دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > المستوى السابع > منتدى المستوى السابع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29 ذو الحجة 1439هـ/9-09-2018م, 06:15 AM
هيئة الإدارة هيئة الإدارة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 28,258
افتراضي نشر بحث اجتياز المستوى السادس

نشر بحث اجتياز المستوى السادس


يُنشر البحث بصورته النهائية في هذا الموضوع ويصحح في صفحات الاختبارات.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 1 محرم 1440هـ/11-09-2018م, 01:46 AM
نورة الأمير نورة الأمير غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 560
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير قوله تعالى: "وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56)" بأسلوب التقرير العلمي مع تبيين أحكام ما ورد فيها من إسرائيليات.

المراجع:
-[تفسير عبد الرزاق: 1 / 46] (ت:211ه).
-[معاني القرآن: 1 / 72] للأخفش (ت:215).
-[الكامل: 2 / 841] للمبرد (ت:285ه).
-[جامع البيان: 1 / 678 - 698] للطبري (ت:310ه).
-[معاني القرآن: 1 / 137 -138] للزجاج (ت:311ه).
-[تفسير القرآن العظيم: 1 / 113] لابن أبي حاتم (ت:327ه).
-[العمدة في غريب القرآن: 76] لمكي بن أبي طالب (ت:437ه).
-مفاتيح الغيب للرازي (3/518-521), دار إحياء التراث العربي, بيروت, ط3 (ت:606ه).
-تهذيب الكمال للمزي (17/114-119), مؤسسة الرسالة, بيروت (ت:742ه).
-[تفسير ابن كثير: 1 / 263 -266] (ت:774ه).
-روح البيان للبروسوي (1/139-141), دار الفكر, بيروت (ت:1127ه).

• أبرز المسائل المتناولة في البحث:
-الإسرائيليات الواردة في تفسير الآيات وذكر حادثة الصعق.
-الحكم على الإسرائيليات وتمحيصها وبيان المنهج في التعامل معها.
-المخاطب في الآيات.
-تعيين القائلين في قوله: (وإذ قلتم).
-السبب الذي من أجله طلب بنو إسرائيل رؤية الله جهرة.
-معنى (جهرة).
-الفرق بين طلب موسى الرؤية وطلب قومه.
-إثبات إمكانية رؤية الله تعالى من الآيات.
-سبب امتناع رؤية الله في الدنيا للمؤمن.
-المراد بالصاعقة وصفتها.
-ما يفيده قوله: (وأنتم تنظرون).
-المراد بـ(البعث).
-الفرق بين ميتة بني إسرائيل وبعثتهم الواردة في الآيات والموت والبعث للناس عامة.
-ما تفيده (لعل) الواردة في الآيات.
-الحكمة من إيراد هذه المنة على بني إسرائيل.
-مراد المولى عز وجل من إيراد هذا الخبر الإسرائيلي.

• استعراض المسائل وتباحثها:

-المسألة الأولى: الإسرائيليات الواردة في تفسير الآيات وذكر حادثة الصعق:

1-ما رواه الطبري عن الربيع بن أنس: في قوله: {فأخذتهم الصاعقة} قال: «هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه» قال: «فسمعوا كلاما، فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}» قال: «فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} فبعثوا من بعد موتهم؛ لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم».
التخريج: رواه ابن جرير عن المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس, وذكر قوله.

2-ما رواه الطبري عن محمد بن إسحاق قال: «لما رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في البحر؛ اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك لنسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة} وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير أرجع إليهم، وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ {إنا هدنا إليك} فلم يزل موسى يناشد ربه ويسأله ويطلب إليه، حتى رد إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم».
التخريج: رواه ابن جرير عن محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق, وذكر قوله.

3-ما رواه الطبري عن السدي: «لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا:{لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}، فإنك قد كلمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فأوحى الله إلى موسى إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} إلى قوله: {إنا هدنا إليك}، وذلك قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة} ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا الله تعالى، فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا».
التخريج: رواه ابن جرير عن موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي, وذكر قوله.

4-ما رواه الطبري عن ابن زيد: «قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه. فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}». قال: «فجاءت غضبة من الله عز وجل، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون». قال: «ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله تعالى: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا لا. فبعث الله تعالى ملائكة، فنتقت الجبل فوقهم».
التخريج: رواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد, وذكر قوله.

-المسألة الثانية: الحكم على الإسرائيليات وتمحيصها وبيان المنهج في التعامل معها:
واعلم يا رحمك الله أن الأصل في التعامل مع الإسرائيليات ثلاثة أقسام:
-ما جاء موافقا للقرآن وصحيح السنة, فيجب تصديقه.
-وما جاء مخالفا لهما, فيجب تكذيبه.
-وما لم يجئ القرآن وصحيح السنة بتصديقه ولا تكذيبه, فيجوز التحديث به لا سيما بعد تمحيصه والتأكد من سلامته وصحته سندا ومتنا, ففي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار».
وللإسرائيليات الواردة علينا أنواع وطرق, تختلف في درجات قوتها وضعفها, وسنتناول الروايات الواردة في هذه الآيات أعلاه بالتمحيص بإذن الله:
الرواية الأولى:
وقد رواها الطبري عن الربيع بن أنس, وهو من طبقة الثقات الذين يروون عن الثقات بإسناد صحيح إلى من عرف بالقراءة من كتب أهل الكتاب.
الرواية الثانية:
وقد رواها الطبري عن محمد بن إسحاق, وهو من طبقة الرواة غير المتثبتين، وهؤلاء وإن كانوا في أنفسهم من أهل الصدق والصلاح، ومعروفون بالاشتغال بالتفسير والعناية به؛ إلا أنه أخذ عليهم الرواية عن الضعفاء والمجاهيل دون تمييز، وخلط مرويات بعضهم ببعض، وخلط مرويات الثقات بمرويات الضعفاء، وأخذ على بعضهم التدليس, وقد اختلف في حكم روايته، والراجح فيها أن ما صرح فيه بالتحديث عن ثقة؛ فلا يقل عن رتبة الحسن إن شاء الله، ما لم تكن له علة أخرى.
مواطن النكارة في المتن:
قوله: "فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه" إذ يصعب إقرار سماع بنو إسرائيل صوت الله, فهي منحة خاصة, ونعمة ربانية لمن شاء من عباده, ويصعب إقرارها إلا لمن أقرها الله في كتابه أو رسوله الكريم, لا عن طريق رواية إسرائيلية راويها ليس بذاك المتثبت.
الرواية الثالثة:
وقد رواها الطبري عن السدي, وهو من طبقة صغار التابعين، كان رجلا صالحا في نفسه، وكان قاصا يعظ ويفسر القرآن، وقد اختلف فيه الأئمة النقاد؛ فوثقه العجلي وابن حبان، وقال أحمد: مقارب الحديث، وقال النسائي: صالح، وضعفه يحيى بن معين، وقد أخرج له مسلم في صحيحه، وخلاصة القول فيه أن مروياته مقبولة ما لم يكن فيها نكارة أو مخالفة.
مواطن النكارة في المتن:
قوله: " فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا الله تعالى، فجعلهم أنبياء" قال الطبري: "وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه مع إجماع أهل التأويل على تخطئته" يعني بذلك تأويل متعلق الشكر بالنبوة استنادا على هذا النص كما كان يقول بذلك السدي, وقال ابن كثير: "وهذا غريب جدا، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون", ومع عدم وجود نص قرآني أو نبوي يدل على ذلك, فإنه يصعب إقراره, لا سيما أن موقف بني إسرائيل هنا موقف عصيان, فكيف يجزون بعد عصيانهم بالنبوة التي هي منحة ربانية عظيمة, لا تنال إلا لمستحقها.
الرواية الرابعة:
وقد رواها الطبري عن ابن زيد, وقد ضعفه ابن حنبل, وقال يحيى بن معين : ليس حديثه بشيء, وقال البخاري ، وأبو حاتم : ضعفه علي بن المديني جدا, وقال أبو داود : أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف, وقال النسائي : ضعيف, وقال أبو زرعة : ضعيف, وقال أبو حاتم : ليس بقوي في الحديث ، كان في نفسه صالحا وفي الحديث واهيا, وقال أبو أحمد بن عدي : له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس ، وصدقه بعضهم ، وهو ممن يكتب حديثه. كما ذكر ذلك المزي.
مواطن النكارة في المتن:
قوله: "وقرأ قول الله تعالى: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا لا. فبعث الله تعالى ملائكة، فنتقت الجبل فوقهم" وموطن النكارة هنا ليس في معارضة هذا النص لنص صريح, بل على العكس قد وافق النص القرآني في حادثة نتق الجبل فوقهم, ولكن الغريب هنا هو ذكر حادثة نتق الجبل فوقهم مباشرة بعد قصة الصعق, ومعرض الحديث هنا في سياق الامتنان, لذلك انتهت الآية بالشكر, فكيف تكون النهاية بمثل هذه النهاية, إذ الراجح أن حادثة نتق الجبل فوقهم حادثة منفصلة والله أعلم, وقد يكون إيراد الراوي لها هنا على سبيل اختصار وجمع حوادث بني إسرائيل لا ذكرها كقصة متسلسلة, فبالتالي لا يكون هنالك ما يستنكر من الحادثة, وتكون النهاية غير متعلقة بالآيات المراد تناولها بالبحث.
*والمتون الأربعة في مجملها لا تعارض النصوص القرآنية بل تبينها, وفيها توضيح لبعض الأمور التي نحن منها في موقف الحياد, فلسنا نصدقها ولا نكذبها, ولكن نستفيد منها ما قد يبين بعض الأمور أو يحكي بعض جوانبها, وليس فيها نكارة إلا فيما وضحناه.

-المسألة الثالثة: المخاطب في الآيات:
بنو إسرائيل الذين كانوا يساكنون النبي في المدينة في المقام الأول, والخطاب عام لبني إسرائيل عامة, وذلك في معرض الحديث عن نعم الله عليهم واستعراض تاريخهم في الجحود والنكران. كما ذكر ذلك الطبري وكثير من المفسرين.

-المسألة الرابعة: تعيين القائلين في قوله: (وإذ قلتم):
-القول الأول: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى في قوله واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا). كما في رواية الربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق والسدي, واختار ذلك ابن كثير, وذكره فخر الدين الرازي.
-القول الثاني: أنهم بنو إسرائيل الذين عبدوا العجل وحدث معهم ما حدث من الحوادث دون تخصيص لأحد منهم, كما في رواية ابن زيد التي رواها الطبري, وذكرها ابن كثير, وفخر الدين الرازي, واختار البروسوي هذا القول.
ونحن نقول في ذلك ما قاله فخر الدين الرازي :" واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم".

-المسألة الخامسة: السبب الذي من أجله طلب بنو إسرائيل رؤية الله جهرة:
من الروايات الإسرائيلية السابقة يتبين لنا أن سبب طلب بني إسرائيل رؤية الله جهرة يتلخص في أمرين:
- أنه لما كلم موسى ربه طمعوا هم في رؤيته, كما في رواية الطبري عن الربيع بن أنس والسدي.
- أنه لما أعطاهم موسى الألواح وأمرهم بأخذها بأمر من الله لم يثقوا به واشترطوا عليه رؤية الله جهرة وأمره لهم بذلك عيانا, كما ورد ذلك في رواية الطبري عن ابن زيد, ويتضح في قوله :"لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة", وقد اختار ذلك القول البروسوي.
- وقد اختار فخر الدين الرازي القول أن السبب الرئيسي هو ما ذكر في الآية أنهم لن يؤمنوا له ولن يصدقوه ويؤمنوا بنبوته إلا برؤية الله جهرة, فعلق السبب مباشرة بالإيمان دون غيره.
ولا نقول في ذلك إلا كما قال الطبري في تعقيبه على ما ذكر من أقوال:" ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة فيسلم لها. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة، فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: {يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} كما أخبر عنهم أنهم قالوه.
وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي كان لهم إلى قيل ذلك".

-المسألة السادسة: معنى: (جهرة):
معنى جهرة: أي: عيانا وعلانية ظاهرا غير مستتر بشيء. كما قال بذلك ابن عباس والربيع بن أنس وابن زيد وقتادة, وذكره الطبري وفخر الدين الرازي وابن كثير والبروسوي, وقال به من علماء اللغة: الأخفش, والزجاج, ومكي بن أبي طالب.
قلت: وتأكيد الرؤية بقول بني إسرائيل "جهرة" يبين لك ماديتهم, وعدم اعترافهم بما يصل إليه الفكر, وتشعر به الروح, وهذا مشاهد حتى الآن في اليهود خاصة, لذلك عاملهم الله بالإثباتات الحسية الكثيرة, فتجد أن كثيرا من الآيات والخوارق كانت حسية مشاهدة, لتقع عليهم الحجة, وما زادهم ذلك -والله- إلا ضلالا وتحيرا إلا من أحاطه الله برحمته منهم.
التخريج:
قول ابن عباس: رواه ابن جرير عن القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس, وذكر قوله.
ورواه ابن أبي حاتم قال: حدثني أبي قال كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عباس, وذكر قوله.
قول الربيع: رواه ابن جرير عن عمارة بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع, وذكر قوله.
قول ابن زيد: رواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد, وذكر قوله.
قول قتادة: رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد، عن قتادة, وذكرا قوله.

-المسألة السابعة: الفرق بين طلب موسى الرؤية وطلب قومه:
سؤال موسى كان سؤال اشتياق وافتقار, أما قومه فكان سؤال تكذيب وتعنت واجتراء لا استرشاد. ذكره البروسوي.

-المسألة الثامنة: إثبات إمكانية رؤية الله تعالى من الآيات:
وذلك أن موسى عليه السلام لما سأله السبعون لم ينههم عن ذلك وكذلك سأل هو ربه الرؤية فلم ينهه عن ذلك بل قال :"فإن استقر مكانه فسوف تراني" وهذا تعليق بما يتصور. ذكره البروسوي.

-المسألة التاسعة: الحكمة من امتناع رؤية الله في الدنيا للمؤمن:
الحكمة في أن الله تعالى لا يرى فى الدنيا وجوه ذكرها البروسوي:
الأول: أن الدنيا دار أعدائه لأن الدنيا جنة الكافر, فليست بدار كرامة ولا جزاء.
الثاني: لو رآه المؤمن لقال الكافر لو رأيته لعبدته ولو رأوه جميعا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر.
الثالث: أن المحبة والعبادة على غيب ليست كالمحبة والعبادة على عين, وبذلك يتفاوت الناس في إيمانهم ويقينهم.
الرابع: أن الدنيا محل المعيشة ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معائشهم فتعطلت.
الخامس: ليقدر الناس قدرها إذ كل ممنوع عزيز.
وأضيف: أن في امتناع رؤية الله في الدنيا للمؤمن امتحان له, فبإثارة مثل هذه الأسئلة يتبين علم المرء وإيمانه, فمن مؤمن متيقن, وجاحد متزعزع, كما في ذلك من التشويق للعمل ابتغاء ذلك الهدف العظيم لكل مؤمن, ولو تحقق في الدنيا لفاقت تلك اللذة لذات الآخرة جميعا, وهذا ما لا يتفق مع فلسفة الخلق للناس في الدنيا وامتحانهم ثم مجازاتهم على ذلك يوم الحساب.

-المسألة العاشرة: المراد بالصاعقة وصفتها:
-أنها الموت. قال به قتادة, وذكره عبدالرزاق والطبري وابن أبي حاتم, واختاره الزجاج ومكي بن أبي طالب.
واحتجوا عليه بقوله تعالى: "فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله" .
وهذا ضعيف لوجوه ذكرها فخر الدين الرازي: أحدها: قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة، وثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: "وخر موسى صعقا" أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا لأنه قال: فلما أفاق والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ، وثالثها: أن الصاعقة هي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: وأنتم تنظرون منبها على عظم العقوبة.
-أنها سبب الموت, وهو قول المحققين كما ذكر ذلك الرازي, واختلفوا في صفة تلك الصاعقة تحديدا:
-أنهم سمعوا صوتا فصعقوا وماتوا. قال به الربيع, وذكره الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير.
-وهنالك من حدد هذا الصوت بأنه صيحة من السماء. قال به مروان بن الحكم, وذكره ابن أبي حاتم وابن كثير وفخر الدين الرازي.
-أنها نار. قال به السدي, وذكره الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير وفخر الدين الرازي.
-أنها الرجفة. قال به ابن إسحاق, وذكره الطبري وابن كثير والبروسوي. وهو ضعيف, فبالعودة إلى معاجم اللغة يتضح لك الفرق بين الرجفة والصعقة, والله هنا عبر عن موتهم بالصعق, فلو كانت الرجفة والتي هي بمعنى الزلزلة لعبر عنها بذلك كما عبر عن ذلك في مواطن أخر.
- أن الله أرسل جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. ذكره فخر الرازي. وهو ضعيف لعدم وجود ما يؤيده من النصوص, ولأن الأصل في الصاعقة ليس كذلك كما سنذكر, فلا علة لترك الأصل والميل إلى هذا الرأي.
وقال المبرد في الكامل: والصعق شدة الرعد، ويعنى في أكثر ذلك ما يعتري من يسمع صوت الصاعقة.
وأصل الصاعقة كما ذكره الطبري: أنه كل أمر هائل من رآه أو عاينه أو أصابه حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، أو إلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتا كان ذلك، أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا.
والراجح في ذلك أن الصاعقة هي سبب موتهم, وأنها جسم ناري مشتعل يسقط من السماء في رعد شديد, فيحدث بذلك دويا شديدا يصعق من يسمعه, ويحرق من يصيبه, وبذلك تجتمع المعاني المتقاربة في معنى الصعق.
التخريج:
قول قتادة: رواه عبدالرزاق في تفسيره وابن جرير وابن أبي حاتم عن معمر عن قتادة, وذكروا قوله.
قول الربيع: رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع, وذكرا قوله.
قول السدي: رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي, وذكرا قوله.
قول ابن إسحاق: رواه ابن جرير عن ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق, وذكر قوله.
قول مروان: رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقا ثنا أبي ثنا شبل عن ابن محيصن عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم على منبر مكة فسمعته يقول وهو يخطب, وذكر قوله.

-المسألة الحادية عشر: ما يفيده قوله: (وأنتم تنظرون):
- تأكيد مشاهدتهم للصعق الذي أصابهم جهارا وحضورهم إياه. ذكره الطبري وفخر الدين الرازي.
- أنه تبيين لحالهم إذ صعق بعضهم وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء. قال به عدوة بن رويم, وذكره ابن أبي حاتم.
والرأي الأول هو ما أميل إليه لما قررنا في المسألة السابقة أن الصعق سبب للموت وليس هو الموت, والرأي الثاني قال به قائلوه بناء على أن قولهم في الصعق هو الموت.
التخريج:
قول عدوة بن رويم: رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي ثنا محمد بن صدقة الحمصي وعيسى بن يونس الرملي قالا: ثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: سمعت عدوة بن رويم, وذكر قوله.

-المسألة الثانية عشر: المراد بـ(البعث):
- الإحياء بعد الموت. قال به قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق وابن زيد, وذكره الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير وفخر الدين الرازي.
ويؤكد ذلك قوله تعالى تأكيدا لموتهم: (ثم بعثناكم من بعد موتكم), لئلا يتوهم متوهم أنهم كانوا في حالة إغماء أو نحوه.
وأصل البعث كما ذكر الطبري: إثارة الشيء من محله.
-وقال آخرون: أي: بعثناكم أنبياء. قال به السدي, وذكره الطبري.
وتأويل الكلام على ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة، ثم أحييناكم من بعد موتكم، وأنتم تنظرون إلى إحيائناكم من بعد موتكم، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون. وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. وهذا القول ضعيف جدا لاستناده على إسرائيليات غير متثبت منها كما بينا في بداية البحث, ولأن القول بالنبوة أمر يصعب إقراره إلا بنص صريح صحيح, ولو كان المقصود بذلك النبوة لذكرها الله صراحة, إذ هي نعمة تستحق الإظهار والإيضاح أكثر من غيرها مما امتن الله به على بني إسرائيل.
التخريج:
قول قتادة: رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع أنبأ عبد الرزاق أنبأ معمر عن قتادة, وذكر قوله.
قول الربيع بن أنس: رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرحمن السعدي ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس, وذكر قوله.
قول محمد بن إسحاق: رواه الطبري عن محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, وذكر قوله.
قول ابن زيد: رواه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد, وذكر قوله.
قول السدي: رواه الطبري عن موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي, وذكر قوله.

-المسألة الثالثة عشر: الفرق بين ميتة بني إسرائيل وبعثتهم الواردة في الآيات والموت والبعث للناس عامة:
أن ميتة بني إسرائيل هنا ليست لاستيفاء أجلهم بل عقوبة لهم, ولذا بعثوا ليستكملوا أجلهم, ولتكون حادثة إنذار ووعظ, وليشكروا الله على ما امتن به عليهم من بعثهم مرة أخرى.
أما الموتة المعروفة فهي للناس جميعا ومن ضمنهم بنو إسرائيل, وذلك ليستوفي الناس أجلهم ويحاسبوا على أفعالهم يوم البعث. أشار إلى ذلك فخر الدين الرازي.

-المسألة الرابعة عشر: ما تفيده (لعل) الواردة في الآيات:
تفيد الإيجاب لما بعدها. قال بذلك عون بن عبدالله, وذكر أن سفيان قال بذلك أيضا. ذكره الطبري.
التخريج:
قول عون بن عبدالله: أخرجه الطبري قال: حدثنا أبي ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن مسعر عن عون بن عبد الله, وذكر قوله.

-المسألة الخامسة عشر: الحكمة من إيراد هذه المنة على بني إسرائيل:
ليشكروا الله على ما أولاهم من نعمته عليهم بإحيائهم استيناء منه لهم, ليراجعوا التوبة من عظيم ذنبهم بعد إحلاله العقوبة بهم بالصاعقة التي أماتتهم بعظيم خطاياهم التي كانت منهم فيما بينهم وبين ربهم. ذكره الطبري وفخر الدين الرازي.

-المسألة السادسة عشر: مراد المولى عز وجل من إيراد هذا الخبر الإسرائيلي:
1-إخبار الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد قامت حجته على من احتج به عليه. ذكره الطبري وفخر الدين الرازي.
2-تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة. ذكره فخر الدين الرازي.
3-تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. ذكره فخر الدين الرازي.
4-إزالة شبهة من يقول:إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته. ذكره فخر الدين الرازي.
5-إثبات تلقي رسول الله الوحي عن الله إذ أنه كان أميا لم يشتغل بالتعلم البتة, وفي عرضه لهذه الأحداث الغيبية دليل على نبوته وتلقيه الوحي عن ربه. ذكره فخر الدين الرازي.

ختاما: نحمد الله على تيسيره وفضله, وامتنانه علينا بمرافقة كتابه, والاستفادة من مواعظه, فالقراءة فيما وقع لبني إسرائيل يزيد المرء شكرا لله على ما امتن به عليه أن جعله في أمة محمد, ويزيده حذرا من الوقوع فيما وقع فيه أولئك من الجحود والنكران والعناد, فالله نسأل أن يتقبل منا ما عملنا, وما كان من خطأ فهو من أنفسنا والشيطان, وما كان من صواب فهو من توفيق الله ورحمته, والحمدلله رب العالمين.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 9 صفر 1440هـ/19-10-2018م, 11:20 PM
سارة المشري سارة المشري غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 471
افتراضي

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}

المراجع :
- تفسير عبد الرزاق الصنعاني
- سنن سعيد ابن منصور
- صحيح مسلم
- جامع البيان لابن جرير الطبري
- تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي
- تفسير الماوردي
- الدر المنثور للسيوطي
- تفسير البغوي
- المحرر الوجيز لابن عطية
- زاد المسير لابن الجوزي
- تفسير القرطبي
- تفسير ابن كثير
- المحرر الوجيز لابن عاشور
- مجاز القرآن لأبي عبيدة .
- معاني القرآن للزجاج
- معجم مقاييس اللغة لابن فارس
- لسان العرب لابن منظور .


المسائل :
• مناسبة الآية لما قبلها .
• متعلق ( إذ ) .
• المعطوف عليه في الآية .
• دلالة النون في قوله ، ( قلنا ) .
• معنى ( الملائكة ) .
• كيفية قراءة ( اسجدوا ) .
• معنى السجود وصفته .
• حال السجود الذي أمر الله به الملائكة .
• فائدة العطف بفاء التعقيب ( فسجدوا ) .
• معنى ( آدم ) .
• وجه عدم تصريفه .
• معنى ( إبليس ) .
• مسألة : هل إبليس من الملائكة ؟ أم هو من غيرهم ؟
• سبب التسمية بالجن .
• بيان سبب مخالفة حال إبليس لحال الملائكة في السجود لآدم.
• معنى ( أبى ) .
• معنى ( استكبر ) .
• معنى ( الكافرين ) .
• المراد بقوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) .
• هل كُفر إبليس كان جهلا أم عنادا ؟
• ذكر حال إبليس عند سجود ابن آدم .
• فوائد من الآيات .


مناسبة الآية لما قبلها :
1- امتنان الله تعالى على ذرية آدم بالتكريم ، وخص ابن جرير اليهود الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من بني إسرائيل ، فيذكّرهم سبحانه بمنته عليهم إذ كرّم أباهم بجعله خليفة في الأرض ، وبإسجاد الملائكة له ، وما يستلزمه ذلك من الشكر والانقياد والإيمان .
2- زجر المعاندين عن مشابهة إبليس في التكبر عن الحق ، وترك الإيمان .

متعلق ( إذ ) :
متعلق بمقدر ، ( واذكر ) ، ذكره القرطبي ، ونفى قول أبي عبيدة أن إذ زائدة ، لأنها ظرف .

المعطوف عليه في الآية :
معطوفٌ على قوله: {وإذ قال ربّك للملائكة} ، ذكره ابن جرير ، وقال الزجاج : {إذ} في موضع نصب عطف على {إذ} التي قبلها .

دلالة النون في قوله تعالى ، ( قلنا ) :
تدل على العظمة والتفخيم ، ذكره القرطبي .

معنى ( الملائكة ) :
واحدهم: ملك، والأصل فيه "ملأك"، أنشد سيبويه:
فلست لأنسي ولكن لمـلأك....... تنزّل من جوّ السّماء يصوب
ومعناه: صاحب رسالة ،
ويقال: مأْلُكة ومأْلَكَة، ومآلك جمع مألكة ، ذكره الزجاج .

المراد بالملائكة المأمورين بالسجود في الآية :
فيها قولين :
الأول : أن الأمر عام لجميع الملائكة – ملائكة السماء والأرض ، ورجحه ابن كثير لأن ظاهر الآية العموم .
الثاني : أنه خاص ببعض الملائكة – وهم ملائكة الأرض ، وهو قول أبو العالية ، رواه ابن أبي حاتم من طريق أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عنه .

كيفية قراءة ( اسجدوا ) :
1- عند وصلها ( قلنا للملائكةِ اسجدوا ) قرأ القراء بالكسر.
2- وعند الابتداء بها : تُضمّ الألف ، لأنّ ثالثها مضموم في المستقبل من ( سجد ، يسجُد ) .

معنى السجود وصفته :
السجود في كلام العرب: الخضوع والتذلل .
وغايته وضع الوجه بالأرض ، ذكره ابن عطية .
و في صفته أقوال :
1- أنه إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره .
2- أنه الانحناء والميل المساوي للركوع .
3- أنه على صفة سجود الصلاة ، ورجحه ابن الجوزي ، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود.
وقوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} ، لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع.

حال السجود الذي أمر الله به الملائكة :
اتفق الجميع على أنه ليس بسجود عبادة ، لكنهم افترقوا في كونه سجودا لآدم على الحقيقة أم لا .
القول الأول : أنه سجود لآدم على الحقيقة ، تكرمة وتحية وإعظاما لآدم ، وطاعة لله ، وهو قول الحسن وابن عباس .
تخريجه :
فأما قول الحسن فرواه ابن أبي حاتم من طريق سرور ابن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عنه .
وأما قول ابن عباس فرواه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، عن قتادة، عنه .
وهو كقوله تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجّدًا ) ، وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ، ونسخ في ملتنا ذكره ، ابن عطية وابن كثير والبغوي ورجحه جمهور العلماء .

القول الثاني : أن الأمر بالسجود لله تعالى ، وآدم كان قبلة فيها ، قال الشعبي: «إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى {لآدم} إلى آدم ».
واستبعد ابن كثير وابن عطية هذا القول .

فائدة العطف بفاء التعقيب ( فسجدوا ) :
بيان مبادرة الملائكة بالامتثال والثناء عليهم ، فلم يصدهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق مظهر فساد وسفك دماء لأنهم منزهون عن المعاصي .
وهذا هو خلاصة قول ابن عاشور .

معنى آدم :
مشتق من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وكذلك الأدمة إنما هي مشبهة بلون التراب ، ذكره الزجاج .
روى عبدالرزاق من طريق قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا , فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ , ذَلِكَ مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ وَبَيْنَ ذَلِكَ , وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ»

وجه عدم تصريفه :
لأنه على وزن ( أفعل ) .

معنى ( إبليس ) :
اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين ، فكان إبليس لنوع الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان ، ذكره ابن عطية ، وفي أصله قولان :
القول الأول : إفعيل من الإبلاس: وهو الإياس من الخير كلّه ، وهو قول ابن عباس ، والسدي ، وروي عن قتادة .
فأما قول ابن عباس : فرواه عنه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق أبي روقٍ ، عن الضّحّاك، عنه .
وأما قول السدي فرواه ابن جرير من طريق عمرو بن حمّادٍ، عن أسباط عنه .
وروي عن قتادة أنه أبلس عن الطّاعة ، ذكره ابن أبي حاتم .

وذكر ابن جرير أنه الإياس من الخير والندم والحزن : كما في قوله تعالى : {فإذا هم مبلسون} يعني به أنّهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا .
واستدل من اللغة بقول العجّاج:
يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسًا.......قال نعم أعرفه وأبلسا
وبقول رؤبة:
وحضرت يوم الخميس الأخماس.......وفي الوجوه صفرةٌ وإبلاس
يعني به اكتئابًا وكسوفًا.

وعلى هذا القول يكون عدم تصريفه :
استثقالاً ، فلم يكن له نظير من أسماء العرب، لذلك شبّهته العرب بأسماء العجم الّتي لا تجرى ، و مثل ذلك قولهم : مررت بإسحاق، فلم يجروه، وهو من أسحقه اللّه إسحاقًا، لوقوعه اسمًا لغير العرب ثمّ تسمّت به العرب فجرى مجراه، وكذلك أيّوب من آب يؤوب ، وهو من أسماء العجم في الإعراب ، فلم يصرّف ، وهذا خلاصة قول ابن جرير ، واستنكره ابن عاشور .

القول الثاني : أنه أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، ذكره أبوعبيدة والزجاج واختاره ابن عاشور .


مسألة : هل إبليس من الملائكة ؟ أم هو من غيرهم ؟
القول الأول : أنه من الملائكة من قبيلة منها ، وهو قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة .
عن ابن عبّاسٍ قال: «كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأربعة الأجنحة ثمّ أبلس بعد» رواه ابن أبي حاتم .

تخريجه :
- فأما قول ابن عباس فرواه ابن جرير من طريق أبي روقٍ، عن الضّحّاك ، عنه ، ومن طريق ابن إسحاق عن خلاّد عن عطاء، عن طاووس، عنه ، ورواه من طريق السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالحٍ، عنه ، ورواه من طريق ابن جريجٍ، عن صالحٍ، مولى التّوأمة وشريك بن أبي نمرٍ، أحدهما أو كلاهما، عنه ، ورواه ابن جرير من طريق عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك عنه .
ورواه ابن أبي حاتم من طريق يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عنه .
- وأما قول ابن مسعود فرواه ابن جرير من طريق السدي عن مرة عنه .
- وأما قول قتادة فرواه ابن جرير من طريق يزيد عن سعيد عنه ، ورواه أيضا من طريق عبدالرزاق عن معمر عنه .

توجيهه :
1- لأن الأمر متوجه للملائكة ثم استثنى من جميعهم إبليس ،
فدلّ استثنائه منهم على أنّه منهم، وأنّه ممّن قد أمر بالسّجود معهم، وهو خلاصة قول ابن جرير ، وهو مبني على أن الاستثناء غير منقطع .
2- ونقل عن ابن عباس قوله : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود .
& الجواب عن هذا التوجيه :
لا يمتنع أن تكون الملائكة -وإياه- أمروا بالسجود ، لقوله تعالى : {إلا إبليس أبى} فلم يأب إلا وهو مأمور ، ذكره الزجاج .
3- أنّ الملائكة اجتنّوا فلم يروا ، قال تعالى : {وجعلوا بينه وبين الجنّة نسبًا ولقد علمت الجنّة إنّهم لمحضرون} وذلك لقول قريشٍ: إنّ الملائكة بنات اللّه. فيقول اللّه: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذرّيّته نسبًا ، ذكره ابن جرير .

القول الثاني : أنه ليس من الملائكة ، وهو قول الحسن وشهر بن حوشب وابن زيد وسعد بن مسعود .
قال الحسن : «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عينٍ قطّ، وإنّه لأصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس» .
تخريج الأقوال فيه :
- فأما قول الحسن فرواه ابن جرير من طريق ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عنه ، ومن طريق سعيد، عن قتادة عنه ، قال ابن كثير : وهذا إسنادٌ صحيحٌ عن الحسن.
- وأما قول شهر بن حوشب فرواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن سوّار بن الجعد اليحمديّ، عنه .
- وأما قول عبدالرحمن ابن زيد فرواه ابن جرير من طريق يونس عن ابن وهبٍ عنه .
- وأما قول سعد بن مسعود فرواه ابن جرير من طريق موسى بن نميرٍ، وعثمان بن سعيد بن كامل ، عنه .

- توجيهه :
1- هذا القول على اعتبار أن الاستثناء في الآية منقطع .

2- و لقوله تعالى : {إلّا إبليس كان من الجنّ} ، فهذه الآية صريحة في كونه من الجن ، فلا يجوز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه .
& جواب أصحاب القول الأول على هذا التوجيه :
يمكن تخريجه على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا .
أو على أن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها، قال تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً} .

3- أنّ اللّه تعالى أخبر في كتابه أنّه خلق إبليس من نار السّموم ومن مارجٍ من نارٍ، ولم يخبر عن الملائكة أنّه خلقها من شيءٍ من ذلك .
& جواب أصحاب القول الأول على هذا التوجيه :
لا يستنكرٍ أن يكون اللّه جلّ ثناؤه خلق ملائكته من أصنافٍ شتّى، فخلق بعضًا من نورٍ. وبعضًا من نارٍ، وبعضًا ممّا شاء من غير ذلك.
فيجوز أن يخلق الله صنفًا من ملائكته من نارٍ فكان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السّموم دون سائر ملائكته.

4- أن لإبليس نسلٌ وذرّيّةٌ، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.

& الجواب عنه :
لا يمنع هذا أن يكون ركّب فيه من الشهوة واللذة و الّتي نزعت من سائر الملائكة لما أراد اللّه به من المعصية ، لذلك له نسل وذرية . وهذا هو توجيه ابن جرير رحمه الله .
5- أن الله تعالى قال في صفة الملائكة: {لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ، فيمتنع العصيان في حقهم .

دراسة الأقوال وتوجيهها :
يرجع القول الأول إلى أن الاستثناء من الجنس ، و يرجع القول الثاني إلى أنه استثناء من غير الجنس ، ففي الأول استثناء متصل وفي الثاني منقطع ، و من الأمثلة على الاستثناء المنقطع قوله تعالى : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) ، قال ابن منظور : فرب العالمين ليس من الأول .
أما بالنسبة للأقوال : فالقول الأول يعتمد في أصله على الإسرائيليات ، وهي مروية عن ابن عباس من عدة طرق ، منها : ما هو منقطع كرواية الضحاك عنه ، وكذلك ابن جريج عنه .
و منها المروي من طريق محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاووس عنه .
قال: «كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكّان الأرض وكان من أشدّ الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيٍّ يسمّون جنًّا».
و المروي عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس .
ومن طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود .
وأما القول الثاني فيستند على أدلة صحيحة صريحة من الكتاب والسنة ، إلا ماجاء عن شهر بن حوشب وسعد بن مسعود ، ففيه إسرائيليات من جهة تبرير كونه مع الملائكة ، وهذه الإسرائيليات ، فيها انقطاع واضطراب ، قال القرطبي : ( وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي ، فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة ، حكاه المهدوي وغيره ) .
كما أن الإسرائيليات المروية في القول الأول تقابل أدلة صحيحة من الكتاب والسنة ، فقد قال الله تعالى : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) ،
وقال سبحانه : ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) وقال : ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) . وجاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خُلِقَت الملائكة من نور ، وّخُلِقَ الجَّان من مارجٍ من نار ، وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم " رواه مسلم ، فهذه الأدلة بينة في التفرقة بين الملائكة والجان ، كما أن الملائكة لا يتزاوجون ، فليس لهم ذرية ، و لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، و لا يستكبرون عن عبادة الله وله يسجدون ، وهذه كلها تنافي حال إبليس ، مع الاتفاق على أنه كان معهم في الخطاب ، وقبل ذلك كان معهم في التشريف والعبادة ، لكنه افتُضح سرّه ، وأظهر الله حقيقته ، و قد يكون في قوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) بيان لسجود جميع الملائكة إلا إبليس لم يكن منهم لكنه أمر فأبى ، وهذا استثناء منقطع .
أمّا السؤال بكيف اجتمع مع الملائكة فالله أعلم بذلك ، ولا يؤخذ من إسرائيليات متضاربة في البيان .
وأما القول بأنه لا يستبعد أن يخلق الله أصنافا من الملائكة فهذا فيه تكلف ، وأماّ الاشتراك في الاستتار عن الأعين ، وتسميتهم جميعا جنة ، فلا ينافي افتراقهم في الصنف ، هذا على الراجح عند ابن كثير والزجاج وغيرهم وهو ما أميل إليه والله تعالى أعلم .
قال ابن كثير : (لأنّه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلّا أنّه كان قد تشبّه بهم وتوسّم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذمّ في مخالفة الأمر ) .
ومن أبرز من قال بالقول الأول ابن جرير الطبري رحمه الله .
وذكر الزجاج أن القول الأول غير ممتنع ، فيكون المراد بقوله كان من الجن أي كان ضالا كضلال الجن ، فلما عمل عملهم صار منهم ، لكن هذا يضعفه أن الملائكة خلقها الله مطيعة غير متكبرة ابتداء ، ويستحيل عليها العصيان ، بخلاف الجن ، فهم مخاطبون ومكلفون وجعل الله لهم إرادة كحال الإنس .

سبب التسمية بالجن :
القول الأول : لأنه جنّ عن طاعة ربه ، وهو قول قتادة .
القول الثاني : لأنه كان من خزان الجنة فاشتق اسمه منها ، وهو قول لابن عباس ، و قول ابن مسعود .
تخريجه :
رواه ابن جرير من طريق أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، و رواه ابن جرير من طريق حجاج عن ابن جرير عن ابن عباس .
توجيهه :
أصل هذا القول مرويات إسرائيلية ، نتوقف في صحتها ، لعدم ثبوتها من طرق صحيحة .

القول الثالث : أنهم حي من الملائكة يسمون جنا كانوا من أشد الملائكة اجتهادا ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود .
تخريجه :
أما قول ابن عباس فرواه ابن جرير من طريق بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك عنه ، ورواه أيضا من طريق ابن إسحاق، عن خلاّدٍ، عن عطاءٍ، عن طاووسٍ أو مجاهدٍ أبي الحجّاج، عنه ، ورواه أيضا من طريق أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ،
وأما قول ابن مسعود فرواه ابن جرير من طريق أسباط عن السدي عن مرّة، عنه .
توجيهه :
أصل هذا القول مرويات إسرائيلية ، مخالفة لأدلة صحيحة من الكتاب والسنة .

القول الرابع : أنّ هذه التسمية لكل من اجتنّ فلم يظهر ، لذلك سميت الملائكة جنا ، قال تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) ،
و قال أعشى بني ثعلبة :
وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر
وهو قول محمد بن إسحاق .
توجيهه :
مأخوذ من معناه اللغوي ، قال ابن منظور : جن الشيء يجنه جنا : ستره . وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك .

وهذا القول هو الأقرب للصواب في النسبة .

بيان سبب مخالفة حال إبليس لحال الملائكة في السجود لآدم :
أنه أبى واستكبر وكفر بالله .

معنى ( أبى ) :
امتنع من السّجود لآدم ، وعصى .
روى ابن أبي حاتم من طريق عمر بن عبد الغفّار ، قال: سئل سفيان بن عينية عن قوله: «ليدخلنّ الجنّة إلا من أبى» قال: «إلا من عصى اللّه لقوله عزّ وجلّ: {فسجدوا إلا إبليس}» .

معنى (استكبر ) :
أي تعظّم وتكبّر عن طاعة اللّه في السّجود لآدم .
و الاستكبار شدة الكبر ، والسين والتاء فيه :
- للعد أي عد نفسه كبيرا مثل : استعظم ،
- أو يكون السين والتاء للمبالغة مثل : استجاب واستقر .
والمعنى أنه استكبر على الله بإنكار أن يكون آدم مستحقا لأن يسجد هو له ، كما دلت عليه آيات أخرى ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ، ذكره ابن عطية .


معنى ( الكافرين ) :
1- من الجاحدين نعم اللّه عليه وأياديه عنده لمخالفته أمره له في السّجود لآدم .
2- أي كان من العاصين ، وهو قول أبو العالية ، من طريق الربيع بن أنس ومن طريق عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عنه .
ووجهها ابن عطية بأنها معصية كفر لأنها صادرة عن اعتقاد فاسد .
و أصل الكُفر في اللغة: الستر والتغطية، قال ابن فارس: "الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية، ويقال للزارع كافر، لأنه يغطي الحب بتراب الأرض، قال الله تعالى: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} .
وقال أيضا : الكفر: ضد الإيمان، سمّي لأنه تغطية الحق"
قال ابن منظور: "والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقوله تعالى: {إِنّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} ، أي جاحدون" .


المراد بقوله ( وكان من الكافرين ) :
القول الأول : أي وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال تعالى : {فكان من المغرقين} وقال {فتكونا من الظّالمين} ، ذكره ابن كثير .
القول الثاني : أنه بمعنى الماضي ، أي كان بعلم الله كافرا ، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة .
و أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وكان من الكافرين} قال: «جعله الله كافرا لا يستطيع أن يؤمن» .
ذكره السيوطي في الدر المنثور ، ولم أجده .


والمراد بقوله ( من ) : أي منهم في الكفر في ابتداء خلقه ، روى ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، قال: «ابتدأ اللّه عزّ وجلّ خلق إبليس على الكفر والضّلالة، وعمل بعمل الملائكة فصيّره إلى ما أدّى إليه خلقه من الكفر، قال اللّه تعالى: {وكان من الكافرين} .
وجاء ما يشبهه عن السدي .
ومحمد بن كعب ثقة تابعي كان يُحدّث عمن قرأ كتب أهل الكتاب ، وهذا القول يوافق أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر .

هل كفر إبليس كان جهلا أم عنادا ؟
فيه قولين :
ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره .
- فمن قال إنه كفر جهلا قال: «إنه سلب العلم عند كفره».
- ومن قال كفر عنادا قال: «كفر ومعه علمه»، واستبعد ابن عطية اجتماع العناد والكفر مع بقاء العلم ، وأجازه عند حصول الخذلان .
نعوذ بالله من ذلك .

حال إبليس عند سجود ابن آدم :
روى مسلم وسعيد بن منصور في سننه من طريق معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية أبي كريب يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ) .
قال القرطبي في المفهم لما أشكل من كتاب مسلم : وبكاء إبليس المذكور في الحديث : ليس ندما على معصيته ، ولا رجوعا عنها ، وإنما ذلك لفرط حسده وغيظه وألمه بما أصابه من دخول أحد من ذرية آدم عليه السلام الجنة ونجاته ، وذلك نحو مما يعتريه عند الأذان ، والإقامة ، ويوم عرفة .

من فوائد الآيات :
- تكريم الله تعالى لآدم .
- شناعة الكِبر والحسد ، وأنّهما أصل كل خطيئة ، مع وجوب توخي الحذر وتزكية النفس منهما .
- عدم الاغترار بالطاعات ، فالمرء لا يدري بم يُختم له .
- وجوب الخضوع لأمر الله ، والانقياد لطاعته فيما أمر به ونهى عنه ، وبيان أن سوء العاقبة إنما تكون في مخالفة ذلك .
- وجه الشبه بين اليهود وبين إبليس ، إذ علموا صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصفته ، و نالهم من ربهم عظيم الإنعام والمنن المذكورة في سورة البقرة إلا أنهم قابلوا ذلك بالتكذيب ، والاستنكاف عن الاتباع حسدا وكبرا .
- دلالة الآيات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لإخبار بما ليس من علم العرب، ولا يعلمه إلا أهل الكتاب، أو نبي أوحي إليه .
- أنّ ظهور خوارق العادات لأيٍّ كان سوى الأنبياء لا تدلّ على الولاية ، ولا تحمي من الكفر ، خلافاً للرافضة والصوفية .
- خطورة مخالفة أوامر الله تعالى بالأهواء المجردة أو العقل .
- أن كل من سفه شيئا من أمر الله تعالى أو أمر رسوله عليه الصلاة و السلام كان حكمه حكم إبليس ، ذكره القرطبي .
- سرعة مبادرة الملائكة لأمر الله ، و افتراقها عن إبليس ، رغم أنها خلقت من النور الذي هو أشرف من النار .
- أنّ الله تعالى يبتلي عباده ويكشف الصادق من الكاذب ، ليقيم عليهم الحجة .
- الأقرب أن الاستثناء في الآية منقطع ، وأن إبليس ليس من الملائكة لكنه من الجن ، للأدلة الكثيرة السابقة الذكر .

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29 صفر 1440هـ/8-11-2018م, 04:36 AM
مها شتا مها شتا غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 601
افتراضي

بحث المستوى السادس
رسالة تفسيرية في قوله تعالى: { وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة....} البقرة 30
بأسلوب التقرير العلمي مبينة فيها أحكام الإسرائيليات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادى له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله –صلى الله عليه وسلم-
ثم أما بعد....
سورة البقرة ،وما أدراك ما سورة البقرة ؟ سورة من أعظم ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه – قال :قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - : ( إن لكل شئ سناماً وسنام القرآن البقرة) رواه الترمذي في سننه ،وقال :حسن غريب ،والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخان.
والسنام الرفعة،ومنه سنام البعير لارتفاعه ،وسمية البقرة سنام القرآن إما لطولها واحتوائها على على أحكام كثيرة أو لما فيها من أمر الجهاد وفيه الرفعة العظيمة ، من قرأها آنسته في قبره ،والشيطان يبفر من البيت التي تقرأ فيه،وتتنزل الملائكة لقراءتها ،وقارئها جدير بأمارة قومه،وفيها اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وفيها أعظم آية في القرن إلى غير ذلك من فضائلها.
بدأها الله سبحانه وتعالى بالأحرف المقطعة التى لاعهد للعرب بتصدير كلامهم بها ليوقظ الأسماع بها ،ويوجه القلوب لما يلى هذا الأسلوب الجديد الغريب، ثم بدأ الكلام في السورة بوصف القرآن بما فيه من الهدى إجمالاً ،ثم وصف حال الناس تجاه هذا الكتاب واستقبالهم له وضرب لهم الأمثال ،ثم حقق القول بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ،وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ،ووأسس أركان العقيدة الإسلامية من عبادة الله وحده وعدم الإشراك به شئ ،والإيمان بكتابه الذي أنزله على عبده ، والإيمان باليوم الآخر الذي فيه يثاب العبد أو يعاقب وذكر مثل النار التي أعدت للكافرين ،ومثل الجنة التي وعد بها المتقون، ثم ذكر عبادة بنعمه المتعددة عليهم فقال : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئًا، وخلقت لكم ما في الأرض جميعًا، وسويت لكم ما في السماء، ثم عطف ممتناً عليهم بخلق أبيهم وجعله خليفة في الأرض بقوله:"وإذ قال رَبُّك للملائكة" على المعنى المقتضَى بقوله:"كيف تكفرون بالله"، إذ كان مقتضيًا ما وصفتُ من قوله: اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلتُ، واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلتُ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً .
فبين سبحانه تاريخ نشأت الجنس البشري وما جرى في شأنها من الحديث مع الملائكة ،وفي هذا الحديث دلالة على مزيد العناية الإلهية بالنوع البشرى ؛ الذي اختاره الله لخلافة الأرض ،وآثره على سائر الخلق بفضيلة العلم .
وفي هذه الآية مسائل:
· مقصد الآية.
· من المخاطب في الآية.
قوله تعالى:{ وإذ قال ربك للملائكة}
· ما نوع الواو.
· معنى "إذ".
· مرجع الضمير في "ربك"
· معنى الملائكة والمراد منهم.
قوله تعالى:{ إني جاعل في الأرض خليفة}
· ماذا أفاد قوله "أني".
· معنى جاعل .
· المراد بـ "الأرض".
· المراد بـ " الخليفة".
· المراد من إخبار الله عزوجل الملائكة بخلف آدم.
قوله تعالى:{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}
· معنى الآية ،وماذا أفادت.
· المراد من الأستفهام في "أتجعل".
· معنى "يفسد" ،وكيف يكون .
· معنى " يسفك" والقراءات فيها.
· مسألة :كيف علمت الملائكةأن بني آدم يفسدون في الأرض.
قوله تعالى :{ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}
· معنى التسبيح والمراد به.
· ماذا أفاد أقتران الحمد بالتسبيح.
· معنى التقديس والمراد به.
قوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون}
· المراد من الآية.
تحرير الأقوال في المسائل ودراستها:
• مقصد الآية.
بيان ممن الله تعالى على البشر ،وتعظيم شأن الجنس البشري بجعله خليفة لله في الأرض.
• من المخاطب في الآية.
المخاطب في هذه الآية محمد –صلى الله عليه وسلم-
قوله تعالى:{ وإذ قال ربك للملائكة}
• ما نوع الواو.
الواو عاطفة،عطَفَتِ قِصَّةَ خَلْقِ أوَّلِ البَشَرِ عَلى قِصَّةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ
• معنى "إذ".
اختلف المفسرون في معنى "إذ" على أقوال:
القول الأول : "إذْ" صلة زائدة مُلْغاةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ، قاله أبوعبيدة وتابَعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ،وانتقد ذلك القول الزجاج وابن قاسم.
قال القرطبيّ: وكذا ردّه جميع المفسّرين حتّى قال الزّجّاج: هذا اجتراءٌ من أبي عبيدة.
قال ابن عطية رحمه الله: وكذلك رد عليه جميع المفسرين.
القول الثاني: "إذْ" ليس بصلة زائدة مَعْناها: الوَقْتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ،قاله الزجاج.
قال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره: واذكر إذ قال.
• مرجع الضمير في "ربك"
ضمير الخطاب عائد على المخاطب وهو النبي –صلى الله عليه وسلم-.
• معنى الملائكة والمراد منهم.
معنى الملائكة:
والمَلائِكَةُ: مِنَ الأُلُوكِ، وهي الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيَدُ:
وغُلامٌ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألَ
وَواحِدُ المَلائِكَةِ: مَلَكٌ، والأصْلُ فِيهِ: مَلْأكُ. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنْزِلُ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ
قالَ أبُو إسْحاقَ: ومَعْنى مَلْأكِ: صاحِبُ رِسالَةٍ، يُقالُ: مَأْلَكَةٌ ومَأْلُكَةٌ ومَلْأكَةٌ. ومَآَلُكٌ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ. قالَ الشّاعِرُ:
أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي
والملائكة خلق عظيم من خلق الله ،مخلقون من نور ،لا يأْكُلُونَ، ولا يَشْرَبُونَ، ولا يَنْكِحُونَ، ولا يَتَناسَلُونَ، وهم رُسُلُ اللَّهِ، لا يَعْصُونَهُ في صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ، ولَهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ،سميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده.
واختلف المفسرون على من المراد بالملائكة على قولين:
القول الأول:أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
القول الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَنُقِلَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ آَدَمَ خَلْقٌ، فَأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأهْلَكُوهم.
قوله تعالى:{ إني جاعل في الأرض خليفة}
• ماذا أفاد قوله "إني".
إني أفادت التوكيد
• معنى جاعل .
اخْتُلِفَ المفسرون في مَعْنى ( جاعِلٌ ) عَلى قولين:
القول الأول: جاعل بِمَعْنى خالِقٍ.
رواه ابن جرير عن أبي روقٍ، قال: «كلّ شيءٍ في القرآن "جعل" فهو "خلق"».
القول الثّانِي: بِمَعْنى جاعِلٍ،أي أني فاعل لِأنَّ حَقِيقَةَ الجَعْلِ فِعْلُ الشَّيْءِ عَلى صِفَةٍ، وحَقِيقَةَ الإحْداثِ إيجادُ الشَّيْءِ بَعْدَ العَدَمِ ،قاله الحسن وقتادة ،ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم.
قول الحسن وقتادة رواه ابن جرير عن طريق أبو بكر الهذلي.
وقول الحسن عن طريق جرير بن حازمٍ، ومباركٍ.
ورجح ابن جرير:في قوله: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً} أي: مستخلفٌ فيها خليفةً ومصيّرٌ فيها خلفًاء، وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة.
قال ابن القيم:جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب الملائكة.
• المراد بـ "الأرض".
إنَّها مَكَّةُ، ورَوى ابْنُ سابِطٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ» ولِذَلِكَ) سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، قالَ: وقَبْرُ نُوحٍ، وهُودٍ،وَصالِحٍ، وشُعَيْبِ بَيْنَ زَمْزَمَ، والرُّكْنُ، والمَقامُ.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن سابط.
قول ابن سابط رواه ابن جرير عن طريق عطاء .
قال ابن كثير: وهذا مرسلٌ، وفي سنده ضعفٌ، وفيه مدرج، وهو أنّ المراد بالأرض مكّة، واللّه أعلم، فإنّ الظّاهر أنّ المراد بالأرض أعمّ من ذلك.
• معنى " الخليفة" والمراد بـ خلافة آدم وذريته .
الخليفة :هو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ،
والمراد بـخلافة آدم وذريته ثلاثه أقوال:
القول الأول: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ الجِنُّ، فَأفْسَدُوا فِيها، سَفَكُوا الدِّماءَ، فَأُهْلِكُوا، فَجُعِلَ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ بَدَلَهُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
قول ابن عباس ذكره ابن جرير عن طريق عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك
وابن أبي حاتم
القول الثّانِي: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ولَدِ آدَمَ، الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أباهم آدَمَ في إقامَةِ الحَقِّ وعِمارَةِ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وذكر نظيره ابن جرير عن عطاء بن السّائب، عن ابن سابطٍ.
ويكون المعنى :مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ؛ أيْ: خَلائِفُ، وهو اخْتِيارُ ابْنُ كَثِيرٍ.
القول الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ: جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَخْلُفُنِي في الحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِي، وهو آدَمُ، ومَن قامَ مَقامَهُ مِن ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قول ابن مسعود: رواه ابن جرير الطبري عن طريق أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعود
قال ابن جريرلّذي دعا المتأوّلين قوله: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً} التّأويل الّذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك أنّهم قالوا: إنّ الملائكة إنّما قالت لربّها إذ قال لهم ربّهم: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء} إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الّذي أخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه جاعله في الأرض لا عن غيره؛ لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربّها عنه جرت. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان اللّه قد برّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدّماء وطهّره من ذلك، علم أنّ الّذي عني به غيره من ذرّيّته، فثبت أنّ الخليفة الّذي يفسد في الأرض ويسفك الدّماء هو غير آدم، وأنّهم ولده الّذين فعلوا ذلك، وأنّ معنى الخلافة الّتي ذكرها اللّه إنّما هي خلافة قرنٍ منهم قرنًا عندهم لما وصفنا.
وأغفل قائلو هذه المقالة ومتأوّلو الآية هذا التّأويل سبيل التّأويل، وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربّها: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً} لم تضف الإفساد وسفك الدّماء في جوابها ربّها إلى خليفته في أرضه، بل قالت: {أتجعل فيها من يفسد فيها} وغير منكرٍ أن يكون ربّها أعلمها أنّه يكون لخليفته ذلك ذرّيّةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدّماء، فقالت: يا ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء؟ كما قال ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التّأويل).
قال الشنقيطي في أضواء البيان:إذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، وهو أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ: الخَلائِفُ مِن آدَمَ وبَنِيهِ لا آدَمُ نَفْسُهُ وحْدَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٣٠] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِمَّنْ يُفْسِدُ فِيها ولا مِمَّنْ يَسْفِكُ الدِّماءَ،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٦٢] .
ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ آدَمُ، وأنَّ اللَّهَ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ الفَسادَ، وسَفْكَ الدِّماءِ. فَقالُوا ما قالُوا، وأنَّ المُرادَ بِخِلافَةِ آدَمَ الخِلافَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وبِخِلافَةِ ذُرِّيَّتِهِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو أنَّهم يَذْهَبُ مِنهم قَرْنٌ ويَخْلُفُهُ قَرْنٌ آخَرُ.
• المراد من إخبار الله عزوجل الملائكة بخلق آدم.
اختلف المفسرون في المراد من إخبار الله عزو جل الملائكة بخلق على ستة أقوال:
القول الأول: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ في نَفْسِ إبْلِيسَ كِبْرًا، فَأحَبَّ أنْ يُطْلِعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، وأنْ يُظْهِرَ ما سَبَقَ عَلَيْهِ في عِلْمِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
القول الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَبْلُوَ طاعَةَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
القول الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: رَبُّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ؟ قالَ: لِمَن عَصانِي، فَخافُوا وُجُودَ المَعْصِيَةِ مِنهم، وهم لا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ خَلْقٍ سِواهم، فَقالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٠ ] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
القول الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ إظْهارَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، فَأخْبَرَهم حَتّى قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها؟ فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
القول الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ تَعْظِيمَ آَدَمَ بِذِكْرِهِ بِالخِلافَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ، لِيَكُونُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ إنْ أوْجَدَهُ.
القول السّادِسُ: أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِأنَّهُ خَلَقَهُ لِيُسْكِنَهُ الأرْضَ، وإنْ كانَتِ ابْتِداءَ خَلْقِهِ في السَّماءِ.
قوله تعالى:{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}
• معنى الآية ،وماذا أفادت.
وهَذا جَوابٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ أخْبَرَهُمْ، أنَّهُ جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً،
• المراد من الأستفهام في "أتجعل".
اختلف المفسرون على المراد من الأستفهام على ثلاث أقوال:
القول الأول: أنَّ ظاهِرَ الألِفِ الِاسْتِفْهامُ، دَخَلَ عَلى مَعْنى العِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ والتعجب.
قالَ جَرِيرٌ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا *** وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
مَعْناهُ: أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا.
ويكون في هذه الحالة الاستفهام يكون بمعنى الإيجاب ،والألف خرجت مخرج الاستفهام
القول الثّانِي: أنَّهم قالُوهُ لِاسْتِعْلامِ وجْهِ الحِكْمَةِ، لا عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ. ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
القول الثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا عَنْ حالِ أنْفُسِهِمْ، فَتَقْدِيرُهُ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أمْ لا؟
ويكون المعنى أنهم قالوه استفهاماً واسْتِخْبارًا حِينَ قالَ لَهُمْ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، فَقالُوا: يا رَبَّنا أعْلِمْنا، أجاعِلٌ أنْتَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ؟ فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، ولَمْ يُخْبِرْهم.
فلم يكن ذلك إنكاراً منهم على ربهم، إنما سألوا ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبّحون ويقدّسون، أو قالوا ذلك؛ لأنهم كرهوا أن يُعصى الله؛ لأن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت.
ورجح ابن جرير:بقول اللّه جلّ ثناؤه مخبرًا عن ملائكته قيلها له: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} تأويل من قال: إنّ ذلك منها استخبارٌ لربّها؛ بمعنى: أعلمنا يا ربّنا، أجاعلٌ أنت في الأرض من هذه صفته وتاركٌ أن تجعل خليفتك فيها، ونحن نسبّح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكار منها لما أعلمها ربّها أنّه فاعلٌ، وإن كانت قد استعظمت لمّا أخبرت بذلك أن يكون للّه خلقٌ يعصيه.
ورد في تفسير هذه الآية من الإسرائليات ما ورد مثل :
قال ابن جريرٍ: وحدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أوّل من سكن الأرض الجنّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدّماء، وقتل بعضهم بعضًا». قال: «فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتّى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثمّ خلق آدم وأسكنه إيّاها، فلذلك قال: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً}».
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا هشام الرّازيّ، حدّثنا ابن المبارك، عن معروفٍ، يعني ابن خرّبوذ المكّيّ، عمّن سمع أبا جعفرٍ محمّد بن عليٍّ يقول: «السّجلّ ملكٌ، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كلّ يومٍ ثلاث لمحاتٍ ينظرهنّ في أمّ الكتاب، فنظر نظرةً لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلمّا قال تعالى: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء} قالا ذلك استطالةً على الملائكة».
قال ابن كثير فيه ،وهذا أثرٌ غريبٌ. وبتقدير صحّته إلى أبي جعفرٍ محمّد بن عليّ بن الحسن الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارةٌ توجب ردّه، واللّه أعلم. ومقتضاه أنّ الّذين قالوا ذلك إنّما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السّياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتمٍ -أيضًا- حيث قال: حدّثنا أبي، حدّثنا هشام بن أبي عبد اللّه، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: سمعت أبي يقول:«إنّ الملائكة الّذين قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} كانوا عشرة آلافٍ، فخرجت نارٌ من عند اللّه فأحرقتهم».
وهذا -أيضًا- إسرائيليٌّ منكرٌ كالّذي قبله، واللّه أعلم.
وهذا مما تميز به ابن كثير رحمة الله من إراد أخبار بني إسرائيل ونقدها
*أخبرنا الحسن بن سفيان، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكيرٍ، عن زهير بن محمّدٍ عم موسى بن جبيرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه سمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ آدم لمّا أهبط إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربّ {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون} قالوا: ربّنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال اللّه لملائكته: هلمّوا ملكين من الملائكة فننظر كيف يعملان، قالوا: ربنا هاروت وماروت، قال: اهبطا إلى الأرض،
فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاآها فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتّى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، قالا: والله لا نشرك باللّه أبدا، فذهبت عنهما ثمّ رجعت إليهما ومعها صبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا واللّه حتّى تقتلا هذا الصّبي، فقالا: والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثمّ رجعت بقدحٍ من خمرٍ تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا واللّه حتّى تشربا هذه الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصّبيّ، فلمّا أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتكما من شيء أبيتماه عليّ إلا فعلتماه حين سكرتما، فخيّرا عند ذلك بين عذاب الدّنيا والآخرة فاختارا عذاب الدّنيا»)
من أحكام الإسرائيليات:
*قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" رواه البخاري .
* وقال أيضاً " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " رواه أحمد ،والبخاري من حديث أبي هريرة.
* أن بعض أخبار بني إسرائيل منقول عن النبي –صلى الله عليه وسلم- نقلاَ صحيحاً ،ولا ريب في قبول هذه الأخبار،كاسم صاحب موسى أنه الخضر .
*وأجمع العلماء على أن ما جاءنا عن بني إسرائيل على ثلاثة أقسام :
1- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق ( ما وافق شرعنا ،فهو) مقبول .
2-ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفة ( ما خالف شرعنا) يرد ، والضابط في القبول والرد في هذا هو الشرع ، فما كان موافقاَ قُبل ، زما كان مخالفاً لم يُقبل.
3- ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ،فلا نؤمن به ولا نكذبه.
ومن يستقرئ الإسرائيليات التي ورددت عن السلف يجد:
1- أنها أخبار لا ينبني عليها أحكام عملية.
2- أنه لم يرد عن السلف أنهم اعتمدوا حكما شرعياً مأخوذ منها.
3- أنه لا يلزم اعتقاد صحتها ،بل هي مجرد خبر.
4- أن منها ما لم يثبت عن الصحابة (فهم مقلين منها) بل عمن دونهم .
5- أن التفسير الآيات واضح من دون الإسرائيليات ،وأنها لا تفيد فيه زيادة.
6- أن هذه الإسرائيليات من قبيل التفسير بالرآي.
• معنى "يفسد" ،وكيف يكون .
قال السعدي : الإفساد يكون بالمعاصي
• معنى " يسفك" والقراءات فيها.
معنى "يسفك":
سَفْكُ الدَّمِ:أي صَبُّهُ وإراقَتُهُ وسَفْحُهُ، والسَّفْكَ يَخْتَصُّ الدَّمَ، والصَّبَّ والسَّفْحَ والإراقَةَ يُقالُ في الدَّمِ وفي غَيْرِهِ.
القراءات في يسفك:
بِكَسْرِ الفاءِ،قرآها الجمهور
وضَمَّ الفاء ،قرأة ابْنُ مُصَرِّفِ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُما لُغَتانِ، ويُسَفِّكُ: بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ السِّينِ، وتَشْدِيدِ الفاءِ مَعَ كَسْرِها، وهي لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ وتَكْرِيرِهِ، ورُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وابْنِ مِقْسَمٍ.
• مسألة :كيف علمت الملائكةأن بني آدم يفسدون في الأرض.
اختلف المفسرون في كيفيه علم الملائكة بإفساد بني آدم في الأرض على وجهان:
الوجة الأول: أنَّهُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهم قالُوا: رَبُّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةِ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ .
الوجةالثّانِي: أنَّهم قاسُوهُ عَلى أحْوالِ مَن سَلَفَ قَبْلَ آَدَمَ، رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُقاتِلٍ.
قوله تعالى :{ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}
• معنى التسبيح والمراد به.
معنى التسبيح أي التنزية عن النقائص والسوء على جهة التعظيم.
وَلا يَجُوزُ أنْ يُسَبَّحَ غَيْرُ اللَّهِ، وإنْ كانَ مُنَزَّهًا، لِأنَّهُ صارَ عَلَمًا في الدِّينِ عَلى أعْلى مَراتِبِ التَّعْظِيمِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى.
واختلف المفسرون على المراد به على أربع أقوال:
القول الأول: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.
قال السّدّيّ، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ- وعن ناسٍ من الصّحابة: {ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} قال: «يقولون: نصلّي لك».
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.
القول الثّانِي: أنَّهُ التسبيح المعروف فهو قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.
[وفي صحيح مسلمٍ عن أبي ذرٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى اللّه لملائكته سبحان اللّه وبحمده» وروى البيهقيّ عن عبد الرّحمن بن قرطٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به سمع تسبيحًا في السّماوات العلا «سبحان العليّ الأعلى سبحانه وتعالى»].
القول الثّالِثُ: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والحَمْدُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
قال مجاهدٌ: {ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} قال: «نعظمك ونكبرك».
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد
القول الرّابِعُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والذُّلُّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.
• ماذا أفاد اقتران الحمد بالتسبيح.
أفاد اقتران الحمد بالتسبيح كمال على كمال ،لِأنَّ القَوْلَ يَشْتَمِلُ عَلى حَمَدِ اللَّهِ تَعالى وتَمْجِيدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ نُسَبِّحُ تَسْبِيحًا مَصْحُوبًا بِالحَمْدِ لَكَ،وأيضاً يكون من قبيل التخلية قبل التحلية.
• معنى "نقدس "والمراد به.
معنى "نقدس لك"
نقدس :منالقُدْسُ وهو الطَّهارَةُ.
والمراد ب تَقْدِيسِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
القول الأول:أي نَتَطَهَّرُ لَكَ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
القول الثّانِي: نُعَظِّمُكَ ونَكْبُرُكُ،وهو التقديس المعروف، قالَهُ مُجاهِدٌ.
القول الثّالِثُ: نُصَلِّي لَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قول ابن عباس أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ.
وقول مجاهد ،أخرجه ابن جرير عن أبي نجيح .
وقول قتادة أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن عن معمر وكذا فسره السدي.
قوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون}
• المراد من الآية.
اختلف المفسرون في المراد من الآية على أربع أقوال:
القول الأول: أنَّ مَعْناهُ: أعْلَمُ ما في نَفْسِ إبْلِيسَ مِنَ البَغْيِ والمَعْصِيَةِ،وما أضمره من الاستكبار، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ،وابن مسعود ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
القول الثّانِي: أعْلَمُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءٌ وَصالِحُونَ قالَهُ قَتادَةُ. القول الثّالِثُ: أعْلَمُ أنِّي أمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
القول الرّابِعُ: أعْلَمُ عَواقِبَ الأُمُورِ،وما اختص بعلمه من تدبير المصالح، فَأنا أبْتَلِي مَن تَظُنُّونَ أنَّهُ مُطِيعٌ، فَيُؤَدِّيهِ الِابْتِلاءُ إلى المَعْصِيَةِ كِإبْلِيسَ، ومَن تَظُنُّونَ بِهِ المَعْصِيَةَ فَيُطِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قول ابن عباس أخرجه ابن جرير عن أبي روق عن الضحاك ،وعن أبي صالح عن أبن عباس ،وعن أبي نجيح وعلى بن بذيمة وعن سفيان عن مجاهد ،ابن أبي حاتم عن السدي ومجاهد ،والنيسابوري .
قول قتادة أخرجه ابن جرير عن سعيد ،وابن أبي حاتم عن سعيد بن بشير.
قال ابن القيم:ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته يسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض ويعبده مع معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها ومعاداة بني جنسه وغيرهم له فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم.
قال السعدي:لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك.
المراجع:
· تفسير عبد الرزاق .
· تفسيرجامع البيان لابن جرير الطبري.
· تفسيرالقرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي.
· تفسير مجاهد.
· تفسير ابن كثير .
· تفاسير جمع الأقوال : النكت والعيون للماوردي ،زاد المسير لابن الجوزي.
· تفسير ابن عطية.
· تفسير ابن عاشور.
· تفسير ابن القيم.
· تفسير الدر المنثور للسيوطي.
· تفسير أضواء البيان للشنقيطي.
· تفسير السعدي.
· التفاسير اللغوية : الزجاج ،مجاز القرآن لأبوعبيدة ،النحاس،غريب القرآن لابن قتيبه.
· المستدرك للنيسابوري.
· كتاب التفسيرصحيح مسلم.
· كتاب التفسير جامع الترمذي.
· مجمع الزوائد.
· موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 صفر 1440هـ/8-11-2018م, 08:53 PM
هناء محمد علي هناء محمد علي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
المشاركات: 379
افتراضي

بحث المستوى السادس

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث نهاية المستوى السادس
أسلوب التقرير العلمي

في تفسير قوله تعالى :
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[البقرة 260]

( الله ولي الذين آمنوا ) ولأنه وليهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ... ولأنه سبحانه يتولاهم فينزل السكينة في قلوبهم ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) ... ويغمر قلوبهم بالطمأنينة إذا ذكروه ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ليتلقوا البشارة إذا بلغت الروح الحلقوم ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) ؛ وأي نداء أجمل من هذا النداء نداء الطمأنينة ، وتلك البشارة : بشارة الرضا ...
في هذه الآية خليل الرحمن ينشد الطمأنينة فيقول لمولاه ( ولكن ليطمئن قلبي ) ... فيسأله أن يريه إحياء الموتى في سياق تتحدث فيه الآيات عن البعث و الإحياء ؛ لترسخ الأقدام فيها وتطمئن القلوب ، ولتحاجج فيها وترى العلم عيانا ...
تنتقل الآيات إذن إلى خليل الرحمن ،،، الحليم الأواه المنيب ... الذي آتاه الله رشده وآتاه حجته وأراه من ملكوت السموات والأرض وجعله من الموقنين ؛ تأخذنا الآيات في صورتين مع الخليل .. صورة إبراهيم عليه السلام وهو يحاجج من آتاه الله الملك في صفات الإله المعبود رب العالمين ليقول ( إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت )
ثم صورته وهو يطلب من الله عز وجل أن يريه ذلك الأمر عيانا ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) ...
وبين هذا وذاك يجلي الله حقيقة الإحياء بعد الإماتة والبعث بعد الموت ... لصاحب القرية ليعلم أن الله على كل شيء قدير ثم لخليله عليه السلام ليطمئن قلبه بالعيان والمشاهدة بعد العلم والخبر ...

♦ولأن هذه الآية تطرح عددا من الأسئلة حول سؤال إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى ، وسبب هذا السؤال ، ومعنى طمأنينة القلب هنا ... آثرت أن أكتب تفسير الآية كلها بما ترجح من تفسيرها ومعناها ثم أنتقل للإجابة عن الأسئلة التي أثيرت حولها :

🔹والإشكالات التي طرحت حولها :
- هل شك إبراهيم عليه السلام في قدرة الله على إحياء الموتى ؟
- وما معنى قول رسولنا عليه الصلاة والسلام ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) وعلاقته بمعنى الآية ؟

- ما سبب سؤال إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ؟

- ما معنى ليطمئن قلبي ؟ وما هي الطمأنينة التي ارادها الخليل عليه السلام ؟

- لم أجاب الله سؤال الخليل في رؤية إحياء الموتى ولم يجب موسى عليه السلام في قوله ( رب أرني أنظر إليك ) ؟

- الإسرائيليات الواردة في الآية والتعامل معها
1- سبب سؤال إبراهيم عليه السلام رؤية الإحياء
2- الطير التي أمر بتفريقها على الجبال
3- عدد الجبال التي أمر بتفريق الطير عليها

🔹تفسير الآية :
في سياق الآيات التي ترسخ حقيقة البعث بعد الموت والإحياء بعد الإماتة يأتي طلب إبراهيم عليه السلام ...
طلب الرؤية عيانا ...

وهذه الآية تدل على أن رؤية المغيبات عيانا ليس شرطا للإيمان ، بل يتم الإيمان خبرا ويزداد رسوخه استدلالا ويطمئن عيانا ، فإن إبراهيم عليه السلام كان مؤمنا موقنا قبل أن يطلب إحياء الموتى .. ولذلك لما سأله الله مقررا إيمانه ( أولم تؤمن ؟ قال بلى ) آمنت وأيقنت ...

وإنما رؤية المغيبات عيانا منزلة يمن الله بها على من يشاء من عباده كما من على رسولنا الكريم في رحلة المعراج ليريه من آياته الكبرى ..

🔹وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ :
- وإذ : ظرف منصوب
قيل نصب
أ. بإضمار ( واذكر ) كقوله تعالى ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت )
أي واذكر يا محمد قول إبراهيم إذ سأل ربه رؤية كيفية إحياء الموتى ... اذكر ذلك لقومك وللناس واذكره في القرآن
ب. وقيل بالعطف على جملة ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ) أي وألم تر إذ قال إبراهيم ...
و( تر ) أو ( تذكر ) في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى العلم ... ألم تر : أي ألم تعلم ...

قال مكي في الهداية :
“إذ " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ".
وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ}: ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم

وقد أوصى الله نبيه أن يذكر لقومه قصة إبراهيم عليه السلام ، وقص عليه قصة الذي مر على قرية خاوية لأن قومه والذين عاصروا دعوته كانوا أكثر الناس شكا بالبعث بعد الموت ، بل إن أحد أهم أسباب كفرهم هو إنكارهم للبعث بعد الموت .. فجاءت هذه الصور المادية لتبين لهم ذلك بتجارب بشرية مرت فيمن قبلهم ...

🔹 رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ
- رب : حذفت ياؤه للنداء والدعاء تخفيفا وتحببا
قال الشوكاني : آثره على غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء

- أرني : الرؤية هنا هي الرؤية البصرية لا القلبية

- قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب إنما أراد رؤية العين

- وقال الشوكاني : ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة

والأصل في الفعل ( رأى ) البصرية أن تنصب مفعولا واحدا ، لكنها هنا نصبت اثنين لدخول الهمزة ( أرني )
فالمفعول الأول ياء المتكلم ، والثاني جملة ( كيف تحيي الموتى )

- وسؤال الخليل ربه هنا هو سؤال عن كيفية إحياء الموتى لا إمكانها ، ويدل على ذلك السؤال ب( كيف ) الذي يسأل به عن الهيئة والكيفية ، لا ب( هل ) التي يسأل بها عن الإمكان ...
▪والسؤال عن الكيفية هي كما يسأل أحد وقد علم أن محمدا قاض : كيف يحكم محمد بين الناس ؛ فهو سؤال عن كيفية لا عن شك في أن محمدا قاض ...
ولو كان السائل يسأل عن ثبوت ذلك أو عدمه لقال ( أمحمد قاض أو يحكم بين الناس ؟) أو ( هل هو يحكم ؟!)

▪قال ابن منير الإسكندراني في الانتصاف : وسؤاله ( كيف تحيي الموتى ) ليس عن شك والعياذ بالله في قدرة الله على الإحياء ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ..
ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها ، فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه ، ويدل على ذلك السؤال بكيف وموضوعها السؤال عن الحال .

فأراد الخليل أن يريه الله كيف يكون جمع اللحم والعظم وإعادة الحياة إلى الميت بعد بلاه وتفرقه ...

▪فهو إذن سؤال من يعلم يقينا أن الله محيي الموتى ، ويدل على ذلك تعريفه ربه في محاججته النمرود ( قال ربي الذي يحيي ويميت ) فهذا متقرر خبرا ويقينا واستدلالا عند إبراهيم عليه السلام
وهو سؤال من تاقت نفسه لتنتقل من علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن تاقت نفسه لرؤية ما علمته يقينا كما تتوق نفوسنا لرؤية الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام مع إيماننا به ، لكنه الشوق والتطلع إلى الرؤية ، وكذلك رؤية الجنة مع علمنا يقينا بوجودها وإيماننا بها ... وهو فطرة جبلت عليها الطبيعة البشرية ... ومثل ذلك حديث آخر أهل الجنة دخولا الجنة ... إذ كلما أدناه الله من الجنة طلب القرب أكثر والمعاينة أكثر ثم الملابسة ...
وإن لإبراهيم عليه السلام نفسا تواقة دائمة الطلب للترقي ؛ وإن له نفسا تطمح أن تصل في مراقي القرب والطمأنينة وسكون الفكر ما لم يصل غيرها ... وهو دائم النظر والتفكر ودائم الجولان بفكره في حقائق الأشياء ... كما ورد في مواضع عدة من القرآن ... فكان من ذلك هذا السؤال ...

▪وقال القرطبي : قال الجمهور : إنما طلب المعاينة وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به .

♦ولأن السؤال ب( كيف ) قد يراد به مجازا التعجيز كقول شخص لآخر أخبره أنه يستطيع رفع صخرة عظيمة ، فيقول له متحديا لا إيمانا بقدرته( أرني كيف ) ، ورغم أن المعنى الحقيقي ينبغي ألا يتحول عنه إلى مجاز إلا لضرورة ، ورغم أن المعنى مفهوم أن الخليل عليه السلام موقن بالقدرة وإنما أراد المشاهدة والعيان إلا أن الله أراد نفي الاحتمال والشك عنه ، فقال تعالى :

🔹قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ
قالوا : لما كان الله عالما بما في الصدور ، وهو عالم بحقيقة إيمان إبراهيم عليه السلام وبسبب سؤاله فما فائدة الاستفهام ؟
قال العز بن عبد السلام في كتابه ( فوائد في مشكل القرآن ) : لا شك أنه تعالى وتقدس عالم بأنه أعرف الناس إيمانا وأقواهم يقينا ، لكن سأله ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون غرضه من ذلك السؤال .
وغرضه إضافة العيان إلى الإيقان لا الشك والتردد في الإيمان .

- قال أولم تؤمن
والهمزة هنا همزة تقرير لا استفهام
وهي كقول جرير : ألستم خير من ركب المطايا
أي أنتم كذلك
وكذلك هنا أولست قد آمنت أي أنت آمنت وأيقنت أني أحيي الموتى

- قال : بلى : ويكون جواب الخليل واثقا بلا تلكؤ ولا تردد مقرا بإيمانه : بلى قد آمنت يا رب وأيقنت بقدرتك على الإحياء

▪قال القاسمي في تفسيره : بلى آمنت ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي. فإن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين

🔹وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ
ولكني سألتك ذلك لأني أحببت أن يطمئن قلبي بالمشاهدة والعيان بعد أن اطمأن بالخبر والاستدلال
وسألتك شوقا لرؤية ما علمته يقينا فإن نفسي قد تاقت لرؤيته
وليسكن الفكر في قلبي بكيفية الإحياء فأنتقل إلى عين اليقين بعد أن علمت علم اليقين

فإن اليقين مراتب :
أولها علم اليقين ، وهو ما لا يشك فيه من اليقين بالغيبيات كلها التي نعلمها بالخبر اليقين
فإن رأى ما علمه يقينا كان ذلك عين اليقين
فإن عايشه صار حق اليقين وهو أعلاها جميعا

فنحن نعلم أن الله أعد الجنة لعباده المؤمنين ، فهذا علم يقين ، وحين نرى الجنة بإذن الله فذلك عين اليقين كما قال تعالى ( ثم لترونها عين اليقين ) ، فإن دخلناها برحمة من الله وفضل فذلك حق اليقين ... كما قال تعالى في سورة الواقعة بعد ذكره أهل الجنة ينعمون وأهل النار يعذبون ( إن هذا لهو حق اليقين )

وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : يقين خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة
- قال ابن القيم :
يريد بيقين الخبر سكون القلب إلى خبر المخبر وتوثقه به ، ويقين الدلالة أن يقيم له الأدلة على ما أخبر به مع وثوقه بصدقه ،
ويقين المشاهدة وهي الدرجة الثالثة بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم

▪وقال : اليقين ملاك القلب ، وبه كمال الإيمان ، وباليقين عرف الله وبالعقل عقل عن الله .

▪وقال الجنيد : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب

ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وسخط وهم وغم ؛ ومتى وصل القلب إلى اليقين اطمأن وسكن .

▪ والطمأنينة كما قال أبو هلال العسكري : الطمأنينة أصلها الانخفاض ، والمطمئن من الأرض المنخفض ؛ ثم استعمل في السكون

▪و قال ابن القيم : الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ...
وقال : فالطمأنينة موجب السكينة وأثر من آثارها وكأنها نهاية السكينة ، وهي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي ليس أمن غرور .
وسبب صحة هذا الأمن المقوي للسكون شبهه بالعيان بحيث لا يبقى معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام ، بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه .
ثم قال : والاستراحة في منزل الطمأنينة تكون مع زيادة أنس وذلك فوق مجرد الأمن وقدر زائد عليه ..
وكذلك فإن الطمأنينة تكون في العلم والخبر به ، واليقين والظفر بالمعلوم .


فأجاب الله خليله إلى سؤله وأكرمه بأن أراه ما طلبه بل جعل ذلك على يديه ؛ وذلك منة من الله وفضل ، فقال :

🔹قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
حقق الله سؤل خليله فأمره أن يأخذ أربعة من الطير ...
واختيار الطير دونا عن سائر الحيوان كما قال الأنصاري لزيادته عليه بطيرانه فيكون ذلك أبلغ في الرؤية والمشاهدة ..
وقيل لأن الطير أطوع له وأسهل في تقطيعها وتوزيع أجسادها من سائر الحيوان

واختلف في نوع الطير على أقوال كما سيأتي بيانه في مناقشة الروايات ، ومن المعلوم أن ما سكت الله في كتابه ولم يبينه رسوله في سنته من عدد أو نوع أو اسم فليس من معرفته زيادة علم ولا فهم للآية ؛ وليس من جهله نقص في الفهم والعلم ... فكما قال ابن كثير عند ذكره حصول الاختلاف في نوع الطير : والمقصود حاصل على كل تقدير

فأخذ عليه السلام الطير كما أمر ... فصارهن إليه ...
فصرهن إليك :
والفاء للترتيب بلا مهلة و للتعقيب

- صرهن : قرئت : فصُِرهن : بضم الصاد ، وبكسرها ..
- فقرأ حمزة وابو جعفر ورويس وخلف العاشر بالكسر
- والباقون بالضم مع التخفيف في كلتيهما
- ووردت قراءتان لابن عباس ( صَرِّهن )( صُرَّهن )وهما شاذتان

واختلف في معنى ( صرهن ) بالضم وبالكسر على قولين :
1- أنهما لغتان ومعناهما واحد وهو الأرجح
- صرهن : بالضم من صار يصور ، وبالكسر من صار يصير
- فقال اليزيدي : ( صرهن ) بالضم والكسر لغتان والمعنى واحد
واختلف في هذا المعنى للكلمتين فقيل هنا بمعنى :
أ. أملهن واجمعهن واضممهن إليك
ب. أو قطعهن وشققهن وفرق أجزاءهن
والمعنى الثاني هو ما رجحه الطبري وأيده ابن عطية في ترجيحه لسياق الآية ، والحقيقة أن الآية تحتمل المعنيين

2- أن قراءة الضم بمعنى الجمع والإمالة وقراءة الكسر بمعنى القطع

فالمعنى على كلا القولين دائر بين الجمع والإمالة ؛ والتقطيع
- فإن كانت بمعنى أملهن واجمعهن أي فخذ أربعة من الطير فاجمعهن إليك وتفحصهن واعرف أشكالهن ثم ( وهنا قالوا بوجود محذوف تقديره قطعهن ) دل عليه قوله ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) ... أي ثم قطعهن وفرق أجزاءها على الجبال
- وعلى تقدير معنى قطعهن وشققهن ومزقهن فيكون في الآية تقديم وتأخير ، إذ يكون التقدير خذ إليك أربعة من الطير فصرهن أي قطعهن ثم اجعل على كل جبل جزءا منها
[ وسيأتي الخلاف في معنى الكلمة في المناقشة بعد التفسير ليكتمل التفسير بالراجح من المعنى دون تشتيت له ]
فأمر الله الخليل أن يأتي بأربعة طيور ، فيجمعها إليه ويتفحصها ويعرفها ويميزها ثم يقطعها ويمزق ريشها ولحومها ويخلطها ببعضها ثم يقسمه

قال أبو يحيى زكريا الانصاري في ( فتح الرحمن ) :
التقييد بالأربعة في الطير ثم في الأجبل بعده : للجمع بين الطبائع الأربعة في الطير ، وبين مهاب الرياح من الجهات الأربع في الأجبل ( الأجبل أي الجبال )
وقيل غير ذلك ...

🔹ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
كل : لفظ من ألفاظ العموم
وهو يدل على الإحاطة بما أضيف إليه ... وهو يدل على الجمع
فأمر الله نبيه بعد أن ذبح الطير وقطعها وفرق أعضاءها عن بعضها أن يفرق هذه الأجزاء على الجبال ... وكل جبل أي كل جبل تصل إليه ولك إلى وصوله سبيل ...
وكان أمر الله له بذلك ليرى إبراهيم عليه السلام كيفية تجمع الأجزاء المتفرقة في أماكن شتى ، كيف يؤلف الله بعضها إلى بعض ويجمعها بعد تفرقها وتمزقها وتبعثرها فيرجعن كهيأتهن قبل ذبحن وتقطيعهن ...

🔹ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ
ادعهن : أي نادهن
فأمره الله أن ينادي الطير إليه بعد تفرقه فيقول : تعالين إلي بإذن الله
وقيل : هل كان أمر الله له بدعائهن وهن ممزقات لا حياة فيهن ؟ أم كان بعد إحيائهن؟
وإن كانت الأولى فكيف ينادى من لا حياة فيه ، وإن كانت الثانية فما حاجة ندائهن وقد أحيين ؟
قيل : إنما نداؤه لهن وهن ممزقات هو أمر إيجاد وتكوين لا أمر عبادة ، وهو كقوله ( كونوا قردة خاسئين ) فهو لم يأمرهم ليطيعوا ، وإنما هو قوله للشيء كن فيكون
معنى ما أجاب به الطبري ...
وقال الشعرواي رحمه الله أن في هذا إشارة إلى الفرق بين قدرة واجب الوجود سبحانه إذ قدرته مطلقة يهب من شاء من خلقه قدرة على شيء ليس من عادة البشر كما أعطى عيسى عليه السلام القدرة على الشفاء وإحياء الموتى ، وكذلك هنا لإبراهيم عليه السلام إذ أحيا له الطير بندائه ؛ فكله بأمر الله وبإذنه ..
وأما قدرة المخلوق ممكن الوجود لا تتعدى غيره ولا يستطيع أن يهب منها أحدا غيره

- سعيا : أي مشيا مسرعا جادا على أرجلهن ، وذلك أبلغ في رؤية إبراهيم عليه السلام للطير تجتمع بعد تفرق وتحيى بعد بلاها وتأتيه بعد ابتعادها
قال الثعلبي : والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجة وأبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير أو ان أرجلها غير سليمة والله أعلم

قال الخليل : ولا يقال للطير إذا طار : سعى

🔹وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
عزيز لا يغالب ولا يغلبه شيء ولا يمتنع عليه شيء ، وما شاء كان بلا ممانعة ولا مغالبة
حكيم : يجري الأمور بمقاديرها وفق حكمته سبحانه فهو ذو الحكمة البالغة لا يعجزه شيء ولا تحكمه أسباب المخلوقات ...
والحكمة هي وضع الشيء في موضعه
والله حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره فلا يكون شيء خير مما قدره الله أو شرعه لعباده ... سبحانه

أي واعلم يا إبراهيم أن الله الذي أحيا لك الطير بين يديك وجمعها بعد بلاها وتفرقها حتى أعادها إليك كما كانت من قبل عزيز في بطشه إذا بطش بمن خالفه ، حكيم في أمره ..
وخَتْمُ الآية بهذين الاسمين لخير دليل على أن إبراهيم عليه السلام كان موقنا لما سأل الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ، ذلك أن الله ختم الآية التي سبقت هذه الآية والتي تعجب فيها الذي مر على القرية من إمكانية إحيائها بعد موتها ، فقال متعجبا :( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) فلما أراه الله الإحياء عيانا قال تعالى ( فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) وفرق واضح بين التعبيرين والخاتمتين .. فالحديث في قصة صاحب القرية عن القدرة والإمكانية فناسبته تلك الخاتمة
- بينما سؤال الخليل كان حب رؤية ومعاينة شوقا لذلك وطلبا لكمال اليقين والعلم لا عن إمكانية وقدرة لذلك ناسب الختام بالعزة والحكمة ...

وبعد بيان معنى الآية وهي هكذا بظاهر دلالتها .. طلب طمأنينة ورفعة وعلو ... وتجربة فريدة ؛ وإكرام للخليل ...
نأتي الآن لبيان بعض ما بتعلق فيها من أجوه خلاف في المعاني أو إشكالات عرضت للمفسرين فيها ...

الأقوال الخلافية التي وردت في تفسير الآية :
🔹الخلاف في معنى صرهن :
قلنا انها قرئت ( صرهن ) بضم الصاد وفتحها مع التخفيف
- واختلف في هذا المعنى على أقوال :
أ . صرهن : أملهن واجمعهن وضمهن ووجههن إليك
كما يقال : صُر أو صِر وجهك إلي : أي أقبل به علي
قال الخليل : يقال: فلانٌ يصُورُ عُنُقَه الى كذا أي مالَ بعُنُقه ووَجْهِهِ نحوَه، والنعت أصْوَرُ .
وهو قول رواه الطبري عن : عطاء وابن زيد
- فروى عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ( فصرهن ) قال : اضممهن إليك
- وعن ابن زيد قال اجمعهن

▪وأخذ به نحوييو الكوفة كالفراء وابن قتيبة
فقال الفراء أنهما جميعا بمعنى واحد وهو من الإمالة
وقال أن العرب على لغة الضم ، والكسر لغة هذيل وسليم

ب. قطعهن وشققهن ومزقهن .. وهو ما رجحه نحوييو البصرة في هذا الموضع ورجحه الطبري وقال أنه أولى بالصواب هنا لكثرة ما ورد من أقوال تؤيد ذلك
فبينوا أنه سواء قرئ بالكسر أو الضم فالمعنى في هذا الموضع واحد وهو : قطعهن
وهو مروي عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والربيع وعكرمة أن صرهن أي قطعهن .
- روى الطبري عن ابن عباس والضحاك : أنها نبطية
وأنها تعني شققهن ، وعن عكرمة أنها بالنبطية قطعهن

- وروى عن ابن عباس قال : إنما هو مثل قال قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا .. وروى مثله ابن ابي حاتم عن ابن عباس
- كما روى الطبري عن أبي مالك مجاهد والسدي وابن إسحق قالوا : قطعهن
- وروى عن مجاهد قوله : انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا ... وعن قتادة والربيع مثله
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة مثله
وبمعنى القطع قال الأخفش

▪بينما قال الفراء أن معنى التقطيع غير معروف في كلمة ( صرهن من صار يصير أو يصور )
قال الفراء : ( ولم نجد قطعهن معروفة من هذين الوجهين ( صُرهن و صِرهن )
ثم قال :ولكني أرى- والله أعلم- أنها إن كانت من ذلك أنها من صريت تصري
أي أنه جعلها من المقلوب ، فتكون لام فعله مكان عينه
كقول العرب : بات يصري في حوضه أي استقى ثم قطع
واستقى
ورد الطبري هذا القول ( أي أنها من المقلوب ) وضعفه

🔺وبين ابن الأنباري أن كلمة ( صرهن ) من الأضداد وهي بالمعنيين : صرت الشيء إذا جمعته ، وصرته إذا قطعته ومزقته
▪وقد قال الخليل في العين ، واليزيدي وقطرب أنهما بالمعنيين معا

▪و قال الراغب :
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَ
أي: أَمِلْهُنَّ من الصّوْرِ، أي: الميل،
وقيل: قَطِّعْهُنَّ صُورَةً صورة،
وقرئ: صرهن وقيل: ذلك لغتان، يقال: صِرْتُهُ وصُرْتُهُ،

2- وفرق بعضهم فقال :
- بل معنى قراءة الضم من صار يصور إذا مال إلى الشيء
يقال : إني إليكم أصور أي مشتاق مائل
وعليه فصرهن بالضم أي أملهن إليك واجمعهن واضممهن نحوك
- وصرهن بالكسر من صار يصير بمعنى قطعهن
وهو قول أبي عبيدة معمر بن المثنى
قال : فمن قال صرت تصور ضم قال : ضمهن إليك ، ثم اقطعهن
ومن جعل صرت أي قطعت وفرقت

🔺وعلى أي المعنيين حملت فالمعنى في الآية واحد :
1- فمن قال صرهن أي أملهن يكون تقدير الكلام هنا على محذوف : أي خذ أربعة من الطير فاجمعهن وأملهن إليك ثم قطعهن ثم اجعل على كل جبل جزءا
قال ابن قتيبة : “فأضمر "فقطعهن"، واكتفى بقوله: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ) عن قوله: فقطعهن. لأنه يدل عليه. وهذا كما تقول: خذ هذا الثوب، واجعل على كل رمح عندك منه عَلما.

2- وعلى معنى التقطيع يكون في الكلام تقديم وتأخير : أي خذ إليك أربعة من الطير فصرهن أي قطعهن

🔺وأما قراءتا ابن عباس :
1- صَرِّهن من التصرية أي الحبس ( ومنه الغنم المصراة )ذكره الثعلبي
- وروى الطبري عن ابن عباس قال : صرهن : أوثقهن
- وروى ابن أبي حاتم قال : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ قَالَ: صُرْهُنَّ: أَوْثِقْهُنَّ. فَلَمَّا أَوْثَقَهُنَّ، ذَبَحَهُنَّ، ثُمَّ اجعل على كل جبل منهن جزءا.

2- وصُرَّهن من الصر وهو الشد ( ومنه صرة المال ) وتكون بمعنى الجمع والضم والشد

▪ وذكر القرطبي أن من القراءات ( صِرّهن ) أي صيحهن إليك من قولك صرّ الباب أو القلم إذا صوّت وهو منسوب إلى النقاش حيث قال :وقرئ: (فَصُرَّهُنّ) من الصّرِيرِ، أي: الصّوت، ومعناه: صِحْ بهنّ ،
وعقب القرطبي بقول ابن جني أنها قراءة غريبة

وهذا المعنى ذكره الخليل فقال :
“وعُصفورٌ صَوّارٌ: وهو الذي يُجيب الدّاعي. وقوله تعالى: ( فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) أي فشفِّقُهُنَّ اليك، قال: فقال له الرحمن: صرْها فإنّها تأتيك طوعاً عند دعوتك .
قال الراغب في المفردات : وقال بعضهم: صُرْهُنَّ، أي: صِحْ بِهِنَّ

▪وذكر ابن أبي حاتم وجها آخر قال : صرهن أي علمهن ، فعلمهن أن يجبنه إذا دعاهن
قال : عن عمرو بن مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ فَصُرْهُنَّ قَالَ: عَلَّمَهُنَّ، حَتَّى كَانَ إِذَا دَعَاهُنَّ أَتَينَهُ. ثُمَّ شَقَّقَهُنَّ، فَدَعَاهُنَّ، فَأَتَينَهُ كَمَا كُنَّ يَأْتِينَهُ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّقْنَ.”
وهو معنى غريب هنا
والراجح هو ما مر من أنها بمعنى التقطيع وهو الأرجح أو بمعنى الجمع والضم والتقطيع يفهم من سياق الآية

🔹التساؤلات والإشكالات التي أثيرت حول هذه الآية :
ورد على هذه الآية إشكالات وحامت حولها ظنون وتساؤلات وهي :
لماذا سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ؟ هل كان عليه السلام شاكا في ذلك ( حاشاه ) فأراد إزالة الشك ، وهل زوال الشك هي الطمأنينة التي نشدها في قوله ( ليطمئن قلبي )؟
وإن كان عليه السلام لم يسأل شكا فلماذا قال نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام : نحن أحق بالشك من إبراهيم ؟

وسأذكر هنا ما ورد من أقوال في ذلك مع نسبتها لقائليها وتخريجها
ثم أناقش الأقوال بإذن الله :

هل شك إبراهيم عليه السلام في القدرة ؟
وهنا لا بد من معرفة ما الذي أثار هذه الشبهة في هذه الآية ، فإن نبي الله موسى عليه السلام سأل ربه أن ينظر إليه فقال ( قال رب أرني أنظر إليك ) ومع ذلك لم يتطرق أحد إلى تفسير سؤاله ربه رؤيته بالشك - حاشاه عليه السلام - ، فما الذي أثار الهذا التساؤل هنا :

لعل أكبر ما أورد هذه الشبهة هنا أمران :
1- سؤال الله لإبراهيم عليه السلام ( أولم تؤمن ) فمع أن السؤال تقريري ، لكن البعض فهمه بغير ذلك
2- حديث رسول الله في الصحيحين ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )
ولأن تفسير الحديث وإزالة اللبس في معناه يجلي معنى الآية ويوضحها فسيكون البيان لمعنى الحديث ومن خلاله التطرق للإجابة على معنى الآية والإشكالات فيها ...

أولا : الحديث :
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } . رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير ورواه أحمد بذلك في مسنده

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ قَالَ : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } . قَالَ : وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ". رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب زيادة طمأنينة القلب ، وفي كتاب فضائل الأنبياء ، باب فضل إبراهيم عليه السلام
ورواه ابن ماجه بذلك
فالحديث صحيح مروي في الصحيحين ...
ورواية مسلم له في باب فضل نبي الله إبراهيم له دلالاته ... إذ أنه يوحي أن الحديث مدح وفضيلة لإبراهيم بعكس ما أورده البعض من كونه تقرير لشكه ...

▪نأتي الآن لمعنى الحديث : وتفسيره يدور على أمور :
1- المراد بالشك هنا
2- المقصود بقوله عليه السلام ( نحن )
3- معنى التفضيل في ( أحق بالشك )

📌 المراد بالشك هنا :
احتلف شراح الحديث والمفسرون في المراد بالشك هنا
فحمله قوم على ظاهره ، وأوله قوم ...
1⃣ من حمله على ظاهره : وفيه أقوال :
1- الأول : أن الشك هو على معناه من التردد بين أمرين ، وأن هذا الحديث يثبت ورود هذا الشك على إبراهيم عليه السلام إذ شك - معاذ الله - في قدرة الله على البعث والإحياء ؛ ولكن ذلك كان قبل أن يرزق الولد وقبل أن يبعث رسولا نبيا
وهذا القول ذكره ابن حجر في فتح الباري ولم ينسبه وذكره السندي في حاشيته على ابن ماجة ولم ينسبه

وهو قول مردود لما في آيات القرآن من الدلائل التي تشير أنه عليه السلام كان دائما في رعاية الله منذ صباه ، فالفتى هو صغير السن ، وقد كسر أصنام قومه وهو فتى ، قال تعالى ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فإبراهيم عليه السلام كان رافضا لأصنام قومه ودين أبيه آزر وهو فتى ، وكان مؤمنا قبل أن يرزق بالولد ، وآتاه الله رشده ومدحه بيقينه وبأنه تعالى أراه ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين ولقنه الحجة على قومه
قال تعالى في إبراهيم :
- وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام 75]
- وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام 83]
- إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود 75]
- وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء 51]
- وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ [النجم 37]


فلا يستقيم مع كل هذه الدلائل القول بأن حقيقة الشك أي التردد بين الإيمان والكفر والعياذ بالله طرأت طروءا على إبراهيم عليه السلام
قال ابن كثير : ( ليس المراد ههنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف )
وقال ابن عطية : ( وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام ... فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة ... )

كما أن القول بأن الشك هنا بمعنى التردد ينافي عصمة النبوة إذ الشك في الإيمان ينافي عصمة النبوة ورسوخها .

2- الثاني : الشك هنا هو الخواطر والوساوس التي لا تستقر في القلب ولا تزلزل الإيمان ولا تذهب باليقين ولا تغيره ، وإنما هي تمر مرورا على القلب وتذهب ...
وهذا القول روي عن ابن عباس ، وبه أخذ عطاء ورجحه الطبري ورده ابن عطية ورفضه .

واستند الطبري في ذلك إلى :
- رواية ابن زيد في سبب سؤال الخليل الرؤية :
قال : مرّ إبراهيم بحوتٍ نصفه في البرّ، ونصفه في البحر، فما كان منه في البحر فدوابّ البحر تأكله، وما كان منه في البرّ فالسّباع ودوابّ البرّ تأكله، فقال له الخبيث: يا إبراهيم، متى يجمع اللّه هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: يا ربّ أرني كيف تحيي الموتى، قال: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي}.رواه الطبري
فهذه الرواية تبين أن الشيطان ألقى في قلبه من الوساوس مثل ما يلقي في قلوب الناس

- ما روي عن سعيد بن المسيّب، قال: اتّعد عبد اللّه بن عبّاسٍ، وعبد اللّه بن عمرٍو أن يجتمعا، قال: ونحن يومئذٍ شببةٌ، فقال أحدهما لصاحبه: أيّ آيةٍ في كتاب اللّه أرجى لهذه الأمّة؟ فقال عبد اللّه بن عمرٍو {يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم} حتّى ختم الآية، فقال ابن عبّاسٍ: أما إن كنت تقول إنّها، وإنّ أرجى منها لهذه الأمّة قول إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم {ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي}.رواه الطبري

- وعن محمد بن المنكدر عن ابن عباس قال : أرجى آية في القرآن ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ) قال ابن عباس : هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان ، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال بلى . رواه الطبري وابن أبي حاتم وعبد بن حميد

- عن ابن جريجٍ، قال: سألت عطاء بن أبي رباحٍ، عن قوله: {وإذ قال إبراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي} قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب النّاس، فقال: {ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى}، {قال فخذ أربعةً من الطّير} ليريه. رواه الطبري وروى ابن أبي حاتم مثله

▪فالملاحظ من قول ابن عباس : هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان
وقول عطاء : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب النّاس أي من العوارض والوساوس
يرى أنه صريح في إثبات عروض الخواطر على قلب إبراهيم عليه السلام وأنه ليس مما يغير شيئا في الإيمان
- وقد بين ابن حجر أن تفسير الحديث بظاهره لابن عباس له طرق تشد بعضها بعضا ، وأن الشك المثبت هو وسواس عرض وخطر للقلب فأراد دفعه عليه السلام دون أن يعاوده فسأل الله ذلك

و هو كالذي عبر عنه رسول الله لصحابته ( ذلك محض الإيمان )
- روى مسلم و أبو داود و أحمد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِى أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ .‏ قَالَ : «‏ وَ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ »‏ .‏ قَالُوا : نَعَمْ .‏ قَالَ «‏ ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ »‏ ‏
وَ فِي روَايَةٍ أُخْرَى : ( سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَةِ ؟ فَقَالَ : ( تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ )
.‏

- قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك صريح الإيمان , و محض الإيمان ) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان , فإن استعظام هذا و شدة الخوف منه و من النطق به فضلاً عن اعتقاده ؛ إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً ، و انتفت عنه الريبة والشكوك ...
و قيل : معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيِسَ من إغوائه فيُنَكِّدُ عليه بالوسوسة
لعجزه عن إغوائه

▪وقال ابن تيمية في الفتاوى كلاما قيما في توضيح ذلك ، وذلك في تفسيره معنى الظن في قوله تعالى ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) وترجيحه لما فسره ابن عباس بظاهر الآية حيث قال : كانوا بشرا فضعفوا ... وعن ابن مسعود لما سئل عن تفسيرها قال هو الذي تكره
وورود مثل هذا على الرسل واستبطائهم النصر مع الشدة فقال :
وَهَذَا الْبَابُ قَدْ يَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ}
وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي هِيَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ كَمَا ثَبَتَ {فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يُحْرَقَ حَتَّى يَصِيرَ حُمَمَةً أَوْ يَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ: أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ}
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ.}


فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ تَعْرِضُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
- مِنْهَا مَا هُوَ ذَنْبٌ يَضْعُفُ بِهِ الْإِيمَانُ وَإِنْ كَانَ لَا يُزِيلُهُ ، وَالْيَقِينُ فِي الْقَلْبِ لَهُ مَرَاتِبُ .
- وَمِنْهُ مَا هُوَ عَفْوٌ يُعْفَى عَنْ صَاحِبِهِ
- وَمِنْهُ مَا يَكُونُ يَقْتَرِنُ بِهِ صَرِيحُ الْإِيمَانِ.
وَنَظِيرُ هَذَا: مَا فِي الصَّحِيحِ ( ثم أورد حديث ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )
فجعله نظيرا لذلك المعنى من أنه مما يعرض على القلب من الوساوس والخواطر

ثم قال : يَكُونُ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا بِذَلِكَ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ فَلَا يَطْمَئِنُّ فَيَكُونُ فَوَاتُ الِاطْمِئْنَانِ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ كُذِّبَ فَالشَّكُّ مَظِنَّةُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تَقْدَحُ فِي الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي أَفْعَالِهِمْ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
وَفِي قَصَصِ هَذِهِ الْأُمُورِ عِبْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبْتَلَوْا بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَيْأَسُوا إذَا اُبْتُلُوا بِذَلِكَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَكَانَتْ الْعَاقِبَةُ إلَى خَيْرٍ ..
ثم قال : وَإِذَا كَانَ الْاتِسَاءُ بِهِمْ مَشْرُوعًا فِي هَذَا وَفِي هَذَا فَمِنْ الْمَشْرُوعِ التَّوْبَةُ مِنْ الذَّنْبِ وَالثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ ظَنٌّ مِنْ الظُّنُونِ وَطَلَبُ مَزِيدِ الْآيَاتِ لِطُمَأْنِينَةِ الْقُلُوبِ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ للاتساء وَالِاقْتِدَاءِ دُونَ مَا كَانَ الْمَتْبُوعُ مَعْصُومًا مُطْلَقًا.


وهو كلام نفيس للغاية ، بين فيه أن هذه الخواطر هي من طبيعة البشر وهي مما عفي عنه ، ثم هي لا تنافي العصمة ولا تقر في القلب

▪وكما قلنا أن ابن عطية رد ذلك وأول الأثر الوارد عن ابن عباس وعطاء فقال :
- ومحمل قول ابن عباس عندي أنها أرجى آية لما فيها من الإدلال على الله وسؤال الإحياء في الدنيا
او لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث ...
- ومحمل قول عطاء ( دخل إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ) أي من طلب المعاينة .
وهو تاويل بعيد عن ما يفهم من ظاهر اللفظ

▪ونتوقف هنا عند قول ابن عطية ...
فإن كان قصد في تعليقه بأن الإيمان يكفي فيه الإجمال : أن المعاينة ليست شرطا لثبوت الإيمان واستقراره بل يحصل الإيمان ويتحقق اليقين بالخبر اليقيني وخبر الصادق المصدوق ، كما يحصل بالاستدلال ... وليس من حاجة لبحث الكيفيات والهيئات والأحوال ليكتمل الإيمان ... إن كان هذا ما قصده ابن عطية بالبحث والتنقير فلا غبار عليه ...
فالمؤمنون كانوا يوقنون أن الله يخلق الطفل في رحم أمه ويعرفون بالخبر اليقيني مجمل ذلك لكنهم لم يروا أو يعاينوا شيئا .. ونحن اليوم بما علم الله الإنسان ومن عليه بالمعرفة أمكننا رؤية الجنين في بطن أمه منذ أيامه الأولى ورؤية شكله وانتقاله من طور إلى طور ...
ونحن لسنا أكثر يقينا وإيمانا منهم ، لكن الرؤية تزيدنا أنسا بالمعرفة وترسخ الإيمان بما لا يبقي للوسواس سبيلا على النفس ...

- أما إن كان أراد ما يقوله المتكلمون من أن الإيمان قول اللسان ولا عمل أو قولهم أن : أَصْل الْإِيمَانِ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَعليه فالزِّيَادَةُ تُمَكِّنُ مِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ. كما اورد القاسم بن سلام من قولهم ..
فهذا مخالف لما عليه أهل السنة من أن الإيمان قول اللسان وانعقاد القلب على ذلك والعمل بما يترتب عليه
فهو قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ...
ثم هو عنده على ذلك أن الإيمان إما أن يكون كاملا أو غير موجود بالكلية ، لأن الإقرار إما موجود أو غير موجود وعليه يفهم قوله لا يحتاج بحثا ولا تنقيرا أنه بمجرد التصديق والإقرار حصل الإيمان الكامل فلا مزيد عليه ... وهو كذلك مخالف في هذا لقول أهل السنة ولنصوص الآيات التي تدل على زيادة الإيمان ونقصه ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) ولذلك عبر المفسرون عن الطمأنينة قالوا : ليزداد إيماني أو يقيني ...
والله أعلم بما أراد ...

3- الثالث: أن الشك هنا هو لفظ أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنزلة التي بين الإيمان والطمأنينة
فالإيمان ثابت مستقر لم يطرأ عليه شك أو تغير
، وإنما طلب زيادة سكون وطمأنينة ليقر القلب تماما ...
وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في الفتاوى وابن القيم في مدارج السالكين وقاله ابن كثير

- قال ابن تيمية : “وَقَدْ تَرَكَ الْبُخَارِيُّ ذِكْرَ قَوْلِهِ: " بِالشَّكِّ " لَمَّا خَافَ فِيهَا مِنْ تَوَهُّمِ بَعْضِ النَّاسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} وَلَكِنْ طَلَبَ طُمَأْنِينَةَ قَلْبِهِ كَمَا قَالَ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالِاطْمِئْنَانِ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكًّا”
وقال في باب سجود السهو : لَكِنَّ لَفْظَ الشَّكِّ يُرَادُ بِهِ تَارَةً مَا لَيْسَ بِيَقِينِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَلَائِلُ وَشَوَاهِدُ عَلَيْهِ حَتَّى قَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: {نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ} أَنَّهُ جَعَلَ مَا دُونَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ الَّتِي طَلَبَهَا إبْرَاهِيمُ شَكًّا وَإِنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مُوقِنًا لَيْسَ عِنْدَهُ شَكٌّ يَقْدَحُ فِي يَقِينِهِ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ لَهُ رَبُّهُ: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} . فَإِذَا كَانَ قَدْ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا شَكًّا فِي قَوْلِهِ: {نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ} فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَقِينَ عِنْدَهُ؟ فَمَنْ عَمِلَ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ. فَقَدْ عَمِلَ بِعِلْمِ لَمْ يَعْمَلْ بِظَنِّ وَلَا شَكٍّ .


- وقال ابن القيم : طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا ، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشك في قوله ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) وهو لم يشك ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة .

▪ثم قال ابن القيم أن هذا المعنى هو أحد الأقوال في الحديث ، وأن فيه قولا ثانيا على وجه النفي وصححه وهو ما سيذكر في التالي..
فهو كمعنى : هذا الذي ترونه شكا ليس بالشك الذي تعرفون إنما هو طلب زيادة الطمأنينة ، ونحن أشد اشتياقا للمعاينة وتحصيل الطمأنينة بذلك

- والملاحظ أن الذي رجحه الطبري والذي عبر عنه بالشك في القدرة ، ثم استدل له بما أوردنا هو ليس شكا حقيقة كما يتبادر إلى الذهن ؛ أي هو ليس الشك بمعنى التردد بين الأمرين دون ترجيح أحدهما ؛ بل كل ما دلل عليه الطبري ثم أقوال السلف الذين أوردهم في ( ليطمئن قلبي ) وقوله أنه من قال بإثبات الشك قال بازدياد الإيمان أو اليقين ليدل أنه قصد بالشك هنا الخواطر والوساوس التي تعرض للقلب فلا تغير إيمانه ولا تستقر فيه ...

▪وقد فرق ابن حجر بين قول الطبري وقول من أثبت شكا ينافي العصمة فقال عن الحديث :
- فحمله بعضهم على ظاهره وقال ذلك قبل النبوة
- وحمله الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت

- والذي رجحه ابن تيمية وابن القيم في كون الشك هو ما بين الإيمان والطمأنينة مع وجود اليقين يثبتان وجود الشك لكنه ليس بالمفهوم الاصطلاحي للشك

- والقولان يؤكدان رسوخ الإيمان واليقين عند إبراهيم عليه السلام وانتفاء الشك الذي هو تردد في القدرة وشك في الإمكانية الذي يخالف العصمة ويستحيل على مؤمن فكيف بنبي معصوم ...
وأن السؤال هو لنفي الخواطر والوساوس وقطع طريقها ، وتحقيق الطمأنينة والأنس بالمعاينة والمشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين
وسيأتي بعد هذا ما ورد في سبب سؤال الخليل رؤية ذلك .

ولكن لا بد قبل ذلك من بيان لتوضيح عصمة الأنبياء فيم تكون ؛ والحديث فيها يكون في أمرين :
1- العصمة في تبيلغ الدين .. فالنبي في تبليغه لدين ربه وشريعته لا يخطأ في شيء البتة لا كبير ولا قليل ، بل هو معصوم دائماً من الله تعالى .

2- العصمة من الأخطاء البشرية

وأما الأخطاء البشرية فهي :

- إما كبائر وهذه عصم منها الأنبياء تماما


- وإما صغائر وهذه قد تقع من الأنبياء ولكن لا يقرون عليها ويسارعون للتوبة كقول الله عن نبيه آدم عليه السلام ( وعصى آدم ربه فغوى ؛ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى )

- وإما في أمور الدنيا وهذه قد يقع فيها خطأ في الاجتهاد مع تمام العقل ووفرته ولا يناقض عصمة

وإذا كان عارض او وسواس خطر فهو على ذلك ينافي العصمة بل هو مما عفي عنه ، وإن اعتبر ذنبا فالأنبياء لا يقرون على صغار الذنوب ... والله أعلم

▪وقد وضح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القاعدة في ذلك
- فقال في العصمة في التبليغ : فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه ...

- وقال في العصمة من الذنوب : إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ... وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ...
- وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم ( أي الأنبياء ) غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ، ولا يقرون عليها ، ولا يقولون إنها لا تقع بحال ، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً ، وأعظمهم قولاً لذلك : الرافضة ، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل .


▪وعليه فقول رسول الله ( نحن أحق بالشك منه ) يحتمل عدة معان كما سيأتي

2⃣ القول الثاني في الشك هو تأويله :
واعتمد المأولون هنا على أن الحديث نفي للشك الذي هو التردد عن إبراهيم عليه السلام
كما نفوا ورود الخواطر والوساوس التي تعرض للقلب ...

وهؤلاء أولوا معنى قوله عليه السلام ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )
▪واستدلوا بنفيهم الشك على الآية نفسها ، التي ورد أنها سبب قول الحديث : فقد أورد ابن حجر أنه لما نزل قوله تعالى ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) قال جماعة من المسلمين : شك إبراهيم ولم يشك نبينا ، فبلغه ذلك صلى الله عليه وسلم فقال : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ( رب أرني كيف تحيي الموتى )
أي ليس الأمر كما ظننتم بل إن إبراهيم عليه السلام لم يشك ولم يدخل قلبه ريبة أو شك .. بل كان موقنا مؤمنا لكنه أراد طمأنينة القلب وسكينته ... ولو كان الشك متطرقا إليه لكنت أنا أحق به ، وأنا لم أشك فاعلموا أنه هو لم يشك . ( وهذا أحد تفسيرات الحديث كما سيأتي )

وأما ما دلت به الآية على نفي الشك عن الخليل :
أ. أن سؤال الخليل عليه السلام كان عن كيفية لا عن إمكان وقدرة ، فقد قال ( أرني كيف تحيي الموتى )
والسؤال عن الكيفية هو سؤال عن شيء يتحقق في الذهن وجوده ولكن تجهل كيفيته ...

ب. سؤال إبراهيم كان طلب رؤية بصرية .. فكما ورد عن رسول الله ( ليس الخبر كالمعاينة ) فهو عليه السلام تطلعت نفسه للمعاينة وتاقت لها فطلبها
قال أبو المظفر السمعاني :( فالجواب أنه لم يكن شاكا ولكنه إنما آمن بالخبر والاستدلال فأراد أن يعرفه عيانا )

ج. سؤال الله له ( أولم تؤمن ) هو سؤال تقرير لا استفهام ، وهو كقوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك ) أي قد شرحنا لك صدرك
وكذلك قوله تعالى ( أولم تؤمن ) أي قد آمنت بأني أحيي الموتى فلم تريد رؤيته ؟

- ولذلك كان سؤال الله له دفعا لما قد يتوهمه البعض من طروء شك عليه ، فسأله سبحانه ليقرره بإيمانه وليسمعنا جوابه ليدفع ما قد يرد من شبهة على خليله ...
ولذلك قال عليه السلام : بلى ، أي قد آمنت وتيقنت من قدرتك على ذلك ولكن أردت الاطمئنان برؤية العيان
وذلك كما نتشوق نحن لرؤية الجنة ونحن نوقن يقينا لا شك فيه بوجودها على الصفة الواردة في كتاب الله عز وجل ، وإنما آمنا بها بالخبر اليقيني ...
وكذلك عليه السلام كان موقنا يقينا لا شك فيه ، موقنا بالخبر وبالاستدلال على إحياء الموتى ، فتاقت نفسه لتطمئن بكمال العلم بالمشاهدة والعيان .

▪ثم إن أصحاب هذا القول قالوا ، ما دام سؤال الخليل رغبة في الرؤية والمعاينة ولم يكن شكا ، فما الذي هيج هذا الشوق للرؤية في نفسه ؟ ولم طلبها وهو الموقن المطمئن بخبر الله العالم بالأدلة وبما أراه الله من ملكوته قدرته على ذلك ...
فأوردوا في ذلك أسبابا كلها تستند على روايات من أهل الكتاب إذ لم يأت دليل عليها ولا خبر بها ... وهي مما لا يصدق ولا يكذب ، وابتداء هي مما لا يزيد العلم بها فهما للآية ولا ينقص جهلها فهمها ، ولذلك أغفلها كثير من المفسرين عمدا ونبهوا إلى ورودها لأن العبرة فهم الآية ، فكل ما أعان على الفهم حقه أن يذكر ، وما لم يكن كذلك فلا بأس من تركه
وإنما أورده هنا تماما للبحث ولمناقشة التعامل مع الإسرائيليات

🔹وقد ورد في سبب سؤال الخليل ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى أقوال :
1- أنه عليه عليه السلام رأى دابة توزعتها السباع والطير تأكل منها ، فتعجب من حالها وسأل الله أن يريه كيف يحييها بعد تمزقت في بطون السباع والوحش والطير
.. وهو قول قتادة والضحاك وابن جريج وروي عن ابن عباس
🔺 أما ابن عباس :
فروى عنه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك : قَالَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَرَّ بِرَجُلٍ مَيِّتٍ، قَالَ: زَعَمُوا أَنَّهُ حَبَشِيٌّ- عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرَأَى دَوَابَّ الْبَحْرِ تَخْرُجُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ، وَسِبَاعَ الأَرْضِ، تَأْتِيهِ فَتَأْكُلُ مِنْهُ، وَالطَّيْرَ تَقَعُ عَلَيْهِ فَتَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: رَبِّ: هَذِهِ دَوَابُّ الْبَحْرِ تَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ، وَسِبَاعُ الأَرْضِ وَالطَّيْرُ، ثُمَّ تميت هذه فَتَبْلَى، ثُمَّ تُحْيِيهَا بَعْدَ الْبِلَى، فَأَرِنِي كَيْفَ تحي الْمَوْتَى. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، نَحْوَ ذَلِكَ.”

🔺و أما قتادة :
عن قتادة قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } ذكر لنا أن خـلـيـل الله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم أتـى علـى دابة توزّعتها الدوابّ والسبـاع، فقال: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }. رواه الطبري

🔺وأما الضحاك
عن عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } قال: مرّ إبراهيـم علـى دابة ميت قد بلـي وتقسمته الرياح والسبـاع، فقام ينظر، فقال: سبحان الله، كيف يحيـي الله هذا؟ وقد علـم أن الله قادر علـى ذلك، فذلك قوله: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }.
رواه الطبري

🔺 وأما ابن جريج
قال ابن جريج: بلغنـي أن إبرهيـم بـينا هو يسير علـى الطريق، إذا هو بجيفة حمار علـيها السبـاع والطير قد تـمزّعت لـحمها وبقـي عظامها. فلـما ذهبت السبـاع، وطارت الطير علـى الـجبـال والآكام، فوقـف وتعجب ثم قال: ربّ قد علـمت لتـجمعنها من بطون هذه السبـاع والطير {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ } ولكن لـيس الـخبر كالـمعاينة. رواه الطبري

والمتأمل من هذه الأقوال جميعا يرى أنها صدرت من متأمل متفكر مسبح معظم للخالق متطلع متشوق للرؤية والمعاينة ليس إلا

2- أن سؤاله عليه السلام كان بعد مناظرته للنمروذ .. فأحب أن يرى ما ناظر به عيانا ...
روي ذلك عن محمد بن إسحاق :
🔺قال مـحمد بن إسحاق، قال: لـما جرى بـين إبراهيـم وبـين قومه ما جرى مـما قصه الله فـي سورة الأنبـياء، قال نـمروذ فـيـما يذكرون لإبراهيـم: أرأيت إلٰهك هذا الذي تعبد وتدعو إلـى عبـادته وتذكر من قدرته التـي تعظمه بها علـى غيره ما هو؟ قال له إبراهيـم: ربـي الذي يحيـي ويـميت. قال نـمروذ: أنا أحيـي وأميت. فقال له إبراهيـم: كيف تـحيـي وتـميت؟ ثم ذكر ما قصّ الله من مـحاجته إياه. قال: فقال إبراهيـم عند ذلك: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } من غير شكّ فـي الله تعالـى ذكره ولا فـي قدرته، ولكنه أحبّ أن يعلـم ذلك وتاق إلـيه قلبه، فقال: لـيطمئنّ قلبـي، أي ما تاق إلـيه إذا هو علـمه. رواه الطبري
وقال الطبري وهو قريب من الأول فهو شوق للرؤية ورغبة فيها

- وقيل لما قال عليه السلام : ربي الذي يحيي ويميت قال له : هل عاينت ذلك ؟ فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى ، ثم طلب من ربه أن يعاين حتى يقول نعم عاينت إن سئل ثانية ... ذكره ابن كثير
- وهو ضعيف جدا ، فإن انتقاله عليه السلام إلى حجة أخرى لم يكن ضعفا منه عليه السلام وعدم قدرة على الإجابة بل هو أحد اثنين :
أ- إما انتقال لحجة أخرى لعلمه بأن النمروذ لا فائدة من نقاشه في الإحياء والإماتة
وهو ما ذهب إليه العز بن عبد السلام إذ قال :
إن الذي ذكره نمرود هذيان لا يستحق الجواب ، لأن إبراهيم أثبت أن لله خلق الحياة والموت وهذا لا يقدر عليه إنسان ، فذكر نمرود أمرا يقدر عليه كل من في دولته فينبغي أن يكونوا كلهم آلهة .
وشأن العقلاء أنهم لا يجيبون عن الهذيان لأن ذلك مشاركة فيه . ( فوائد في مشكل القرآن )

ب- وإما هو إلزام له بحجته ، أي إن كان لك من خصائص الربوبية قدرة على إحياء الموتى كما تدعي فأت بالشمس من المغرب ...
وهو ما أخذ به ابن القيم فقال : وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار ، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة .
وهذا أقوى في الحجة وأنسب لمقام البهتان الذي بهته عدو الله ..

ثم إن الله امتدح إبراهيم عليه السلام بأنه آتاه رشده ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين )
وأنه آتاه الحجة على قومه ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء )
وليس بعد كلام الله كلام ، فمن آتاه الله الحجة لا يقطعه ...

3 - وقيل أن سؤاله عليه السلام كان ليري قومه أن ذلك كائن ؛ كما يطلب أقوام الأنبياء مشاهدات مادية محسوسة ليؤمنوا ، فسأل الله أن يري قومه تلك الكيفية
وهو توجه لا تعين عليه الآية ،... فسؤاله عليه السلام كان لنفسه ، وتعليله بقوله ولكن ليطمئن قلبي يدل على أن الأمر خاص به لا بقومه
- وقد روى ذلك ابن أبي حاتم عن الحسن : عن عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أرني كيف تحي الموتى قَالَ: سَأَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ، أَنْ يريه كيف يحي الْمَوْتَى، وَذَلِكَ مِمَّا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الأَذَى، فَدَعَا رَبَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ، مِمَّا لَقِيَ مِنْهُمْ مِنَ الأَذَى، فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحي الْمَوْتَى”

- وقال البيهقي عَنِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} قَالَ: أَيْ لِيُرَى مَنْ أَدْعُوهُ إِلَيْكَ مَنْزِلَتِي وَمَكَانِي مِنْكَ فَيُجِيبُونِي إِلَى طَاعَتِكَ ”

4 - وقيل أن سؤاله ذلك كان لما بشر بالخلة ، فكان سؤاله ليطمئن بالخلة ويعلم أن الله يجيب دعاءه إذا دعاه
فقد روي عن ابن جبير أنه قد جعل له علامة ذلك له أن يريه كيفية إحياء الموتى ويجيب دعاءه ، فأراد تحقق العلامة ليطمئن قلبه بالخلة .. وهو قول السدي وابن جبير
كما روي عن إبراهيم المزني وابن المبارك
🔺 أما السدي :
فروى عنه الطبري وابن أبي حاتم أثرا طويلا في ذلك :
عن السدي، قال: لـما اتـخذ الله إبراهيـم خـلـيلاً سأل ملك الـموت ربه أن يأذن له أن يبشر إبراهيـم بذلك، فأذن له، فأتـى إبراهيـم ولـيس فـي البـيت فدخـل داره، وكان إبراهيـم أغير الناس، إن خرج أغلق البـاب؛ فلـما جاء وجد فـي داره رجلاً، فثار إلـيه لـيأخذه، قال: من أذن لك أن تدخـل داري؟ قال ملك الـموت: أذن لـي ربّ هذه الدار، قال إبراهيـم: صدقتٰ وعرف أنه ملك الـموت، قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الـموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتـخذك خـلـيلاً. فحمد الله
وقال: يا ملك الـموت أرنـي الصورة التـي تقبض فـيها أنفـاس الكفـار. قال: يا إبراهيـم لا تطيق ذلك. قال: بلـى. قال: فأعرِض فأعرض إبراهيـم ثم نظر إلـيه، فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فـيه لهب النار، لـيس من شعرة فـي جسده إلا فـي صورة رجل أسود يخرج من فـيه ومسامعه لهب النار. فغشي علـى إبراهيـم، ثم أفـاق وقد تـحوّل ملك الـموت فـي الصورة الأولـى، فقال: يا ملك الـموت لو لـم يـلق الكافر عند الـموت من البلاء والـحزن إلا صورتك لكفـاه، فأرنـي كيف تقبض أنفـاس الـمؤمنـينٰ قال: فأعرِض فأعرض إبراهيـم ثم التفت، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً وأطيبه ريحاً، فـي ثـياب بـيض، فقال: يا ملك الـموت لو لـم يكن للـمؤمن عند ربه من قرّة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفـيه. فـانطلق ملك الـموت، وقام إبراهيـم يدعو ربه يقول: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } حتـى أعلـم أنـي خـلـيـلك {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } بأنـي خـلـيـلك، يقول تصدق، {قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بخـلولتك.


🔺 وأما ابن جبير:
فرواه الطبري عن عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير: {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } قال: بـالـخُـلة.

- قال سعيد بن جبير : لما بشر عليه السلام بالخلة قال ما علامة ذلك ؟ قال أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك . فسأل هذا السؤال

- ورواه عنه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري :
“عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بلى يعني: أو لم تُؤْمِنْ أَنِّي خَلِيلُكَ.

🔺وأما ابن المبارك
فروى البيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} قَالَ: بِالْخِلَّةِ، يَقُولُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا”

وأما الاطمئنان إلى إجابة الدعاء :
🔺وأما المزني :
فقد روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ، وَذَكَرَ عِنْدَهُ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» فَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَمْ يَشُكِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا شَكا أَنْ يُجِيبَهُمَا إِلَى مَا سَأَلَا .

5- وقيل أن سؤاله كان فقط شوقا للمعاينة بعد الإيمان والاستيقان ...
وسؤال الخليل عليه السلام ما اشتاقت له نفسه يشبه سؤال كليم الله موسى عليه السلام أن يرى ربه ، فموسى عليه السلام كان يكلم الله ويؤمن يقينا لا خاطر فيه ، لكنه تاقت نفسه لرؤية مولاه فسأل الله ذلك ...

▪وهنا قالوا :
- لم أجاب الله سؤال الخليل في رؤية إحياء الموتى ولم يجب موسى عليه السلام في قوله ( رب أرني أنظر إليك ) ؟
وأجاب الأنصاري عن ذلك :
أ. بأن ما طلبه موسى عليه السلام لا يبقي تكليفا بعده ، ذلك أن الله وعد المؤمنين برؤيته يوم القيامة ، ولم يأذن لبشر برؤيته في الحياة الدنيا لأنه ينقطع بالرؤية التكليف

- أما سؤال إبراهيم عليه السلام فليس فيه ذلك ، والتكليف يبقى معه ، بل إن إحياء الموتى حصل مشاهدة وعيانا لأقوام وأناس غير الخليل
فكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى بإذن الله
( وأحيي الموتى بإذن الله ) ، وكذلك لبني إسرائيل في قصة البقرة ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ) ، وكذلك للذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ( فأماته الله مئة عام ثم بعثه ) ..

ب. وقالوا لاختلاف الأحوال والمقام فناسب إجابة الخليل لسؤله ولم يناسب إجابة الكليم
والأول أظهر

وذكر ابن حجر أسبابا أخرى لسؤال الخليل منها قوله :
- أن سؤاله كان لأنه أراد أن يجري الله الإحياء على يديه فأراد أن يقول رب أقدرني على إحياء الموتى لكنه تأدب في السؤال
وهو قول لا تعين عليه الآية وألفاظها

- وقال بعض المتصوفة أن السؤال كان عن القلوب : أي أرني كيف تحيي القلوب ، وهو مردود بما بعده ، وبظاهر لفظ الآية إذ لا يصح حملها على المجاز والمعنى الحقيقي صحيح لا يحتاج تاويلا ولا مجازا لفهمه

🔺وبناء على ما سبق من أسباب ومعان فما معنى قوله عليه السلام ( نحن أحق بالشك من إبراهيم) ؟
▪قيل معناه :
أ. إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى ألا يشك ، إذ لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أولى بذلك منهم
وقد علمتم أني لا أشك فإبراهيم أولى ألا يشك
... وهو ما رجحه ابن حجر في فتح الباري والنووي في شرح مسلم من قول إبراهيم المزني وقاله السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه كما ذكره البيهقي ورجحه جمهور المفسرين

وهو منه عليه السلام على جهة التواضع وهضم النفس وإلا فهو خير الأنبياء والرسل ... ،وقيل أن ذلك قبل أن يعلمه الله أنه خير المرسلين ...
قال البيهقي : وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَذْهَبُ هَذَا الْحَدِيثِ التَّوَاضُعُ وَالْهَضْمُ مِنَ النَّفْسِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» ، اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ فِيهِ نَفْيُ الشَّكِّ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَقُولُ: إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا وَلَمْ أَرْتَبْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ فِيهِ وَلَا يَرْتَابَ

ب. وقيل هو على ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن أحد شيئا يقول : مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي ، ومقصوده لا تقل ذلك ... ذكره ابن حجر ؛ وهو مما رجحه النووي

ج. وقيل أن ( أحق ) وهي على وزن أفعل قد يراد بها ليس التفضيل وإنما نفي الشيء وهو هنا الشك عن الاثنين ..
فهو كقول القائل : الشيطان خير من فلان ، أي لا خير فيهما ...
وكذلك ( نحن أحق بالشك) : أي لا شك عندنا جميعا

د. وقيل بل قوله عليه السلام ( نحن ) لا يقصد به نفسه بل :
- قد يكون المقصود به أمته ، وهو مخرج من ذلك بدلالة العصمة ... فنحن أي أمته هم الذين يجوز علينا الشك
ذكره ابن حجر
-قد يكون قصده سائر الأنبياء ، أي لو كان الشك يتطرق إلى أحد من الأنبياء لكانوا أولى به من إبراهيم لما اراه الله من ملكوت السموات والأرض وآتاه رشده واتخذه خليلا فهذا لا يدع مجالا لأن يتطرق له شك

هـ. وقيل معناه هذا الذي ترونه شكا ليس بشك وإنما هو زيادة طمأنينة وطلب عيان ومشاهدة ونحن أحق بذلك من إبراهيم ...
▪قال ابن الجوزي : إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث ، فكأن معناه أنا أحق أن أسأل ذلك لعظيم ما جرى لي من قومي ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولكني لا أسأل ..

و. وقيل نحن أشد اشتياقا إلى الرؤية والمعاينة من إبراهيم
قال الخطابي : وَفِيهِ الْإِعْلَامُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ تُعْرَضْ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، لَكِنْ مِنْ قِبَلِ طَلَبِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَاسْتِفَادَةِ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ، وَالنَّفْسُ تَجِدُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ بِعِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ مَا لَا تَجِدْهُ بِعِلْمِ الْأَنِيَّةِ، وَالْعِلْمُ فِي الْوَجْهَيْنِ حَاصِلٌ، وَالشَّكُّ مَرْفُوعٌ..

▪فنرى بذلك أن المفسرين المعتبرين للحديث ، من أثبت الشك لم يجعله على معناه الاصطلاحي من الترددوالريبة ، وإنما جعله الشوق إلى الكمال وزيادة الاطمئنان بالعيان لزيادة الإيمان ، أو خاطرا يخطر للقلب لا يستقر فيه ولا يثبت ولا يزحزح إيمانا ولا يزعزع يقينا
ومن نفاه فعلى معنى النفي لما يعرف من معنى الشك والتردد ..

- واعتبر النووي أن أصح القولين في تفسير الحديث هو القول الاول بنفي الشك مطلقا عن إبراهيم عليه السلام
والقول الخامس بتأويل الشك أنه طلب الطمأنينة والمشاهدة
وأعرض عن ذكر ما سواهما

وبعد ما تبين معنى الحديث وعلاقته بالآية يبقى بيان مراد إبراهيم عليه السلام بالطمأنينة التي نشدها ، وهو مرتبط بما ورد من أسباب سؤاله الرؤية :

🔹ما معنى ليطمئن قلبي ؟ وما هي الطمأنينة التي ارادها الخليل عليه السلام ؟
وعلى الخلاف بين المفسرين في معنى سؤال الخليل وسببه
▪اختلفوا في المراد بالطمأنينة في ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) على أقوال :
1- من أثبت ورود الشك والخواطر على إبراهيم نوعان :
أ. نوع أثبت له الشك بالقدرة ( والعياذ بالله ) ، وهذا أول سؤاله بأنه كان قبل بعثه نبيا ، وقيل قبل أن يريه الله ملكوت السموات والأرض
وعند هؤلاء فالاطمئنان هو زوال الشك وهدوء الفكر لحصول الاستيقان
وهذا القول مردود لرد جزئه الأول
إذ لم يثبت أحد من المفسرين المعتبرين شك إبراهيم عليه السلام في القدرة ، فالشك الذي هو التردد منفي بالعصمة

ب. والثاني أثبت ورود الخواطر والوساوس التي تعرض للناس والتي سماها رسول الله محض الإيمان وقال : الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة
ومن قال بإثبات الوساوس قال بأن الطمأنينة هنا زيادة الإيمان ،

وهذا المعنى هو قول : سعيد بن جبير ، والضحاك ، وقتادة والربيع ، والحسن وهو الذي رجحه الطبري واستدل له
🔺 أما ابن جبير
فرواه عنه ابن أبي حاتم والطبري :
- روى الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما من طريق سفيان عن قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قلبي قال: ليوفق ... واللفظ للطبري ، ولفظ ابن أبي حاتم : ليوقن

- وروى الطبري عن ابن جبير قوله : ليزداد يقيني ، وفي لفظ ليزداد يقينا

- وعن ابن أبي حاتم عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ لِيَزْدَادَ إِيمَانًا

🔺وأما الحسن
فرواه عنه ابن أبي حاتم : عن عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَيْ: لِيَعْرِفَ قَلْبِي وَيَسْتَيقِنَ.”

🔺وأما الضحاك :
فرواه عنه الطبري عن جويبر عنه قال : ليزداد يقينا

🔺وقتادة :
فروى عنه الصنعاني عن معمر عنه قوله : لأزداد يقينا
وعن الطبري مثله

🔺والربيع :
روى ابن جرير عنه من طريق أبي جعفر عن أبيه عنه قال : أراد إبراهيم أن يزداد يقينا

🔺مجاهد وإبراهيم :
وكذلك روى ابن منصور الخراساني و الطبري عن مجاهد وإبراهيم من طريق ليث بن سليم قولهما : لأزداد إيمانا مع إيماني

وقال النووي في شرح مسلم : سأل زيادة اليقين وإن لم يكن الأول شكا ؛ فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين فإن بين العلمين تفاوتا

▪وقال سهل التستري : سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا

▪وقال الخطابي : وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ حِسًّا وَعَيَانًا، لِأَنَّهُ فَوْقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَالْمُسْتَدِلُّ لَا يَزُولُ عَنْهُ الْوَسْوَاسُ وَالْخَوَاطِرُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»


▪قال ابو هلال العسكري : الطمأنينة السكون وزوال الوسوسة ، لأنه إن شاهد إحياء الموتى لم يكن للشيطان عليه سبيل

وقد رد السندي في حاشيته على ابن ماجه هذا القول فقال : ومن قال أراد زيادة الإيقان ونحوه فقد بعد ؛ إذ معلوم أن مرتبة إبراهيم فوق مرتبة من قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا .. والله أعلم

▪بينما ذهب صاحب كتاب إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم في كتاب الإيمان أن هذه الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ، وأنه لا غبار في طلب زيادة الإيمان
وأنها دليل علي مراتب اليقين التي هي علم اليقين بالخبر الصادق أو الدليل القاطع ، وعين اليقين بالمشاهدة ، وحق اليقين بالذوق والملابسة

🔸 وقد بين ابن تيمية كما أوردنا أن الأنبياء قد يعرض لهم شيء من الخواطر لكن لا يقرون عليها ، وهي مما لا يقدح في الإيمان الواجب ولا ينافي العصمة ..
.


2- ومن قال أن سؤاله كان شوقا وتوقا للمعاينة بعد الخبر والاستدلال للارتقاء من علم اليقين إلى عين اليقين قال أن ليطمئن قلبي بالمشاهدة والعيان بعد الخبر والاستدلال فيسكن عن الفكر في الكيفية ، إذ ليس الخبر كالمعاينة
روي عن ابن قتيبة والضحاك
🔺قال ابن قتيبة في غريب مفردات القرآن :
“قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بالنظر. كأن قلبه كان معلَّقا بأن يرى ذلك . فإذا رآه اطمأن وسكن، وذهبت عنه محبة الرؤية.”

🔺وأما الضحاك
قال ابن أبي حاتم عَنِ الضَّحَّاكِ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ: لَتَرَى عَيْنِي.

🔺قال العسقلاني في فتح الباري :
- ليطمئن قلبي أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب ، لأن تظاهر الادلة أسكن للقلوب ؛ كأنه قال أنا مصدق ولكن للعيان لطيف معنى .
- وقال عياض : لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الاول بوقوعه ، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته .


🔸والمتأمل في هذا القول يراه الأقرب إلى ظاهر معنى الآية ، ويناسب معنى الحديث ، ويرجح ما قاله ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من أن الطمأنينة التي طلبها الخليل فوق الإيمان .. وهي بأن يتحقق للقلب توقه لرؤية ما علمه وتيقنه ، وهو فضل الله فضل به بعض أنبيائه على بعض
ففضل نبينا عليه السلام برؤية الآيات في رحلة الإسراء والمعراج
وشرف عيسى عليه السلام بالإحياء للموتى بيديه
وكلم موسى عليه السلام
وهذه كلها زيادة على الإيمان واليقين ، تسعد بها النفس وتتطمئن بها وتأنس بزيادة القرب ..

3 - من قال أن سؤال كان بسبب بشارته بالخلة قال ليطمئن قلبي بالخلة وهو قول السدي الذي ورد في الأثر الطويل عن زيارة ملك الموت ، و سعيد بن جبير
رواه عنه ابن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات
- روى ابن منصور و ابن جرير و ابن أبي حاتم بسنديهما : عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ: بِالْخُلَّةِ.

- وروى البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن المبارك قوله بذلك :
“عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] قَالَ: بِالْخِلَّةِ، يَقُولُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا”

وهو قول لا يسلم به .. ذلك لعدم وجود الدليل عليه ؛ ولكن يمكن حمل ذلك على أنه طلب آية كما طلب زكريا عليه السلام آية عندما جاءته البشارة بالولد فقال ( قال رب اجعل لي آية ) فيزداد بالعلامة اطمئنانا وأنسا

4 - ومن قال أن ذلك كان ليعلم إن كان يستجاب لدعائه كان قوله ليطمئن قلبي أي ليعلم أنه مجاب الدعوة قال ليطمئن قلبي أنك تجيب دعوتي وتعطيني سؤلي إذا سألت
وهو مروي عن ابن عباس والكلبي
وورد عن ابن جبير كما مر إذ جعل إجابة الدعاء من علامات الخلة
🔺أما ابن عباس فرواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات :
- روى ابن جرير وابن أبي حاتم كلاهما من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال : ليطمئن قلبي : أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك ..

- وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي زرعة عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يَقُولُ: لأَرَى مِنْ آيَاتِكَ وَأَعْلَمَ أَنَّكَ قَدْ أَجَبْتَنِي- فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ) فَصَنَعَ مَا صَنَعَ.”
وروى مثله من طريق علي ابن أبي طلحة

🔺وأما الكلبي :
فرواه عنه عبد الرزاق عن معمر عنه قال : ليطمئن قلبي أن قد استجبت لي .

5- ومن قال أنه طلب ذلك لقومه ليحاججهم :
قال ليطمئن قلبي برؤيتهم إحياء الموتى وهو مروي عن عكرمة وابن المبارك
🔺أما عكرمة
فقد قال ابن أبي حاتم عَنْ عِكْرَمَةَ، فِي : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قلبي قال: لكي يعلموا انك تحي الْمَوْتَى.”

🔺وأما ابن المبارك
فقد روى البيهقي عن الخطابي عنه فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] قَالَ: أَيْ لِيُرَى مَنْ أَدْعُوهُ إِلَيْكَ مَنْزِلَتِي وَمَكَانِي مِنْكَ فَيُجِيبُونِي إِلَى طَاعَتِكَ ”

وهو كما قلنا يخالف ظاهر أن طلبه كان لنفسه ليطمئن قلبه ، وتقرير الله له ( أولم تؤمن ) دليل ان طلبه كان لنفسه لا ليقيم الحجة على أحد

الإسرائيليات الواردة في الآية والتعامل معها
▪قال عبد الحكيم أبو صندل في تحفة المفسر أو نظم المقدمة في أصول التفسير لابن تيمية :
أخبارهم تروى للاستشهاد ... لا تروها أخي للاعتقاد
أقســـامها ثـلاثــة فـالأول ... جلت لنـا صـحته الدلائل
والثانِ خالف الذي نعرفُهُ ... فكان كــذْبةً ؛ وبـان زيــفه
والثالث المسكوت عنه فأتى بينهما فلا تصدق يا فتى
ولا تكـذبْ صاحب الرواية ... وغــالبا تأتـي بلا فـــائدة
لذا ترى أهل الكتاب اختلفوا... فيــه ؛ وقـَلّ أن يتـــفقوا
فكان للمفسرين سببا ....في الخلْف ثم لم يُقَـضّ أرَبــا
كذكرهم أسماء أهل الكهف ...ولون كلبهم وليس يشفي
كذا عصا موسى من أي شجر وغير ذا من مبهمٍ في الخبر
وجاز نقل خلفهم لا مأثما ... ذا أدب من الكتــاب فاعلــما


1- سبب سؤال إبراهيم عليه السلام رؤية الإحياء
سبق ذكر ما ورد من آثار في سبب سؤال إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، والمتأمل في الآثار التي وردت والتي صرح محمد بن إسحق فيما رواه منها أنها عن أهل الكتاب يرى أنها من الإسرائيليات

وكما نعلم فالإسرائيليات ثلاثة أصناف :
- إما أثر يصدقه دليل من كتاب أو سنة فهذا نصدقه
- أو اثر يعارض نصا من كتاب أو سنة فهذا نكذبه ونرفضه
- او أثر لا يعارض نصا ولا نص يصدقه ، فهذا يتوقف فيه
، ولا يحكم عليه بصدق أو كذب ، وقد يستأنس به
وقد يكون أحد هذه الأقوال هو الحق ، وقد يكون الخليل سأل بلا سبب

وغالب هذه الآثار هي مما لا فائدة من معرفته ولا منقصة ولا مذمة في جهله فسواء علمنا أن الخليل سأل رؤية إحياء الموتى شوقا أو علامة للخلة او محاجة لنمرود فليس في معرفة ذلك زيادة في فهم الآية ..
وإنما نرفض من الآثار ما أقر عليه بالشك الذي هو شك في القدرة على الإحياء ، إذ هو منتف عنه عليه السلام بدلالة العصمة وبلالة ما ورد من آيات كما مر ...
وأما أثر ابن زيد الذي يثبت وسوسة إبليس للخليل فكما مر فإنه إن فهم على الخواطر التي تعرض للنفس وتزول ولا تستقر في القلب ولا تزلزل إيمانا ... وإنما هو عارض من الشيطان ... فأراد عليه السلام ألا يعاوده الخاطر فطلب ما طلب ... فإنه قد يقبل
ومع ذلك فقد رد البعض هذا الأثر لرفضه القول بالوسوسة للأنبياء لقوله تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) .. وإن كان هذا للعباد المؤمنين عامة فكيف بالنبي المعصوم فهو أولى ألا يكون له عليه سلطان في كبير ولا صغير .. وإن كان ما ورد من قول ابن عباس وعطاء ، وكذلك ما فسر به ابن تيمية في ذلك يؤكد أن الوسواس والخاطر ليس مما يقدح من النبوة أو الإيمان وإنما هو ضعف بشري ... ومع ذلك فالنفس أميل لغير هذا القول

والقول بأنه أراد ذلك لمحاجة النمرود أو لقومه كذلك لا دليل عليه والله أخبرنا سبب سؤاله ( ولكن ليطمئن قلبي ) أي يسكن ويأنس باجتماع مشاهدة العيان إلى الاستدلال وهذا المعنى إلى مقام النبوة أليق وأكمل من غيره

وجمع الثعلبي بينها فقال : ليسكن قلبي بزيادة اليقين والحجة وحقيقة الخلة وإجابة الدعوة
وهو جمع حسن والله أعلم


2- الطير التي أمر بتفريقها على الجبال ( فخذ أربعة من الطير )
وردت أقوال في نوع الطير التي أمر بتفريقها على الجبال فقيل :
أ. هي حمامة وديك وطاووس وغراب
وهذه الأربعة لما فيها من طبائع الطير المختلفة
روي ذلك عن مجاهد وعكرمة وابن جريج وابن زيد وابن إسحق
🔺أما مجاهد :
فرواه عنه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عنه قال: الأربعة من الطير: الديك، والطاووس، والغراب، والـحمام. واللفظ للطبري
وذكر ابن أبي حاتم انه روي عن عكرمة مثله

🔺وأما ابن جريج :
فروى عنه الطبري : عن الـحسين، قال: ثنـي حجاج: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } قال ابن جريج: زعموا أنه ديك، وغراب، وطاووس، وحمامة.

🔺وأما ابن زيد :
فروى عنه الطبري عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } قال: فأخذ طاوساً، وحماماً، وغرابـاً، وديكاً؛ مخالفة أجناسها وألوانها.

🔺وأما ابن إسحق
فرواه عنه ابن جرير قال : عن مـحمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلـم: أن أهل الكتاب الأول يذكرون أنه أخذ طاوساً، وديكاً، وغرابـاً، وحماماً.
ولم يذكر الطبري في تسميتها غير هذا القول

وجعل بعضهم مكان الحمام البط .. ذكره ابن الجوزي عن مجاهد
وجعل مقاتل البط مكان الطاووس كما ذكر ابن الجوزي
ولم أجد نص قولهما فيما بحثت فيه

ب. وقيل هي : وز ورال ( فرخ النعام ) وديك وطاووس
وهو مروي عن ابن عباس
- قال ابن أبي حاتم : عن الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قَالَ: وَالطَّيْرُ الَّذِي أَخَذَ:
وَزٌّ وَرَالٌ وَدِيكٌ وطاوس. قَالَ: أَخَذَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، مِنَ الطَّيْرِ وَاحِدًا.”

ج. وقيل : الغرنوق والطاووس والديك والحمامة
وقد روي عن ابن عباس
- قال ابن أبي حاتم :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ قال: الغرنوق والطاوس، وَالِدِّيكُ، وَالْحَمَامَةُ.
وَالْغُرْنَوقُ: الْكَرْكِي .

د. فقيل الشعانين : ذكره الماوردي وابن الجوزي عن ابن عباس
وقيل غير ذلك

3- عدد الجبال التي أمر بتفريق الطير عليها
أمر الله نبيه إبراهيم بتقطيع الطير وتفريقها على الجبال وقال له ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا )
فاختلفوا في دلالة كل جبل على أقوال :
أ. قالوا هي أربعة جبال أمر بتفريق الطير الأربعة عليها
وهو قول مروي عن ابن عباس وقتادة والربيع ومحمد بن إسحق وابن زيد

🔺أما ابن عباس :
فروى ابن أبي حاتم : عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا قَالَ: فَأَخَذَ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ثُمَّ أَتَى أَرْبَعَةَ أَجْبُلٍ، فَجَعَلَ على كل جبل نصفين مُخْتَلِفَيْنِ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا يَعْنِي هَذَا: ثُمَّ تَنَحَّى ورؤسها تَحْتَ قَدَمِهِ.”

🔺وأما قتادة :
فروى الطبري عن سعيد عن قتادة: قال: أمر نبـيّ الله أن يأخذ أربعة من الطير فـيذبحهن، ثم يخـلط بـين لـحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن علـى أربعة أجبل، فذكر لنا أنه شكل علـى أجنـحتهن، وأمسك برؤوسهن بـيده، فجعل العظم يذهب إلـى العظم، والريشة إلـى الريشة، والبَضعة إلـى البضعة، وذلك بعين خـلـيـل الله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم. ثم دعاهن فأتـينه سعياً علـى أرجلهن، ويـلقـي كل طير برأسه. وهذا مثل آتاه الله إبراهيـم. يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القـيامة من أربـاع الأرض ونواحيها.

🔺وأما الربيع :
فروى عنه الطبري قال: ذبحهن، ثم قطعهن، ثم خـلط بـين لـحومهن وريشهن، ثم قسمهن علـى أربعة أجزاء، فجعل علـى كل جبل منهن جزءاً، فجعل العظم يذهب إلـى العظم، والريشة إلـى الريشة، والبضعة إلـى البضعة، وذلك بعين خـلـيـل الله إبراهيـم، ثم دعاهن فأتـينه سعياً، يقول: شدّاً علـى أرجلهن. وهذا مثل أراه الله إبراهيـم، يقول: كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القـيامة من أربـاع الأرض ونواحيها.

🔺وأما ابن إسحق :
فروى عنه الطبري قال : قال ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم: أن أهل الكتاب يذكرون أنه أخذ الأطيار الأربعة، ثم قطع كل طير بأربعة أجزاء، ثم عمد إلـى أربعة أجبـال، فجعل علـى كل جبل ربعا من كل طائر، فكان علـى كل جبل ربع من الطاووس، وربع من الديك، وربع من الغراب وربع من الـحمام. ثم دعاهن فقال: تعالـين بإذن الله كما كنتـم! فوثب كل ربع منها إلـى صاحبه حتـى اجتـمعن، فكان كل طائر كما كان قبل أن يقطعه، ثم أقبلن إلـيه سعياً، كما قال الله. وقـيـل: يا إبراهيـم هكذا يجمع الله العبـاد، ويحيـي الـموتـى للبعث من مشارق الأرض ومغاربها، وشامها ويـمنها. فأراه الله إحياء الـموتـى بقدرته، حتـى عرف ذلك بغير ما قال نـمروذ من الكذب والبـاطل.

🔺وأما ابن زيد :
فروى الطبري عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } قال: فأخذ طاووساً، وحمامة، وغرابـاً، وديكاً، ثم قال: فرّقهن، اجعل رأس كل واحد وجؤشوش الآخر وجناحي الآخر ورجلـي الآخر معهٰ فقطعهن وفرّقهن أربـاعاً علـى الـجبـال، ثم دعاهن فجئنه جميعاً، فقال الله: كما ناديتهن فجئنك، فكما أحيـيت هؤلاء وجمعتهن بعد هذا، فكذلك أجمع هؤلاء أيضاً؛ يعنـي الـموتـى.

ب. وقيل المعنى علـى كل ربع من أربـاع الدنـيا جزءاً منهن. روي ذلك عن ابن عباس
🔺روى ابن منصور و الطبري : عن أبـي حمزة ، عن ابن عبـاس: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } قال: اجعلهن فـي أربـاع الدنـيا: ربعاً ههنا، وربعاً ههنا، وربعاً ههنا، وربعاً ههنا، ثم ادعهن يأتـينك سعيا.

ج - وقيل بل المراد كل جبل من الأجبـال التـي كانت الأطيار والسبـاع التـي كانت تأكل من لـحم الدابة التـي رآها إبراهيـم ميتة، فسأل إبراهيـم عند رؤيته إياها أن يريه كيف يحيـيها وسائر الأموات غيرها.
وقالوا: كانت سبعة أجبـال.
روي عن ابن جريج والسدي ؛ وهو مروي عن بن عباس كذلك
🔺أما ابن عباس :
فقد روى ابن أبي حاتم عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا قَالَ:
وَضَعَهُنَّ عَلَى سَبْعَةِ أَجْبُلٍ، وَأَخَذَ الرُّءُوسَ بِيَدِهِ.

🔺وأما ابن جريج :
روى الطبري عنه قال: لـما قال إبراهيـم ما قال عند رؤيته الدابة التـي تفرّقت الطير والسبـاع عنها حين دنا منها، وسأل ربه ما سأل، قال: فخذ أربعة من الطير ـ قال ابن جريج: فذبحها ـ ثم اخـلط بـين دمائهن وريشهن ولـحومهن، ثم اجعل علـى كل جبل منهن جزءاً حيث رأيت الطير ذهبت والسبـاع! قال: فجعلهن سبعة أجزاء، وأمسك رءوسهن عنده، ثم دعاهن بإذن الله، فنظر إلـى كل قطرة من دم تطير إلـى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلـى الريشة الأخرى، وكل بَضعة وكل عظم يطير بعضه إلـى بعض من رءوس الـجبـال، حتـى لقـيت كل جثة بعضها بعضا فـي السماء، ثم أقبلن يسعين حتـى وصلت رأسها.

🔺وأما السدي :
فروى الطبري عن أسبـاط، عن السدي، قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إلـيك، ثم اجعل علـى سبعة أجبـال، فـاجعل علـى كل جبل منهن جزءا، ثم ادعهن يأتـينك سعياً! فأخذ إبراهيـم أربعة من الطير، فقطعهن أعضاء، لـم يجعل عضوا من طير مع صاحبه، ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا، وصدر هذا مع جناح هذا، وقسمهن علـى سبعة أجبـال، ثم دعاهن فطار كل عضو إلـى صاحبه، ثم أقبلن إلـيه جميعا.

4- وقيل بل أمره الله أن يجعل ذلك علـى كل جبل.
روي ذلك عن مجاهد والضحاك
🔺أما مجاهد :
فروى الطبري عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } قال: ثم بدِّدهن علـى كل جبل يأتـينك سعياً، وكذلك يحيـي الله الـموتـى.

وكذلك قوله : ثم اجعلهن أجزاء علـى كل جبل، ثم ادعهن يأتـينك سعياً، كذلك يحيـي الله الـموتـى؛ هو مثل ضربه الله لإبراهيـم.

🔺وأما الضحاك :
فروى الطبري عن جويبر، عن الضحاك، قال: أمره أن يخالف بـين قوائمهن ورءوسهن وأجنـحتهن، ثم يجعل علـى كل جبل منهن جزءاً
وفي رواية قال : فخالف إبراهيـم بـين قوائمهن وأجنـحتهن.

🔸ورجح الطبري أن الأمر بتفريق الطير على كل جبل كان يصل إليه إبراهيم عليه السلام وقت أمره الله بذلك
قال :
لأن الله تعالـى ذكره قال له: {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } والكل حرف يدل علـى الإحاطة بـما أضيف إلـيه لفظه واحد ومعناه الـجمع. فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الـجبـال التـي أمر الله إبراهيـم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة علـيها خارجة من أحد معنيين:
- إما أن تكون بعضاً أو جمعاً؛
فإن كانت بعضاً فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلـى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه.
أو يكون جمعا، فيكون أيضاً كذلك.

🔸وأيا كان المذكور فليس في معرفة نوع الطير واسمه مزيد فائدة .. وما نكره القرآن إلا لعدم أهميته فقال ( فخذ أربعة من الطير ) أي طير ... فذكر الله عدد الطير ولم يذكر نوعها أو اسمها لعدم أهميته
وأما الجبال فذكر عمومها ولم يحددها بعدد ، وليس من دليل على تخصيصها بعدد ...
وعلى ذلك فكل ما ورد في تحديد نوع الطير أو عدد الجبال هو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب ولا تقدم شيئا ولا تؤخر ولا فائدة في الوقوف عندها
فهي مما يتوقف عنده ولا طائل من البحث فيها إذ ليس في الجهل بها نقص في فهم الآية ، ولا في معرفتها مزيد فهم ...
ولكننا نعلم أن الله أمره بأخذ هذه الطيور الأربعة وذبحها وتقطيعها وتفريقها على الجبال ثم يناديها فأتى كل جزء من الطير الواحد لأخيه ، وقيل بل كانت الرؤوس بيده فانضم كل طائر إلى رأسه وعادت الطيور بعد تمزقها وتفرقها طيرا صحيحا كاملا كما مر في الروايات عن السلف ...

▪قال الشعراوي رحمه الله : وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت في تجربة مادية ليطمئن قلب سيدنا إبراهيم عليه السلام ...

▪وجمهور السلف على أن إبراهيم عليه السلام فعل ما أمره الله به ... فكان ذلك مثلا
أن كما أحيا الله لك هذه الطيور بعد تفرقها وتمزقها فجاءتك تسعى بين يديك فكذلك يحيي الله الموتى بعد بلاهم وتفرق أجسادهم

- وخالف أبو مسلم الأصفهاني ورجح قوله صاحب المنار من أن هذه كانت صورة مثلت لإبراهيم عليه السلام أن لو فعلت كذا سيحدث كذا ،... ولم يفعل ذلك إبراهيم لأنه اكتفى بما بينه الله له من الكيفية ... وانتصر لذلك بقوله أن الكيفية سر من أسرار الله لا يدرك كنهها البشر ، ولا يعين لفظ الآية ولا دليل أنه فعل ذلك إنما مثلت له صورة لتقريب الإحياء إليه ...
وقول ابي مسلم لا دليل عليه وهو مخالف لكل ما مر من أقوال السلف .. والله أعلم

وخلاصة القول :
يبقى إبراهيم عليه السلام معلما لهذه الأمة في التامل والنظر في ملكوت الله ، والبحث عن الطمأنينة والسكينة ... أمرنا باتباع ملته على الحنيفية السمحاء .. وشهد الله له بأنه أتم ووفى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) ( وإبراهيم الذي وفى )
وهو لم يشك - حاشاه - يوما ... وإنما كانت له نفس تواقة ؛ كلما رقت في مراقي النبوة والكمال طمحت للأعلى ؛ وكلما غمرها اليقين اشتاقت للقرب أكثر المعاينة بالمعاينة ... وإذا اضطرب القلب تاقت للسكينة والأنس فأنس بمولاه ...
صلوات الله عليه وعلى نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم

وأختم بقول سيد قطب في الظلال عن هذه التجربة الإبراهيمية وذلك الشوق النبوي حيث قال :
[
إنه التشوف إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية. وحين يجيء هذا التشوف من إبراهيم الأواه الحليم، المؤمن الراضي الخاشع العابد القريب الخليل.. حين يجيء هذا التشوف من إبراهيم فإنه يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق والتطلع لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين!
إنه تشوف لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله واستقراره؛ وليس طلباً للبرهان أو تقوية للإيمان.. إنما هو أمر آخر.. له مذاق آخر إنه أمر الشوق الروحي، إلى ملابسة السر الإلهي، في أثناء وقوعه العملي.
ومذاق هذه التجربة في الكيان البشري مذاق آخر غير مذاق الإيمان بالغيب ولو كان هو إيمان إبراهيم الخليل، الذي يقول لربه، ويقول له ربه. وليس وراء هذا إيمان، ولا برهان للإيمان. ولكنه أراد أن يرى يد القدرة وهي تعمل؛ ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيستروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها.. وهي أمر آخر غير الإيمان الذي ليس بعده إيمان.
ولقد استجاب الله لهذا الشوق والتطلع في قلب إبراهيم ومنحه التجربة الذاتية المباشرة
ورأى إبراهيم السر الإلهي يقع بين يديه ، وهو السر الذي يقع في كل لحظة ولا يرى الناس إلا آثاره بعد تمامه ؛ إنه سر هبة الحياة التي جاءت أول مرة بعد أن لم تكن والتي تنشأ مرات لا حصر لها في كل حي جديد . ]



📚 المصادر والمراجع :
- العين للخليل بن أحمد الفراهيدي 170 هـ / دار الهلال - مصر
- معاني القرآن يحيى الفراء 207 هـ / دار المصرية للتأليف والترجمة ط1
- مجاز للقرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى 210 هـ : تحقيق محمد فؤاد سزكين / مكتبة الخانجي - القاهرة
- تفسير عبد الرزاق الصنعاني 211 هـ
- الإيمان للقاسم بن سلام الهروي 224هـ/ مكتبة المعارف
- غريب القرآن وتفسيره لليزيدي 237 هـ
- صحيح أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ
- صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري 261 هـ
- تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 276 هـ
- تفسير غريب القرآن لابن قتيبة 276 هـ دار الكتب العلمية
- جامع البيان لابن جرير الطبري 310 هـ
- معاني القرآن وإعرابه للزجاج 311 هـ ، تحقيق عبد الجليل عبده / عالم الكتب - بيروت ط1
- تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي 327 هـ تحقيق أسعد محمد الطيب / مكتبة نزار - المملكة العربية السعودية ط3 : 1419 هـ
- الأضداد لابن الأنباري 328 هـ
- تفسير مجاهد للهمذاني 352 هـ
- معاني القرآن لأبي جعفر النحاس 338 هـ / جامعة أم القرى - مكة ط1
- الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري 395 هـ / دار الكتب العلمية
- تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين المالكي 399 هـ
- الكشف والبيان للثعلبي 427 هـ
- الهداية لمكي بن أبي طالب 437 هـ مجموعة بحوث الكتاب والسنة - الشارقة ط1
- النكت والعيون للماوردي 450 هـ
- الأسماء والصفات للبيهقي 458 هـ / مكتبة السوادي جدة
- شعب الإيمان للبيهقي 458 هـ / مكتبة السوادي جدة
- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني 502 هـ
- تفسير الكشاف للزمخشري 538 هـ مذيلا بالانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال للإمام أحمد بن منير الإسكندري ( 683 هـ ) / دار الكتاب العربي - بيروت ط1 :1427
- المحرر الوجيز لابن عطية 546 هـ
- زاد المسير لابن الجوزي 597 هـ
- جامع الأصول لابن الأثير 606 هـ
- فوائد في مشكل القرآن لسلطان العلماء العز بن عبد السلام 660 هـ/ دار الشروق جدة
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ
- المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج ليحيى ابن شرف النووي 676 هـ
- مجموع الفتاوى لابن تيمية الحراني 728 هـ/ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الغرناطي 741هـ / الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت ط1 1416هـ
- بدائع التفسير لابن قيم الجوزية 751 هـ/ دار ابن الجوزي
- تهذيب مدارج السالكين لابن قيم الجوزية 751 هـ: تهذيب عبد المنعم صالح العلي / مؤسسة الرسالة ط7 : 1426هـ
- الدر المصون للسمين الحلبي 756 هـ
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ
- البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي 774 هـ
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 852 هـ
- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي 885 هـ
- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 911 هـ
- فتح الرحمن بما يلتبس على قارئ القرآن للإمام أبي يحيي زكريا الأنصاري 926 هـ / المكتبة العصرية بيروت
- كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجة أو حاشية السندي على سنن ابن ماجة 1138 هـ
- فتح القدير للشوكاني 1250 هـ
- روح المعاني في تفسير القرآن لشهاب الدين الآلوسي 1270 هـ / دار الكتب العلمية - بيروت ط1
- المنار ( تفسير القرآن الحكيم ) محمد رشيد رضا 1282 هـ / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990
- محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي
- تفسير السعدي 1376 هـ / المكتبة العصرية - بيروت
- التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ
في ظلال القرآن لسيد قطب 1393 هـ / دار الشروق
- خواطر محمد متولي الشعراوي / 1419 هـ
- الجامع الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز للدكتور أيمن فاتح العامر ط1
- إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم / كتاب الإيمان لعبد الله بن حمود الفريح
- تحفة المفسر أو نظم المقدمة في أصول التفسير لابن تيمية / عبد الحكيم أبو صندل / مكتبة نظام اليعقوبي الخاصة البحرين .

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 1 ربيع الأول 1440هـ/9-11-2018م, 11:27 PM
عقيلة زيان عقيلة زيان غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 572
افتراضي


بسم الله الرحمان الرحيم



بحث نهاية المستوى السادس
أسلوب التقرير العلمي



قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } [البقرة: 243]
عناصر البحث:
-سبب نزول الآية
-مناسبة الآية لسياقها
-مقصد الآية
- معنى الجملي للآية
-الأخبار الإسرائيلية الواردة في الآية
-دراسة تلك الأخبار
-تفسير الآية
-هدايات الآية.

*******
سبب نزول الآية
* عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف؛ قال: كانت أمة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع؛ خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم؛ فمات الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو أقمنا كما أقام هؤلاء؛ لهلكنا، وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء؛ سلمنا، فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعاً، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاماً تبرق، فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء فقال: يا رب! لو شئت أحييتهم؛ فعبدوك وولدوا أولاداً يعبدونك، ويعمرون بلادك -قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال: نعم- فقيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى التي هي منها، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا؛ فتكلم به، فنظر إلى العظام تكسى لحماً وعصباً، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا؛ فنظر، فإذا هم قعود يسبحون الله، ويقدسونه،وأنزل الله فيهم هذه الآية ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير.
مناسبة الآية لما قبلها
هذه الآية جاء في سياق ذكر آيات الأحكام .أحكام النكاح والطلاق و الأمر بالصلاة والمحافظة عليها
-وعادة القران أن يذكر بعد بيان الأحكام التكليفية شيء من القصص ليفيد الاعتبار للسامع ، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم }.
-وقيل : لما بين تعالى حكم النكاح ، بين حكم القتال، لأن النكاح تحصين للدّين، والقتال تحصين للدّين والمال والروح .
-وقيل: مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه لما ذكر:{ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته ، وبدائع قدرته .

مقصد الآية
المقصود من هذه الآية الكريمة ، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي ، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه ، هانت عليه مبارزة الأقران ؛ والتقدم في الميدان . وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } الآية .
المعنى الإجمالي للاية
في الآيات تذكير بقصة جماعة من ألوف فروا من ديارهم خوفاً من الموت ، فلم يفدهم فرارهم شيئا ؛ حيث أماتهم الله دفعة واحدة ثم أحياهم ليعرفوا قدرته وفضله . فالله هو صاحب الأفضال على الناس ولو كان أكثرهم لا يشكرونه.
الأخبار الإسرائيلية الواردة في تفسير الآية
أولا: روايات ابن عباس
عن ابن عباس في ق
وله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " ، كانوا أربعة آلاف ، خرجوا فرارا من الطاعون ، قالوا : " نأتي أرضا ليس فيها موت " ! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا ، قال لهم الله : " موتوا " . فمر عليهم نبي من الأنبياء ، فدعا ربه أن يحييهم ، فأحياهم ، فتلا هذه الآية : ( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) .
وفي رواية:... فَأَحْيَاهُمْ قَالَ وَكَانُوا فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهم أُلُوف} الْآيَة
* رواه ابن جرير الطبري في تفسيره والحاكم في المستدرك و ضياء الدين في الأحاديث المختارة. من طريق وكيع:، حدثنا سفيان ، عن ميسرة النهدي ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عنه.
وقال الحاكم «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»

.- وعنه : كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف ، حظر عليهم حظائر ، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا ، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح ، وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله ، فأماتهم الله ثم أحياهم ، فأمرهم بالجهاد ، فذلك قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية .
رواه ابن جرير من طريق الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج عنه.

الثاني : روايات وهب ابن منبه
عن وهب بن منبه يقول : أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان ، فشكوا ما أصابهم وقالوا : " يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه " ! فأوحى الله إلى حزقيل : إن قومك صاحوا من البلاء ، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا ، وأي راحة لهم في الموت ؟ أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت ؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا ، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب : وهم الذين قال الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " فقم فيهم فنادهم ، وكانت عظامهم قد تفرقت ، فرقتها الطير والسباع . فناداهم حزقيل فقال : " يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي " ! فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا . ثم نادى ثانية حزقيل فقال : " أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم " ، فاكتست اللحم ، وبعد اللحم جلدا ، فكانت أجسادا . ثم نادى حزقيل الثالثة فقال : " أيتها الأرواح ، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك " ! فقاموا بإذن الله ، وكبروا تكبيرة واحدة .
رواه ابن جرير في تفسيره و أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه العظمة من طريق..عن إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، عنه

الثالث: رويات السدي
عن السدي : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف " ، إلى قوله : ( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) ، قال : كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط ، وقع بها الطاعون ، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها ، فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون ، فلم يمت منهم كبير . فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا ، لو صنعنا كما صنعوا بقينا ! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم ! فوقع في قابل فهربوا ، وهم بضعة وثلاثون ألفا ، حتى نزلوا ذلك المكان ، وهو واد أفيح ، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ! فماتوا ، حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم ، مر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه ، فأوحى الله إليه : يا حزقيل ، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم ؟ قال : وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال : نعم ! فقيل له : ناد ! فنادى : " يا أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن تجتمعي ! " ، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض ، حتى كانت أجسادا من عظام ، ثم أوحى الله إليه أن ناد : " يا أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن تكتسي لحما " ، فاكتست لحما ودما ، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها . ثم قيل له : ناد ! فنادى : " يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي " ، فقاموا

--رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم من طريق عمرو العنقزي ثنا أسباط ، عن السدي ، وزاد ابن ابي حاتم عن أبي مالك
وفي رواية عند ابن أبي حاتم
زيادة " : ان موتوا ، فماتوا حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم ، مر بهم نبي ، يقال له هزقل ، فلما رآهم وقف عليهم وجعل يتفكر بهم ويلوي شدقه وأصابعه . فأوحى الله إليه : يا هزقل : أتريد أن اريك كيف أحييهم ؟ وإنما كان تفكره ، لأنه تعجب من قدرة الله عليهم- فقال نعم . فقيل له : ناد : أيتها العظام . والباقي نحوه .

الرابع: رواية مجاهد
عن مجاهد : أنهم قالوا حين أحيوا : " سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت " ، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى ، سحنة الموت على وجوههم ، لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن ، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم .

رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم من طريق ؛ أسباط ، عن منصور عنه

-عن مجاهد ، قوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف الحذر الموت } قال : سمعت عمرو بن دينار يقول : وقع الطاعون في قريتهم ، فخرج وبقى أناس ، ومن خرج أكثر ممن بقى ، فنجى الله الذين خرجوا ، وهلك الذين بقوا . فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا ، فأماتهم الله ودوابهم ، ثم أحياهم ، فتراجعوا إلى بلدهم ، وقد توالدت ذريتهم ومن تركوا ، فكثروا .

رواه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن حمزة ، ثنا شبابة ، ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح.

الخامس رواية أشعث بن أسلم البصري

روى ابن جرير -- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أشعث بن أسلم البصري قال : بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى= فقال أحدهم لصاحبه ، أهو هو ؟ فلما انفتل عمر قال : أرأيت قول أحدكما لصاحبه : أهو هو ؟ فقالا إنا نجده في كتابنا : " قرنا من حديد ، يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيى الموتى بإذن الله " . فقال عمر : ما نجد في كتاب الله " حزقيل " ولا " أحيى الموتى بإذن الله " ، إلا عيسى . فقالا أما تجد في كتاب الله وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، فقال عمر : بلى ! قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك : إن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء ، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله ، فبنوا عليهم حائطا ، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال شاء الله ، فبعثهم الله له ، فأنزل الله في ذلك : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف " ، الآية .

سادسا: رواية محمد بن اسحاق
روى ابن جرير - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال : بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء من الطاعون ، أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت ، وهم ألوف ، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله : " موتوا " ، فماتوا جميعا . فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ، ثم تركوهم فيها ، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا . فمرت بهم الأزمان والدهور ، حتى صاروا عظاما نخرة ، فمر بهم حزقيل بن بوزى ، فوقف عليهم ، فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم ، فقيل له : أتحب أن يحييهم الله ؟ فقال : نعم ! فقيل له : نادهم فقل : " أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت ، ليرجع كل عظم إلى صاحبه " . فناداهم بذلك ، فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا . ثم قيل له : قل : " أيها اللحم والعصب والجلد ، اكس العظام بإذن ربك " ، قال : فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار ، حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح . ثم دعا لهم بالحياة ، فتغشاه من السماء شيء كربه حتى غشي عليه منه ، ثم أفاق والقوم جلوس يقولون : " سبحان الله ، سبحان الله " قد أحياهم الله .

سابعا: رواية ابن زيد

روى ابن جرير : حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ،
قال ابن زيد في قول الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " ، قال : قرية كانت نزل بها الطاعون ، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة ، فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت ، والتي خرجت لم يصبهم شيء . ثم ارتفع ، ثم نزل العام القابل ، فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت . فلما كان العام الثالث ، نزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم ، فقال الله تعالى ذكره : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف " ، ليست الفرقة أخرجتهم ، كما يخرج للحرب والقتال ، قلوبهم مؤتلفة ، إنما خرجوا فرارا . فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة ، قال لهم الله : " موتوا " ، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة . فماتوا ، ثم أحياهم الله ، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . قال : ومر بها رجل وهي عظام تلوح ، فوقف ينظر فقال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ " ، فأماته الله مائة عام .

ثامنا رواية عمرو بن دينار
عن عمرو بن دينار
في قول الله تعالى ذكره : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " ، قال : وقع الطاعون في قريتهم ، فخرج أناس وبقي أناس ، فهلك الذين بقوا في القرية ، وبقي الآخرون . ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية ، فخرج أناس وبقي أناس ، ومن خرج أكثر ممن بقي . فنجى الله الذين خرجوا ، وهلك الذين بقوا . فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم [ وقد أنكروا قريتهم ، ومن تركوا ] . وكثروا بها ، حتى يقول بعضهم لبعض : من أنتم ؟ .

رواه ابن جرير في تفسيره وابن عبد البر في التمهيد من طريق أبي نجيح عنه. و رواه أيضا في الاستذكار مختصرا دون إسناد
تاسعا روايةهلال بن يساف
-
عن هلال بن يساف في قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين خرجوا " الآية ، قال : هؤلاء القوم من بني إسرائيل ، كان إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم ، وأقام فقراؤهم وسفلتهم . قال : فاستحر الموت على المقيمين منهم ، ونجا من خرج منهم . فقال الذين خرجوا : لو أقمنا كما أقام هؤلاء ، لهلكنا كما هلكوا ! وقال المقيمون : لو ظعنا كما ظعن هؤلاء ، لنجونا كما نجوا ! فظعنوا جميعا في عام واحد ، أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسفلتهم . فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاما تبرق . قال : فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد ، فمر بهم نبي فقال : يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك ! قال : أو أحب إليك أن أفعل ؟ قال نعم ! قال : فقل : كذا وكذا ، فتكلم به ، فنظر إلى العظام ، وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه . ثم تكلم بما أمر ، فإذا العظام تكسى لحما . ثم أمر بأمر فتكلم به ، فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون . ثم قيل لهم : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
رواه ابن جرير في تفسيره و ابن أبي الدنيا في كتابه "من عاش بعد الموت" . و ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرا من طريق حصين عنه


عاشرا روايات الحسن البصري:رواها ابن جرير الطبري
- ، عن الحسن : أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال : هم قوم فروا من الطاعون ، فأماتهم الله عقوبة ومقتا ، ثم أحياهم لآجالهم .

- عن الحسن في قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " ، قال . خرجوا فرارا من الطاعون ، فأماتهم قبل آجالهم ، ثم أحياهم إلى آجالهم .

- عن الحسن في قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " ، قال : فروا من الطاعون ، فقال لهم الله : ( مُوتُوا ) ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم .

الدراسة

بعد النظر في الأخبار الواردة ظهر لي:
-اختلفت الروايات في بيان من هؤلاء القوم وفي أي أرض كانوا . قيل كانوا من داوردان ، قريب من واسط؛ و قيل بل من أذرعات..وقيل هم من بني إسرائيل

- و اختلف في بيان سبب خروجهم قيل أنهم خرجوا فرارا من وباء أصابهم ؛ طاعون أو غيره ؛ وقيل بل فرار من العدو.
-وقد اختُلف في عددهم ..
-قيل أن الله أماتهم ودوابهم..
- وقد اختلف في مدة موتهم بين قصر وطول؛ حتى قيل أن عظامهم فرقتها الطير والسباع؛ وأن أجسادهم أنتنت وأن ريحهم لتوجد في ذلك المكان
-قيل أن موتهم كان بدعاء ملكين ملكا بأعلى الوادي وملكا بأسفله ، فناداهم : أن موتوا فماتوا .قيل بل الله أماتهم .
- وقيل أن الله أحياهم بدعوة نبي ؛دعا الله أن يحيهم؛ وقيل بل كان يدعوا العظام أن تجتمع ؛ ثم دعها مرة أخرى أن تكسى لحما ثم دعا الروح أن تدخل الجسد
قيل بل الله أحياها سبحانه وتعالى دون دعوة النبي
- وهنك اختلاف في تعيين ذلك النبي؛: قيل إنه حزقيل ذو الكفل ؛ وقيل هو شمعون...

- وقيل كانت علامة الموت ظاهرة على وجوههم ؛ بعد إحيائهم. فكانوا لا يلبسون ثوبا ، إلا كان عليهم كفنا دسما ، يعرفهم أهل ذلك الزمان .

ويمكن تقسم هذه الأخبار الإسرائيلية إلى قسمين:

وقبل ذلك نذكر بأحكام الأخبار الإسرائيلية وهي على ثلاثة أنواع
- خبر نصدقه لوجود دليل له من كتاب أو سنة
-
خبر نرده ولا نقبله لأنه يعارض نصا من كتاب أو سنة
- خبر يتوقف فيه ؛ لا يحكم عليها بصدق ولا كذب ؛ لأنه لا يعارض نصا ولا نص يصدقه .وهذه الأخبار قد يأتي بها الاتعاظ أو الاستشهاد والاستيباس
القسم الأول: أخبار توافق شرعنا :
ذم الفرار من الطاعون .
ذم الفرار من الجهاد وقتال العدو.
فقد ورد في شريعتنا ما يدل على ذلك.
-فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سبيل الله ، فله نظير في الآيات :
كقوله تعالى : { قل لن ينفعكم الفرارإن فررتم من الموت أو القتل } ..
قال أبو حيان:" { قل لن ينفعكم الفرار } : خطاب توبيخ وإعلام أن الفرار لا ينجي من القدر"
وقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } .
وقوله : { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } .
وإن كانت القصة.في الطاعون فقد جاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَوْ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، شَكَّ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ فِي أَيِّهِمَا قَالَ: فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي أَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ".رواه مالك في الموطأ والترمذي

-و عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذَا سَمِعْتمْ بِهِ بِأرْضٍ فَلَا تَقْدُموا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بأرض وأنتُم بها، فلا تَخْرجوا فِرارًا منْه". أخرجه البخاري . ومسلم .
-وعن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا "
قال : ( إن كنتم في أرض ، وفيها وباء ، فلا تخرجوا منها ) . [ أحمد 1/192 ]
و جاء في الحديث ( لا عدوى ولا هامة ) [ البخاري : 5705 ] .
-وعن سعيد بن المسيب عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "
لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ، وإنْ تَكُن الطِّيَرَةُ في شَيِءٍ فهي في الفَرَس والمَرْأةِ والدَّارِ ، وإذا سَمِعْتُمْ بالطَّاعُونِ بأرْضٍ ولستم بها فلا تَهْبِطُوا عَلَيْهِ ، وإذا كان وأنْتُمْ بها فلا تَخْرُجُوا فِرَاراً عَنْهُ " .

قال صحاب تحفة الأحوذي" وأَحَادِيثُ الْبَابِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضٍ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ فِرَارًا مِنْهُ وَكَذَا الدُّخُولُ فِي أَرْضٍ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ..لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ" اهـ
وروى الإمام أحمد أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " «الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ»أحمد. الصحيح الجامع
قال الطيبي:" : شُبِّهَ بِهِ فِي ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ،."

2- القسم الثاني :أخبار مسكوت عنها يتوقف في الحكم عليها
وهو ما جاء من الأخبار في بيان القرية التي خرجوا فيها و في تعيين عددهم. و في بيان المدة التي ماتوا فيها
وهل كان موتهم بدعاء ملكين أم لا
وهل كان إحياؤهم بدعاء نبي لهم أم لا
وما جاء أن سحنة الموت كانت علي وجوههم ,أنهم
أقاموا بعد إحيائهم لا يلبسون ثوبا إلا كان عليهم كفنا دسما ، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا ،

فهذا كله مما يتوقف فيه لا يمكن الحكم عليه بصحة ولا كذب.

وقال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد.


تفسير الآية
[ألم تر]
-الخطاب للنبي صلى الله عليه و وسلم أو كل من يصلح له الخطاب.

-الرؤية هنا علمية والمعنى ألم تعلم
- الاستفهام قد يكون للتقرير لدخول الهمزة على النفي.
-وقد يكون المخاطب قد علم بحال هذا الخبر قبل نزول الآية؛ وقد لا يكون علم بها إلا وقت نزول الآية
فيكون هذا ابتداء تعريف المخاطب بحال هؤلاء كقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء
: ألم تر إلى ما جرى على فلان.
وقد يكون الاستفهام للتعجب؛ التعجيب من حال هؤلاء . كقول القائل : ألم تر إلى ما صنع فلان ؟ .
[المراد بالذين خرجوا]
الذي عليه أكثر المفسرين أنهم قوم من بني إسرائيل..
قيل هم من قرية قِبلَ واسط وقع بها الطاعون يقال لها داوردان .
عن ابن عباس ، في قوله : { ألم تر إلى الذي خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } قال : كانوا من أهل قرية يقال لها : داوردان -
-قال السدّي : هم أمّة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون ، فهربوا منه ، فأماتهم الله ، ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أن لا مفر من قضاء الله .
وقيل هم من أهل أذرعات ، بجهات الشام
عن محمد بن شعيب بن شابور قال سمعت سعيد بن عبد العزيز ، يقول : في قول لله : { الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف }
قال : هم من أذرعات.
ومن أهل التفسير من أطلق ولم يحدد
عن السدي ، عن أبي مالك في قوله : { من ديارهم } يعني : منازلهم .
ولا خبر صحيح في ذلك يكون الحكم الفصل في المسألة وما ذكر من أخبار في تعينهم من الإسرائيليات .التي لا يمكن الحكم عليها بالصدق ولا الكذب.. .
وهذه هي عادة القران في سرد القصص لا يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن
ولعل أقرب الأقوال للصحة من قال هم من بني إسرائيل في قرية قبل واسط يقال لها " داوردان"
لا صحته لكن لاشتهاره وتقديم جمهور المفسرين له
[حذر الموت]

حذر مفعول لأجله ؛ لبيان
علة خروجهم وهو الخوف من الموت؛ وحرصهم المطلق على الحياة..واختلف المفسرون في المراد ب "الموت"
-قيل خرجوا خوفا من العدو كراهة الجهاد .. أمروا بالجهاد ، فخافوا القتل ، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك ، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء . ثم أحياهم. ، قاله عكرمة ، والضحاك ، وعن ابن عباس .
-عن ابن عباس ، قوله : { حذر الموت } فرارا من عدوهم
-قال الضحّاك ومقاتل والكلبي : إنما فرّوا من الجهاد وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوّهم ، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلّوا ،-
-وقيل خرجوا بسبب وباء أصابهم فرار منه فأماتهم الله
وقد اختلفت عبارات المفسرين في تعين هذا الوباء
*قيل : هو الطاعون ؛ وكان قد نزل بهم قاله الحسن ، والسدي وعمار ابن دينار
عن ابن زيد في قول الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " ، قال : قرية كانت نزل بها الطاعون ، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة ،
عن قتادة في قول الله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } قال : أجلاهم الطاعون
عن الحسن : أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال : هم قوم فروا من الطاعون ، فأماتهم الله عقوبة ومقتا ، ثم أحياهم لآجالهم .
*وقيل هو الحمى حكاه النقاش ذكره ابن عطية
كل الأخبار الواردة في هذا من الإسرائيليات التي لا يجزم بصحتها و لا بكذبها..ولا خبر صحيح صريح في ذلك يتعين الرجوع إليه.
وقد رجع ابن عاشور الخروج خوفا من العدو. لكونه الأكثر والغالب في القرآن
قال رحمه الله :
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}: " وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، فقيل: هم من بني إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم، بجامع الجبن، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل ". .
ومما قد يعضد ترجيح ابن عاشور السياق؛ فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها
فقد جاء بعد هذه الآية قول تعالى "{ وقاتلوا في سبيل الله}؛ فكأن الله قص عليهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة
[ وهم ألوف عددهم]
خرج أولاء القوم من ديارهم خوفا فرقا من الموت والحال أنهم ألوف
وقد اختلف أهل العلم في معنى ألوف. على قولين
أحدهما : يعني ألوفاً في العدد .
واختلف قائلو هذا في عددهم على أقوال:
-كانوا ثلاثة آلاف، مروي عن عطاء الخراساني
-أنهم كانوا أربعة آلاف ، رواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ومرىي عن وهب
- أربعين ألفا وهو مروي عن ابن عباس أيضاً . وابن جريج
- تسعين ألفا ، مروي عطاء بن أبي رباح .
- سبعة آلاف ، مروي أبو صالح .
- ثلاثين ألفا مروي أبو مالك .
- بضعة وثلاثين ألفا ، مروي السدي .
- ثمانية آلاف ، مروي مقاتل ذكره ابن الجوزى والكلبي ذكره ابن جرير
-عشرة آلاف ، مروي أبو روق
- بضعة ومائتين ألفاً . مروي الواقدي
-. سبعين ألفاً . مروي عطاء بن أبي رياح
- كانوا عدداً كبيراً ، مروى عن ابن عباس والضحّاك .
وهذه الأقوال وردت من أخبار إسرائيلية..لا يمكن الحكم عليها بالإثبات ولا نفي .؛فكان المرجع في تعين العدد اللغة

أما لفظ ألاف على وزن " أفعال " من أوزان القلة ؛ جمع القلة ؛ والقلة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزها دخل في الكثرة
لفظ: ألوف على وزن " أفعول" من أوزان الكثرة ؛ جمع الكثرة ؛ ألوف ما تجاوز العشرة وهي جمع كثرة.
فلفظ الألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف .أما ما كان أقل من العشر فلا يقال له ألوف بل آلاف
بهذا ظهر أن أقرب الأقوال للصحة قول من حدد العدد عشر آلاف فما فوق و الله أعلم

الثاني : ..ألوف معناه : وهم مؤتلفون ، قاله ابن زيد
يعنى أنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض ، ولكن فرارا : إما من الجهاد ، وإما من الطاعون.
في حديث طويل أورده ابن جرير عن ابن زيد فيه :..... ليست الفرقة أخرجتهم ، كما يخرج للحرب والقتال ، قلوبهم مؤتلفة ، إنما خرجوا فرارا . فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة ، قال لهم الله : " موتوا " ، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة . فماتوا ، ثم أحياهم الله
وقد رجح ابن جرير الطبري القول الأول أن المراد به العدد ؛لأنه قول جماهير المفسرين من السلف
الذي يظهر والله أعلم أنه لا تعارض بين القولين وصح حمل الآية عليهما
فهم خرجوا بعدد معين وحال قلوبهم مؤتلفة لأن الدافع الذي أخرجهم واحد و همهم واحد لا نزاع ولا اختلاف بينهم.
[
فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ]
اختلف أهل التأويل في معنى الآية
أولا:
قوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا } أي قال لهم قولاً كونياً ، كقوله تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } . أنهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علة ، بأمر الله تعالى ومشيئته
قال ابن عباس ، وابن جريج : رائحة الموت توجد في ولد ذلك السبط من اليهود إلى يوم القيامة.
وروى المنصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أُحيوا : سبحانك ربّنا وبحمدك ، لا إله إلاّ أنت ، فرجعوا إلى قومهم بعد ما أحياهم الله ، وتناسلوا وعاشوا دهراً يعرفون أنهم كانوا موتى ، سحنة الموت على وجوههم ، لا يلبسون ثوباً إلاّ عاد دسماً مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت عليهم
- قال الحسن : أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال : هم قوم فروا من الطاعون ، فأماتهم الله عقوبة ومقتا ، ثم أحياهم لآجالهم .

وعنه أيضا قال : فأماتهم قبل آجالهم ، ثم أحياهم إلى آجالهم .
وقيل أن ظاهر الآية تدل على أن ثم قولاً لله ..: نودوا وقيل لهم : موتوا .
وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا ، ، والله أعلم
{ فقال لهم الله موتوا } عبارة عن إماتتهم ، وقيل : إن ملكين صاحا بهم موتوا فماتوا { ثم أحياهم } ليستوفوا آجالهم .
-وقيل : أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة فتوفتهم ؛ صاح بهم ملكان : موتوا ، فماتوا . فكان ذلك قولا على لسان الملك ؛ فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " موتوا "

- فقيل : قال لهم ذلك على لسان الرسول الذي أذن له في أن يقول لهم ذلك عن الله .
وقيل لا قول هناك بل كما يقال : قالت السماء فمطرت ، لأن القول مقدمة الأفعال ، فعبر به عنها
ولا دليل يرجح أحد الأقوال؛ كلها من الأخبار التي لا تقوى للاحتجاج بها
{ ثم أحياهم } ؛ «ثم » تدل على التراخي ، وأن الله سبحانه وتعالى أحياهم بعد مدة .
وقيل : إنه أحياهم لسبب ؛ وهو أن نبياً من الأنبياء مرّ بهم وهم ألوف مؤلفة جثث هامدة ؛ فدعا الله أن يحييهم ؛ فأحياهم الله .
وقال بعض المفسرين : إن الله أحياهم بدون دعوة نبي ؛ وهذا هو ظاهر اللفظ ؛ وأما الأول فلا دلالة عليه ؛ وعليه فنقول : إن الله أحياهم ليُري العباد آياته .
القول الثاني: أن المراد من قوله ([فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ]
المراد من " موتوا" استعلاء العدو عليهم؛.؛ فلما خرجوا هاربين فأماتهم الله ، بأن مكن منهم العدو ففتك بهم ، وقتل أكثرهم وفرق شملهم ، وأصبح من بقي منهم خاضعا للغالب ؛ مقهورا تحت لوائه.
وقوله "ثم أحياهم" أي أحياهم بعود الاستقلال إليهم ، بعد أن جمعوا كلمتهم ، ووثقوا رباطهم ، واعتزوا وكثروا ، وخرجوا من ذل العبودية إلى رياض الحرية ، وكان ما أصابهم تأدبا لهم ومطهرا لنفوسهم مما عرض لهم من ذميم الأخلاق ورذيل السجايا .
فيكون هذا من باب التمثيل في بيان كيفية إماتة الأمم وإحياءها
.قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ رواه ابن كثير
قال القاسمي تعليقا على قول عطاء: ولعل مراده أنه مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها بعد بلوغها غاية الضعف والخمول . فكان حياتها وموتها تمثيلا لحالتيها قبلُ وبعدُ . فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدنية الفخيمة . وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين على دحر المتغلبين الباغين . والله أعلم . اهـ
القول الثالث:
قيل أن :[فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ] مجاز وليس حقيقي؛وهو الذي ذهب إليه ابن عاشور
-إما أن الله جعل فيهم حالة الموت ، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس
ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً ، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت
وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت ، والموتُ حقيقة ، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت ، ثم فرج الله عنهم فأحياهم .
وإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله ، لبعض الأنبياء ، والموتُ موت مجازي ، وهو أمر للتحقير شتماً لهم ، ورَماهم بالذل والصغار ، ثم أحياهم ، وثبتَ فيهم روح الشجاعة .
والآية على ظاهرها ولا يوجد ما يصرفها عنه ؛ فالله أماتهم موتا حقيقة عقوبة لهم مع بقاء الأجل ، كما في قوله تعالى في قصة موسى : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } ثم أحياهم لاكتمال أجلهم وإماتتهم مرة أخرى بانتهاء الأجل وهذا الموت هنا خاص بأولاء القوم
فسبحانه القادر المقتدر على ذلك وقد تكرر في سورة البقرة نماذج لإحياء الموتى حقيقة خمس مرات
قال الشيخ الشنقيطي : هذه الإماتة إماتة حقيقية، وإحياء حقيقي؛ لأن القرآن لا يجوز صرفه عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة صحيحة، والقرينة - قرينة الآية - تدل على أنه موت حقيقي، ففي نفس الآية قرينة دالة على ذلك؛ لأن سبب نزول الآية تشجيع المؤمنين على القتال، وأن الله يريد أن يفهمهم أن من ردَّه الجبن عن لقاء العدو سيجد حتفه أمامه، كهذه الألوف من بني إسرائيل، لما وقع الطاعون وفرُّوا هاربين حذرا من الموت وجدوا الموت أمامهم، فأماتهم الله، ولهذا أتبع هذه الآية بقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ؛ {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} أي: فليس الحذر والجبن والتخلف عن القتال يضمن لكم الحياة، بل قد يفرُّ الإنسان من الموت فيجد الموت أمامه.
وقال في موضع أخر:...: . فقوله: {خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} ثم قوله بعده: {فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} . أدلة واضحة على أنه موت حقيقي، وعليه عامة المفسرين، وهو الحق الذي لا شك فيه، فادعاء أنه موت معنوي أو غير هذا تلاعب بكتاب الله (جل وعلا)، وحمل له على غير معناه من غير دليل يجب الرجوع إليه. والله الموفق للصواب.

[.النبي الذي أحياهم ]
ذهب بعض الرواة إلى أن هذه الآية عنى بها ما قص في التوراة عن ( حزقيل ) أحد أنبياء بني إسرائيل أنه أوحى إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني إسرائيل . وأن يناديها باسمه تعالى . فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما . ثم نادى أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى . وهم جيش كثير جدا . وأوحى إلى ( حزقيل ) أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه ، وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة ( حزقيل ) . ذكره القاسمي
وقد سبق ذكر الروايات في ذلك في بداية هذا البحث
وكل هذا من الأخبار الإسرائيلية .قد تصح وقد تكون غير صحيحة
لكن إن صحّت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات ( حزقيل ) في إحياء الموتى له كما أحيا لعيسى عليه السلام .
-وقيل أن حزقيل ، كان يقال له ابن العجوز ، لأن أمه كانت عجوزا ، فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها .
-وقيل : هو ذو الكفل ، وسمي حزقيل ذا الكفل ، لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل
- وقيل أن ذلك النبي هو شمعون...والله أعلم
{ إن الله لذو فضل على الناس }
في المراد بالناس في الآية قولان لأهل العلم :
1- الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت.
تفضل الله عليهم ذلك أن أنهم خرجوا من الدنيا على المعصية ، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي.

2- المراد بهم الناس المنكرين للبعث
في هذه القصة فضل من الله تعالى وإحسان في حق منكري البعث بحيث أراهم الله من الآيات والبراهين والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ، على قدرته سبحانه على إحياء الموتى ما به يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب.
فكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة .
3-عموم الناس حملا للآية على ظاهرها
الله ذو فضل على جميع الناس ؛ فضله عام باعتبار الكم وباعتبار الكيف فالكم راجع إلى تكثير أعداد النعم والكيف راجع إلى حالها في أنفسها .
وفي هذه القصة فضل على عموم الناس حيث بين لهم ما به يتقربون من الله عزوجل و يفوزون بثوابه وما به يبعدون عن الله ويطردون من رحمته
فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من الله تعالى على عبده .
{ ولكن أَكْثَرَ الناس}
استدراك راجع إلى لازم قوله { لَذُو فَضْلٍ } فإن من لوازم فضله على الناس أن يشكروه ويحمدوه فلذلك استدرك بعده ب ( لكن ) .
فأكثر الناس لا يشكرون فضلَه كما ينبغي . لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم وإظهارُ الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع .
فوائد الاية:
-في هذه القصة احتجاج على اليهود ، إذ أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، بأمر لم يشاهدوه ، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث ، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا ، ذكر ذلك جميعه .
-في هذه القصة دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عمن قبله ولم يكن قرأ الكتب ، فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق .
-في الآية تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر ، فأولى أن يكون في سبيل الله .
-وفي الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل .
- كراهة الفرار من الوباء ومن الجهاد وقتال العدو
- الحذر من الموت لا يفيد.
- المعاملة بنقيض القصد ؛ فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد
- الكثرة والتعاضد وإن كانا نافعين في دفع الأزمات الدنيوية، فليس بمعنية في الأمور الإلاهية،.
-ففي هذه القصة تنبيه على المعاد ، وأنه كائن لا محالة ، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده : بأن يحافظ على عبادة ربه ، وأن يوفي حقوق عباده .
-عظم فضل الله على الناس
- التنبيه على فضل عبادة الشكر
-- يجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي ، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها .
- أقل الناس لا يشكرون فضل الله ونعمه ؛ فليحذر العبد أن يكون منهم
-عظم رحمة الله بعبادة حيث يبين لهم الآيات الواضحات والحجج الساطعات ما يزيل ويكشف عنهم الشبهات بحيث يظهر له الحق واضح ساطح لا شبه فيه

المصادر والمراجع :
- موطأ الإمام مالك 179ه
- معاني القرآن يحيى الفراء 207 هـ .
- مجاز للقرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى 210 هـ .
- تفسير عبد الرزاق الصنعاني 211 هـ
-مسند الإمام أحمد 241هـ

- صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ
-كتاب من عاش بعد الموت أبو بكر عبد الله ابن أبي الدنيا 281هـ
- جامع البيان لابن جرير الطبري 310 هـ
- تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي 327 هـ
- تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين المالكي 399 هـ
-المستدرك على الصحيحين.. أبو عبد الله الحاكم النيسابوري 405ه
- الكشف والبيان للثعلبي 427 هـ
- الهداية لمكي بن أبي طالب 437 هـ
- النكت والعيون للماوردي 450 هـ
-التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي 463هـ
-الاستذكار أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي 463هـ
- تفسير الكشاف للزمخشري 538 هـ
- المحرر الوجيز لابن عطية 546 هـ
- زاد المسير لابن الجوزي 597 هـ
- الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ضياء الدين أبو عبد الله المقدسي 643هـ
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ
- التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الغرناطي 741هـ /
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 852 هـ
- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي 885 هـ

-مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح الملا الهروي القاري 1014ه
- محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ
-تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفورى 1353ه
- تفسير السعدي 1376 هـ
- التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ
- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393هـ.
-العذب النمير للشنقيطي 1393هـ.
-زهرة التفاسير لأبي زهرة. . 1394هـ.
- خواطر محمد متولي الشعراوي / 1419 هـ
-تفسير ابن عثمين 1421هـ.
-لمسات بيانية الدكتور فاضل السمرائي
تم بحمد لله
***

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تجب, نشر

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir