دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة التأهيل العام للمفسر > منتدى المسار الأول

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 شعبان 1443هـ/23-03-2022م, 10:16 PM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,730
افتراضي مجلس مذاكرة القسم العشرين من تفسير سورة البقرة

مجلس مذاكرة القسم العشرين من تفسير سورة البقرة
(الآيات: 275- 286)


بالاستعانة بالتفاسير الثلاثة المقرّرة اكتب رسالة تفسيرية في واحد من الأقسام التالية:
1: آيات الربا،
بأسلوب التقرير العلمي.
2: آيات الدين بالأسلوب الاستنتاجي.
3: آخر ثلاث آيات من سورة البقرة، بأسلوب الحجاج.



إرشادات:
- مصادر الرسائل هي التفاسير الثلاثة المقرّرة للدراسة، ويمكن الاستعانة بتفاسير أخرى من باب توسيع دائرة الاطّلاع.
- تراجع الإرشادات الخاصّة بكل أسلوب تفسيري في دورة أساليب التفسير، وكذلك خطة إعداد الرسالة التفسيرية (هنا).
- يمكن أن يضاف للأسلوب الأساسي للرسالة غيره من الأساليب مما يستدعيه المقام ويعين على تحسين الرسالة.



والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات..

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 صفر 1444هـ/14-09-2022م, 05:22 AM
إيمان جلال إيمان جلال غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 380
افتراضي

رسالة بأسلوب الحجاج لخواتيم سورة البقرة وهي قوله تعالى:
"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)، آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد،
ف "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا" [الكهف (1)]، الحمد لله على أن منّ علينا بأن جعلنا من خير الأمم، وأن أرسل إلينا خير الرسل، وأن أنزل إلينا خير الكتب، "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" [البقرة (2)]، كتاب هداية لمن نشدها، قال تعالى: "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" [البقرة (28)].
وما واجبنا تجاه هذا الكتاب العظيم إلا الانكباب عليه تعلما وفهما وتدبرا، ومن ثم العمل بمقتضاه، وبهذا يتحقق شكرنا له سبحانه، فلزوم القرآن تلاوة ومدارسة وفهما لهو من أجل ما تفنى به الأعمار، وتبذل في سبيله الجهود، فهو ليس كغيره من الكتب، مرتبط ببعضه من أوله إلى آخره، في تناسق لا نظير له، فإن استفتحته وجدت فاتحته تبدأ بحمده تعالى على كامل نعمه – ومنها هذا الكتاب الذي بين يديك – وإن تصفحت صفحاته أتتك ثاني سوره، ألا وهي سورة البقرة، التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: (إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة). [1]
امتدح تعالى في أول البقرة المؤمنين بأنهم "يؤمنون بالغيب" [البقرة (3)]، ثم تتالت الآيات تتناول الحث على الاستسلام والانقياد لأوامر الله واجتناب نواهيه، مع ذكر أحوال بني إسرائيل الذين تمردوا على ربهم، وعاندوا رسولهم، فجاء اسم البقرة للسورة – مع قلة عدد الآيات التي تتكلم عن قصتها - للدلالة على القوم الذين خالفوا محور السورة وهو الاستسلام والخضوع، لتحذر من مشابهتهم، وتنفر من التمرد على ربهم. ثم جاء في ثناياها جميع أركان الإسلام من شهادة وصلاة وزكاة وصيام وحج وأحكام للزواج والطلاق وغيرها لتحث المؤمنين الممدوحين في أول السورة على الخضوع لشرع الله الذي ارتضاه لعباده والاستسلام له دونما اعتراض أو نكوص، لتختم السورة بمدح المؤمنين وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - خير البشر بعد الأنبياء – الذين أخبر تعالى عنهم بأنهم خير من انقاد لشرعه واستسلم له، وآمن بالغيب الذي هو "بالله وملائكته وكتبه ورسله"، واليوم الآخر المتمثل ب "وإليك المصير"، والقدر خيره وشره والمتمثل بقولهم "سمعنا وأطعنا"، نسمع ونطيع أوامر الله الشرعية التي هي من قدر الله.
وإن أطلت في المقدمة، إلا أنني أجدني مرغمة على هذا السرد، لأبدأ بذلك بأول محاججة على من طعن في القرآن، وقال بأنه إنما هو قول بشر، لأبيّن بأنه كتاب حق، لا يستطيع جن ولا إنس أن يأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ودليله ذاك الترابط الفريد بين آياته وسوره، في كتاب حكيم كريم من الله الحكيم الخبير الذي له "مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"، خالق السماوات والأرض ومالكهما، ومالك ما بينهما وما فيهما، قال تعالى: "ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير" [البقرة (107)]. وجاءت "ما" لغير العاقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل، وإلا فإن الله هو رب كل شيء ومليكه ومالكه، فلا يغتر أحد بما يملك، لأن الله هو المالك على الحقيقة، بل حتى نفسك التي بين جنبيك، وقلبك الذي في صدرك، ليس ملكا لك، فهل تخيلت مدى ضعفك، حين لا تقوى على السيطرة على هذه المضغة والتي عليها مدار الأعمال والعبادات؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). [2]
ولأن للقلب تلك المنزلة العالية في الشريعة، فلقد فزع الصحابة – لشدة إيمانهم بربهم وخشيتهم له – حين سمعوا قول الله تعالى: "وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ"، فلقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله على كل شيء قدير"، قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: (أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها!)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: "سمعنا وعصينا.."؟ بل قولوا: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإيك المصير"، فقالوا: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فلما اقترأها القوم ذُلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فلما فعلوا ذلك، نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: نعم، "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا"، قال: نعم، "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" قال: نعم، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، قال: نعم))). [3]
وقد اختلف أهل العلم في معنى: "وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" على خمسة أقوال، هي:
القول الأول: أنها منسوخة بالتي بعدها. قاله علي وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وجماعة من الصحابة والتابعين، وذكره الزجاج وابن عطية والقرطبي وابن كثير.
وقد احتج أصحاب هذا القول بعدة أحاديث منها الحديث السابق، وكذلك بما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: (لما نزلت "إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: (قد فعلت)، "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا"، قال: (قد فعلت)، "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، قال: (قد فعلت)، وفي رواية: فلما فعلوا ذلك نسخها الله، ثم أنزل تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها")). [4]
وسبب اشتداد الأمر على الصحابة وفزعهم، هو أنهم فهموا - رضوان الله عليهم وأرضاهم – أن الله محاسبهم على كل ما جال في خواطرهم، من وساوس تهجم على القلب، ليست باختيار الإنسان، بل لها كارهون، ولا يطلع عليها إلا الله، وأنه محاسبهم عليها، وأن هذا التكليف بقي حولا حتى أنزل الله الفرج بالآيات بعدها تنسخها وتبين بأن الله لا يحاسب العبد على خواطره العابرة على القلب، لأن هذا مما ليس في وسع الإنسان، طالما أنه مدافع لها غير مستسلم لها، فقال تعالى ناسخا للحكم السابق: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وهذه الخواطر لهي مما ليس في وسع الإنسان، فلا يكلّفها.
قال ابن عباس: فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال. ذكره ابن كثير.
بل إن الحديث الذي رواه أبو هريرة يؤيد هذا المعنى، فقد قال بأن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)). [5]، أي أن الخواطر التي تهجم على قلوب الصحابة وأهل الإيمان وهم لها كارهون غير مؤاخذين بها، بل إن ذلك من صريح الإيمان، لأن الشيطان إنما يتربص للمؤمنين ليقطع عليهم سلوك الصراط المستقيم بما يورده على قلوبهم من خواطر ووساوس سيئة أملا منه بأن يصل بهم للمعاصي أو للبدع أو للشرك، فوجود تلك الخواطر يعني صريح إيمانهم الذي جعل الشيطان يتربص بهم، بعكس قلوب الكفار وأهل البدع الذين لا رغبة للشيطان في التربص لهم، فقد شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له أنه ينتابهم بعض الوساوس التي يكرهونها ولا يحبون التكلم بها، فقال عليه الصلاة والسلام: (الحمدلله الذي رد كيده إلى الوسوسة). [6]. فحين عجز عن صدهم عن الخير، لجأ إلى الوسوسة.
قال ابن تيمية رحمه الله: والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره، لابد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان "إن كيد الشيطان كان ضعيفا". وكلما أراد العبد توجها إلى الله تعالى بقلبه، جاءه من الوسوسة أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه، ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا! وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب. [مجموع الفتاوي (608/22)].

القول الثاني: أن الآية محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي في نفسه محاسب. قاله ابن عباس وعكرمة والشعبي، وذكره ابن عطية والقرطبي.
واحتجوا لقولهم هذا بأن الآية جاءت في سياق الحديث عن الشهادة وأن من يكتمها فإنه آثم قلبه.

القول الثالث: أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين. قاله مجاهد وذكره ابن عطية والقرطبي.

القول الرابع: أنها محكمة عامة غير منسوخة. اختاره ورجحه الطبري ورواه عن مجاهد والضحاك والحسن وآخرون وصححه ابن عطية، وذكره القرطبي وابن كثير.
ومن قال بهذا القول احتجوا:
• بأن "يحاسبكم به الله" لا يلزم منها المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب. ذكره ابن كثير.
• وبأن "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" تعني بأن الله محاسب خلقه على ما عملوه من عمل، وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في النفس واستقر فيها وأراده صاحبه، "فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" أي فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق. رواه الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا، وذكره ابن عطية والقرطبي وابن كثير.
والمعنى: أن ما يحاسب عليه العبد هو ما استقر في النفس وما انطوت عليه سريرته من إرادة جازمة سيئة، أما مجرد الخواطر العارضة والتي تكره النفس ورودها على القلب بغير رضاها، فذلك:
- إما معفو عنه، لما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به).[7]. ذكره الزجاج.
- أو أن الله يعرضه عليه مجرد عرض في الآخرة ثم يغفره له، لما جاء في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة عن صفوان بن محرز أنه قال: ("وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه" فإنّها لم تنسخ، ولكنّ اللّه إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إنّي أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، ممّا لم يطّلع عليه ملائكتي، فأمّا المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدّثوا به أنفسهم، وهو قوله: "يحاسبكم به اللّه" يقول: يخبركم، وأمّا أهل الشّكّ والرّيب فيخبرهم بما أخفوا من التّكذيب وهو قوله: "فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء"، وهو قوله: "ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم" من الشّكّ والنّفاق). [8]. وقد روى العوفيّ والضّحّاك عنه قريبًا من هذا. ذكره ابن كثير.
وهو ذاته ما جاء في حديث النجوى الوارد في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة عن صفوان بن محرز أنه قال: (بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر، وهو يطوف، إذ عرض له رجلٌ فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول في النّجوى؟ فقال: سمعت نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: (يدنو المؤمن من ربّه، عزّ وجلّ، حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربّ أعرف -مرّتين -حتّى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا وأنا أغفرها لك اليوم). قال: فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه -بيمينه، وأمّا الكفّار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد "هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم ألا لعنة اللّه على الظّالمين")). [9] ذكره ابن كثير.

• وبأن "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ليست ناسخة – على هذا القول – لأن الخواطر الرديئة المستقرة في القلب هي مما في وسع الإنسان، وبالتالي فإنه مكلف بها، محاسب عليها، فالإنسان بيده الاسترسال مع تلك الوساوس، كما بيده ردعها ومجاهدتها، بعكس الخاطرة التي بوسع الإنسان زجرها وقتلها في مهدها.

• وأيضا مما قوى القول بأن الآية محكمة ليست منسوخة: أن الآية خبر من الأخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. ذكره ابن عطية والقرطبي.

• وقد ذكر ابن عطية سببا آخر يرجح فيه القول بأن الآية محكمة: وهو أن "في أنفسكم" تقتضي قوة اللفظ بأنه هو ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز.

• وكذلك من أسباب ترجيح البعض للقول بعدم النسخ: هو تقديرهم للكلام بأن فيه إضمار وتقييد، تقديره "يحاسبكم به الله إن شاء. ذكره القرطبي.

القول الخامس: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. أسند ذات المعنى إلى عائشة رضي الله عنها، وذكره ابن عطية والقرطبي.
فما يجده المؤمن من بلاءات الدنيا ومصائبها تكفر بها تلك الظنون السيئة والوساوس الباطلة
ويؤيده الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: أن أمية سألت عائشة عن هذه الآية فقالت: (ما سألني عنها أحدٌ منذ سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنها فقال: هذه مبايعة اللّه العبد، وما يصيبه من الحمّى، والنّكبة، والبضاعة يضعها في يد كمّه، فيفتقدها فيفزع لها، ثمّ يجدها في ضبنه، حتّى إنّ المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التّبر الأحمر من الكير). [10] ذكره ابن كثير.

القول السادس: أن "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" هي في المؤمنين الذين يتولون الكافرين، فإن أعلنوا عما في نفوسهم من تلك الموالاة أو أخفوها في أنفسهم فالله محاسبهم عليها. قاله الواقدي ومقاتل، واستبعده القرطبي معللا بأن السياق لا يقتضيه، بعكس سياق الآية في آل عمران: "قل إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يعلمه الله"، فيدل عليه ما قبله "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين". ذكره القرطبي.

وقد وجه ابن عطية والقرطبي تلك الأقوال بقولهما: ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (قولوا سمعنا وأطعنا) يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله عز وجل: "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين". فهذا لفظ الخبر ولكن معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك.
وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها. ذكره ابن عطية.
وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في الآية هو قول ابن عباس بأنها عامة
فاحتمال الآية للأقوال جميعها يعطينا فهما أوسع وأعمق للمعنى، بمعرفة حكم كل حالة، ولكن المجمع عليه هو أن ما يظهره العباد من العمل، وما يسروه فإن الله محاسبهم عليه ما لم يقع على وجه الخطأ أو النسيان أو ما استكرهوا عليه، فالله "يعلم السر وأخفى"، لا تخفى عليه الظواهر ولا السّرائر والضّمائر، وإن دقّت وخفيت. ف "الله على كل شيء قدير"، لا يعجزه شيء، و "شيء" نكرة في صيغة النفي تقتضي العموم، فلا شيء مهما دقّ أو جلّ يعجزه تعالى أو يخفى عليه، وإن كانت حركة قلب في جزء من الثانية.
وقد اشتد الأمر على الصحابة لما نزلت "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الرّكب، وقالوا: (يا رسول اللّه، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصّلاة والصّيام والجهاد والصّدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير». فلمّا أقر بها القوم وذلّت بها ألسنتهم، أنزل اللّه في أثرها: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير). [11].
يا لشدة ورع الصحابة وخشيتهم لربهم، حين فزعوا من دقيق الذنب أن يلحقهم شؤمه حتى وصل بهم الحال أن جثوا على الركب، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسلام والخضوع والانقياد، فما لبثوا أن استجابوا بل سارعوا فيها، فكان هذا سببا للتخفيف عنهم، فثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله يكون رفع الإصر عن المنقاد المستسلم لله، بعكس بني إسرائيل الذين ذمهم الله وحملهم من المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله عاذنا الله من نقمه.
فهلا اقتدينا بصحابة نبينا صلى الله عله وسلم! لله درهم ما أعمق فهمهم، وأغزر خشيتهم لله، فما أن يبصروا بصيص نور يقربهم من ربهم إلا سلكوه بل سارعوا إليه، وما أن شعروا بأن هناك ما يخدش في إيمانهم إلا نفروا منه، بل فروا منه فرارهم من الأسد. ولا غرابة: فهم من رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعاصروا نزول الوحي عليه، وجاهدوا معه، فاستحقوا الثناء من الله تعالى حين ذكرهم في سورة الفتح: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ". [الفتح].
وبهذا نرد على من طعن بهم وانتقصهم قدرهم، إذ كيف يُذم من امتدحه الله؟ وكيف ينتقص من أثنى عليه الله؟
وقد أثنى عليهم تعالى هنا بقوله: "آمن الرسول" وهو نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم "بما أنزل إليه" وهو القرآن الكريم، "والمؤمنون" فقد أخبر تعالى عن تصديقهم وتسليمهم وإيمانهم قبل رفع المؤاخذة عن وسوسة وخواطر النفس، فرفق بهم تعالى وكشف الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء، ورفع المشقة في أمر الخواطر. فقد آمنوا بجميع أركان الإيمان جملة وتفصيلا، وحق لهم أن يؤمنوا، فقد قال قدوتهم حينما أنزلت عليه هذه الآية: (حق له أن يؤمن). [12]. ونحن للرسول صلى الله عليه وسلم وللصحابة أتباع، نؤمن بما آمنوا به، نؤمن بالله ربا وإلها واحدا لا نشرك به شيئا، ونؤمن بالملائكة عباد الله الذين "لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون"، ونؤمن بكتبه جميعها من صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل، وأن القرآن مهيمن عليها كلها، مبطل لها كلها، لتجرؤ الأقوام على تحريف ما حرف منها، ونؤمن برسله لا نفرق بين الرسل كما فعل أهل الكتاب قبلنا، فعقيدتنا في كل الرسل أنهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعضٍ بإذن اللّه، حتّى نسخ الجميع بشرع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم الأنبياء والمرسلين، الّذي تقوم السّاعة على شريعته، ولا تزال طائفةٌ من أمّته على الحقّ ظاهرين.
ثم جاءت "وقالوا سمعنا وأطعنا" تصرح بخضوعهم واستكانتهم لأوامر الله وانقيادهم لها، فسمعوا سمع استجابة واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم.
قال الزجاج: "سمعنا" سمع قابلين، "وأطعنا" قبلنا ما سمعنا، لأن من سمع فلم يعمل قيل له أصم - كما قال جلّ وعزّ: "صمّ بكم عمي"، ليس لأنهم لا يسمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع.
قال الشاعر:
أصمّ عمّا ساءه سميع
وإن إذعانهم هذا فيه تحقيق للركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر.
ثم طلبوا المغفرة من الله على ما ظهر منهم أول الأمر، وعلى كل تقصير أو تأخر أو بطء في الاستجابة فقالوا: "غفرانك ربنا"، أي نسألك المغفرة والرحمة واللطف. فاستجاب لهم ربهم كما في الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في قول الله: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون" إلى قوله: "غفرانك ربنا" قال: (قد غفرت لكم). [13].
وتجلى إيمانهم باليوم الآخر واضحا جليا بقولهم: "وإليك المصير" أي إليك المرجع والمآب يوم بقوم الحساب، فتقدم الجار والمجرور يعني اختصاص الله والحصر بأن الرجوع ليس إلا لله وحده، فهو من بيده ملكوت السموات والأرض والدنيا والآخرة.
وهكذا استوفت الآيات أركان الإيمان الست، واستجابة الصحابة المؤمنين لربهم وطاعته له لجميعها، فجاءهم الفرج من الله على القاعدة: (المشقة تجلب التيسير)، فظهر لطف الله بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم فنسخت ما تأول فهمه الصحابة من الآية السابقة، وهذا من أعظم ثمرات الخضوع لله ولأوامره، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون" قال له جبريل: (يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر السورة). [14]. فجاءت الآيات بعدها تجبر القلوب والخواطر فقال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلى وسعها" أي أن الله وإن حاسب وسأل لكن لا يعذّب إلّا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يمكن دفعه من وسوسة النّفس وحديثها، فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيّئة من الإيمان.، كما ذكر ابن كثير.
فالله لا يكلف النفس فرضا من فروضه من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك إلا بمقدار طاقتها، كما ذكر الزجاج، وهي مصداق قوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" فالله لا يكلف العباد من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، فالخواطر ليست في وسع الإنسان إن هجمت عليه دونما استدعاء منه لها بل ومع مجاهدته لها، بينما ما استقر في خاطر العبد من خواطر رديئة – مع استطاعته دفعها – واسترساله معها فإنها في وسع الإنسان مجاهدتها، ولكنه قصّر في ذلك، فاستحق أن يتحمل وزرها.
فبوسع الإنسان أن يحب الإيمان والطاعات ويتبعها جوارحه، فقال تعالى: "لها ما كسبت"، فعبّر تعالى ب "لها" لأنها مما يفرح الإنسان بكسبه، ويسر بها، فتضاف إلى ملكه، كما أنه بوسع الإنسان كره الكفر والفسوق والعصيان والبدع وألا يتبعها جوارحه، ولكنه توانى في ذلك، فقال تعالى: "وعليها ما اكتسبت" فعبّر تعالى ب "عليها" من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة. فكل خير تعمله النفس فهو لها، وكل شر تعمله فهو عليها.
وقال ابن عطية أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى.
فلما كشف الله عن الصحابة ما خافوه في قوله تعالى: "يحاسبكم به الله" أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ. وقد علّم تعالى عباده أن يدعونه، وأرشدهم إلى سؤاله، وتكفل لهم بالإجابة، فقال تعالى: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا ورحمنا"
وقد قال تعالى في الحديث القدسي بعد كل دعاء: (قد فعلت) إجابة لدعائهم إياه، كما في الحديث الذي رواه مسلم.
فدعاؤهم "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" فقد ذكر فيه أهل العلم عدة أقوال، فيكون سؤالهم عام لكل ما سيأتي:
- سؤالهم عفو ربهم أن يتجاوز عن النسيان الغالب، والخطأ غير المقصود، وهو ما ذهب إليه كثير من العلماء وصححه ابن عطية.
روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). [15]. ذكره ابن عطية.
وقال السدي: (لما نزلت هذه الآية فقالوها قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد فعل الله ذلك يا محمد). ذكره ابن عطية.
- سؤالهم العفو إن تركوا شيئا من طاعة الله وأنه الخطأ المقصود. قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به. وهو مذهب الطبري وغيره، وذكره ابن عطية.
- "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا" هو سؤالهم: إن تركوا فرضا على جهة النسيان، أو فعلوا حراما، "أو أخطأنا" الصواب في العمل، جهلًا منهم بوجهه الشّرعيّ. ذكره ابن كثير.
ومصداقه الحديث الذي رواه ابن عباس في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان، وما استكرهوا عليه)). ذكره ابن كثير.

ودعاء المؤمنين الثاني هو قولهم: "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا".
هو دعاؤهم ربهم أن لا يحمل عليهم التكاليف الشاقة كما حصل مع أهل الكتاب قبلهم، وقد حصل أن خفف تعالى عن هذه الأمة من الأوامر ما لم يخففه عن غيرها، ومثاله: الصلاة، فقد جاء في الحديث:
قالَ ابنُ حَزْمٍ، وأَنَسُ بنُ مالِكٍ: قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ علَى أُمَّتي خَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: فَرَجَعْتُ بذلكَ حتَّى أمُرَّ بمُوسَى، فقالَ مُوسَى عليه السَّلامُ: ماذا فَرَضَ رَبُّكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قالَ: قُلتُ: فَرَضَ عليهم خَمْسِينَ صَلاةً، قالَ لي مُوسَى عليه السَّلامُ: فَراجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، قالَ: فَراجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَها، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى عليه السَّلامُ، فأخْبَرْتُهُ قالَ: راجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، قالَ: فَراجَعْتُ رَبِّي، فقالَ: هي خَمْسٌ وهي خَمْسُونَ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فقالَ: راجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي). [16]
فلله الحمد من قبل ومن بعد على أن جعلنا من هذه الأمة المباركة.

ثم جاء دعاء المؤمنين الثالث: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" فقد سألوا الله أن لا يشدد عليهم كما شدد على من كان قبلهم. قاله قتادة.
وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.
وذكر ابن كثير والمعنى أن لا تبتلينا بالمصائب بما لا قبل لنا به.

** مسألة: هل يجوز أن يكلف الله عباده بما لا يطيقونه؟
إن مما دَلَّت عليه النصوص أنَّ الرب - جل جلاله - رحيم بعباده، يَسَّرَ لهم، وما جعل عليهم في الدين من حرج، ولم يُكَلِّفْهُمْ فوق ما يستطيعون، والآيات في هذا الباب كثيرة كقوله - عز وجل -:
"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" [البقرة:286].
"رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ" [البقرة:286].
"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" [التغابن:16].
"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج:78].
"يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة:158].
قال ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَحَبُّ الدين إلى الله الحنيفية السَّمحة) [17].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يشادَّ الدِّيْنَ أحد إلا غلبه). [18].
ونحو ذلك من الأحاديث التي فيها صفة الله - عز وجل - في تحريمه الظلم على نفسه وإقامته للعدل في ملكوته وفي أمره ونهيه. وقد وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة:
• فمن أهل العلم من قال بأن التكليف فوق الطاقة محال البتة، فيستحيل أن يكلف الله عباده بما لا مقدرة لهم فيه ولا في استطاعتهم.
فالله تعالى أعلم بخلقه، قال تعالى: "ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير"، فلا يحملهم بما هو خارج طاقتهم، فيكون أصل التشريع موافق لما كُلّف به العبد، حيث لم يكن أصل التشريع يوما فوق طاقة العبد.
وقال ابن عطية: فإن ما لا يطاق ينقسم أقساما:
** فمنه المحال عقلا: كالجمع بين الضدين.
** ومنه المحال عادة: كرفع الإنسان جبلا.
** ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك: كالاحتراق بالنار ونحوه.
** ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره: وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير

• ومن اهل العلم من قال بأن التكليف فوق الطاقة جائز، فلله تعالى أن يفعل من ذلك ما يشاء، ولكنه ثقل على البعض فتركه، وسهل على آخرين فامتثلوا له، وكل ذلك بتوفيق الله وعونه.
ومثاله: عندما كلف بني إسرائيل بأن يقتلوا أنفسهم. فقد كلفهم الله بما يثقل عليهم وليس بما لا يستطيعونه، كقولك: ما أطيق أن أكلم فلان، فهذا لا يعني أني لا أستطيع أن أكلمه، ولكن المعنى: أنه يثقل علي فعل ذلك.
لذلك قال ابن كثير: فالمؤمنون يسألون ربهم أن لا يكلفهم بالأعمال الشّاقّة وإن أطاقوها، كما شرع تعالى ذلك للأمم الماضية قبلهم من الأغلال والآصار الّتي كانت عليهم، الّتي بعث النبي محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ الرّحمة بوضعه في شرعه الّذي أرسله الله به، من الدّين الحنيف السّهل السّمح.
وقد ثبت في صحيح مسلمٍ، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «قال اللّه: نعم».
وعن ابن عبّاسٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:«قال اللّه: قد فعلت». وجاء الحديث من طرقٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «بعثت بالحنيفيّة السّمحة». ذكره ابن كثير.
وإن الأصل في الإنسان التعبد، وأنه عبد لله، يجب عليه أن يمضي عمره وجميع وقته في طاعة الله، وأن الملائكة لما كانت تطيق كذا وكذا من الأعمال والعبادات، جعلهم الله يقومون بذلك أمرا لا اختيارا، أما بالنسبة للعباد، فيرجع الأمر لتوفيق الله لبعضهم في الامتثال، وخذلان من خذل في ترك الامتثال، ففي كلا الحالين: كلاهما قادر على القيام بالتكليف، ولكن البعض جاهد نفسه – لثقل الأمر عليه – فامتثل بتوفيق الله له، والبعض الآخر تكاسل وتوانى فخذل.

• وإن من أهل العلم من أجاز التكليف بما لا يطاق عقلا، وأنه لا يحرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به. قال به أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين، وذكر ابن عطية لهذا دليلا وهو حديث (تكليف المصور أن يعقد شعيرة.)
ومن قال بهذا القول اختلف بجواز وقوعه في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من عدمه.
- فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب، لأنه حكم عليه بتب اليدين، وصلي النار إن وافى الله على كفره، وهذا مؤذن بأنه لن يؤمن، فكأنه كلّف بأن يؤمن، ولكنه في حكم القدر أنه لن يؤمن، وبالتالي لن يصدق بسورة المسد.
- وقالت فرقة: أنه لم يقع قط في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله الآية التي نحن في صددها، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (قد فعلت).

ثم توالت الآيات الكريمات في دعاء المؤمنين ربهم: "واعف عنا واغفر لنا وارحمنا":
فقد سألوا - رضوان الله عليهم - عفو الله فيما صدر عنهم من تقصير وزلل فيما بينهم وبينه، ثم أتبعوه بسؤال ربهم المغفرة فيما بينهم وبين الناس فلا يرون مساوءهم وأعمالهم القبيحة، كما سألوا ربهم الرحمة بأن يعصمهم من الوقوع في ذنب آخر.
قال ابن كثير: ولهذا قالوا: إنّ المذنب محتاجٌ إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو اللّه عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.
ويا لحسن فقههم! عندما دعوا الله بأنسب أسمائه لحالهم تلك فقالوا: "أنت مولانا": أي ولينا وناصرنا، وعليك توكّلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوّة لنا إلّا بك، كما ذكره ابن كثير.
فقد تبرؤوا من حولهم وقوته وأووا إلى ركن شديد يعينهم ويوفقهم ويسددهم.
وختموا دعاءهم بسؤال الله النصر على العدو الكافر الذي جحد الدين، وأنكر وحدانية الله ورسالة نبيه، والنصر يكون باللسان وذلك بإقامة الحجة عليهم، ويكون بالسنان، بالغلبة في الحرب، وكل ذلك طمعا في إظهار الدين على كل الأديان، فتكون للمؤمنين العاقبة في الدنيا والآخرة.
فقال تعالى: (نعم)، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال: (قد فعلت)، وذلك بعد كل دعاء من الأدعية التي سألوها ربهم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني المثنّى بن إبراهيم، حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق: «أنّ معاذًا، رضي اللّه عنه، كان إذا فرغ من هذه السّورة: "فانصرنا على القوم الكافرين"، قال: (آمين).
ونحن أتباعهم، نقول كقولهم: آمين.
فهذه الآيات على وجازتها، حملت بين طياتها معان عظيمة، وأدعية جامعة، من حظي بها ظفر، ومن فقدها خسر، لذلك كان لها من المكانة في الشرع ما جعلها:
- كفاية لصاحبها إذا قرأها ليلا.
قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن، عن أبي مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ بالآيتين»، وحدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبي مسعودٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه». [19] ذكره ابن كثير.

- خصيصة لهذه الأمة، من كنز تحت العرش:
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي). [20] ذكره ابن كثير.

- لا يقرب الشيطان بيتا تتلى فيه الآيتان:
قال أبو عيسى التّرمذيّ: حدّثنا بندار، حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرّحمن الجرمي عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصّنعانيّ، عن النّعمان بن بشيرٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عامٍ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها شيطانٌ». ثمّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حمّاد بن سلمة به، وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه . ذكره ابن كثير.

- لا يتلوا المؤمن حرفا منها إلا آتاه الله إياه:
روى عبد اللّه بن عيسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال: «بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السّماء، فقال: هذا بابٌ قد فتح من السّماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلّا أوتيته»، رواه مسلمٌ والنّسائيّ، وهذا لفظه. ذكره ابن كثير.

- جامعة لخيري الدنيا والآخرة:
قال أبو محمّدٍ عبد اللّه بن عبد الرّحمن الدّارميّ في مسنده: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا صفوان، حدّثنا أيفع بن عبد اللّه الكلاعيّ قال: «قال رجلٌ: يا رسول اللّه، أيّ آيةٍ في كتاب اللّه أعظم؟ قال: «آية الكرسيّ:{اللّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم} قال: فأيّ آيةٍ في كتاب اللّه تحبّ أن تصيبك وأمّتك؟ قال: «آخر سورة البقرة، ولم يترك خيرًا في الدّنيا والآخرة إلّا اشتملت عليه». [21] ذكره ابن كثير.

فاللهم اجعلنا من أهل القرآن، ومن أهل سورة البقرة، ومن أهل هذه الآيات، وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، وانصرنا على القوم الكافرين، ليتحقق لنا نشر الدين، وإعلاء كلمتك، وتحكيم شرعك، أنت ولينا، ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.



[1] حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (588).
[2] صحيح البخاري (52)، صحيح مسلم (1599).
[3] صحيح مسلم (125).
[4] صحيح مسلم (126).
[5] صحيح مسلم (132).
[6]. رواه أبو داوود عن ابن عباس (5112) وصححه الألباني.
[7] صحيح مسلم (127).
[8] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (الجزء 3، ص 383).
[9] صحيح ابن حبان (7355).
[10] سنن الترمذي (2991)، حسن غريب.
[11] صحيح مسلم (125).
[12] رواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[13] تفسير ابن أبي حاتم، الجزء2، ص (582).
[14] أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر.
[15] صحيح ابن حبان (7219).
[16] رواه مسلم في صحيحه (163).
[17] أخرجه أحمد (236/1) (2107)، والبخاري في الأدب المفرد.
[18] صحيح البخاري (39).
[19] صحيح البخاري (4008).
[20] صححه الألباني في صحيح الجامع (4223).
[21] هداية الرواة (386/2)، والحديث مرسل.


المراجع
- التفاسير الثلاثة المقررة.
- جامع الأحكام للقرطبي.
- موقع الإسلام سؤال وجواب.
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي.
- شرح الشيخ الدكتور/ صالح آل الشيخ للعقيدة الطحاوية.
- موقع الدرر السنية.
- موقع المكتبة الشاملة.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11 ربيع الأول 1444هـ/6-10-2022م, 04:17 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,152
افتراضي

تقويم مجلس مذاكرة القسم العشرين من تفسير سورة البقرة


إيمان جلال أ

شكر الله مجهودك في هذه الرسالة وأثابك خيرا.
- تصنيف الأقوال في تفسير قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} كان على أساس نسخ الآية من عدمها، ولكنك أدخلتِ أقوالا أخرى خارج مسألة النسخ، أو أن الأقوال يجب تصنيفها تحت هذين القسمين، فيرجى الانتباه لهذه الملحوظة المهمة لأنها تؤثر على عرض الرسالة.
- اخترتِ الجمع بين الأقوال وأن الآية تحتملها جميعا، وهذا خطأ، لأن الآية لا يمكن أن تكون منسوخة ومحكمة في نفس الوقت، إلا أن يكون للنسخ معنى آخر.
- النسخ عند المتقدمّين أوسع معنى من النسخ بمفهومه الاصطلاحي عند المتأخرين، ويجب مراعاة ذلك عند تفسير اللفظ، وهذا مما يتيح الجمع بين الأقوال بالنسخ وعدمه، فابن عباس ورد عنه القولان.
ولابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة في تفسير هذه الآية، والاستدلال على كونها محكمة، وهي من المقررات في المعهد، ولعلك تراجعينها لزيادة الفائدة، نفع الله بك.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17 رجب 1444هـ/7-02-2023م, 10:48 AM
رولا بدوي رولا بدوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 320
افتراضي

تفسير آية الدين بالأسلوب الاستنباطي:
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}
بسم الله نحمده و نستهديه و نعوذبالله من شرور أنفسنا و من سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و نصلي و نسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
أطول آية في كتاب الله؛ آية الدين، جاءت بعد آيات تحث على الإنفاق و ترغب فيه، و تزجر عن الربا و تنفر منه، و الانفاق هو برهان الإيمان، و هو مظنة نقص للمال إلا لمن علم وعد الله و أيقن به، و الربا مظنة زيادة للمال لمن تعلق قلبه بالأرقام و المال، فالانفاق ظاهره سبب لنقص المال وترك الربا ظاهره سبب لنقص المال، مما يوقع في نفس المرتاب أن هذا ضياع للمال، و الحق أنه الخير كله بكلام الله عز و جل، فمن مقاصد الدين حفظ المال، فكيف يكون الدين سببًا لهلاك المال، جاءت هذه الآية لتؤكد هذا المعنى و تبين اهتمام الشارع بتنظيم المعاملات المالية المشروعة بما يحفظ الأموال من الضياع، و بما يحفظ الحقوق.
و هذه الآية أيضًا رد على من يقصر الدين على العبادات، و يعزله عن المعاملات، فالدين وضع الضوابط و حد الحدود لحياة الإنسان فلا يكون منطلقه في معاملاته المالية إلا تقوى الله، و ليس كشرع الله في حفظ الحقوق شرع.
و هذه الآية مع خصوص سببها ، فهي عامة في جميع المداينات، السلم؛ الدين مؤجل ، و البيع المؤجل، البيع الحاضر، والسلم هو ما شرع من استدانة المال لأجل يرد فبه دون زيادة، و يخالف الربا الذي سبق تحريمه و الذي يجر ربحًا، لكن السلم مشروع و الربا محرم، و الواعظ في اتباع الأمر و اجتناب النهي تقوى الله، التي ختمت بها آيات تحريم الربا و آية الدين.
آية الدين آية جامعة مانعة فيها من رحمة الله بعباده و عدله ما لو أتبع لكان سببًا لخير كبير؛ من حفظ النفس و المال و و إقامة العدل و حفظ الحقوق، بما يفظ وحدة كيان المجتمع المسلم.
و نستعين بالله لبيان المسائل في هذه الآية بما يُظهر محاسن هذا الدين و يبين رحمة الله و عدله بالعباد، نشرع أولًا ببيان ما حوت الآية من أحكام، بين الجواز و الوجوب و الندب و الكراهة و هي :
1- في قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم) دليل جواز التداين بين المؤمنين.
2- وصف (الأجل بمسمى) دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، ويقوي ذلك تكرار ذكر الأجل (إلى أجله) في قوله تعالى(وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)).
3- الكتابة بين الوجوب و الندب:
الامر في ( فاكتبوه) الفاء الواقعة في جواب الشرط، اكتبوه، فعل أمر يحمل على الوجوب بتحقق الشرط و يخرج للندب بدليل، و أختلف فيه على أقوال:
القول الأول: الأمر للوجوب مطلقًا لما أجل، قال بذلك ابن جرير
القول الثاني: الامر للوجوب لما أجل نسخ بالآية ( فإن أمن )، قاله الشعبي،و ابن جريج و ابن زيد و أبي سعيد الخدري،ذكر ذلك عنهم ابن عطية.
القول الثالث: الأمر للوجوب لما أجل إذا لم يؤمن جانب من عليه الحق، و مندوب لغيره، لقوله تعالى ( فإن أمن فليؤد )، و هذا قال به جمهور من العلماء، حفظًا للأموال و إزالة الريب.
الآية فيها شرط (إن أمن)، الأمان، أي أنه إذا وجد الأمان فهو دافع لقضاء الدين، و ليست صريحة في عدم الكتابة، و لكنها تخرج الكتابة من الوجوب إلى الندب، و إن انتفى شرط الأمان كانت على وجهها من الوجوب، و كلا الحكمين لتحقيق مقصد حفظ المال.
و مما يؤيد القول بوجوب الكتابة قوله تعالى( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله}أي: لا تملوا أن تكتبوا ما أشهدتم عليه، فقد أمروا بهذا، فهذا يؤكد أن أمر الشهادة في الابتداء واجب.
و يؤيده أيضًا رفع الحرج في الكتابة إذا كانت حاضرة ،قال تعالى: (إلا أن تكون تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم فليس عليكم جناحٌ ألا تكتبوها)
القول الرابع :إذا انتفى شرط التأخير و الأجل : إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيدٍ، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركه، و هو خوف النسيان و اختلاط الأمر الذي يؤدي لضياع الحقوق.
قال تعالى: (إلا أن تكون تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم فليس عليكم جناحٌ ألا تكتبوها)
4- (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ):
نهي يراد به الأمر بالوجوب على الكاتب أن يكتب، و أن لا يمتنع عن الكتابة، تنكير كاتب فيه إشارة إلى عدم تعيين الكاتب فأي كاتب موجود يوجب عليه عدم الامتناع، ففي امتناعه ضياع للحق، و يصبح الأمر على الندب له إذا كان هناك غيره.
5- (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)، (فليملل) الأمر بالوجوب أن يملل ولي من لا يملك حفظ ماله من سفيه و ضعف و عدم استطاعة الإملاء.
6- الشهادة بين الوجوب و الندب:
1- قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا ) (وأشهدوا إذا تبايعتم) : أفعال أمر تقتضي الوجوب، لكن يخرجه من الوجوب إلى الندب ، وجود الأمانة( فإن أمن)، فالشهادة في غياب الأمان تعلو منزلتها للوجوب، و أيضًا يخرجها للندب ما روي من حديث خزيمة بن ثابتٍ الأنصاريّ.
7- (و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا): حذف متعلق دعوا فيقدر؛ إذا دعوا ليشهدوا، أو إذا دعوا ليؤدوا ما حصل عندهم من الشهادة، كلا الأمرين تحتمله الآية، و هو نهي يراد به الأمر.
و الذي قلناه في الكاتب نقوله هنا، أن الأمر بالشهادة على جهة الندب، هو من إعانة المسلمين بعضهم البعض، و لكن إذا لم يوجد غيرهم ارتفع الأمر ليصل للوجوب للضرورة ، فيوزن بين جلب المصالح و درء المفاسد، و التي هنا ضياع الحقوق و ضياع المال.
8- (ولا يضارّ كاتبٌ ولا شهيدٌ) ، و قيل قولان في معنى ( لا يضار)؛ الأول: لا يكتب الكاتب إلا بالحق ولا يشهد الشاهد إلا بالحق، و ترفع العدالة عمن لا يكتب أو يشهد بالحق ، لأن الله سمى فعلهم فسوق، و الفسوق هنا على ما عرف في الشرع و هو مواقعة الكبائر، لأن هذا من الكذب المؤذي في الأموال ،وفيه ظلم و بخس للحقوق.
و القول الثاني: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا، فالمضارة بهما حينها فسوق؛ الفسوق على أصله في اللغة الذي هو الخروج من شيء.
و للكتابة المشروعة أركان و للكاتب و الشاهد شروط مبينها من خلال الآية مع ما مقتضيات ذلك:
1- أركان كتابة الدين أربعة: كاتب، معه الحق، عليه الحق، شهود؛ قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ.. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)
2- شروط الكاتب: عدل،وعنده علم؛ قال تعالى: (َلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ)، و هذ يقتضي أن لا يعتد بكتابة الجاهل، و أن تخير من يكتب واجب، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
3- قال تعالى: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)
و في العدل قولان أحدهما :العدل الذي هو ضد الظلم و متعلقة بالكتابة:أي لا يجوز أن ينقص أو يزيد الكاتب فيما يكتب و هذا هو العدل الذي يرضاه الله عز و جل، و يقتضي ذلك أن النقص و الزيادة يحرم و هو باب للظلم.
و الثاني: العدل وصف للكاتب، و هو بمعنى السلامة في الدين و المروءة، والباء حرف جر معناه الملابسة ؛ أي انه كاتب متلبس بالعدل الذي هو وصف الدين و المروءة للكاتب؛ أن يكون عدلًا في ذاته، قال مالك رحمه الله: ( لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى وليكتب بينكم كاتبٌ بالعدل )، فلا يكتب الفاسق، و تحري ذلك واجب.
4- شروط من يدعى للشهادة: قال تعالى (ذوي عدل منكم)،و قال (ممن ترضونه)، و قال (رجلين)، (من رجالكم ) أو( رجل و أمراتين).:
(ذوي عدل منكم) (ممّن ترضون من الشّهداء) ؛فيه دلالةٌ على اشتراط العدالة في الشّهود، و بمفهوم المخالفة؛ ترد شهادة المستور و المجهول، و الفاسق.
(من رجالكم) يُخرج من هم ليسوا على الإسلام، و النساء و و لا يخرج منها العبيد.
(فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) لم يقل إذا لم يكن هناك رجلين، و هذا فيه إشارة أن اختيار الشهداء رجال أو نساء هو اختيار من يطلب الشهادة، العبرة في ارتضاءهم شهداء، و أن يكونا رجلين أو رجل و أمراتين.
(فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )شهادة المرأة لوحدها لا يعتد بها.
(أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) فيه دليل أن شهادة المرأتين يكمل بعضهما البعض، و هذا رحمة بالمرأة و أقوم للشهادة.
(ممّن ترضون من الشّهداء) فيه إشارة أنه قد يكون الرجل عدلا لكن لا يرضاه صاحب الحق كشاهد و هذا حقه لا يعيبه و لا يذم لأجله، الله أعطاه هذا الحق فلا يرده البشر.
و لتكتمل الفائدة نبين عددًا من الفوائد السلوكية المستنبطة من هذه الآية و مما حوت من احكام :
1- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ) يخاطب الله المؤمنين بما يرفع الهمة و يحث و يرغب في الاتباع، فالإيمان يقتضي طاعة الله فيما أمر به و نهى.
2- قال تعالى( بينكم) تقتضي أن الكتابة تتم في وجود الطرفين.
3- العدالة سبب للثقة لفوله تعالى: ( و استشهدوا شهيدين من رجالكم)( و اشهدوا ذوي عدل منكم).
4- قال تعلى: ((وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ): العلم سبب للتكليف،
5- قال تعالى:(وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ):
العمل بالعلم شكر لله، فمن شكر النعمة أن تطيع الله بما من عليك من نعمة أن تستخدمها في وجهها الذي يراد لها، فالكاف في قوله(كما علّمه اللّه)متعلقة بقوله:((أن يكتب)المعنى كتبا كما علمه الله» بما عنده من علم كتابة و علم بالمعاملات علمها الله إياها،
و يحتمل أن تكون كما متعلقة بما في قوله: (ولا يأب) من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه.
6- (قال تعالى(َلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ)، في تقديم العدالة إشارة إلى أهميتها، فمن كان عدلًا لن يقول بلا يعلم و يدعي العلم، و لن يقبل كتمان الحق و لن يتوان عن شكر نعمة الله له بعلمه فيطيع الله عز و جل و يكون عونًا لإخوانه و لن يظلم أو يبخس حق أحد.
7- التقوى سبب للعمل بما في الآية و العمل بما أمر الله وسيلة للوصول للتقوى ( و ليتق الله) ( و اتقوا و يعلمكم الله).
8- ( و اتقوا الله و يعلمكم الله) باب العلم التقوى، فهذا وعد من الله بتعليم من يتق.
9- الأمر بالتقوى لمن عليه الحق خاصة، و الأمر العام بالتقوى فيه إشارة لأهمية التقوى و استحضارها في المعاملات المادية من دين و بيع و نحوها، لما للمال من سطوة على النفوس الضعيفة.
10- جاء الأمر في الآيات بأفعال في زمن المضارع مع لام الأمر؛ فالأمر مستمر متجدد، لأن المعاملات المادية لا تتوقف، و يحتاج الأمر إلى استمرارية، لذا جاء ( و لا يسأم) حتى لا يعرض الناس عن الكتابة و الاشهاد .
11- أقسط أقوم، أدنى، بصيغة اسم الفاعل دليل الثبات و الدوام و أن الكتابة و الاشهاد نتاجهما و لا بد العدل و الاستقامة في الشهادة و سبب لليقين فيما تم من دين أو بيع، فلا تضيع الحقوق.
12- الفاء فيها سرعة الكتابة و سرعة الاملاء و سرعة الاستشهاد، ففي تأخيرهما مظنة الاختلاط و الخطأ و النسيان و باب الظلم و ضياع الحقوق و الشحناء و البغض.
13- لام الأمر تكررت و يلزم منها سمعنا و أطعنا، و دليل أن الأمر يستحق.
14- قال تعالى (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) فيه رحمة الله بالضعفاء التي تستلزم محبته و تعظيم شرعه و الرحمة بهم، و العدل معهم.
15- الولي مؤتمن، ( فلملل وليه بالعدل)، و محاسب أمام الله، لذا جاء الأمر بالتقوى، تهديدًا و تذكيرًا له بالله.
16- ( وليملل الّذي عليه الحقّ وليتّق اللّه ربّه ولا يبخس منه شيئاً ) إملال من عليه الحق إقرار بما تم كتابته.
17- ( وليملل الّذي عليه الحقّ وليتّق اللّه ربّه ولا يبخس منه شيئاً)، التذكير بتقوى الله مظنة العدل و حفظ مال الغير.
18- ( وليملل الّذي عليه الحقّ وليتّق اللّه ربّه ولا يبخس منه شيئاً)هذا ما يخشى منه بخس حق صاحب الحق، كما أعطي الذي عليه الحق أن يكتب فعليه شكر النعم بعدم بخس صاحب الحق حقه.
19- ( و ليتق الله ربه) ؛ تذكير بألوهية الله و ربوبيته، ترغيبا و ترهيبا لمن عليه الحق، و ذلك دليل أن أمر بخس الحق و ظلم من له الحق مما تحدث به النفوس و لولا أن يرى الإنسان ربه وقع فيه، فالنفس أمارة بالسوء، و تحتاج لرادع قوي.
20- (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) في تنكير شيئًا، دليل أن البخس القليل و الكبير يتساويان.
21- (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)؛ عناية الله تعالى بحفظ أموال الضعفاء العاجزين عن حفظ أموالهم بأنفسهم.
22- عدم الكتابة مظنة النسيان و ظلم الناس بعضها لبعض و الله لا يرضى السلم.
23- أي وسيلة لحفظ المال دون الكتابة هو مظنة ضلال لمن يشهد.
24- قوله عز وجل: {... واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممّن ترضون من الشّهداء أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى ..}
زيادة المبنى زيادة في المعنى، استشهدوا و ليس أشهدوا، فيه دلالة على تكرر الشهادة منهم، و هذا فيه إشارة لعدالتهم، و أنه لا يجوز شهادة المجهولين ،و ذلك أيضا أمر فيه إشارة إلى زيادة التّوثقة.
25- (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله) فيه تأكيد لما تبين ( شيئًا) ، و تقديم الصغير منه للاهتمام، و أن السأمة سبب لضياع الحقوق، فالصبر على طاعة أمر الله بالكتابة من الحكمة و من أسباب الحفاظ على المال.
26- (ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشّهادة وأدنى ألا ترتابوا )} ترغيب من الله بذكر ما يحث العباد على الحفاظ على اتباع الأمر و النهي، (أقسط) فعدم الكتابة مظنة الظلم، و أقوم للشهادة، فيه إشارة أن الكتابة فيها إقرار ممن عليه الحق، مدى تبين خط الكاتب و إن مات أو تعسر حضوره، فيعتد بالكتابة، و إن نسي الكاتب ما كتبه، (وأدنى ألا ترتابوا) فالريب مظنة الظلم و النسيان و التشاحن، و في هذا حفاظ على الحقوق و النفوس و وحدة المجتمع.
27- الحكمة من الكتابة و الشهادة للدين و لمعاملات البيع؛ قال تعالى(ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشّهادة وأدنى ألا ترتابوا)؛ حفظ المال بصفة عامة و العناية بالضعفاء بصفة خاصة و إقامة العدل، مساعدة للنفوس الضعيفة أن لا تظلم نفسها، فوجود الكتابة و الشهداء مانع للإنسان من ظلم نفسه و ظلم غيره، و حفظ المجتمع من الضغائن و الأحقاد و الفرقة و هذه المقاصد من مقاصد الشريعة.
28- (إلاّ أن تكون تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم)، استثناء فيه رحمة بالعباد؛ رفع الحرج و المشقة و مراعاة الحال،( حاضرة) ، (تديرونها)، (بينكم) ، ألفاظ تقتضي أن الأمر يتم في جلسة يحضرها البائع و المشتري، و يتم فيها البيع، فلا حرج بعدم الكتابة لتكرر الأمر تيسيرًا على الطرفين.
هذا ما تسير و الحمد لله، أسأل الله أن يغفر لي ما أخطأت فيه و أسأت.
المراجع:
تفسير كلًا من ابن كثير، ابن عطية، الزجاج، التحرير و التنوير، و السعدي، القرطبي.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30 رجب 1444هـ/20-02-2023م, 08:48 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,152
افتراضي

تابع التقويم


رولا بدوي أ+
أحسن الله إليك وزادك من فضله.
- تنبيه:
"أقوم، أقسط، .." على صيغة أفعل التفضيل وليس اسم الفاعل.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مذاكرة, مجلس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:51 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir