دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج الإعداد العلمي العام > المستوى الرابع > منتدى المستوى الرابع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 7 رجب 1440هـ/13-03-2019م, 10:50 PM
هيئة الإدارة هيئة الإدارة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 29,546
افتراضي المجلس السابع: مجلس مذاكرة القسم العاشر من كتاب التوحيد

مجلس مذاكرة القسم العاشر من كتاب التوحيد
اختر باباً من الأبواب التالية وفهرس مسائله العلمية:
- باب النهي عن سب الريح
- باب قوله تعالى: {يظنون بِالله غير الحق ظن الجاهلِية يقولون هل لنا من الأَمر من شيء}
- باب ما جاء في منكري القدر
- باب ما جاء في المصورين

- باب ما جاء في كثرة الحلف
- باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

- باب ما جاء في الإقسام على الله
- باب لا يُستشفع بالله على خلقه

- باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك
- باب ما جاء في قول الله تعالى: {وماقدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة }


تعليمات:
1. يسجّل الطالب اختياره للدرس قبل الشروع في التلخيص.
2. يمنع تكرار الاختيار.

- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم السبت القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.

تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ= 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب= 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج= 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ= أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: الشمول [ اشتمال التلخيص على مسائل الدرس]
2: الترتيب. [ حسن ترتيب العناصر والمسائل]
3: التحرير العلمي. [بأن تكون الكلام في تلخيص المسألة محرراً وافياً بالمطلوب]
4: الصياغة اللغوية. [ أن يكون الملخص سالماً من الأخطاء اللغوية والإملائية وركاكة العبارات وضعف الإنشاء]
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.



_________________

وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 8 رجب 1440هـ/14-03-2019م, 12:33 PM
صلاح الدين محمد صلاح الدين محمد غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 932
افتراضي

اختار بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الْحَلِفِ.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 8 رجب 1440هـ/14-03-2019م, 07:56 PM
هدى هاشم هدى هاشم غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 274
افتراضي

أختار باب النهي عن سب الريح

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 8 رجب 1440هـ/14-03-2019م, 08:42 PM
هدى هاشم هدى هاشم غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 274
افتراضي

باب النهي عن سب الريح
العناصر:
- مناسبة الباب لكتاب التوحيد.
- معنى الريح.
- شرح حديث أبي بن كعب: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسبوا الريح ............" الحديث.
- مسائل مستفادة من الباب.
.........................................................................................................................................................................................................
- مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان سب الريح قدحا في التوحيد، لذلك نبه المصنف رحمه الله إلى ذلك، فالريح مخلوق يرسل بالخير والشر، والله عز وجل يصرفها بقدرته كيف يشاء وعلى ما يريد، فسب الريح سب لمن خلقها وأرسلها، والمؤمن لا يعترض على قضاء الله وقدره، بل يكون مستسلما لأمره الكوني، كما هو مأمور بالاستسلام لأمره الشرعي، فهذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.
- معنى الريح:
الريح هو الهواء الذي يصرفه الله عز وجل، وجمعه رياح، وأصوله أربعة: الشمال والجنوب والشرق والغرب، وما بينهما يسمى النكباء، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الاتجاهات الرئيسية، وتصريف الرياح من آيات الله عز وجل، فأحيانا تكون شديدة مدمرة تقلع الأشجار وتدفن المزروعات وتهدم المنازل، وأحيانا تكون هادئة تلطف الجو، أمرها كله بقضاء الله وقدره.
- شرح حديث أبي بن كعب: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسبوا الريح..........." الحديث:
لا: الناهية.
السب: الشتم والعيب والقدح واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهي عن سبها لأن سب المخلوق سب لخالقه.
من خير هذه الريح: الريح نفسها فيها خير وشر، ومن خيرها أن تكون هادئة تبرد الجو وتكسب النشاط.
وخير ما فيها: لأن الريح قد تحمل خيرا كحبوب اللقاح اللازمة لتكاثر النبات.
وخير ما أمرت به: كإثارة السحاب وسوقه إلى حيث شاء الله.
ونعوذ بك: نلجأ ونعتصم، والاستعاذة عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.
من شر هذه الريح: عندما تأتي بالدمار فتقلع الأشجار وتهدم المنازل.
وشر ما فيها: أي شر ما تحمله كالأمراض والغبار.
وشر ما أمرت به: كالإهلاك والتدمير ويكون لحكمة لا ندركها.
وجهنا الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث إلى كلمات يقولها من رأى أن الريح مزعجة فبقول: "اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" وهذا القول يعلن فيه العبد اسنسلامه الكامل لقضاء الله وقدره، توكله التام على رب العالمين.
- مسائل مستفادة من الباب:
1. النهي عن سب الريح، وهذا النهي للتحريم لأن سبها سب لمن خلقها.
2. الرياح مأمورة يصرفها الله كيف يشاء
3. الريح قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر وكله تبعا لحكمة الله.
4. إرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اللجوء إلى الله بالدعاء عند هبوب الريح.
5. يجب على الإنسان عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 9 رجب 1440هـ/15-03-2019م, 01:02 AM
د.محمد بشار د.محمد بشار غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 233
افتراضي

اختار باب ما جاء في الإقسام على الله

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 9 رجب 1440هـ/15-03-2019م, 11:44 AM
د.محمد بشار د.محمد بشار غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 233
افتراضي

فهرس مسائل باب (ما جاء في الإقسام على الله):

عناصر الباب:
1- مناسبة الباب لكتاب التَّوحيد
2- معنى: (الإقسام)
3- تعريف الإقسام على الله تعالى
4- أقسام الإقسام على الله تعالى
5- تفسير حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏قال رجل‏:‏ والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل‏:‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏؟‏ إني قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ رواه مسلم ‏.‏
6- تفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه
7- فوائد متعلقة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
8- مسائل متعلقة بالباب.
-----------------------------------------------------------
1- مناسبة الباب لكتاب التَّوحيد:
من تألى على الله عز وجل، فقد أساء الأدب معه وتحجز فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد الواجب وينقص مراتب الإيمان، وربما كان ينافي أصل التوحيد بحسب نية فاعله، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصًا في حقه‏.‏

2- معنى: (الإقسام):
- الأقسام‏:‏ مصدر أقسم يقسم إذا حلف‏.‏
- والحلف له عدة أسماء، هي‏:‏ يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعني واحد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بمواقع النجوم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏للذين يؤلون من نسائهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 226‏]‏، أي‏:‏ يحلفون، وقال‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 225‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يحلفون بالله لكم ليرضوكم ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 53‏]‏‏.‏

- واختلف أهل العلم في ‏{‏لا‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏لا أقسم‏}‏‏.‏ وقد ورد ذلك في قوله سبحانه: (لا أقسم بالخنس)، (لا أقسم بهذا البلد)، (لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة)، (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)...
فقيل‏:‏ إنها نافية على الأصل، وإن معني الكلام‏:‏ لا أقسم بهذا الشيء على المقسم به، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف، لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي‏.‏
وقيل‏:‏ إن ‏{‏لا‏}‏ زائدة، والتقدير أقسم‏.‏
وقيل‏:‏ إن ‏{‏لا‏}‏ للتنبيه، وهذا بمعني الثاني، لأنها من حيث الإعراب زائدة‏.‏
وقيل‏:‏ أنها نافية لشيء مقدر، أي لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ فيه شيء من التكلف والصواب أنها زائدة للتنبيه‏.‏
وقيل: بل معناه لا استنكارا لما تفعلون وأقسم بكذا تعظيما للمقسم به ولله أن يقسم بما شاء وليس للمخلوق إلا أن يقسم بالله تعالى ويحلف به.

3- تعريف الإقسام على الله تعالى:
الإقسام على الله‏:‏ أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل‏:‏ والله، ليفعلن الله كذا، أو والله، لا يفعل الله كذا‏.‏

4- أقسام الإقسام على الله تعالى:
الإقسام على الله ينقسم إلى أقسام‏ ثلاثة:
- القسم الأول‏:‏ أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل‏:‏ والله، ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل‏:‏ والله، لا يغفر الله لم أشرك به‏.‏
- القسم الثاني‏:‏ أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي صلى الله عليه وسلمـ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك رضي الله عنهما، ‏حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال‏:‏ أتكسر ثنية الربيع‏؟‏ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع‏.‏ وهو النضر، فقال‏:‏ أتكسر ثنية الربيع‏؟‏ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع‏.‏ وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏يا أنس‏!‏ كتاب الله القصاص‏)‏، يعني‏:‏ السن بالسن‏.‏ قال‏:‏ والله، لا تكسر ثنية الربيع. وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك‏.‏
فلما عرفوا أنه مصمم ألقي الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏. فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع، فألقي الله العفو في قلوب هولاء الذين صمموا أمام الرسول صلى الله عليه وسلمـ عليه شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال‏:‏ بأنه يجد ريح الجنة دون أحد، ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه ، وهي الربيع هذه، رضى الله عن الجميع وعنا معهم‏.‏
ويدل أيضًا لهذا القسم قوله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏رب أشعت مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره‏)‏.‏
- القسم الثالث‏:‏ أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله عز وجل وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله‏.‏

5- تفسير حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏قال رجل‏:‏ والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل‏:‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏؟‏ إني قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ رواه مسلم ‏.‏
تفسير الحديث الشريف:
- قوله‏:‏ ‏"‏ قال رجل ‏"‏‏.‏ يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي هريرة الآتي أو غيره‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ والله لا يغفر الله لفلان ‏"‏‏.‏ هذا يدل على اليأس من روح الله، واحتقار عباد الله عند القائل، وإعجابه بنفسه‏.‏
والمغفرة‏:‏ ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يغطي به الرأس عند الحرب، وفيه وقاية وستر‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان ‏"‏‏.‏ ‏"‏ من ‏"‏‏:‏ اسم استفهام مبتدأ، ‏"‏ ذا ‏"‏ ملغاة، ‏"‏ الذي ‏"‏‏:‏ اسم موصول خبر مبتدأ، ‏"‏ يتألي ‏"‏‏:‏ يحلف، أي‏:‏ من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام للإنكار‏.‏
والحديث ورد مبسوطًا في حديث أبي هريرة أن هذا الرجل كان عابدًا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول‏:‏ أقصر‏.‏ فوجده يومًا على ذنب، فقال‏:‏ أقصر‏.‏ فقال‏:‏ خلني وربي، أبعثت على رقيبًا‏؟‏ فقال‏:‏ والله، لا يغفر الله لك‏.‏
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن ظن بالله ورجاء له ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه، لأنه قال‏:‏ خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحًا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخري، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة، لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود‏.‏
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له، إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو كان شركًا ومات بدون توبة، فإنه لا يغفر له، لأن الله يقول‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 116‏]‏‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ وأحبطت عملك ‏"‏‏.‏ ظاهر الإضافة في الحديث‏:‏ أن الله أحبط عمله كله، لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عامًا‏.‏
ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم حسب فهمنا والعلم عند الله‏:‏ أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال بما عمل على الله كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنًا عظيمًا من أركان العبادة، لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، فلابد أن تكون عبدًا لله عز وجل بما تعبدك به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا على رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدًا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعًا كاملًا حتى تحقق العبودية‏.‏
ويحتمل معني ‏(‏أحبطت عملك‏)‏، آي‏:‏ عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، وهذا أهون، لأن العمل أذا حصلت فيه إساءة بطل وحده دون غيره، لكن ظاهر حديث أبي هريرة يمنع هذا الاحتمال، حيث جاء فيه أن الله تعالى قال‏:‏ أذهبوا به إلى النار‏.‏

6- تفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ , فَنَادَانِي شَيْخٌ , فَقَالَ : يَا يَمَانِيُّ , يَا يَمَانِيُّ , تَعَالَهْ ، وَمَا أَعْرِفُهُ ! فَقَالَ لا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ : وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا , وَلا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا ، قُلْتُ : وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ إِذَا غَضِبَ , أَوْ لِزَوْجَتِهِ , أَوْ لِخَادِمِهِ ، قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ , أَحَدُهُمَا مُجتهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ , وَالآخَرُ كَأَنَّهُ يَقُولُ : مُذْنِبٌ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : أَقْصِرْ , أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَيَقُولُ : خَلِّنِي وَرَبِّي حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ , قَالَ : أَقْصِرْ ، قَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي , أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ قَالَ : وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا , أَوْ لا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَبَدًا ، قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا , فَقَبَضَ رُوحَيْهِمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ , فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي , وَقَالَ لِلآخَرِ : أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي ؟ قَالَ : لا يَا رَبِّ ، قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ " ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .
- قوله‏:‏ ‏"‏ تكلم بكلمة ‏"‏‏.‏ يعني قوله‏:‏ والله، لا يغفر الله لك‏.‏
- قوله‏:‏ ‏"‏ أوبقت ‏"‏‏.‏ أي‏:‏ أهلكت، ومنه حديث‏:‏ ‏(‏اجتنبوا السبع الموبقات‏)‏ ، أي المهلكات‏.‏
- قوله‏:‏ ‏"‏ دنياه وأخرته ‏"‏ لأن من حبط عمله، فقد خسر الدنيا والآخرة‏.‏
أما كونها أوبقت أخرته، فالأمر ظاهر، لأنه من أهل النار والعياذ بالله، وأما كونها أو بقت دنياه، فلأن دنيا الإنسان حقيقة هي ما اكتسب فيها عملًا صالحًا، وإلا، فهي خسارة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 1-3‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 15‏]‏، فمن لم يوفق للإيمان والعمل الصالح، فقد خسر دنياه حقيقة، لأن مالها للفناء، وكل شيء فان فكأنه لم يوجد، واعتبر هذا بما حصل لك مما سبق من عمرك تجده مر عليك وكأنه لم يكن وهذا من حكمة الله عز وجل لئلا يركن إلى الدنيا‏.‏

7- فوائد متعلقة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
- الأولى‏:‏ التحذير من التالي على الله‏.
-‏ الثانية‏:‏ كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله‏.
-‏ الثالثة‏:‏ أن الجنة مثل ذلك‏.‏
- الرابعة‏:‏ فيه شاهد لقوله‏:‏ ‏"‏ إن الرجل ليتكلم بالكلمة‏.‏‏.‏ ‏"‏ إلى أخره‏.
-‏ الخامسة‏:‏ أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.

8- مسائل متعلقة بهذا الباب:
- الأولى‏:‏ التحذير من التالي على الله‏.‏ لقوله‏:‏ ‏(‏من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏)‏ ، وكونه أحبط عمله بذلك‏.‏

- الثانية‏:‏ كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله‏.‏

- الثالثة‏:‏ أن الجنة مثل ذلك‏.‏
هاتان المسألتان اللتان ذكرهما المؤلف تؤخذان من حبوط عمل المتالي والمغفرة للمسرف على نفسه، ثم أشار إلى حديث رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك‏)‏، ويقصد بهما تقريب بهما الجنة أو النار، والشراك‏:‏ سير النعل الذي يكون بين الإبهام والأصابع‏.‏

- الرابعة‏:‏ فيه شاهد لقوله‏:‏ ‏(‏إن الرجل ليتكلم بالكلمة‏.‏‏.‏‏)‏ آخره‏.‏ يشير المؤلف إلى حديث‏:‏ إن الرجل ليتكلم ما يري أن تبلغ حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفًا‏"‏ ، أو ‏(‏أبعد مما بين المشرق والمغرب‏)‏ ، وهذا فيه الحذر من مزلة اللسان، فقد يسبب الهلاك، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة‏)‏ ، وقال لمعاذ‏:‏ ‏(‏كف عليك هذا‏)‏ يعني لسانة‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ثكلتك أمك يا معاذ‏!‏ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال‏:‏ على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏؟‏ ‏!‏ ‏)‏ ‏.‏
ولا سيما إذا كانت هذه الزلة ممن يقتدي به، كما يحدث من دعاة الضلال والعياذ بالله، فإن عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة‏.‏

- الخامسة‏:‏ أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه‏.‏ فإنه قد غفر له بسبب هذا التأنيب، وهذه لم تظهر لي من الحديث ولعلها تؤخذ من قوله ‏"‏ قد غفرت له ‏"‏‏.‏
ولا شك أن الإنسان قد يغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏‏.‏

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 9 رجب 1440هـ/15-03-2019م, 03:57 PM
صلاح الدين محمد صلاح الدين محمد غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 932
افتراضي

فهرسة مسائل باب ماجاء في كثرة الحلف
عناصر الدرس

أهمية الباب
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
تعريف الحلف
المقصود باليمين
سبب تشريع اليمين
تفسير قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحلف منفقة للسلعة , ممحقة للكسب )
تخريج الحديث
المعنى الإجمالي للحديث
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ... الحديث )
تخريج الحديث
ترجمة الراوي
معنى قوله : ( ثلاثة لا يكلمهم الله )
الرد على نفاة الصفات
معنى قيام الحوادث به تعالى
معنى قوله : ( ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )
معنى قوله : ( أشيمط زان )
معنى قوله : ( و عائل مستكبر )
أنواع الاستكبار
معنى قوله : ( ورجل جعل الله بضاعته )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير أمتي قرني ...الحديث )
تخريج الحديث
معنى قوله : ( خير أمتي قرني )
معنى قوله : ( فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا )
معنى قوله : ( ثم إن بعدكم قوما يشهدون و لا يستشهدون )
معنى قوله : ( ويخونون ولا يؤتمنون )
معنى قوله : ( وينذرون و لا يوفون )
معنى قوله : ( ويظهر فيهم السمن )
معنى قوله : ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ... الحديث )
المعنى الإجمالي للحديث
معنى أثر إبراهيم النخعي : ( كانوا يضربوننا على الشهادة و العهد ونحن صغار ).
الواجب في الشهادة والعهد

التلخيص

أهمية الباب
تكمن أهمية هذا الباب في أن القلب لابد أن يكون معظما لله عز وجل , بأن لا يكثر من الحلف لأن ذلك لا يجامع كمال التوحيد؛ فإن من كمال التوحيد أن لا يجعل العبد ربه تبارك وتعالى في أيمانه , إذا باع حلف , و إذا اشترى حلف , و إذا تكلم حلف , فإن هذا ليس من تعظيم الله عز وجل .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن كثرة الحلف منافية لكمال التوحيد فناسب أن يذكر في كتاب التوحيد .
تعريف الحلف
الحلف : هو تأكيد الأمر بمعظم و هو الله جل جلاله .
المقصود باليمين
والمقصود باليمين والحلف هنا اليمين المعقودة المنعقدة، التي عقدها صاحبها، أما لغو اليمين فإن هذا معفوٌ عنه، مع أن الكمال فيه، والمستحب أن يخلّص الموحد لسانه، وقلبه، من كثرة الحلف في الإكرام، ونحوه بلغو اليمين.
سبب تشريع اليمين
أصل اليمين إنما شرعت تأكيدا للأمر المحلوف عليه , وتعظيما للخالق , ولهذا وجب أن لا يحلف إلا بالله , و كان الحلف بغيره من الشرك .
تفسير قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم )
ذكر في معنى الآية أقوال :
الأول : لا تتركوها بغير تكفير قاله ابن جرير .
الثاني : لا تحلفوا قاله ابن عباس .
الثالث : احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا ذكره عبدالرحمن بن حسن ولم يعزه .
وذكر صاحب فتح المجيد أن المصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنه ؛ لأنه يلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث , مما يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله عز وجل , وهذا منافي لكمال التوحيد الواجب , أو عدمه .
و المعنى أن الله عز وجل أوجب على العبد أن يحفظ يمينه فلا يحلف عاقدا يمينه إلا على أمر شرعي , أما أن يجعل الله عز وجل في يمينه دائما فإن هذا ليس من تعظيم أسماء الله عز و جل .
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحلف منفقة للسلعة , ممحقة للكسب )
تخريج الحديث
الحديث أخرجه البخاري و مسلم و أبو داود والنسائي .
المعنى الإجمالي للحديث
أن الذي يحلف على سلعته بأن اشتراها بكذا قد يظن المشتري أنه صادق في حلفه فيأخذها بزيادة عن قيمتها , وهو قد كذب في حلفه , فيكون ذلك سببا في محق بركة كسبه , ويكون ذلك عقوبة له ؛ لأنه لم يفعل الواجب من تعظيم الله عز وجل .
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ... الحديث )
تخريج الحديث
الحديث رواه الطبراني بسند صحيح .
ترجمة الراوي
اختلف في راواي الحديث على قولين :
الأول : سلمان الفارسي : وهو سَلمانُ الفارسيُّ أبو عبدِ اللهِ؛ أَسلَمَ عندَ مَقْدَمِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ، وشَهِدَ الْخَنْدَقَ؛ روَى عنه أبو عُثمانَ النَّهديُّ، وشُرحبيلُ بنُ السمْطِ، وغيرُهما، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ أَصحابِي أَربَعَةً: عَلِيًّا؛ وَأبا ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، وَالْمِقْدَادَ)) أَخْرَجَهُ التِّرمذيُّ، وابنُ مَاجَه، قالَ الْحَسَنُ: (كان سَلمانُ أميرًا علَى ثلاثينَ ألفًا يَخْطُبُ بهم في عَباءةٍ يَفْتَرِشُ نِصْفَها ويَلْبَسُ نِصْفَها، تُوفِّيَ في خِلافةِ عُثمانَ).
قال أبو عُبيدةَ: (سنةَ سِتٍّ وثلاثين عنْ ثلاثِمائةٍ وخَمسينَ سنةً).
الثاني : سلمان بن عامر بن أوس الضبي .
معنى قوله : ( ثلاثة لا يكلمهم الله )
اثبات صفة الكلام لله عز وجل
نَفْيُ كلامِ الرَّبِّ تعالَى وتَقَدَّسَ عنْ هؤلاءِ العُصاةِ دَليلٌ علَى أنَّهُ يُكلِّمُ مَنْ أَطَاعَهُ، وأنَّ الكلامَ صِفَةٌ منْ صِفاتِ كَمَالِهِ، والأدِلَّةُ علَى ذلكَ من الكتابِ والسنَّةِ أَظْهَرُ شيءٍ وأَبْيَنُهُ، وهوَ الذي عليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ من الْمُحَقِّقِينَ قِيامُ الأفعالِ باللهِ سُبحانَهُ، وأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ بمشيئتِهِ تعالَى وقُدرتِهِ شيئًا فشيئًا، ولم يَزَلْ مُتَّصِفًا بهِ.
فهو حادِثُ الآحادِ قديمُ النَّوْعِ، كما يَقولُ ذلكَ أَئِمَّةُ أصحابِ الحديثِ وغيرُهم منْ أصحابِ الشافعيِّ، وأحمدَ، وسائرِ الطوائفِ؛ كما قالَ تعالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[يس:82]، فأتَى بالحروفِ الدَّالَّةِ علَى الاستقبالِ، والأفعالِ الدالَّةِ علَى الحالِ والاستقبالِ أيضًا، وذلكَ في القرآنِ كثيرٌ.
الرد على نفاة الصفات
قالَ المُصَنِّفُ شيخُ الإِسلامِ: (فإذا قالوا لنا - يعني النُّفاةَ -: فهذا يَلْزَمُ أن تكونَ الحوادثُ قائمةً بهِ؛ قلنا: ومَنْ أَنْكَرَ هذا قَبْلَكم من السلَفِ والأَئِمَّةِ؟ ونُصوصُ القرآنِ والسُّنَّةِ تَتَضَمَّنُ ذلكَ معَ صَريحِ العقلِ، ولفظُ: (الحوادثِ) مُجْمَلٌ، فقدْ يُرادُ بهِ الأَعراضُ والنقائصُ، واللهُ تعالَى مُنَزَّهٌ عنْ ذلكَ، ولكن يَقومُ بهِ ما يَشاءُ منْ كلامِهِ وأفعالِهِ ونحوِ ذلكَ: مِمَّا دَلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ، والقولُ الصحيحُ: هوَ قولُ أهلِ العلْمِ الذينَ يَقولون: لَمْ يَزَل اللهُ متكلِّمًا إذا شاءَ، كما قالَ ابنُ المبارَكِ، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وغيرُهما منْ أَئِمَّةِ السُّنةِ) انتهَى.
معنى قيام الحوادث به تعالى
ومعنَى قِيامِ الحوادثِ بهِ تعالَى: قُدرتُهُ عليها، وإيجادُهُ لها بمشيئتِهِ وأَمْرِهِ، واللهُ أَعْلَمُ.
معنى قوله : ( ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )
لَمَّا عَظُمَ ذَنبُهم عَظُمَتْ عُقُوبتُهم، فعُوقِبُوا بهذه الثلاثِ التي هيَ أَعْظَمُ العُقوباتِ.
معنى قوله : ( أشيمط زان )
وهو من شمطه الشيب , وقلبه متعلق بالزنا , صَغَّرَهُ تَحقيرًا لهُ؛ وذلكَ لأنَّ داعيَ الْمَعْصِيَةِ ضَعُفَ في حَقِّهِ، فدلَّ علَى أنَّ الحاملَ لهُ علَى الزِّنا مَحَبَّةُ الْمَعْصِيَةِ والفُجورِ، وعَدَمُ خوفِهِ من اللهِ، وضَعْفُ الداعي إلَى المعصيَةِ معَ فِعْلِها يُوجِبُ تَغليظَ العُقوبةِ عليهِ؛ بخِلافِ الشابِّ، فإنَّ قُوَّةِ داعي الشهوةِ منهُ قدْ يَغْلِبُهُ معَ خَوْفِهِ من اللهِ، وقدْ يَرْجِعُ علَى نفسِهِ بالندَمِ، ولَوْمِها علَى المعصيَةِ فيَنْتَهِي ويُرَاجِعُ.
معنى قوله : ( و عائل مستكبر )
وكذا العائلُ المستكْبِرُ ليسَ لهُ ما يَدعوهُ إلَى الكِبْرِ؛ لأنَّ الداعيَ إلَى الكِبْرِ في الغالبِ كَثْرَةُ المالِ والنِّعَمِ والرِّياسةِ، و(العائلُ) الفقيرُ لا دَاعِيَ لهُ إلَى أن يَستكْبِرَ، فاستكبارُهُ معَ عَدَمِ الداعِي إليهِ يَدُلُّ علَى أنَّ الْكِبْرَ طَبيعةٌ لهُ، كامِنٌ في قَلْبِهِ، فعَظُمَتْ عُقوبتُهُ لعَدَمِ الداعِي إلَى هذا الْخُلُقِ الذميمِ الذي هوَ منْ أَكْبَرِ المعاصِي.
أنواع الاستكبار
- يكون استكباراً في الذات.
وذلك بأن يستكبر ويرى نفسه كبيرا عظيما , وليس عنده من الصفات التي تجعله يتكبر ويتعاظم .
- ويكون استكباراً للصفات.
وذلك بأن يكون عنده من الصفات التي تجعله يتكبر , مثل ان يكون ذا جاه ورفعة , فيتكبر من أجل ما عنده من هذه الصفات .
معنى قوله : ( ورجل جعل الله بضاعته )
وهذا هو موطن الشاهد من الحديث , أي الْحَلِفَ بهِ، جَعَلَهُ بِضاعَتَهُ لِمُلازَمَتِهِ لهُ وغَلَبَتِهِ عليهِ، وهذه أعمالٌ تَدُلُّ علَى أنَّ صاحبَها إنْ كان مُوَحِّدًا فتَوحيدُهُ ضَعيفٌ، وأعمالُهُ ضَعيفةٌ، بِحَسَبِ ما قامَ بقلبِهِ، وظَهَرَ علَى لِسانِهِ وعَمَلِهِ، منْ تلكَ المعاصِي العظيمةِ علَى قِلَّةِ الداعِي إليها.
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير أمتي قرني ...الحديث )
تخريج الحديث
الحديث أخرجه مسلم و أبو داود والترمذي , ورواه البخاري بلفظ : ( خيركم ).
معنى قوله : ( خير أمتي قرني )
لفضيلةِ أهلِ ذلكَ القَرْنِ في العِلْمِ والإِيمانِ والأعمالِ الصالحةِ التي يَتنافَسُ فيها المتنافِسونَ، ويَتفاضَلُ فيها العامِلونَ، فغَلَبَ الخيرُ فيها وكَثُرَ أهلُهُ، وقَلَّ الشرُّ فيها وأَهْلُهُ، واعْتَزَّ فيها الإِسلامُ والإِيمانُ؛ وكَثُرَ فيها العِلْمُ والعلماءُ ((ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) فُضِّلُوا علَى مَنْ بَعْدَهم لظهورِ الإِسلامِ فيهم، وكَثرةِ الداعي إليهِ، والراغبِ فيهِ، والقائمِ بهِ، وما ظَهَرَ فيهِ من الْبِدَعِ أُنْكِرَ واستُعْظِمَ وأُزِيلَ، كبِدعةِ الخوارجِ، والقَدَرِيَّةِ، والرافِضَةِ، فهذه الْبِدَعُ وإن كانتْ قدْ ظَهَرَتْ فأهلُها في غايَةِ الذُّلِّ والْمَقْتِ والْهَوانِ والقتْلِ فيمَنْ عانَدَ منهم ولم يَتُبْ.
معنى قوله : ( فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا )
هذا شَكٌّ منْ راوي الحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، والمشهورُ في الرواياتِ: أنَّ القُرونَ الْمُفَضَّلَةَ ثلاثةٌ، الثالثُ دونَ الأَوَّلَيْنَ في الفَضْلِ، لكَثرةِ ظُهُورِ البِدَعِ فيهِ، لكنَّ العُلماءَ مُتوافِرونَ، والإِسلامُ فيهِ ظاهِرٌ والْجِهادُ فيهِ قائمٌ.
معنى قوله : ( ثم إن بعدكم قوما يشهدون و لا يستشهدون )
ثمَّ ذَكَرَ ما وَقَعَ بعدَ القُرونِ الثلاثةِ من الْجَفاءِ في الدِّينِ، وكَثْرَةِ الأهواءِ فقالَ: ((ثُمَّ إنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ)) لاستخفافِهم بأَمْرِ الشهادةِ وعَدَمِ تَحرِّيِهم للصِّدْقِ، وذلكَ لقِلَّةِ دِينِهم، وضَعْفِ إسلامِهم.
معنى قوله : ( ويخونون ولا يؤتمنون )
يَدُلُّ علَى أنَّ الْخِيانةَ قدْ غَلَبَتْ علَى كثيرٍ منهم أوْ أَكْثَرِهم.
معنى قوله : ( وينذرون و لا يوفون )
أيْ: لا يُؤَدُّون ما وَجَبَ عليهم؛ فظُهورُ هذه الأعمالِ الذَّميمةِ يَدُلُّ علَى ضَعْفِ إسلامِهم، وعَدَمِ إيمانِهم.
معنى قوله : ( ويظهر فيهم السمن )
لرَغبتِهم في الدنيا، ونَيْلِ شَهواتِهم والتَّنَعُّمِ بها، وغَفْلَتِهم عن الدارِ الآخِرَةِ والعملِ لها.
معنى قوله : ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه )
وفي حديثِ أَنَسٍ: ((لاَ يَأْتِي زَمَانٌ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)) قَالَ أَنَسٌ: (سَمِعتُهُ مِنْ نَبيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فما زالَ الشَّرُّ يَزيدُ في الأُمَّةِ حتَّى ظَهَرَ الشرْكُ والبِدَعُ في كثيرٍ منهم، حتَّى فيمَنْ يَنْتَسِبُ إلَى العِلْمِ ويَتَصَدَّرُ للتعليمِ والتصنيفِ.
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ... الحديث )
المعنى الإجمالي للحديث
وهذه حالُ مَنْ صَرَفَ رَغبتَهُ إلَى الدنيا ونَسِيَ الْمَعَادَ، فخَفَّ أمرُ الشهادةِ واليمينِ عندَهُ تَحمُّلاً وأَداءً؛ لقِلَّةِ خَوْفِهِ من اللهِ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بذلكَ، وهذا هوَ الغالِبُ علَى الأَكْثَرِ، واللهُ الْمُستعانُ، فإذا كان هذا قدْ وَقَعَ في الصَّدْرِ الأَوَّلِ ففي ما بَعْدَهُ أكثرُ بأَضعافٍ، فكُنْ مِن الناسُ علَى حَذَرٍ.
معنى أثر إبراهيم النخعي : ( كانوا يضربوننا على الشهادة و العهد ونحن صغار ).
وذلكَ لكَثرةِ عِلْمِ التابعينَ، وقُوَّةِ إيمانِهم ومَعرِفَتِهم برَبِّهِم، وقِيامِهم بوَظيفةِ الأَمْرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن الْمُنْكَرِ؛ لأنَّهُ منْ أَفْضَلِ الْجِهادِ، ولا يَقومُ الدِّينُ إلاَّ بهِ، وفي هذا رَغبةٌ في تَمرينِ الصِّغارِ علَى طاعةِ ربِّهم، ونَهْيِهم عمَّا يَضُرُّهم، وذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، واللهُ ذو الْفَضْلِ العظيمِ.
الواجب في الشهادة والعهد
فإن الشهادة والعهد، واجبٌ أنْ تكون:
- مع التعظيم لله جل وعلا.
- والخوف من لقائه.
- والخوف مِنَ الظلم.
فكانوا يؤدبون أولادهم على ذلك، حتى يتمرنوا وينشأوا على تعظيم توحيد الله، وتعظيم أمر الله ونهيه.


و الله أعلم

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 9 رجب 1440هـ/15-03-2019م, 07:08 PM
محمد عبد الرازق محمد عبد الرازق غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
الدولة: مصر
المشاركات: 693
افتراضي

باب لا يُستشفع بالله على خلقه.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 رجب 1440هـ/19-03-2019م, 09:43 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 872
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هدى هاشم مشاهدة المشاركة
باب النهي عن سب الريح

فهرسة مسائل "باب النهي عن سب الريح"

العناصر:
- مناسبة الباب لكتاب التوحيد.
- معنى الريح.
- شرح حديث أبي بن كعب: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسبوا الريح ............" الحديث.
يجب استخراج العناصر المندرجة تحت شرح الحديث مثل:
ترجمة أبي بن كعب.
ما يقال عند اشتداد الريح
الحكمة من النهي عن سب الريح
وهكذا...
ثم تلخيصها


- مسائل مستفادة من الباب.
يجب عملها على شكل عناصر لأن المطلوب فهرسة الباب وليس شرحه.
.........................................................................................................................................................................................................
- مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان سب الريح قدحا في التوحيد، لذلك نبه المصنف رحمه الله إلى ذلك، فالريح مخلوق يرسل بالخير والشر، والله عز وجل يصرفها بقدرته كيف يشاء وعلى ما يريد، فسب الريح سب لمن خلقها وأرسلها، والمؤمن لا يعترض على قضاء الله وقدره، بل يكون مستسلما لأمره الكوني، كما هو مأمور بالاستسلام لأمره الشرعي، فهذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.
- معنى الريح:
الريح هو الهواء الذي يصرفه الله عز وجل، وجمعه رياح، وأصوله أربعة: الشمال والجنوب والشرق والغرب، وما بينهما يسمى النكباء، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الاتجاهات الرئيسية، وتصريف الرياح من آيات الله عز وجل، فأحيانا تكون شديدة مدمرة تقلع الأشجار وتدفن المزروعات وتهدم المنازل، وأحيانا تكون هادئة تلطف الجو، أمرها كله بقضاء الله وقدره.
- شرح حديث أبي بن كعب: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسبوا الريح..........." الحديث:
لا: الناهية.
السب: الشتم والعيب والقدح واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهي عن سبها لأن سب المخلوق سب لخالقه.
من خير هذه الريح: الريح نفسها فيها خير وشر، ومن خيرها أن تكون هادئة تبرد الجو وتكسب النشاط.
وخير ما فيها: لأن الريح قد تحمل خيرا كحبوب اللقاح اللازمة لتكاثر النبات.
وخير ما أمرت به: كإثارة السحاب وسوقه إلى حيث شاء الله.
ونعوذ بك: نلجأ ونعتصم، والاستعاذة عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.
من شر هذه الريح: عندما تأتي بالدمار فتقلع الأشجار وتهدم المنازل.
وشر ما فيها: أي شر ما تحمله كالأمراض والغبار.
وشر ما أمرت به: كالإهلاك والتدمير ويكون لحكمة لا ندركها.
وجهنا الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث إلى كلمات يقولها من رأى أن الريح مزعجة فبقول: "اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" وهذا القول يعلن فيه العبد اسنسلامه الكامل لقضاء الله وقدره، توكله التام على رب العالمين.
- مسائل مستفادة من الباب:
1. النهي عن سب الريح، وهذا النهي للتحريم لأن سبها سب لمن خلقها.
2. الرياح مأمورة يصرفها الله كيف يشاء
3. الريح قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر وكله تبعا لحكمة الله.
4. إرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اللجوء إلى الله بالدعاء عند هبوب الريح.
5. يجب على الإنسان عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره.
أحسنت بارك الله فيك.
أرجو الانتباه للملاحظات وإعادة قراءة درس الفهرسة العلمية , فالعناصر المستخرجة معدودة ولا تعطي فكرة واضحة عن مقصود الباب.
الدرجة: ب+.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 رجب 1440هـ/19-03-2019م, 09:59 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 872
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د.محمد بشار مشاهدة المشاركة
فهرس مسائل باب (ما جاء في الإقسام على الله):

عناصر الباب:
1- مناسبة الباب لكتاب التَّوحيد
2- معنى: (الإقسام)
3- تعريف الإقسام على الله تعالى
4- أقسام الإقسام على الله تعالى
5- تفسير حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏قال رجل‏:‏ والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل‏:‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏؟‏ إني قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ رواه مسلم ‏.‏
6- تفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه
7- فوائد متعلقة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
8- مسائل متعلقة بالباب.
المسائل تلحق بالعناصر.
-----------------------------------------------------------
1- مناسبة الباب لكتاب التَّوحيد:
من تألى على الله عز وجل، فقد أساء الأدب معه وتحجز فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد الواجب وينقص مراتب الإيمان، وربما كان ينافي أصل التوحيد بحسب نية فاعله، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصًا في حقه‏.‏

2- معنى: (الإقسام):
- الأقسام‏:‏ مصدر أقسم يقسم إذا حلف‏.‏
- والحلف له عدة أسماء، هي‏:‏ يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعني واحد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بمواقع النجوم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏للذين يؤلون من نسائهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 226‏]‏، أي‏:‏ يحلفون، وقال‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 225‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يحلفون بالله لكم ليرضوكم ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 53‏]‏‏.‏

توضع تحت عنوان : أقوال أهل العلم في ( لا ) في قوله :{ لا أقسم}.
- واختلف أهل العلم في ‏{‏لا‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏لا أقسم‏}‏‏.‏ وقد ورد ذلك في قوله سبحانه: (لا أقسم بالخنس)، (لا أقسم بهذا البلد)، (لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة)، (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)...
فقيل‏:‏ إنها نافية على الأصل، وإن معني الكلام‏:‏ لا أقسم بهذا الشيء على المقسم به، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف، لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي‏.‏
وقيل‏:‏ إن ‏{‏لا‏}‏ زائدة، والتقدير أقسم‏.‏
وقيل‏:‏ إن ‏{‏لا‏}‏ للتنبيه، وهذا بمعني الثاني، لأنها من حيث الإعراب زائدة‏.‏
وقيل‏:‏ أنها نافية لشيء مقدر، أي لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏ فيه شيء من التكلف والصواب أنها زائدة للتنبيه‏.‏
وقيل: بل معناه لا استنكارا لما تفعلون وأقسم بكذا تعظيما للمقسم به ولله أن يقسم بما شاء وليس للمخلوق إلا أن يقسم بالله تعالى ويحلف به.

3- تعريف الإقسام على الله تعالى:
الإقسام على الله‏:‏ أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل‏:‏ والله، ليفعلن الله كذا، أو والله، لا يفعل الله كذا‏.‏

4- أقسام الإقسام على الله تعالى:
الإقسام على الله ينقسم إلى أقسام‏ ثلاثة:
- القسم الأول‏:‏ أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل‏:‏ والله، ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل‏:‏ والله، لا يغفر الله لم أشرك به‏.‏
- القسم الثاني‏:‏ أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي صلى الله عليه وسلمـ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك رضي الله عنهما، ‏حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال‏:‏ أتكسر ثنية الربيع‏؟‏ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع‏.‏ وهو النضر، فقال‏:‏ أتكسر ثنية الربيع‏؟‏ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع‏.‏ وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏يا أنس‏!‏ كتاب الله القصاص‏)‏، يعني‏:‏ السن بالسن‏.‏ قال‏:‏ والله، لا تكسر ثنية الربيع. وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك‏.‏
فلما عرفوا أنه مصمم ألقي الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏. فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع، فألقي الله العفو في قلوب هولاء الذين صمموا أمام الرسول صلى الله عليه وسلمـ عليه شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال‏:‏ بأنه يجد ريح الجنة دون أحد، ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه ، وهي الربيع هذه، رضى الله عن الجميع وعنا معهم‏.‏
ويدل أيضًا لهذا القسم قوله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏رب أشعت مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره‏)‏.‏
- القسم الثالث‏:‏ أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله عز وجل وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله‏.‏
الأصل الاختصار في التلخيص دون إخلال بالمعنى.

5- تفسير شرح حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏قال رجل‏:‏ والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل‏:‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏؟‏ إني قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ رواه مسلم ‏.‏
نجعل الحديث يكون العنصر الرئيسي ثم تستخرج المسائل التي اشتملها الحديث مثل:
- ما ترتب على قول ( والله لا يغفر الله لفلان).
- بيان خطر اللسان.
- الوقاية من خطر اللسان .
- معنى يتألى.
- ما يقتضيه قوله :( من ذا الذي يتألى علي؟) .
- أسباب مغفرة الله للرجل الفاسق .
فالقصد فهرسة المسائل .


تفسير الحديث الشريف:
- قوله‏:‏ ‏"‏ قال رجل ‏"‏‏.‏ يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي هريرة الآتي أو غيره‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ والله لا يغفر الله لفلان ‏"‏‏.‏ هذا يدل على اليأس من روح الله، واحتقار عباد الله عند القائل، وإعجابه بنفسه‏.‏
والمغفرة‏:‏ ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يغطي به الرأس عند الحرب، وفيه وقاية وستر‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان ‏"‏‏.‏ ‏"‏ من ‏"‏‏:‏ اسم استفهام مبتدأ، ‏"‏ ذا ‏"‏ ملغاة، ‏"‏ الذي ‏"‏‏:‏ اسم موصول خبر مبتدأ، ‏"‏ يتألي ‏"‏‏:‏ يحلف، أي‏:‏ من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام للإنكار‏.‏
والحديث ورد مبسوطًا في حديث أبي هريرة أن هذا الرجل كان عابدًا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول‏:‏ أقصر‏.‏ فوجده يومًا على ذنب، فقال‏:‏ أقصر‏.‏ فقال‏:‏ خلني وربي، أبعثت على رقيبًا‏؟‏ فقال‏:‏ والله، لا يغفر الله لك‏.‏
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن ظن بالله ورجاء له ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه، لأنه قال‏:‏ خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحًا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخري، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة، لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود‏.‏
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له، إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو كان شركًا ومات بدون توبة، فإنه لا يغفر له، لأن الله يقول‏:‏ ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 116‏]‏‏.‏

- قوله‏:‏ ‏"‏ وأحبطت عملك ‏"‏‏.‏ ظاهر الإضافة في الحديث‏:‏ أن الله أحبط عمله كله، لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عامًا‏.‏
ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم حسب فهمنا والعلم عند الله‏:‏ أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال بما عمل على الله كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنًا عظيمًا من أركان العبادة، لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، فلابد أن تكون عبدًا لله عز وجل بما تعبدك به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا على رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدًا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعًا كاملًا حتى تحقق العبودية‏.‏
ويحتمل معني ‏(‏أحبطت عملك‏)‏، آي‏:‏ عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، وهذا أهون، لأن العمل أذا حصلت فيه إساءة بطل وحده دون غيره، لكن ظاهر حديث أبي هريرة يمنع هذا الاحتمال، حيث جاء فيه أن الله تعالى قال‏:‏ أذهبوا به إلى النار‏.‏

6- تفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ , فَنَادَانِي شَيْخٌ , فَقَالَ : يَا يَمَانِيُّ , يَا يَمَانِيُّ , تَعَالَهْ ، وَمَا أَعْرِفُهُ ! فَقَالَ لا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ : وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا , وَلا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا ، قُلْتُ : وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ إِذَا غَضِبَ , أَوْ لِزَوْجَتِهِ , أَوْ لِخَادِمِهِ ، قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ , أَحَدُهُمَا مُجتهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ , وَالآخَرُ كَأَنَّهُ يَقُولُ : مُذْنِبٌ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : أَقْصِرْ , أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَيَقُولُ : خَلِّنِي وَرَبِّي حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ , قَالَ : أَقْصِرْ ، قَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي , أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ قَالَ : وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا , أَوْ لا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَبَدًا ، قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا , فَقَبَضَ رُوحَيْهِمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ , فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي , وَقَالَ لِلآخَرِ : أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي ؟ قَالَ : لا يَا رَبِّ ، قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ " ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .
- قوله‏:‏ ‏"‏ تكلم بكلمة ‏"‏‏.‏ يعني قوله‏:‏ والله، لا يغفر الله لك‏.‏
- قوله‏:‏ ‏"‏ أوبقت ‏"‏‏.‏ أي‏:‏ أهلكت، ومنه حديث‏:‏ ‏(‏اجتنبوا السبع الموبقات‏)‏ ، أي المهلكات‏.‏
- قوله‏:‏ ‏"‏ دنياه وأخرته ‏"‏ لأن من حبط عمله، فقد خسر الدنيا والآخرة‏.‏
أما كونها أوبقت أخرته، فالأمر ظاهر، لأنه من أهل النار والعياذ بالله، وأما كونها أو بقت دنياه، فلأن دنيا الإنسان حقيقة هي ما اكتسب فيها عملًا صالحًا، وإلا، فهي خسارة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 1-3‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 15‏]‏، فمن لم يوفق للإيمان والعمل الصالح، فقد خسر دنياه حقيقة، لأن مالها للفناء، وكل شيء فان فكأنه لم يوجد، واعتبر هذا بما حصل لك مما سبق من عمرك تجده مر عليك وكأنه لم يكن وهذا من حكمة الله عز وجل لئلا يركن إلى الدنيا‏.‏

7- فوائد متعلقة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
- الأولى‏:‏ التحذير من التالي على الله‏.
-‏ الثانية‏:‏ كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله‏.
-‏ الثالثة‏:‏ أن الجنة مثل ذلك‏.‏
- الرابعة‏:‏ فيه شاهد لقوله‏:‏ ‏"‏ إن الرجل ليتكلم بالكلمة‏.‏‏.‏ ‏"‏ إلى أخره‏.
-‏ الخامسة‏:‏ أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.

8- مسائل متعلقة بهذا الباب:
- الأولى‏:‏ التحذير من التالي على الله‏.‏ لقوله‏:‏ ‏(‏من ذا الذي يتألي على أن لا أغفر لفلان‏)‏ ، وكونه أحبط عمله بذلك‏.‏

- الثانية‏:‏ كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله‏.‏

- الثالثة‏:‏ أن الجنة مثل ذلك‏.‏
هاتان المسألتان اللتان ذكرهما المؤلف تؤخذان من حبوط عمل المتالي والمغفرة للمسرف على نفسه، ثم أشار إلى حديث رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك‏)‏، ويقصد بهما تقريب بهما الجنة أو النار، والشراك‏:‏ سير النعل الذي يكون بين الإبهام والأصابع‏.‏

- الرابعة‏:‏ فيه شاهد لقوله‏:‏ ‏(‏إن الرجل ليتكلم بالكلمة‏.‏‏.‏‏)‏ آخره‏.‏ يشير المؤلف إلى حديث‏:‏ إن الرجل ليتكلم ما يري أن تبلغ حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفًا‏"‏ ، أو ‏(‏أبعد مما بين المشرق والمغرب‏)‏ ، وهذا فيه الحذر من مزلة اللسان، فقد يسبب الهلاك، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة‏)‏ ، وقال لمعاذ‏:‏ ‏(‏كف عليك هذا‏)‏ يعني لسانة‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ثكلتك أمك يا معاذ‏!‏ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال‏:‏ على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏؟‏ ‏!‏ ‏)‏ ‏.‏
ولا سيما إذا كانت هذه الزلة ممن يقتدي به، كما يحدث من دعاة الضلال والعياذ بالله، فإن عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة‏.‏

- الخامسة‏:‏ أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه‏.‏ فإنه قد غفر له بسبب هذا التأنيب، وهذه لم تظهر لي من الحديث ولعلها تؤخذ من قوله ‏"‏ قد غفرت له ‏"‏‏.‏
ولا شك أن الإنسان قد يغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏‏.‏
أحسنت نفع الله بك.
المطلوب استخراج المسائل وفهرستها, ثم تلخيصها بأسلوبك الخاص وترتيبها ترتيبا موضوعيا.
الدرجة: ب+

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 13 رجب 1440هـ/19-03-2019م, 10:15 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 872
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صلاح الدين محمد مشاهدة المشاركة
فهرسة مسائل باب ماجاء في كثرة الحلف
عناصر الدرس

أهمية الباب
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
تعريف الحلف
المقصود باليمين
سبب تشريع اليمين
تفسير قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحلف منفقة للسلعة , ممحقة للكسب )
تخريج الحديث
المعنى الإجمالي للحديث
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ... الحديث )
تخريج الحديث
ترجمة الراوي
معنى قوله : ( ثلاثة لا يكلمهم الله )
الرد على نفاة الصفات
معنى قيام الحوادث به تعالى
معنى قوله : ( ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )
معنى قوله : ( أشيمط زان )
معنى قوله : ( و عائل مستكبر )
أنواع الاستكبار
معنى قوله : ( ورجل جعل الله بضاعته )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير أمتي قرني ...الحديث )
تخريج الحديث
معنى قوله : ( خير أمتي قرني )
معنى قوله : ( فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا )
معنى قوله : ( ثم إن بعدكم قوما يشهدون و لا يستشهدون )
معنى قوله : ( ويخونون ولا يؤتمنون )
معنى قوله : ( وينذرون و لا يوفون )
معنى قوله : ( ويظهر فيهم السمن )
معنى قوله : ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه )
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ... الحديث )
المعنى الإجمالي للحديث
معنى أثر إبراهيم النخعي : ( كانوا يضربوننا على الشهادة و العهد ونحن صغار ).
الواجب في الشهادة والعهد

التلخيص

أهمية الباب
تكمن أهمية هذا الباب في أن القلب لابد أن يكون معظما لله عز وجل , بأن لا يكثر من الحلف لأن ذلك لا يجامع كمال التوحيد؛ فإن من كمال التوحيد أن لا يجعل العبد ربه تبارك وتعالى في أيمانه , إذا باع حلف , و إذا اشترى حلف , و إذا تكلم حلف , فإن هذا ليس من تعظيم الله عز وجل .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن كثرة الحلف منافية لكمال التوحيد فناسب أن يذكر في كتاب التوحيد .
تعريف الحلف
الحلف : هو تأكيد الأمر بمعظم و هو الله جل جلاله .
المقصود باليمين
والمقصود باليمين والحلف هنا اليمين المعقودة المنعقدة، التي عقدها صاحبها، أما لغو اليمين فإن هذا معفوٌ عنه، مع أن الكمال فيه، والمستحب أن يخلّص الموحد لسانه، وقلبه، من كثرة الحلف في الإكرام، ونحوه بلغو اليمين.
سبب تشريع اليمين
أصل اليمين إنما شرعت تأكيدا للأمر المحلوف عليه , وتعظيما للخالق , ولهذا وجب أن لا يحلف إلا بالله , و كان الحلف بغيره من الشرك .
تفسير قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم )
ذكر في معنى الآية أقوال :
الأول : لا تتركوها بغير تكفير قاله ابن جرير .
الثاني : لا تحلفوا قاله ابن عباس .
الثالث : احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا ذكره عبدالرحمن بن حسن ولم يعزه .
وذكر صاحب فتح المجيد أن المصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنه ؛ لأنه يلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث , مما يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله عز وجل , وهذا منافي لكمال التوحيد الواجب , أو عدمه .
ترجيح المصنف.

و المعنى أن الله عز وجل أوجب على العبد أن يحفظ يمينه فلا يحلف عاقدا يمينه إلا على أمر شرعي , أما أن يجعل الله عز وجل في يمينه دائما فإن هذا ليس من تعظيم أسماء الله عز و جل .

[لو جعلته تحت عنوان: المعنى الإجمالي للآية.]

شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحلف منفقة للسلعة , ممحقة للكسب )
تخريج الحديث
الحديث أخرجه البخاري و مسلم و أبو داود والنسائي .
المعنى الإجمالي للحديث
أن الذي يحلف على سلعته بأن اشتراها بكذا قد يظن المشتري أنه صادق في حلفه فيأخذها بزيادة عن قيمتها , وهو قد كذب في حلفه , فيكون ذلك سببا في محق بركة كسبه , ويكون ذلك عقوبة له ؛ لأنه لم يفعل الواجب من تعظيم الله عز وجل .
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ... الحديث )
تخريج الحديث
الحديث رواه الطبراني بسند صحيح .
ترجمة الراوي
اختلف في راواي الحديث على قولين :
الأول : سلمان الفارسي : وهو سَلمانُ الفارسيُّ أبو عبدِ اللهِ؛ أَسلَمَ عندَ مَقْدَمِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ، وشَهِدَ الْخَنْدَقَ؛ روَى عنه أبو عُثمانَ النَّهديُّ، وشُرحبيلُ بنُ السمْطِ، وغيرُهما، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ أَصحابِي أَربَعَةً: عَلِيًّا؛ وَأبا ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، وَالْمِقْدَادَ)) أَخْرَجَهُ التِّرمذيُّ، وابنُ مَاجَه، قالَ الْحَسَنُ: (كان سَلمانُ أميرًا علَى ثلاثينَ ألفًا يَخْطُبُ بهم في عَباءةٍ يَفْتَرِشُ نِصْفَها ويَلْبَسُ نِصْفَها، تُوفِّيَ في خِلافةِ عُثمانَ).
قال أبو عُبيدةَ: (سنةَ سِتٍّ وثلاثين عنْ ثلاثِمائةٍ وخَمسينَ سنةً).
الثاني : سلمان بن عامر بن أوس الضبي .
معنى قوله : ( ثلاثة لا يكلمهم الله )
ما ذكرته تحت هذه المسألة لا يتعلق بها, وتجعل هذه مسألة مستقلة يعنون لها:
عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام.
الرد على المعطلة.
اثبات صفة الكلام لله عز وجل
نَفْيُ كلامِ الرَّبِّ تعالَى وتَقَدَّسَ عنْ هؤلاءِ العُصاةِ دَليلٌ علَى أنَّهُ يُكلِّمُ مَنْ أَطَاعَهُ، وأنَّ الكلامَ صِفَةٌ منْ صِفاتِ كَمَالِهِ، والأدِلَّةُ علَى ذلكَ من الكتابِ والسنَّةِ أَظْهَرُ شيءٍ وأَبْيَنُهُ، وهوَ الذي عليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ من الْمُحَقِّقِينَ قِيامُ الأفعالِ باللهِ سُبحانَهُ، وأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ بمشيئتِهِ تعالَى وقُدرتِهِ شيئًا فشيئًا، ولم يَزَلْ مُتَّصِفًا بهِ.
فهو حادِثُ الآحادِ قديمُ النَّوْعِ، كما يَقولُ ذلكَ أَئِمَّةُ أصحابِ الحديثِ وغيرُهم منْ أصحابِ الشافعيِّ، وأحمدَ، وسائرِ الطوائفِ؛ كما قالَ تعالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[يس:82]، فأتَى بالحروفِ الدَّالَّةِ علَى الاستقبالِ، والأفعالِ الدالَّةِ علَى الحالِ والاستقبالِ أيضًا، وذلكَ في القرآنِ كثيرٌ.
الرد على نفاة الصفات
قالَ المُصَنِّفُ شيخُ الإِسلامِ: (فإذا قالوا لنا - يعني النُّفاةَ -: فهذا يَلْزَمُ أن تكونَ الحوادثُ قائمةً بهِ؛ قلنا: ومَنْ أَنْكَرَ هذا قَبْلَكم من السلَفِ والأَئِمَّةِ؟ ونُصوصُ القرآنِ والسُّنَّةِ تَتَضَمَّنُ ذلكَ معَ صَريحِ العقلِ، ولفظُ: (الحوادثِ) مُجْمَلٌ، فقدْ يُرادُ بهِ الأَعراضُ والنقائصُ، واللهُ تعالَى مُنَزَّهٌ عنْ ذلكَ، ولكن يَقومُ بهِ ما يَشاءُ منْ كلامِهِ وأفعالِهِ ونحوِ ذلكَ: مِمَّا دَلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ، والقولُ الصحيحُ: هوَ قولُ أهلِ العلْمِ الذينَ يَقولون: لَمْ يَزَل اللهُ متكلِّمًا إذا شاءَ، كما قالَ ابنُ المبارَكِ، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وغيرُهما منْ أَئِمَّةِ السُّنةِ) انتهَى.
معنى قيام الحوادث به تعالى
ومعنَى قِيامِ الحوادثِ بهِ تعالَى: قُدرتُهُ عليها، وإيجادُهُ لها بمشيئتِهِ وأَمْرِهِ، واللهُ أَعْلَمُ.
معنى قوله : ( ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )
لَمَّا عَظُمَ ذَنبُهم عَظُمَتْ عُقُوبتُهم، فعُوقِبُوا بهذه الثلاثِ التي هيَ أَعْظَمُ العُقوباتِ.
معنى قوله : ( أشيمط زان )
وهو من شمطه الشيب , وقلبه متعلق بالزنا , صَغَّرَهُ تَحقيرًا لهُ؛ وذلكَ لأنَّ داعيَ الْمَعْصِيَةِ ضَعُفَ في حَقِّهِ، فدلَّ علَى أنَّ الحاملَ لهُ علَى الزِّنا مَحَبَّةُ الْمَعْصِيَةِ والفُجورِ، وعَدَمُ خوفِهِ من اللهِ، وضَعْفُ الداعي إلَى المعصيَةِ معَ فِعْلِها يُوجِبُ تَغليظَ العُقوبةِ عليهِ؛ بخِلافِ الشابِّ، فإنَّ قُوَّةِ داعي الشهوةِ منهُ قدْ يَغْلِبُهُ معَ خَوْفِهِ من اللهِ، وقدْ يَرْجِعُ علَى نفسِهِ بالندَمِ، ولَوْمِها علَى المعصيَةِ فيَنْتَهِي ويُرَاجِعُ.
معنى قوله : ( و عائل مستكبر )
وكذا العائلُ المستكْبِرُ ليسَ لهُ ما يَدعوهُ إلَى الكِبْرِ؛ لأنَّ الداعيَ إلَى الكِبْرِ في الغالبِ كَثْرَةُ المالِ والنِّعَمِ والرِّياسةِ، و(العائلُ) الفقيرُ لا دَاعِيَ لهُ إلَى أن يَستكْبِرَ، فاستكبارُهُ معَ عَدَمِ الداعِي إليهِ يَدُلُّ علَى أنَّ الْكِبْرَ طَبيعةٌ لهُ، كامِنٌ في قَلْبِهِ، فعَظُمَتْ عُقوبتُهُ لعَدَمِ الداعِي إلَى هذا الْخُلُقِ الذميمِ الذي هوَ منْ أَكْبَرِ المعاصِي.
أنواع الاستكبار
- يكون استكباراً في الذات.
وذلك بأن يستكبر ويرى نفسه كبيرا عظيما , وليس عنده من الصفات التي تجعله يتكبر ويتعاظم .
- ويكون استكباراً للصفات.
وذلك بأن يكون عنده من الصفات التي تجعله يتكبر , مثل ان يكون ذا جاه ورفعة , فيتكبر من أجل ما عنده من هذه الصفات .
معنى قوله : ( ورجل جعل الله بضاعته )
وهذا هو موطن الشاهد من الحديث , أي الْحَلِفَ بهِ، جَعَلَهُ بِضاعَتَهُ لِمُلازَمَتِهِ لهُ وغَلَبَتِهِ عليهِ، وهذه أعمالٌ تَدُلُّ علَى أنَّ صاحبَها إنْ كان مُوَحِّدًا فتَوحيدُهُ ضَعيفٌ، وأعمالُهُ ضَعيفةٌ، بِحَسَبِ ما قامَ بقلبِهِ، وظَهَرَ علَى لِسانِهِ وعَمَلِهِ، منْ تلكَ المعاصِي العظيمةِ علَى قِلَّةِ الداعِي إليها.
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير أمتي قرني ...الحديث )
تخريج الحديث
الحديث أخرجه مسلم و أبو داود والترمذي , ورواه البخاري بلفظ : ( خيركم ).
معنى قوله : ( خير أمتي قرني )
لفضيلةِ أهلِ ذلكَ القَرْنِ في العِلْمِ والإِيمانِ والأعمالِ الصالحةِ التي يَتنافَسُ فيها المتنافِسونَ، ويَتفاضَلُ فيها العامِلونَ، فغَلَبَ الخيرُ فيها وكَثُرَ أهلُهُ، وقَلَّ الشرُّ فيها وأَهْلُهُ، واعْتَزَّ فيها الإِسلامُ والإِيمانُ؛ وكَثُرَ فيها العِلْمُ والعلماءُ ((ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) فُضِّلُوا علَى مَنْ بَعْدَهم لظهورِ الإِسلامِ فيهم، وكَثرةِ الداعي إليهِ، والراغبِ فيهِ، والقائمِ بهِ، وما ظَهَرَ فيهِ من الْبِدَعِ أُنْكِرَ واستُعْظِمَ وأُزِيلَ، كبِدعةِ الخوارجِ، والقَدَرِيَّةِ، والرافِضَةِ، فهذه الْبِدَعُ وإن كانتْ قدْ ظَهَرَتْ فأهلُها في غايَةِ الذُّلِّ والْمَقْتِ والْهَوانِ والقتْلِ فيمَنْ عانَدَ منهم ولم يَتُبْ.
معنى قوله : ( فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا )
هذا شَكٌّ منْ راوي الحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، والمشهورُ في الرواياتِ: أنَّ القُرونَ الْمُفَضَّلَةَ ثلاثةٌ، الثالثُ دونَ الأَوَّلَيْنَ في الفَضْلِ، لكَثرةِ ظُهُورِ البِدَعِ فيهِ، لكنَّ العُلماءَ مُتوافِرونَ، والإِسلامُ فيهِ ظاهِرٌ والْجِهادُ فيهِ قائمٌ.
معنى قوله : ( ثم إن بعدكم قوما يشهدون و لا يستشهدون )
ثمَّ ذَكَرَ ما وَقَعَ بعدَ القُرونِ الثلاثةِ من الْجَفاءِ في الدِّينِ، وكَثْرَةِ الأهواءِ فقالَ: ((ثُمَّ إنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ)) لاستخفافِهم بأَمْرِ الشهادةِ وعَدَمِ تَحرِّيِهم للصِّدْقِ، وذلكَ لقِلَّةِ دِينِهم، وضَعْفِ إسلامِهم.
معنى قوله : ( ويخونون ولا يؤتمنون )
يَدُلُّ علَى أنَّ الْخِيانةَ قدْ غَلَبَتْ علَى كثيرٍ منهم أوْ أَكْثَرِهم.
معنى قوله : ( وينذرون و لا يوفون )
أيْ: لا يُؤَدُّون ما وَجَبَ عليهم؛ فظُهورُ هذه الأعمالِ الذَّميمةِ يَدُلُّ علَى ضَعْفِ إسلامِهم، وعَدَمِ إيمانِهم.
معنى قوله : ( ويظهر فيهم السمن )
لرَغبتِهم في الدنيا، ونَيْلِ شَهواتِهم والتَّنَعُّمِ بها، وغَفْلَتِهم عن الدارِ الآخِرَةِ والعملِ لها.
معنى قوله : ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه )
وفي حديثِ أَنَسٍ: ((لاَ يَأْتِي زَمَانٌ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)) قَالَ أَنَسٌ: (سَمِعتُهُ مِنْ نَبيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فما زالَ الشَّرُّ يَزيدُ في الأُمَّةِ حتَّى ظَهَرَ الشرْكُ والبِدَعُ في كثيرٍ منهم، حتَّى فيمَنْ يَنْتَسِبُ إلَى العِلْمِ ويَتَصَدَّرُ للتعليمِ والتصنيفِ.
شرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ... الحديث )
المعنى الإجمالي للحديث
وهذه حالُ مَنْ صَرَفَ رَغبتَهُ إلَى الدنيا ونَسِيَ الْمَعَادَ، فخَفَّ أمرُ الشهادةِ واليمينِ عندَهُ تَحمُّلاً وأَداءً؛ لقِلَّةِ خَوْفِهِ من اللهِ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بذلكَ، وهذا هوَ الغالِبُ علَى الأَكْثَرِ، واللهُ الْمُستعانُ، فإذا كان هذا قدْ وَقَعَ في الصَّدْرِ الأَوَّلِ ففي ما بَعْدَهُ أكثرُ بأَضعافٍ، فكُنْ مِن الناسُ علَى حَذَرٍ.
معنى أثر إبراهيم النخعي : ( كانوا يضربوننا على الشهادة و العهد ونحن صغار ).
وذلكَ لكَثرةِ عِلْمِ التابعينَ، وقُوَّةِ إيمانِهم ومَعرِفَتِهم برَبِّهِم، وقِيامِهم بوَظيفةِ الأَمْرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن الْمُنْكَرِ؛ لأنَّهُ منْ أَفْضَلِ الْجِهادِ، ولا يَقومُ الدِّينُ إلاَّ بهِ، وفي هذا رَغبةٌ في تَمرينِ الصِّغارِ علَى طاعةِ ربِّهم، ونَهْيِهم عمَّا يَضُرُّهم، وذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، واللهُ ذو الْفَضْلِ العظيمِ.
الواجب في الشهادة والعهد
فإن الشهادة والعهد، واجبٌ أنْ تكون:
- مع التعظيم لله جل وعلا.
- والخوف من لقائه.
- والخوف مِنَ الظلم.
فكانوا يؤدبون أولادهم على ذلك، حتى يتمرنوا وينشأوا على تعظيم توحيد الله، وتعظيم أمر الله ونهيه.


و الله أعلم
أحسنت نفع الله بك.
الدرجة:أ+

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 4 شعبان 1440هـ/9-04-2019م, 02:27 PM
عبدالحميد أحمد عبدالحميد أحمد غير متواجد حالياً
برنامج الإعداد العلمي - المستوى الرابع
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 615
افتراضي

بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ

العناصر
ما المقصود من الترجمة
سبب ذكر الإمام هذا الباب في كتاب التوحيد :
مناسبة هذا إيراد هذا الباب بالأبواب التي قبله
أنواع تعظيم الله جل وعلا
تفسير العهد بالعقد :
تفسير العهد باليمين :
تفسير آية {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}:
-الجمع بين قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ} وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وقَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}
-تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}
-ترجمة الصحابي
-الدليل من الحديث على تأمير الأمراء ووصيتهم
-الفرق بين السرية والجيش
-معنى قوله تقوى الله
-المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا)
-المراد من قوله (اغزوا بِسْمِ اللهِ)
-معنى الباء في قوله (بِسْمِ اللهِ)
-العموم من قوله (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) وتخصيصه بقوله (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) :
-معنى قوله (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا)
-معنى الخلال والخصال واحد
-أوجه نصب أيتهن :
-الصواب في زيادة (ثم )
-المراد من قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)
أهمية علم التوحيد لأهل التوحيد وطلبة العلم
-المراد من قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) وأقوال الفقهاء في ذلك
-اختلاف الفقهاء في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ
-اقوال الفقهاء هلْ يُنْقَصُ منها الضعيفُ أوْ لا؟
-المراد من قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) :
-قول مالك في الجمع بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ :
سبب نهيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله
(1) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بابُ ما جاءَ في ذِمَّةِ اللهِ وذِمَّةِ رَسولِهِ) وقولِ اللهِ تعالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[النحل:91].
ما المقصود من الترجمة
المقصودُ مِن هذه التَّرْجَمَةِ البُعْدُ والحَذَرُ مِن التعرُّضِ للأَحْوالِ الَّتي يُخشَى مِنها نَقْضُ العهودِ، والإِخلالُ بها، بعدَمَا يُجْعلُ للأعداءِ المعاهَدِين ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رسولِه؛ فإنَّه مَتَى وَقَعَ النَّقْضُ في هذه الحالِ كانَ انْتِهَاكًا مِن المسلمين لذمَّةِ اللهِ وذمَّةِ نبِيِّهِ، وتَرْكًا لتعظيمِ اللهِ، وارْتِكَابًا لأكبرِ المفسدَتَيْنِ كما نبَّه عليْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي ذلِكَ أيضًا تهوينٌ للدينِ والإِسلامِ،
وتزهيدٌ للكفَّارِ بِهِ، فإنَّ الوَفَاءَ بالعهودِ خصوصًا المُؤَكَّدَةَ بأَغْلَظِ المواثيقِ مِن مَحَاسِنِ الإِسلامِ الداعِيَةِ للأعداءِ المُنْصِفِين إلى تفضيلِهِ واتِّباعِهِ.
سبب ذكر الإمام هذا الباب في كتاب التوحيد :
وذِكرُ الإمام رحمه الله لهذا الباب؛ لأجل حديث بُريدة الذي ساقه وفيه: ((وإذا حاصرت أهل حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أنْ تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه)) وهذا لأجل تعظيم الربِّ جل وعلا، وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم.
مناسبة هذا إيراد هذا الباب بالأبواب التي قبله
هذا كله من كمال التوحيد، وهذا الباب من جهة التعامل مع الناس، كما جاء في الباب الذي قبله؛ فالباب الذي قبله وهو
(باب ما جاء في كثرة الحلف) متعلق بتعظيم الله جل وعلا، حين التعامل مع الناس، و(باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) متعلق بالتعامل مع الناس، في الحالات العسرة الصعبة، وهي حال الجهاد، فنبّه بذلك على أنَّ تعظيم الرب جل وعلا، يكون في التعامل، ولو كان ذلك التعامل في أعصب الحالات وهي الجهاد، فإن العبد يكون موقراً لله، مجلاًّ لله معظماً؛ لأسمائه وصفاته.
ومن ذاك أن يعظم ذمة الله، وذمة نبيه، والذمة بمعنى العهد، وذمة الله يعني عهد الله وعهد نبيه، فإنه إذا كان يعطي بعهد الله، ثم يخفر؛ فقد خفر عهد الله جل وعلا، وفَجَرَ في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد:
- أنْ يُعظم الله جل جلاله.
- وأنْ لا يخفر عهده وذمته.
لأنه إذا أعطى بذمة الله؛ فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان، حتى لا يُنسب النقص لعدم تعظيم ذمة الله جل جلاله من أهل الإسلام.
لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل: كثرة الحلف، فلا يجوز أنْ تجعل في العهد ذمة الله، وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصاً في تعظيم الرب جل جلاله.
أنواع تعظيم الله جل وعلا
فإن تعظيم الله جل وعلا في:
- مناجاته.
- وفي سؤاله.
- وفي العبادة له جل وعلا.
- وفي التعامل مع الناس.
تفسير آية {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}:
قالَ العِمادُ ابنُ كثيرٍ: (وهذا مِمَّا يَأْمُرُ اللهُ تعالَى بهِ وهوَ الوَفاءُ بالعُهودِ والْمَوَاثِيقِ؛ والْمُحافَظَةُ علَى الأَيْمانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ ولهذا قالَ: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}،
تفسير العهد بالعقد :
قال: وقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} العهد في قوله: {وأوفوا بعهد الله}فُسِّر بالعقد، وفسر باليمين، فالعهد بمعنى العقد، كما قال جل وعلا: {وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسؤولاً}.
- وقال جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} فالعقد والعهد بمعنى، فلهذا فسر: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} بأنها العقود التي تكون بين الناس.
تفسير العهد باليمين :
وفسر العهد هنا بأنه اليمين، ودل عليه قوله بعدها: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} فيجب الوفاء بالعقد، ويجب الوفاء باليمين تعظيماً لحق الله جل وعلا؛ لأن من أعطى اليمين بالله؛ فإن معناه أنه أكد وفاءه بهذا الشيء الذي تكلم به، أكد ذلك بالله جل جلاله؛ فإذا خالف وأخّر؛ فمعنى ذلك أنه لم يعظم الله جل جلاله تعظيماً خاف بسببه منْ أنْ لا يقيم ما يجب لله جل وعلا من الوفاء باليمين.
ولهذا قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} حين استشهدتم الله جل جلاله، أو حين حلفتم بالله جل جلاله، ولهذا كفارة اليمين واجبة على ما هو مفصّل في موضعه من كتب الفقه، والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، ففيه تعظيم الله جل جلاله، بأن لا يُعْطَي العبد الناس بذمة الله، وذمة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، بل أن يعطي بذمته هو.
الجمع بين قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ} وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وقَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}
ولا تَعَارُضَ بينَ هذا وقولِهِ: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]، وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}[المائدة: 89]، أيْ: لا تَتْرُكوها بلا تَكفيرٍ، وبينَ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين: ((إِنِّي وَاللهِ إنْ شَاءَ اللهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنْهَا وَتَحَلَّلْتُها - وفي روايَةٍ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي))، لا تَعارُضَ بينَ هذا كُلِّهِ وبينَ الآيَةِ المذكورةِ هنا وهيَ قَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}؛ لأنَّ هذه الأيمانَ المرادُ بها الداخلةُ في العُهودِ والْمَواثيقِ، لا الأيْمانُ الواردةُ علَى حثٍّ أوْ مَنْعٍ، ولهذا قالَ مُجاهِدٌ في الآيَةِ: يَعْنِي الْحَلْفَ أيْ حَلْفَ الجاهليَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رواهُ الإِمامُ أحمدُ، عنْ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ قالَ: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ؛ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةً))، وكذا رواهُ مسلِمٌ، ومعناهُ: أنَّ الإِسلامَ لا يُحتاجُ معه إلَى الْحِلْفِ الذي كان أهلُ الجاهليَّةِ يَفعلونه؛ فإنَّ في التَّمَسُّكِ بالإِسلامِ حِمَايَةً وكِفايَةً عَمَّا كانوا فيهِ.
تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}
وقولُهُ: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} تَهديدٌ ووَعيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الأيْمَانَ بعدَ تَوْكِيدِها).
(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أَمَّرَ أميرًا عَلَى جَيْشٍ أوْ سَرِيَّةٍ أوْصاهُ في خَاصَّتِهِ بِتقْوَى اللهِ، وبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا، فَقَالَ: ((اغْزُوا بِسْمِ اللهِ، قاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ مَنْ كفَرَ باللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تقْتُلُوا وَلِيدًا، وإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشرِكِينَ فادْعُهُمْ إلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فاقبَلْ منهُمْ، وكُفَّ عنْهُم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلاَمِ، فإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحْوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وأَخْبِرْهُمْ أنَّهُم إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْونُ مِنْ أنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، ولَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أمْ لاَ))رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ترجمة الصحابي
قولُهُ: (عَنْ بُرَيدةَ) هوَ ابنُ الْحُصيبِ الأَسْلَمِيُّ، وهذا الحديثُ منْ روايَةِ ابنِهِ سُليمانَ عنه، قالَهُ في (الْمُفْهِمِ).
الدليل من الحديث على تأمير الأمراء ووصيتهم
قولُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى) فيهِ من الفِقهِ تأميرُ الأمراءِ ووَصِيَّتُهم.
الفرق بين السرية والجيش
قالَ الحربيُّ: (السَّرِيَّةُ: الخيلُ تَبلغُ أربعَمائةٍ ونحوَها، والجيْشُ ما كان أكثرَ منْ ذلكَ).
معنى قوله تقوى الله
(وتَقْوَى اللهِ) التَّحَرُّزُ بطَاعتِهِ منْ عُقوبتِهِ.
قلتُ: وذلكَ بالعملِ بما أَمَرَ اللهُ بهِ، والانتهاءِ عَمَّا نَهَى اللهُ عنه.
المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا)
قولُهُ: (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا) أيْ: ووَصَّاهُ بمَنْ معه منهم أن يَفعلَ معهم خيرًا: مِنَ الرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إليهم، وخَفْضِ الْجَناحِ لهم؛ وتَرْكِ التعاظُمِ عليهم.
المراد من قوله (اغزوا بِسْمِ اللهِ)
وقولُهُ: (اغزوا بِسْمِ اللهِ) أي: اشْرَعُوا في فِعْلِ الغزْوِ مُستعينينَ باللهِ مُخْلِصِينَ لهُ.
معنى الباء في قوله (بِسْمِ اللهِ)
قلتُ: فتكونُ الباءُ في (بِسْمِ اللهِ) هنا للاستعانةِ والتوَكُّلِ علَى اللهِ.
العموم من قوله (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) وتخصيصه بقوله (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) :
وقولُهُ: (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) هذا العُمومُ يَشمَلُ جميعَ أهلِ الكُفْرِ المحارِبينَ وغيرَهم، وقدْ خُصِّصَ منهم مَنْ لهُ عَهْدٌ والرُّهْبَانُ والنِّسْوَانُ، ومَنْ لم يَبْلُغ الْحُلُمَ، وقدْ قالَ مُتَّصِلاً بهِ: (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) وإنما نَهَى عنْ قَتْلِ الرُّهبانِ والنِّسوانِ؛ لأنَّهُ لا يكونُ منهم قِتالٌ غالبًا، وإنْ كان منهم قِتالٌ أوْ تَدبيرٌ قُتِلوا.
قلتُ: وكذلكَ الذَّرَارِيُّ والأولادُ.
معنى قوله (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا)
قولُهُ: (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا) الغُلولُ: الأخْذُ من الغَنيمةِ منْ غيرِ قِسْمَتِها.
والغَدْرُ : نَقْضُ العهدِ، والتمثيلُ هنا: التشويهُ بالقتيلِ، كقَطْعِ أَنْفِهِ وأُذُنِهِ، والعَبَثِ بهِ، ولا خِلافَ في تَحريمِ الغُلولِ والْغَدْرِ، وفي كَراهيَةِ الْمُثْلَةِ.
معنى الخلال والخصال واحد
وقولُهُ: (وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِلاَلٍ - أَوْ خِصَالٍ)) الروايَةُ بـ(أوْ) للشَّكِّ، وهوَ منْ بَعضِ الرُّواةِ، ومعنَى الْخِلالِ والْخِصالِ واحدٌ.
أوجه نصب أيتهن :
وقولُهُ: (فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ) قَيَّدْنَاهُ عَمَّنْ يُوثَقُ بعِلْمِهِ، وتَقييدُهُ بنَصْبِ (أَيَّتَهُنَّ) علَى أن يَعْمَلَ فيها (أَجَابُوكَ)، لا علَى إسقاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، و(مَا) زائدةٌ، ويكونُ تقديرُ الكلامِ: فإلَى أَيَّتِهِنَّ أَجابُوكَ فاقْبَلْ منهم، كما تَقولُ: أجَبْتُكَ إلَى كذا أوْ في كذا، فيُعَدَّى إلَى الثاني بحَرْوفِ الجَرِّ.
قلتُ: فيكونُ في ناصبِ (أَيَّتَهُنَّ) وَجهان: ذَكَرَهما الشارحُ.
الأَوَّلُ: مَنصوبٌ علَى الاشتغالِ.
والثاني: علَى نَزْعِ الخافِضِ.
الصواب في زيادة (ثم )
قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى الإِسْلامِ) كذا وَقَعَت الروايَةُ في جَميعِ نُسَخِ كِتابِ
(مسلمٍ) (ثُمَّ ادْعُهُمْ) بزيادةِ (ثُمَّ)، والصوابُ إسقاطُها، كما رُوِيَ في غيرِ كِتابِ (مسلمٍ) كمُصَنَّفِ أبي دَاوُدَ، وكتابِ (الأموالِ)لأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ ذلكَ هوَ ابتداءُ تفسيرِ الثلاثِ الْخِصالِ.
المراد من قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)
وقولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ) يعني المدينةَ، وكان هذا في أَوَّلِ الأمْرِ وَقْتِ وُجوبَ الْهِجرةِ إلَى المدينةِ علَى كلِّ مَنْ دَخَلَ في الإسلامِ، وهذا يَدُلُّ علَى أنَّ الْهِجرةَ واجبةٌ علَى كلِّ مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ مَكَّةَ وغيرِها.
أهمية علم التوحيد لأهل التوحيد وطلبة العلم
وفي هذا تنبيه عظيم لأهل التوحيد، وطلبة العلم الذين يهتمون بهذا العلم، ويعرف الناس منهم أنهم يهتمون بهذا العلم، أن لا يَبْدُر منهم ألفاظ، أو أفعال تدل على عدم تمثلهم بهذا العلم، فإن التوحيد هو مقام:
- الأنبياء والمرسلين.
- ومقام أولياء الله الصالحين.
فأنْ يتعلم طالب العلم مسائل التوحيد، ثم لا تظهر على لسانه، أو على جوارحه، أو على تعامله، لا شك أن هذا يرجع ولو لم يشعر، يرجع إلى اتهام ذلك الذي حمله من التوحيد، أو من العلم الذي هو علم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
المراد من قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) وأقوال الفقهاء في ذلك
قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) يعني: أنَّ مَنْ أَسْلَمَ ولم يُجَاهِدْ ولم يُهاجِرْ لا يُعْطَى من الْخُمُسِ ولا مِن الْفَيْءِ شيئًا، وقدْ أَخَذَ الشافعيُّ بالحديثِ في الأعرابِ، فلم يَرَ لهم من الفَيْءِ شيئًا، وإنما لهم الصَّدَقَةُ المأخوذةُ منْ أغنيائِهم فَتُرَدُّ علَى فُقرائِهم، كما أنَّ أهلَ الْجِهادِ وأَجنادَ المسلمينَ لا حَقَّ لهم في الصَّدَقَةِ عندَهُ؛ ومَصْرِفُ كلِّ مالٍ في أَهْلِهِ.
وسَوَّى مالِكٌ وأبو حَنيفةَ بينَ المالَيْنِ، وجَوَّزَ صَرْفَهما للضعيفِ.
وقولُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُم الجِزْيَةَ) فيهِ حُجَّةٌ لمالِكٍ وأصحابِهِ والأوزاعيِّ في أَخْذِ الْجِزْيَةِ منْ كلِّ كافرٍ، عَربيًّا كان أوْ غيرَهُ، كِتابيًّا كان أوْ غيرَهُ.
وذَهَبَ أبو حَنيفةَ إلَى أنَّها تُؤْخَذُ من الجميعِ إلاَّ مِنْ مُشْرِكِي العرَبِ ومَجُوسِهم، وقالَ الشافعيُّ: (لا تُؤخَذُ إلاَّ مِنْ أهلِ الكِتابِ عَرَبًا كانوا أوْ عَجَمًا) وهوَ قولُ الإمامِ أحمدَ في ظاهِرِ مَذهبِهِ، وتُؤْخَذُ من الْمَجُوسِ.
قلتُ: لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَها منهم، وقالَ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)).
اختلاف الفقهاء في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ
وقد اخْتُلِفَ في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ، فقالَ مالِكٌ: (أربعةُ دنانيرَ علَى أهلِ الذهَبِ، وأربعونَ دِرهمًا علَى أهلِ الوَرِقِ).
اقوال الفقهاء هلْ يُنْقَصُ منها الضعيفُ أوْ لا؟
قولانِ: وقالَ الشافعيُّ: (فيهِ دِينارٌ علَى الْغَنِيِّ والفقيرِ).
وقالَ أبو حَنيفةَ والكوفِيُّونَ: (علَى الغَنِيِّ ثمانيَةٌ وأربعون دِرهمًا، والوَسَطِ أربعةٌ وعِشرون دِرهمًا، والفقيرِ اثنا عَشَرَ دِرْهَمًا) وهوَ قولُ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ.
قالَ يَحْيَى بنُ يُوسُفَ الصرصريُّ الحنبليُّ:
وقـاتـِلْ
يـَهـودًا والـنَّصـارَى وعـُصـْبَةَ الْ مـَجُوسِ فإنْهُمْ سَلَّمـوا الْجِزْيَةَ اصْدُدِ
علَى الأدْوَنِ اثنَيْ عشْرَ دِرْهمًا افْرُضَنْ وأربــعــةًمــنْ بــــعــــدِ عــــِشـرين زَيِّدِ
لأَوْســَطـِهـمحـالاً ومـَنْ كـان مــُوســِرًا ثـمـــانـــيـــَةٌ مـــــَعْ أَربــعــيــــنَ لـتُنـــــْقَدِ
وتــَسـْقـُطُعـنْ صـِبـيـانـِهـم ونــِسـائِهـم وشــيــخٍ لــهــم فـانٍ وأَعـْمـًى ومــُقْعـَدِ
وذي الفـَقـْرِ والــمَجنونِ أوْ عبدِ مُسْلــِمٍ ومـَنْ وَجـَبـَتْمــِنـهـم عـلـيـهِ فيَهـْتـَدِي
وعندَ مالِكٍ وكافَّةِ العُلماءِ علَى الرِّجالِ الأحرارِ البالغينَ العُقلاءِ دونَ غيرِهم ؛ وإنما تُؤْخَذُ مِمَّنْ كان تَحْتَ قَهْرِ المسلمينَ لا مِمَّنْ نَأَى بِدَارِهِ، ويَجِبُ تَحويلُهم إلَى بلادِ المسلمينَ أوْ حَرْبُهم.

استدلال من يقول من الفقهاء وأهل الأصول من قوله (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ)
وقولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ) الكلامُ إلَى آخِرِهِ، فيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقولُ من الفُقَهاءِ وأَهلِ الأصولِ: إنَّ الْمُصيبَ في مَسائلِ الاجتهادِ واحدٌ، وهوَ المعروفُ منْ مَذْهَبِ مالِكٍ وغيرِهِ، ووَجْهُ الاستدلالِ لأنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدْ نَصَّ علَى أنَّ للهِ تعالَى حُكْمًا مُعَيَّنًا في الْمُجْتَهَداتِ ومَنْ وافَقَهُ فهوَ الْمُصيبُ ومَنْ لم يُوافِقْهُ مُخْطِئٌ.
المراد من قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) :
قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) الحديثَ، الذِّمَّةُ: العَهْدُ، وتُخْفِرُ: تَنْقُضُ، يُقالُ: أَخْفَرْتُ الرَّجُلَ: نَقَضْتُ عَهْدَهُ، وخَفَرْتُهُ أَجَرْتُهُ، ومعناهُ أنَّهُ خَافَ منْ نَقْضِ مَنْ لم يَعْرِفْ حَقَّ الوَفاءِ بالعَهْدِ، كجَهَلَةِ الأعرابِ، فكأنَّهُ يَقولُ: إن وَقَعَ نَقْضٌ مِنْ مُتَعَدٍّ كانَ نَقْضُ عَهْدِ الْخَلْقِ أَهونَ منْ نَقْضِ عَهْدِ اللهِ تعالَى، واللهُ أَعْلَمُ.
قول مالك في الجمع بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ :
قولُهُ: (وقولُ نافعٍ، وقدْ سُئِلَ عن الدعوةِ قبلَ القِتالِ) ذَكَرَ فيهِ: أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ يَجْمَعُ فيهِ بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ؛ قالَ: وهوَ أنَّ مالِكًا قالَ: (لا يُقاتَلُ الكُفَّارُ قبلَ أنْ يُدْعَوْا، ولا تُلْتَمَسُ غِرَّتُهُم إلاَّ أن يَكونُوا بَلَغَتْهم الدعوةُ، فيَجوزُ أنْ تُلْتَمَسَ غِرَّتُهم) وهذا الذي صارَ إليهِ مالِكٌ وهوَ الصحيحُ؛ لأنَّ فائدةَ الدَّعوةِ أن يَعْرِفَ العَدُوُّ أنَّ المسلمينَ لا يُقاتِلون للدُّنيا ولا للعَصَبِيَّةِ، وإنما يُقاتِلونَ للدِّينِ، فإذا عَلِمُوا بذلكَ أَمْكَنَ أنْ يكونَ ذلكَ سَببًا مُمِيلاً لهم إلَى الانقيادِ إلَى الْحَقِّ، بخِلافِ ما إذا جَهِلُوا مَقصودَ المسلمينَ، فقدْ يَظُنُّونَ أنَّهُم يُقاتِلونُ للممالِكِ وللدنيا فيَزِيدُونَ عُتُوًّا وبُغْضًا، واللهُ أَعلمُ.
سبب نهيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله
فتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا:((وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه)) لأجل أنه قد يُدخل على أهل الإسلام، أو على الدِّين في نفسه من جهة، فعلهم، فيخفرون هذه الذمة، فيرجع إخفار ذلك إلى اتهام ما حملوه من الإسلام، ومن الدين، فهذه مسألة عظيمة، فتستحضر أنَّ الناس ينظرون إليك خاصة في هذا الزمان الذي هو زمان شُبَه، وزمان فتن.
ينظرون إليك:
- أنك تحمل سُنَّة.
- تحمل توحيداً.
- تحمل علماً شرعياً.
فلا تعاملهم إلا بشيء يكون معه تعظيم الرب جل وعلا، وتجعل أولئك يعظمون الله جل وعلا بتعظيمك له، ولا تخفر في اليمين، ولا تخفر في ذمة الله، أو تكون في الشهادة حائفاً، أو التعامل حائفاً؛ لأن ذلك منقص لأثر ما تحمله من العلم، والدين، فتذكَّر هذا، وتذكر أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام هنا:
((إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنـزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا)) وذلك حتى إذا كان غلط؛ فيكون الغلط منسوباً إلى من حَكَم إلى هذا البشر، ولا يكون منسوباً إلى حكم الله؛ فيصدّ الناس عن دين الله، وكم من الناس ممن يحملون سنة، أو علماً، أو يحملون استقامة، يسيئون بأفعالهم، وأقوالهم؛ لأجل عدم تعلمهم، أو فهمهم، ما يجب لله جل وعلا، وما يجب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يدعوهم إليه الربّ الكريم جل وعلا، وتعالى وتقدس، نبرأ إلى الله جل وعلا من كل نقصٍ، ونسأله أن يعفو ويتجاوز ويرحمنا جميعاً.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 6 شعبان 1440هـ/11-04-2019م, 07:21 PM
هيئة التصحيح 9 هيئة التصحيح 9 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركات: 872
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالحميد أحمد مشاهدة المشاركة
بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ

العناصر
ما المقصود من الترجمة
سبب ذكر الإمام هذا الباب في كتاب التوحيد :
مناسبة هذا إيراد هذا الباب بالأبواب التي قبله
أنواع تعظيم الله جل وعلا
تفسير العهد بالعقد :
تفسير العهد باليمين :
تفسير آية {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}:
-الجمع بين قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ} وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وقَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}
-تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}
-ترجمة الصحابي
-الدليل من الحديث على تأمير الأمراء ووصيتهم
-الفرق بين السرية والجيش
-معنى قوله تقوى الله
-المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا)
-المراد من قوله (اغزوا بِسْمِ اللهِ)
-معنى الباء في قوله (بِسْمِ اللهِ)
-العموم من قوله (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) وتخصيصه بقوله (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) :
-معنى قوله (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا)
-معنى الخلال والخصال واحد
-أوجه نصب أيتهن :
-الصواب في زيادة (ثم )
-المراد من قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)
أهمية علم التوحيد لأهل التوحيد وطلبة العلم
-المراد من قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) وأقوال الفقهاء في ذلك
-اختلاف الفقهاء في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ
-اقوال الفقهاء هلْ يُنْقَصُ منها الضعيفُ أوْ لا؟
-المراد من قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) :
-قول مالك في الجمع بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ :
سبب نهيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله
(1) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بابُ ما جاءَ في ذِمَّةِ اللهِ وذِمَّةِ رَسولِهِ) وقولِ اللهِ تعالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[النحل:91].
ما المقصود من الترجمة
مقصود الترجمة

المقصودُ مِن هذه التَّرْجَمَةِ البُعْدُ والحَذَرُ مِن التعرُّضِ للأَحْوالِ الَّتي يُخشَى مِنها نَقْضُ العهودِ، والإِخلالُ بها، بعدَمَا يُجْعلُ للأعداءِ المعاهَدِين ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رسولِه؛ فإنَّه مَتَى وَقَعَ النَّقْضُ في هذه الحالِ كانَ انْتِهَاكًا مِن المسلمين لذمَّةِ اللهِ وذمَّةِ نبِيِّهِ، وتَرْكًا لتعظيمِ اللهِ، وارْتِكَابًا لأكبرِ المفسدَتَيْنِ كما نبَّه عليْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي ذلِكَ أيضًا تهوينٌ للدينِ والإِسلامِ،
وتزهيدٌ للكفَّارِ بِهِ، فإنَّ الوَفَاءَ بالعهودِ خصوصًا المُؤَكَّدَةَ بأَغْلَظِ المواثيقِ مِن مَحَاسِنِ الإِسلامِ الداعِيَةِ للأعداءِ المُنْصِفِين إلى تفضيلِهِ واتِّباعِهِ.
سبب ذكر الإمام هذا الباب في كتاب التوحيد :
علاقة الباب بكتاب التوحيد

وذِكرُ الإمام رحمه الله لهذا الباب؛ لأجل حديث بُريدة الذي ساقه وفيه: ((وإذا حاصرت أهل حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أنْ تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه)) وهذا لأجل تعظيم الربِّ جل وعلا، وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم.
مناسبة هذا إيراد هذا الباب بالأبواب التي قبله
هذا كله من كمال التوحيد، وهذا الباب من جهة التعامل مع الناس، كما جاء في الباب الذي قبله؛ فالباب الذي قبله وهو
(باب ما جاء في كثرة الحلف) متعلق بتعظيم الله جل وعلا، حين التعامل مع الناس، و(باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) متعلق بالتعامل مع الناس، في الحالات العسرة الصعبة، وهي حال الجهاد، فنبّه بذلك على أنَّ تعظيم الرب جل وعلا، يكون في التعامل، ولو كان ذلك التعامل في أعصب الحالات وهي الجهاد، فإن العبد يكون موقراً لله، مجلاًّ لله معظماً؛ لأسمائه وصفاته.
ومن ذاك أن يعظم ذمة الله، وذمة نبيه، والذمة بمعنى العهد، وذمة الله يعني عهد الله وعهد نبيه، فإنه إذا كان يعطي بعهد الله، ثم يخفر؛ فقد خفر عهد الله جل وعلا، وفَجَرَ في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد:
- أنْ يُعظم الله جل جلاله.
- وأنْ لا يخفر عهده وذمته.
لأنه إذا أعطى بذمة الله؛ فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان، حتى لا يُنسب النقص لعدم تعظيم ذمة الله جل جلاله من أهل الإسلام.
لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل: كثرة الحلف، فلا يجوز أنْ تجعل في العهد ذمة الله، وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصاً في تعظيم الرب جل جلاله.
أنواع تعظيم الله جل وعلا
فإن تعظيم الله جل وعلا في:
- مناجاته.
- وفي سؤاله.
- وفي العبادة له جل وعلا.
- وفي التعامل مع الناس.
تفسير آية {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}:
قالَ العِمادُ ابنُ كثيرٍ: (وهذا مِمَّا يَأْمُرُ اللهُ تعالَى بهِ وهوَ الوَفاءُ بالعُهودِ والْمَوَاثِيقِ؛ والْمُحافَظَةُ علَى الأَيْمانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ ولهذا قالَ: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}،
تفسير العهد بالعقد :
قال: وقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} العهد في قوله: {وأوفوا بعهد الله}فُسِّر بالعقد، وفسر باليمين، فالعهد بمعنى العقد، كما قال جل وعلا: {وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسؤولاً}.
- وقال جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} فالعقد والعهد بمعنى، فلهذا فسر: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} بأنها العقود التي تكون بين الناس.
تفسير العهد باليمين :
وفسر العهد هنا بأنه اليمين، ودل عليه قوله بعدها: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} فيجب الوفاء بالعقد، ويجب الوفاء باليمين تعظيماً لحق الله جل وعلا؛ لأن من أعطى اليمين بالله؛ فإن معناه أنه أكد وفاءه بهذا الشيء الذي تكلم به، أكد ذلك بالله جل جلاله؛ فإذا خالف وأخّر؛ فمعنى ذلك أنه لم يعظم الله جل جلاله تعظيماً خاف بسببه منْ أنْ لا يقيم ما يجب لله جل وعلا من الوفاء باليمين.
ولهذا قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً} حين استشهدتم الله جل جلاله، أو حين حلفتم بالله جل جلاله، ولهذا كفارة اليمين واجبة على ما هو مفصّل في موضعه من كتب الفقه، والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، ففيه تعظيم الله جل جلاله، بأن لا يُعْطَي العبد الناس بذمة الله، وذمة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، بل أن يعطي بذمته هو. يمكن جمعهما في مسألة واحدة وهي معاني العهد.

الجمع بين قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ} وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وقَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}
ولا تَعَارُضَ بينَ هذا وقولِهِ: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]، وبينَ قولِهِ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}[المائدة: 89]، أيْ: لا تَتْرُكوها بلا تَكفيرٍ، وبينَ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين: ((إِنِّي وَاللهِ إنْ شَاءَ اللهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنْهَا وَتَحَلَّلْتُها - وفي روايَةٍ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي))، لا تَعارُضَ بينَ هذا كُلِّهِ وبينَ الآيَةِ المذكورةِ هنا وهيَ قَوْلُهُ: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}؛ لأنَّ هذه الأيمانَ المرادُ بها الداخلةُ في العُهودِ والْمَواثيقِ، لا الأيْمانُ الواردةُ علَى حثٍّ أوْ مَنْعٍ، ولهذا قالَ مُجاهِدٌ في الآيَةِ: يَعْنِي الْحَلْفَ أيْ حَلْفَ الجاهليَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رواهُ الإِمامُ أحمدُ، عنْ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ قالَ: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ؛ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةً))، وكذا رواهُ مسلِمٌ، ومعناهُ: أنَّ الإِسلامَ لا يُحتاجُ معه إلَى الْحِلْفِ الذي كان أهلُ الجاهليَّةِ يَفعلونه؛ فإنَّ في التَّمَسُّكِ بالإِسلامِ حِمَايَةً وكِفايَةً عَمَّا كانوا فيهِ.
تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}
وقولُهُ: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} تَهديدٌ ووَعيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الأيْمَانَ بعدَ تَوْكِيدِها).
(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أَمَّرَ أميرًا عَلَى جَيْشٍ أوْ سَرِيَّةٍ أوْصاهُ في خَاصَّتِهِ بِتقْوَى اللهِ، وبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا، فَقَالَ: ((اغْزُوا بِسْمِ اللهِ، قاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ مَنْ كفَرَ باللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تقْتُلُوا وَلِيدًا، وإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشرِكِينَ فادْعُهُمْ إلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فاقبَلْ منهُمْ، وكُفَّ عنْهُم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلاَمِ، فإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحْوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وأَخْبِرْهُمْ أنَّهُم إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْونُ مِنْ أنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، ولَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أمْ لاَ))رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ترجمة الصحابي
قولُهُ: (عَنْ بُرَيدةَ) هوَ ابنُ الْحُصيبِ الأَسْلَمِيُّ، وهذا الحديثُ منْ روايَةِ ابنِهِ سُليمانَ عنه، قالَهُ في (الْمُفْهِمِ).
الدليل من الحديث على تأمير الأمراء ووصيتهم
قولُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى) فيهِ من الفِقهِ تأميرُ الأمراءِ ووَصِيَّتُهم.
الفرق بين السرية والجيش
قالَ الحربيُّ: (السَّرِيَّةُ: الخيلُ تَبلغُ أربعَمائةٍ ونحوَها، والجيْشُ ما كان أكثرَ منْ ذلكَ).
معنى قوله تقوى الله
(وتَقْوَى اللهِ) التَّحَرُّزُ بطَاعتِهِ منْ عُقوبتِهِ.
قلتُ: وذلكَ بالعملِ بما أَمَرَ اللهُ بهِ، والانتهاءِ عَمَّا نَهَى اللهُ عنه.
المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا)
قولُهُ: (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسلِمينَ خَيْرًا) أيْ: ووَصَّاهُ بمَنْ معه منهم أن يَفعلَ معهم خيرًا: مِنَ الرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إليهم، وخَفْضِ الْجَناحِ لهم؛ وتَرْكِ التعاظُمِ عليهم.
المراد من قوله (اغزوا بِسْمِ اللهِ)
وقولُهُ: (اغزوا بِسْمِ اللهِ) أي: اشْرَعُوا في فِعْلِ الغزْوِ مُستعينينَ باللهِ مُخْلِصِينَ لهُ.
معنى الباء في قوله (بِسْمِ اللهِ)
قلتُ: فتكونُ الباءُ في (بِسْمِ اللهِ) هنا للاستعانةِ والتوَكُّلِ علَى اللهِ.
العموم من قوله (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) وتخصيصه بقوله (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) :
وقولُهُ: (قاتِلوا مَنْ كفَرَ باللهِ) هذا العُمومُ يَشمَلُ جميعَ أهلِ الكُفْرِ المحارِبينَ وغيرَهم، وقدْ خُصِّصَ منهم مَنْ لهُ عَهْدٌ والرُّهْبَانُ والنِّسْوَانُ، ومَنْ لم يَبْلُغ الْحُلُمَ، وقدْ قالَ مُتَّصِلاً بهِ: (وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا) وإنما نَهَى عنْ قَتْلِ الرُّهبانِ والنِّسوانِ؛ لأنَّهُ لا يكونُ منهم قِتالٌ غالبًا، وإنْ كان منهم قِتالٌ أوْ تَدبيرٌ قُتِلوا.
قلتُ: وكذلكَ الذَّرَارِيُّ والأولادُ.
معنى قوله (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا)
قولُهُ: (وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا) الغُلولُ: الأخْذُ من الغَنيمةِ منْ غيرِ قِسْمَتِها.
والغَدْرُ : نَقْضُ العهدِ، والتمثيلُ هنا: التشويهُ بالقتيلِ، كقَطْعِ أَنْفِهِ وأُذُنِهِ، والعَبَثِ بهِ، ولا خِلافَ في تَحريمِ الغُلولِ والْغَدْرِ، وفي كَراهيَةِ الْمُثْلَةِ.
معنى الخلال والخصال واحد
وقولُهُ: (وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِلاَلٍ - أَوْ خِصَالٍ)) الروايَةُ بـ(أوْ) للشَّكِّ، وهوَ منْ بَعضِ الرُّواةِ، ومعنَى الْخِلالِ والْخِصالِ واحدٌ.
أوجه نصب أيتهن :
وقولُهُ: (فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ) قَيَّدْنَاهُ عَمَّنْ يُوثَقُ بعِلْمِهِ، وتَقييدُهُ بنَصْبِ (أَيَّتَهُنَّ) علَى أن يَعْمَلَ فيها (أَجَابُوكَ)، لا علَى إسقاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، و(مَا) زائدةٌ، ويكونُ تقديرُ الكلامِ: فإلَى أَيَّتِهِنَّ أَجابُوكَ فاقْبَلْ منهم، كما تَقولُ: أجَبْتُكَ إلَى كذا أوْ في كذا، فيُعَدَّى إلَى الثاني بحَرْوفِ الجَرِّ.
قلتُ: فيكونُ في ناصبِ (أَيَّتَهُنَّ) وَجهان: ذَكَرَهما الشارحُ.
الأَوَّلُ: مَنصوبٌ علَى الاشتغالِ.
والثاني: علَى نَزْعِ الخافِضِ.
الصواب في زيادة (ثم )
قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى الإِسْلامِ) كذا وَقَعَت الروايَةُ في جَميعِ نُسَخِ كِتابِ
(مسلمٍ) (ثُمَّ ادْعُهُمْ) بزيادةِ (ثُمَّ)، والصوابُ إسقاطُها، كما رُوِيَ في غيرِ كِتابِ (مسلمٍ) كمُصَنَّفِ أبي دَاوُدَ، وكتابِ (الأموالِ)لأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ ذلكَ هوَ ابتداءُ تفسيرِ الثلاثِ الْخِصالِ.
المراد من قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)
وقولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِم إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ) يعني المدينةَ، وكان هذا في أَوَّلِ الأمْرِ وَقْتِ وُجوبَ الْهِجرةِ إلَى المدينةِ علَى كلِّ مَنْ دَخَلَ في الإسلامِ، وهذا يَدُلُّ علَى أنَّ الْهِجرةَ واجبةٌ علَى كلِّ مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ مَكَّةَ وغيرِها.
أهمية علم التوحيد لأهل التوحيد وطلبة العلم
وفي هذا تنبيه عظيم لأهل التوحيد، وطلبة العلم الذين يهتمون بهذا العلم، ويعرف الناس منهم أنهم يهتمون بهذا العلم، أن لا يَبْدُر منهم ألفاظ، أو أفعال تدل على عدم تمثلهم بهذا العلم، فإن التوحيد هو مقام:
- الأنبياء والمرسلين.
- ومقام أولياء الله الصالحين.
فأنْ يتعلم طالب العلم مسائل التوحيد، ثم لا تظهر على لسانه، أو على جوارحه، أو على تعامله، لا شك أن هذا يرجع ولو لم يشعر، يرجع إلى اتهام ذلك الذي حمله من التوحيد، أو من العلم الذي هو علم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
المراد من قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) وأقوال الفقهاء في ذلك
قولُهُ: (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا) يعني: أنَّ مَنْ أَسْلَمَ ولم يُجَاهِدْ ولم يُهاجِرْ لا يُعْطَى من الْخُمُسِ ولا مِن الْفَيْءِ شيئًا، وقدْ أَخَذَ الشافعيُّ بالحديثِ في الأعرابِ، فلم يَرَ لهم من الفَيْءِ شيئًا، وإنما لهم الصَّدَقَةُ المأخوذةُ منْ أغنيائِهم فَتُرَدُّ علَى فُقرائِهم، كما أنَّ أهلَ الْجِهادِ وأَجنادَ المسلمينَ لا حَقَّ لهم في الصَّدَقَةِ عندَهُ؛ ومَصْرِفُ كلِّ مالٍ في أَهْلِهِ.
وسَوَّى مالِكٌ وأبو حَنيفةَ بينَ المالَيْنِ، وجَوَّزَ صَرْفَهما للضعيفِ.
وقولُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُم الجِزْيَةَ) فيهِ حُجَّةٌ لمالِكٍ وأصحابِهِ والأوزاعيِّ في أَخْذِ الْجِزْيَةِ منْ كلِّ كافرٍ، عَربيًّا كان أوْ غيرَهُ، كِتابيًّا كان أوْ غيرَهُ.
وذَهَبَ أبو حَنيفةَ إلَى أنَّها تُؤْخَذُ من الجميعِ إلاَّ مِنْ مُشْرِكِي العرَبِ ومَجُوسِهم، وقالَ الشافعيُّ: (لا تُؤخَذُ إلاَّ مِنْ أهلِ الكِتابِ عَرَبًا كانوا أوْ عَجَمًا) وهوَ قولُ الإمامِ أحمدَ في ظاهِرِ مَذهبِهِ، وتُؤْخَذُ من الْمَجُوسِ.
قلتُ: لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَها منهم، وقالَ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)).
اختلاف الفقهاء في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ
وقد اخْتُلِفَ في القَدْرِ المفروضِ من الْجِزْيَةِ، فقالَ مالِكٌ: (أربعةُ دنانيرَ علَى أهلِ الذهَبِ، وأربعونَ دِرهمًا علَى أهلِ الوَرِقِ).
اقوال الفقهاء هلْ يُنْقَصُ منها الضعيفُ أوْ لا؟
قولانِ: وقالَ الشافعيُّ: (فيهِ دِينارٌ علَى الْغَنِيِّ والفقيرِ).
وقالَ أبو حَنيفةَ والكوفِيُّونَ: (علَى الغَنِيِّ ثمانيَةٌ وأربعون دِرهمًا، والوَسَطِ أربعةٌ وعِشرون دِرهمًا، والفقيرِ اثنا عَشَرَ دِرْهَمًا) وهوَ قولُ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ.
قالَ يَحْيَى بنُ يُوسُفَ الصرصريُّ الحنبليُّ:
وقـاتـِلْ
يـَهـودًا والـنَّصـارَى وعـُصـْبَةَ الْ مـَجُوسِ فإنْهُمْ سَلَّمـوا الْجِزْيَةَ اصْدُدِ
علَى الأدْوَنِ اثنَيْ عشْرَ دِرْهمًا افْرُضَنْ وأربــعــةًمــنْ بــــعــــدِ عــــِشـرين زَيِّدِ
لأَوْســَطـِهـمحـالاً ومـَنْ كـان مــُوســِرًا ثـمـــانـــيـــَةٌ مـــــَعْ أَربــعــيــــنَ لـتُنـــــْقَدِ
وتــَسـْقـُطُعـنْ صـِبـيـانـِهـم ونــِسـائِهـم وشــيــخٍ لــهــم فـانٍ وأَعـْمـًى ومــُقْعـَدِ
وذي الفـَقـْرِ والــمَجنونِ أوْ عبدِ مُسْلــِمٍ ومـَنْ وَجـَبـَتْمــِنـهـم عـلـيـهِ فيَهـْتـَدِي
وعندَ مالِكٍ وكافَّةِ العُلماءِ علَى الرِّجالِ الأحرارِ البالغينَ العُقلاءِ دونَ غيرِهم ؛ وإنما تُؤْخَذُ مِمَّنْ كان تَحْتَ قَهْرِ المسلمينَ لا مِمَّنْ نَأَى بِدَارِهِ، ويَجِبُ تَحويلُهم إلَى بلادِ المسلمينَ أوْ حَرْبُهم.

استدلال من يقول من الفقهاء وأهل الأصول من قوله (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ)
وقولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ) الكلامُ إلَى آخِرِهِ، فيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقولُ من الفُقَهاءِ وأَهلِ الأصولِ: إنَّ الْمُصيبَ في مَسائلِ الاجتهادِ واحدٌ، وهوَ المعروفُ منْ مَذْهَبِ مالِكٍ وغيرِهِ، ووَجْهُ الاستدلالِ لأنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدْ نَصَّ علَى أنَّ للهِ تعالَى حُكْمًا مُعَيَّنًا في الْمُجْتَهَداتِ ومَنْ وافَقَهُ فهوَ الْمُصيبُ ومَنْ لم يُوافِقْهُ مُخْطِئٌ.
المراد من قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) :
قولُهُ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللهِ) الحديثَ، الذِّمَّةُ: العَهْدُ، وتُخْفِرُ: تَنْقُضُ، يُقالُ: أَخْفَرْتُ الرَّجُلَ: نَقَضْتُ عَهْدَهُ، وخَفَرْتُهُ أَجَرْتُهُ، ومعناهُ أنَّهُ خَافَ منْ نَقْضِ مَنْ لم يَعْرِفْ حَقَّ الوَفاءِ بالعَهْدِ، كجَهَلَةِ الأعرابِ، فكأنَّهُ يَقولُ: إن وَقَعَ نَقْضٌ مِنْ مُتَعَدٍّ كانَ نَقْضُ عَهْدِ الْخَلْقِ أَهونَ منْ نَقْضِ عَهْدِ اللهِ تعالَى، واللهُ أَعْلَمُ.
قول مالك في الجمع بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ :
قولُهُ: (وقولُ نافعٍ، وقدْ سُئِلَ عن الدعوةِ قبلَ القِتالِ) ذَكَرَ فيهِ: أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ يَجْمَعُ فيهِ بينَ الأحاديثِ في الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ؛ قالَ: وهوَ أنَّ مالِكًا قالَ: (لا يُقاتَلُ الكُفَّارُ قبلَ أنْ يُدْعَوْا، ولا تُلْتَمَسُ غِرَّتُهُم إلاَّ أن يَكونُوا بَلَغَتْهم الدعوةُ، فيَجوزُ أنْ تُلْتَمَسَ غِرَّتُهم) وهذا الذي صارَ إليهِ مالِكٌ وهوَ الصحيحُ؛ لأنَّ فائدةَ الدَّعوةِ أن يَعْرِفَ العَدُوُّ أنَّ المسلمينَ لا يُقاتِلون للدُّنيا ولا للعَصَبِيَّةِ، وإنما يُقاتِلونَ للدِّينِ، فإذا عَلِمُوا بذلكَ أَمْكَنَ أنْ يكونَ ذلكَ سَببًا مُمِيلاً لهم إلَى الانقيادِ إلَى الْحَقِّ، بخِلافِ ما إذا جَهِلُوا مَقصودَ المسلمينَ، فقدْ يَظُنُّونَ أنَّهُم يُقاتِلونُ للممالِكِ وللدنيا فيَزِيدُونَ عُتُوًّا وبُغْضًا، واللهُ أَعلمُ.
سبب نهيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله
فتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا:((وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه)) لأجل أنه قد يُدخل على أهل الإسلام، أو على الدِّين في نفسه من جهة، فعلهم، فيخفرون هذه الذمة، فيرجع إخفار ذلك إلى اتهام ما حملوه من الإسلام، ومن الدين، فهذه مسألة عظيمة، فتستحضر أنَّ الناس ينظرون إليك خاصة في هذا الزمان الذي هو زمان شُبَه، وزمان فتن.
ينظرون إليك:
- أنك تحمل سُنَّة.
- تحمل توحيداً.
- تحمل علماً شرعياً.
فلا تعاملهم إلا بشيء يكون معه تعظيم الرب جل وعلا، وتجعل أولئك يعظمون الله جل وعلا بتعظيمك له، ولا تخفر في اليمين، ولا تخفر في ذمة الله، أو تكون في الشهادة حائفاً، أو التعامل حائفاً؛ لأن ذلك منقص لأثر ما تحمله من العلم، والدين، فتذكَّر هذا، وتذكر أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام هنا:
((إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنـزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا)) وذلك حتى إذا كان غلط؛ فيكون الغلط منسوباً إلى من حَكَم إلى هذا البشر، ولا يكون منسوباً إلى حكم الله؛ فيصدّ الناس عن دين الله، وكم من الناس ممن يحملون سنة، أو علماً، أو يحملون استقامة، يسيئون بأفعالهم، وأقوالهم؛ لأجل عدم تعلمهم، أو فهمهم، ما يجب لله جل وعلا، وما يجب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يدعوهم إليه الربّ الكريم جل وعلا، وتعالى وتقدس، نبرأ إلى الله جل وعلا من كل نقصٍ، ونسأله أن يعفو ويتجاوز ويرحمنا جميعاً.

أحسنت أحسن الله إليك.
الأصل كما سبق - جعل أدلة الباب عناوين رئيسية توضع تحتها المسائل الخاصة بها.
جمع المسائل المتشابهة تحت عنصر واحد.
عدم الاعتماد الكلي على النسخ , بل يجب تلخيص المسائل بأسلوبك الخاص.
الدرجة : أ

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المجلس, السابع

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:00 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir