوعها بين علمين.
- كان يحسن عرض الرسالة بدون نقاط ليظهر أسلوبك في الانتقال بين معاني الآية أكثر، ولو أنكِ قسّمت الآيات أثناء العرض وميزتيها بلون ومن ثم ختمتِ ببيان مجمل لكل آية لكان أفضل، لأن مقصود الرسائل البيانية هو التعريف ببلاغة القرآن، وبيان سعة معانيه، ودقة ألفاظه، وسر اختيار بعضها على بعض، وهذا كان يمكن أن يحصل بشيء من التعليق اليسير على المسائل والربط بينها بأسلوبك وإلا أضحى مجرد نقول تجردت من التأثير على القارئ.


4: سعاد مختار.أ
أحسنتِ وفقكِ الله لكن لدي تعقيب على الإكثار من النقول مما أضعف ظهور شخصية الكاتب.
كان يحسن عدم الإكثار من العرض بصورة نقاط.
انظري الملحوظة السابقة لزميلتك.




بارك الله فيكن ووفقكن لما يحبه ويرضاه


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 جمادى الأولى 1442هـ/5-01-2021م, 07:02 PM
فروخ الأكبروف فروخ الأكبروف غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 194
افتراضي

قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15)}
جاءت هذه الآية في سياق الرد على منكري البعث من مشركي قريش، فقد قال تعالى في أول السورة حكاية عنهم: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}، وهذا ما يسمى براعة الاستهلال، "وهو: أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه ويشير إلى ما سيق الكلام لأجله"، كما قال السيوطي في "الإتقان".
فقدمت الهمزة على الفاء؛ لأنها أصل أدوات الاستفهام.
وحقيقة الاستفهام طلب الفهم، ولا يكون إلا من جهل، فسبحان الله عن هذا الوصف، فتعين أن الاستفهام هنا يفيد الإنكار الإبطالي، وفي هذا إقامة للحجة الواضحة عليهم، وذلك أنهم أقروا بالخلق الأول، "ثم هم مع ذلك في لبس من الإعادة وهذا تناقض".
أما قوله تعالى: {أفعيينا} فقد قيل إنه بمعنى: أفأعجزنا. والتحقيق أن هذا تفسير بلازم المعنى. والتعبير بالعي أدق وأنسب للمقام؛ لأن العرب تقول: "عييت من الأمر"، إذا لم تهتد لوجهه، ولم تقدر على معرفته وتحصيله. ولم يرد هنا مجرد العجز. واستشهد على هذا بقول الشاعر:
عيوا بأمرهم كما.....عييت بيضتهما الحمامة
قال ابن القيم: "...والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى، فإن الحمامة لم تعجز عن بيضتها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة، فهي تدور وتجول حتى ترمي بها، فإذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال، فهي تنقلها من مكان إلى مكان، وتحار أين تجعل مقرها، كما هو حال من عي بأمره، فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه..."

أما تعريف "الخلق الأول" فلوجهين:
الأول: لأنهم علموا واعترفوا به.
الثاني: للتفخيم، وهو أصل في التعريف. ومعنى ذلك: أن الخلق الأول هو أعظم.

وفي مجيء بالجملة الاسمية من قوله: {بل هم في لبس من خلق جديد} عدة فوائد:
الأولى: دلالة على ثبات هذا الحكم لهم.
الثانية: أن اللبس متمكن من نفوسهم لا يفارقهم البتة.
الثالثة: "ليتأتى اجتلاب حرف الظرفية في الخبر فيدل على انغماسهم في هذا اللبس وإحاطته بهم إحاطة الظرف بالمظروف".

و"بل" في قوله: {بل هم في لبس من خلق جديد} للإضراب الإبطالي عن المستفهم عنه، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين خلق الله الأول.

أما معنى اللبس فقد قال ابن قارس: "(لبس) اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدل على مخالطة ومداخلة. من ذلك لبست الثوب ألبسه، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع. واللبس: اختلاط الأمر؛ يقال لبست عليه الأمر ألبسه بكسرها. قال الله تعالى: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9]. وفي الأمر لبسة، أي ليس بواضح واللبس: اختلاط الظلام..."
فقد اختلط عليهم الأمر اختلاطا شديدا، حتى لا يتمكنوا القياس "بأن من قدر على إنشاء ما لم يكن موجودا هو على إعادة ما كان موجودا أقدر". وهذا سبب تنكيره، أي: من التعظيم والتفخيم، كأنه قال: في لبس أي لبس.
وعبر عن البعث بالخلق؛ لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وحتى يتمكنوا القياس بينهما، أي: بين الخلق والبعث، ولأن في هذا إظهار حمقهم حيث اعترفوا بالأول وأنكروا الثاني.

وتنكير "خلق جديد" للتقليل، وهو أصل فيه.
وقد يقصد به تفخيم المنكر، من حيث ما فيه من الإبهام.
وكلا الاحتمالين صحيح، فالخلق الجديد بالنسبة إلى منكري البعث أمر عظيم، وأسهل وأهون بالنسبة إلى الله.

المصادر
تفسير البغوي
تفسير ابن عطية
تفسير ابن كثير
الفوائد لابن القيم
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
تفسير أبي السعود
فتح القدير للشوكاني
محاسن التأويل للقاسمي
التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 جمادى الأولى 1442هـ/8-01-2021م, 01:49 AM
رفعة القحطاني رفعة القحطاني غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثالث
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 151
افتراضي

.
قال تعالى:(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14))

بعد تذكير نوح عليه السلام لقومه بالعبارات البليغة المؤدية إلى معنى عظيم وهو توحيد الله وإفراد وعبادته وحده دون سواه ، في المدة التي طال بها مكثه فيهم قبل إهلاكهم وإغراقهم بالطوفان،انتقل معهم من اسلوب النصح الى طريقة التوبيخ وفي بيان لأحوال الخلق والتذكير بالبدأة على الإعادة، فقال لهم :

1-(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ) استفهام صورته صورة السؤال ، والمقصود منه لاشيء يصرفهم عن توقير الله تعالى فلا عذر لهم، بنحوه عن ابن عاشور .

2- (لَا تَرْجُونَ) في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وكلمة (مالك) تلازمها حال بعدها نحو: (فمالهم عن التذكرة معرضين) ،بنحوه عن ابن عاشور .

3- (وقارًا) فمالكم -أيها القوم- لا تخافون عظمة الله وسلطانه ، وقد اختلف في معنى الآية وفي تعلق معمولاتها بعوامله على أقوال :
1- أنه يرجع الى إبقاء معنى الرجاء على معناه المعروف وهو ترقب الأمر، وعلى معنى الوقار المتعارف وهو العظمة المقتضية للإجلال . فيكون من حمل الرجاء والوقار على المعنى المتعارف على معنى:
ما لكم لا ترجون ثوابًا من الله ولا تخافون عِقابًا، أي: فتعبدوه راجين أن يثيبكم على عبادتكم وتوقيركم إياه.
وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية ، وعطاء ابن أبي رباح، وابن كيسان.
وفيه كناية تلويحية بحثهم على الايمان بالله الذي يستلزم رجاء ثوابه وخوف عقابه لأن من رجا تعظيم الله إياه آمن به وعبده .

2- بعضها يرجع إلى تأويل معنى الرجاء والوقار ، ويتركب من الحمل على الظاهر ومن التأويل في كليهما أو أن يكون التأويل في احدهما مع ابقاء الآخر على ظاهر معناه ، فعلى تأْويل معنى الرجاء قال مجاهد والضحاك: معنى لا ترجون لَا تبالون لله عظمة، وعن ابن عباس أَنه سأَله عنها نافع بن الأزرق فأجابه أن الرجاء بمعنى الخوف، وأَنشد قول أبي ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ….وحالفها في بيت نوب عواسل

أي لم يخف لسعها واستمر على اشتيار العسل.

وعلى تأويل الوقار ، قال قتادة الوقار : العاقبة، أي : مالكم لاترجون لله عاقبة ، أي عاقبة الإيمان ، ففيه كناية عن التوبيخ على تركهم الإيمان.

وجعل أبو مسلم الأصفهاني الوقار بمعنى الثبات ، قال : ومنه قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي اثبتن، ومعناه : مالكم لاتثبتون وحدانية الله. ذكره ابن عاشور بتصرف.

4-جملة : (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً) حال من ضمير لكم ، أو ضمير ترجون ، أي في حال تحققكم أنه خلقكم أطوارا، ذكره ابن عاشور بتصرف .


والله أعلم .

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30 جمادى الأولى 1442هـ/13-01-2021م, 09:09 PM
هيئة التصحيح 2 هيئة التصحيح 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 3,466
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فروخ الأكبروف مشاهدة المشاركة
قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15)}
جاءت هذه الآية في سياق الرد على منكري البعث من مشركي قريش، فقد قال تعالى في أول السورة حكاية عنهم: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}، وهذا ما يسمى براعة الاستهلال، "وهو: أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه ويشير إلى ما سيق الكلام لأجله"، كما قال السيوطي في "الإتقان".
فقدمت الهمزة على الفاء؛ لأنها أصل أدوات الاستفهام.
وحقيقة الاستفهام طلب الفهم، ولا يكون إلا من جهل، فسبحان الله عن هذا الوصف، فتعين أن الاستفهام هنا يفيد الإنكار الإبطالي، وفي هذا إقامة للحجة الواضحة عليهم، وذلك أنهم أقروا بالخلق الأول، "ثم هم مع ذلك في لبس من الإعادة وهذا تناقض".
أما قوله تعالى: {أفعيينا} فقد قيل إنه بمعنى: أفأعجزنا. والتحقيق أن هذا تفسير بلازم المعنى. والتعبير بالعي أدق وأنسب للمقام؛ لأن العرب تقول: "عييت من الأمر"، إذا لم تهتد لوجهه، ولم تقدر على معرفته وتحصيله. ولم يرد هنا مجرد العجز. واستشهد على هذا بقول الشاعر:
عيوا بأمرهم كما.....عييت بيضتهما الحمامة
قال ابن القيم: "...والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى، فإن الحمامة لم تعجز عن بيضتها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة، فهي تدور وتجول حتى ترمي بها، فإذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال، فهي تنقلها من مكان إلى مكان، وتحار أين تجعل مقرها، كما هو حال من عي بأمره، فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه..."

أما تعريف "الخلق الأول" فلوجهين:
الأول: لأنهم علموا واعترفوا به.
الثاني: للتفخيم، وهو أصل في التعريف. ومعنى ذلك: أن الخلق الأول هو أعظم.

وفي مجيء بالجملة الاسمية من قوله: {بل هم في لبس من خلق جديد} عدة فوائد:
الأولى: دلالة على ثبات هذا الحكم لهم.
الثانية: أن اللبس متمكن من نفوسهم لا يفارقهم البتة.
الثالثة: "ليتأتى اجتلاب حرف الظرفية في الخبر فيدل على انغماسهم في هذا اللبس وإحاطته بهم إحاطة الظرف بالمظروف".

و"بل" في قوله: {بل هم في لبس من خلق جديد} للإضراب الإبطالي عن المستفهم عنه، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين خلق الله الأول.

أما معنى اللبس فقد قال ابن قارس: "(لبس) اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدل على مخالطة ومداخلة. من ذلك لبست الثوب ألبسه، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع. واللبس: اختلاط الأمر؛ يقال لبست عليه الأمر ألبسه بكسرها. قال الله تعالى: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9]. وفي الأمر لبسة، أي ليس بواضح واللبس: اختلاط الظلام..."
فقد اختلط عليهم الأمر اختلاطا شديدا، حتى لا يتمكنوا القياس "بأن من قدر على إنشاء ما لم يكن موجودا هو على إعادة ما كان موجودا أقدر". وهذا سبب تنكيره، أي: من التعظيم والتفخيم، كأنه قال: في لبس أي لبس.
وعبر عن البعث بالخلق؛ لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وحتى يتمكنوا القياس بينهما، أي: بين الخلق والبعث، ولأن في هذا إظهار حمقهم حيث اعترفوا بالأول وأنكروا الثاني.

وتنكير "خلق جديد" للتقليل، وهو أصل فيه.
وقد يقصد به تفخيم المنكر، من حيث ما فيه من الإبهام.
وكلا الاحتمالين صحيح، فالخلق الجديد بالنسبة إلى منكري البعث أمر عظيم، وأسهل وأهون بالنسبة إلى الله.

المصادر
تفسير البغوي
تفسير ابن عطية
تفسير ابن كثير
الفوائد لابن القيم
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
تفسير أبي السعود
فتح القدير للشوكاني
محاسن التأويل للقاسمي
التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور
أحسنت وفقك الله وسددك.
الدرجة:أ
تم خصم نصف درجة للتأخير

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 30 جمادى الأولى 1442هـ/13-01-2021م, 09:36 PM
هيئة التصحيح 2 هيئة التصحيح 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 3,466
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رفعة القحطاني مشاهدة المشاركة
.
قال تعالى:(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14))

بعد تذكير نوح عليه السلام لقومه بالعبارات البليغة المؤدية إلى معنى عظيم وهو توحيد الله وإفراد وعبادته وحده دون سواه ، في المدة التي طال بها مكثه فيهم قبل إهلاكهم وإغراقهم بالطوفان،انتقل معهم من اسلوب النصح الى طريقة التوبيخ وفي بيان لأحوال الخلق والتذكير بالبدأة على الإعادة، فقال لهم :

1-(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ) استفهام صورته صورة السؤال ، والمقصود منه لاشيء يصرفهم عن توقير الله تعالى فلا عذر لهم، بنحوه عن ابن عاشور .

2- (لَا تَرْجُونَ) في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وكلمة (مالك) تلازمها حال بعدها نحو: (فمالهم عن التذكرة معرضين) ،بنحوه عن ابن عاشور .

3- (وقارًا) فمالكم -أيها القوم- لا تخافون عظمة الله وسلطانه ، وقد اختلف في معنى الآية وفي تعلق معمولاتها بعوامله على أقوال :
1- أنه يرجع الى إبقاء معنى الرجاء على معناه المعروف وهو ترقب الأمر، وعلى معنى الوقار المتعارف وهو العظمة المقتضية للإجلال . فيكون من حمل الرجاء والوقار على المعنى المتعارف على معنى:
ما لكم لا ترجون ثوابًا من الله ولا تخافون عِقابًا، أي: فتعبدوه راجين أن يثيبكم على عبادتكم وتوقيركم إياه.
وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية ، وعطاء ابن أبي رباح، وابن كيسان.
وفيه كناية تلويحية بحثهم على الايمان بالله الذي يستلزم رجاء ثوابه وخوف عقابه لأن من رجا تعظيم الله إياه آمن به وعبده .

2- بعضها يرجع إلى تأويل معنى الرجاء والوقار ، ويتركب من الحمل على الظاهر ومن التأويل في كليهما أو أن يكون التأويل في احدهما مع ابقاء الآخر على ظاهر معناه ، فعلى تأْويل معنى الرجاء قال مجاهد والضحاك: معنى لا ترجون لَا تبالون لله عظمة، وعن ابن عباس أَنه سأَله عنها نافع بن الأزرق فأجابه أن الرجاء بمعنى الخوف، وأَنشد قول أبي ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ….وحالفها في بيت نوب عواسل

أي لم يخف لسعها واستمر على اشتيار العسل.

وعلى تأويل الوقار ، قال قتادة الوقار : العاقبة، أي : مالكم لاترجون لله عاقبة ، أي عاقبة الإيمان ، ففيه كناية عن التوبيخ على تركهم الإيمان.

وجعل أبو مسلم الأصفهاني الوقار بمعنى الثبات ، قال : ومنه قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي اثبتن، ومعناه : مالكم لاتثبتون وحدانية الله. ذكره ابن عاشور بتصرف.

4-جملة : (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً) حال من ضمير لكم ، أو ضمير ترجون ، أي في حال تحققكم أنه خلقكم أطوارا، ذكره ابن عاشور بتصرف .


والله أعلم .
بارك الله فيكِ، الأسلوب البياني واضح لكن المأخذ هو غياب شخصيتك لكثرة النقول.
- لا ينبغي التعويل على تفسير واحد، وتنويع المصادر يثري معلوماتك ويكون لديك سعة في التفسير بأسلوبك.

الدرجة:ج

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تطبيقات, على

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:27 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir