دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > مستوى الامتياز > منتدى الامتياز

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 جمادى الآخرة 1442هـ/31-01-2021م, 03:20 AM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,685
افتراضي المجلس السادس: مجلس مذاكرة تفسير سورة العصر

مجلس مذاكرة تفسير سورة العصر

اكتب تفسيرا لسورة العصر، يجمع ثلاثة أمور:
1: أقوال السلف وتخريجها [ باختصار ] وتوجيهها.
2: التفسير البياني.
3: بيان هدايات السورة وفوائدها السلوكية.


ملحوظة: تُسلم الواجبات قبل يوم الأحد 2 رجب 1442 هـ.


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29 جمادى الآخرة 1442هـ/11-02-2021م, 07:22 PM
فاطمة الزهراء احمد فاطمة الزهراء احمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,010
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد المصطفى الهادي الأمين وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين .
أما بعد :
أتكلم في هذه السطور عن تفسير سورة العصر ، هذه السورة العظيمة التي لها معان جليلة وعبر كثيرة بالرغم من اختصارها ، والتي قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم ؛أي كفتهم موعظة .
فضل السورة :
أخرج الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ «والعَصْرِ» ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
مناسبتها لما قبلها :
قيل :أن فيها إشارَةٌ إلى حالِ مَن لَمْ يُلْهِهِ التَّكاثُرُ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدَ سُورَتِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّية في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ.
وقيل :بأنها مدنية في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] والقول بأنها مكية هو الراجح والله أعلم .
العصر لغة : الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها.
وسميت السحب الممطرة معصرات لما تعتصر من المطر، وأعصر القوم أمطروا.
ومعنى (الواو )في قوله تعالى ( والعصر ) للقسم ،قال محمد بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: قَسَمٌ أقْسَمَ به ربُّنا تَبَاركَ وتعالى).
وغرض القسم في السورة توكيد الخبر ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَرَبِّ الْعَصْرِ.
ورد في المراد بالعصر عدة أقوال :
الأول : المراد به الدهر : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ،رواه عنه ابن جرير من طريق علي .
وقال به الفراء وابن قتيبة ومكي بن أبي طالب وأكثر المفسرين .
وتوجيه هذا القول أن تعريفه بِاللّامِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: كُلِّ عَصْرٍ. [ هذا تعريف الجنس]

كما يؤيد هذا القول ما ورد عن عليٍّ رضي اللّه عنه، أنّه " قرأ: والعصر ونوائب الدّهر إنّ الإنسان لفي خسرٍ)
وقال يحي الفراء :(ويقال للدهر: العصر. ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا).
ولما في مروره من أصناف العجائب .
وسمي الدهر عصراً، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة.
الثاني :أنه العشي :وهو قول قتادة والحسن ،فأما قول قتادة فنسبه إليه ابن أبي حاتم وغيره ؛ وأما قول الحسن فأخرجه عنه ابن عبد الرزاق من طريق معمر ؛ وقال بهذا القول قطرب أيضا .
توجيه هذا القول :
الأثر الوارد عن أبيّ بن كعبٍ قال : سألت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن العصر فقال: «أقسم ربّكم بآخر النهار )
وقول قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ.
وقال بعض العلماء: العصر: اليوم، والعصر: الليلة، ومنه قول حميدٍ:
ولن يلبث العصران: يومٌ وليلةٌ ....... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
وقال قطرب :(وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقال المارودي : خصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال .

الثالث : أنه صلاة العصر:نسبه ابن عطية وغيره لمقاتل ؛ورجحه الزمخشري .
وتوجيه هذا القول أن لفظة العصر أصبحت علما على صلاة العصر ،وهي صَلاةٌ مُعَظَّمَةٌ. وقِيلَ: هي المُرادُ بِالوُسْطى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: 238] . وجاءَ في الحَدِيثِ («مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» ) ؛وتعريفه على هذا تعريف العهد .كما ذكر ابن عاشور
الرابع :أنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته : ذكره ابن عاشور وغيره .
وتوجيه هذا القول كما قال ابن عاشور :
أن التَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في اليَوْمِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ كَذا، فالقَسَمُ بِهِ كالقَسَمِ بِحَياتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَعَمْرُكَ) ؛ ولأنه يشبه عصر عمر الدنيا .
الخامس : أنه عصر الإسلام : ذكره ابن عاشور .
وتوجيهه كما قال :أن الإسلام خاتمة عصور الأديان ؛وقَدْ مَثَّلَ النَّبِيﷺ عَصْرَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَصْرِ اليَهُودِ وعَصْرِ النَّصارى بِما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ وما عَمِلْنا باطِلٌ، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم، فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَأنْتُمْ هم» . فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصالٌ بِالرَّمْزِ إلى عَصْرِ الإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
القول الراجح :
أن المعنى عام ،فكل مالزمه هذا الإسم فداخل فيما أقسم به جل جلاله ، ولا يوجد تخصيص معنى دون الآخر .
( إن الإنسان لفي خسر )
القراءات الواردة فيها :
-قرأها عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
-وفي مصحف عبد الله ( لقد خلقنا الإنسان في خسر ) لكنها قراءات شاذة .
وقال الزجاج قوله تعالى ( إن الإنسان لفي خسر )هي جواب القسم .
والمراد بالخبر في قوله تعالى ( لفي خسر ) الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الإنْذارِ والوَعِيدِ، أيْ: لَفي خُسْرٍ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الآخِرَةِ، فَلا التِفاتَ إلى أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: 196] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: 197] .كما ذكر ابن عاشور .
وفائدة التنكير في قوله ( خسر ) إما يكون للتنويع ،أو يكون للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم كما ذكر ابن عاشور .
وذكر ابن سلامة والسخاوي أن هذه الآية منسوخة.
وقيل في المراد بالإنسان هنا أربعة أقوال :
1-المراد به الناس كلهم ،فلإنسان هنا بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد .رواه عبد الرزاق عن كعب القر ظي من طريق أبي رواد وذكره الطبري والزجاج وغيرهم .
2-المراد به الناس إلا النبيين . ذكره مكي بن أبي طالب
3- المراد به هنا الكفار والعاملين بغير طاعة الله . ذكره الزجاج
4- المراد به أبا جهل بن هشام . أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس .
والراجح أن المرادُ به العمومُ بدليلِ الاستثناءِ منه، وهو مِنْ جملةِ أدلة العمومِ. كما ذكر السمين الحلبي .
وحرف "في" يأخذ موضعه في هذا البيان المعجز، بما يفيد من معنى الظرفية، في الغمر والإحاطة والإغراق.
وَفي معنى الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ الطبري وأبو عبيدة التيمي .
الثّانِي: لفي ضلال ،قاله مجاهد ورواه عنه الهمداني من طريق أبي نجيح ،ونسبه إليه العيني .
الثّالِثُ: لفي هلكة ،قاله الأخفش .
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، قاله الفراء ،ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ .
والخسر والخسران بمعنى واحد ، فالخسر هلاك رأس المال ونقصانه .
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مَجازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلازَمَةَ الخُسْرِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَتْ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ لَخاسِرٌ.
ومَجِيءُ هَذا الخَبَرِ عَلى العُمُومِ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جَوابِهِ، يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والإنْذارَ بِالحالَةِ المُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النّاسِ.كما ذكر ابن عاشور .
( إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )
استثنى الله عزوجل من قوله (إن الإنسان لفي خسر ) إلا من ءامن بالله ورسوله فإنهم ليسوا في خسر ،واشترط عليهم شروطا فقال ( وعملوا الصالحات ) أي : عملوا بالطاعات واجتنبوا المحرمات ،والمراد بالتعريف في قَوْلِهِ (الصّالِحاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وهذا يشمل القيام بجميع الطاعات وترك جميع السيئات .


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29 جمادى الآخرة 1442هـ/11-02-2021م, 07:28 PM
فاطمة الزهراء احمد فاطمة الزهراء احمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,010
افتراضي

وفائدة عطف التواصي بالحق والتواصي بالصبر على عمل الطاعات مع أنهما منها هو من باب عطف الخاص على العام وذلك للاهتمام به .
وكرر الفعل وحروف الجر في قوله :(وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) لأهمية كل واحد منهما وهذه أعلى الاهتمامات.
وورد في الحَقِّ تأويلان :
الأول : أنه الله تعالى والإيمان به ، رواه الهمداني عن كعب من طريق أبي علي .
الثّانِي: أنه كتاب الله ، قاله قتادة والحسن ، فأما قول قتادة فأخرجه عنه ابن جرير من طريق سعيد ؛وابن جرير من طريق أبي روح السكوني ؛وأما قول الحسن فأخرجه عنه عبد الرزاق من طريق معمر .
والقولان متلازمان ولا تضاد بينهما فالتواصي بالإيمان بالله واتباع ماجاء في كتابه هو غاية ماشرع التواصي لإجله .
وفِي المراد بالصبر قولان :
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ والحسن ،فأما قول قتادة فأخرجه عنه ابن جرير من طريق سعيد ؛ وأما قول الحسن فأخرجه عنه عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر .
الثّانِي:على فرائض الله وحكمه ، أخرجه الهمداني عن كعب من طريق أبي علي .
والقولان يحملان على بعضهما فالصبر على فرائض الله وحكمه داخل في طاعة الله سبحانه .
فبالأمرين الأوَّلين في السورة وهما الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح يكمِّل العبد نفسه ، وبالأمرين الأخيرين بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر يكمِّل غيره ،وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم في الدارين .
هدايات السورة والفوائد السلوكية المستفادة منها :
-الحذر من الوقوع في الهلاك والضلال والخسران وتجنب عقوبة الله تعالى في الدارين .
-النجاة تكون في التمسك بطاعة الله وهديه واتباع أحكامه والبعد عن معاصيه .
-الإكثار من الأعمال الصالحة في السراء والضراء .
-الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكروتحمل الأذى في سبيل تبليغ دعوة الله عزوجل .
-الصبر على مشقة الطاعة واستحضار الثواب على ذلك ؛قال تعالى :( وبشر الصابرين ) .
-الاستعانة على الطاعات بمصاحبة الصالحين ومجالستهم ومناصحتهم .
-كثرة الدعاء بالثبات والتوفيق للطاعات والخيرات .

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 2 رجب 1442هـ/13-02-2021م, 01:12 PM
نورة الأمير نورة الأمير غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز - مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 700
افتراضي

رسالة في تفسير سورة العصر ، وهي مكية:


قال تعالى: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿2﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ ﴾



مقدمة فيها وفي فضلها:
ذكر الطبراني عن عبد الله بن حصن [ أبي مدينة ] ، قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر " سورة العصر " إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر .
ولا عجب من فعلهم هذا، وذلك لاشتمال السورة على الأسس والمبادئ السليمة للحياة الكاملة السعيدة، فهذه السورة من أكثر السور شمولا رغم أنها من أقصرهن! وقد قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم.
وبيان ذلك أن المراتب أربع، باستكمالها يحصل للشخص غاية كماله: إحداها: معرفة الحق. الثانية: عمله به. الثالثة: تعليمه من لا يحسنه. الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربع في هذه السورة، كما ذكر ذلك ابن القيم-رحمه الله-.

لذا سنحاول تفكيك هذه السورة وتحليل آياتها ، والنهل من عذب مفرداتها ، لنعرف أسباب النجاح والفلاح، وسبل النجاة من الخسران المذكور فيها، وقانا الله وإياكم خسران الدنيا والآخرة.


(والعصر):
ابتدأت السورة بالقسم الذي يفيد التعظيم ،

وحرف القسم: هو الواو.
والمقسَم به: هو العصر، وهو من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه .
والمراد بالقسم: تأكيد الخبر. كما ذكره ابن عاشور.

أما سبب القسم بالعصر: فذلك مبني على المراد بالعصر، وذلك أن له معانٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية ، لذا سنستعرض الأقوال التي أوردها المفسرون في المراد به ، لنستنتج سبب القسم به.



ذكر المفسرون في المراد بالعصر عدة أقوال:

الأول: أنه الدهر، قال به ابن عباس، وذكره البغوي، ورجحه الطبري وابن كثير والقرطبي ، وهذا القول يدخل تحته كثير من الأقوال الأخرى ، فالقول به أشمل وأكمل ، وذكر في الاحتجاج بهذا القول الرازي عدة وجوه:

أحدها: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم، فإنه مجزأ مقسم بالسنة، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضيا ومستقبلا، فكيف يكون معدوما؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟

وثانيها: أن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله: {وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}.

وثالثها: أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.

ورابعها: أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران، ولذلك قال: {لفي خسر} ،
ومنه قول القائل:

إنا لنفرح بالأيام نقطعها ** وكل يوم مضى نقص من الأجل

فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر.



القول الثاني: وهو قول أبي مسلم والحسن ، وذكره البغوي والرازي : أن المراد بالعصر أحد طرفي النهار، وذكر ابن عاشور: أن أشهر إطلاق لفظ العصر أنه علَم بالغلبة لوقت ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس ، ويعقبه الأصيل والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس ،
قال الحارث بن حِلزة :

آنستْ نبأة وأفزَعها القَنَّـ ... اصُ عَصراً وقَدْ دَنَا الإِمساء

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر .

والسبب في قول القائل أنه المراد بالعصر وجوه ذكرها الرازي:

أحدها: أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسرا فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر.

وثانيها: قال الحسن رحمه الله: إنما أقسم بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة والكسب فيها، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين، فكذا نقول: والعصر أي عصر الدنيا قد دنت القيامة و(أنت) بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غدا عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك فإذن أنت خاسر، ونظيره: {اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون}.

وقال ابن عاشور: أن ذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية ، وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظام لابتدائه وانقطاعه ، وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم ، وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم .

وثالثها: أن هذا الوقت معظم، والدليل عليه قوله عليه السلام: "من حلف بعد العصر كاذبا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة" فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وههنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار، ثم كأنه يقول بعض النهار: باق فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة، وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة من بائع الثلج كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت: هذا معنى: {إن الإنسان لفي خسر} يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذن هو خاسر.



القول الثالث: وهو قول مقاتل ، وذكره البغوي والرازي وابن عاشور : أراد صلاة العصر، وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علَماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العَقَبَة، كما ذكر ذلك ابن عاشور .

وذكر الرازي فيه وجوها:

أحدها: أنه تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله: {حافظوا على صلاة العصر} في مصحف حفصة وقيل في قوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} إنها صلاة العصر.

وثانيها: قوله عليه السلام: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".

وثالثها: أن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشها.

ورابعها: أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة تفخيما لشأنها، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحا، كما قال: {إلا الذين ءامنوا}.


القول الرابع:أنه قسم بعصر محدد من العصور، كقولنا: عصر فلان، أو عصر النهضة. وخصصه الرازي وابن عاشور بأنه قسم بزمان الرسول عليه السلام، فقوله: {والعصر} أي والعصر الذي أنت فيه، والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في ( اليوم ) من قوْلك : فعلت اليوم كذا ، فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله: {وأنت حل بهذا البلد} وبعمره في قوله: {لعمرك} فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف، ثم وجه القسم، كأنه تعالى يقول: أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.

ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه كما أورد ذلك ابن عاشور، فعصر الإسلام هو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله : « مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوماً إلى الليل فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل ، واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا ، واستأجر قوماً أن يعملوا بقيةَ يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فأنتم هُم » . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإِسلام في هذه الآية .

وسبب القَسَم بالعَصر بناء على هذا القول: هو أن السورة بينت حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها ، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت ، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإِسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم ، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإِسلام من الشرك أو بدين جاء الإِسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } في سورة آل عمران ( 85 ) .



القول الخامس: ذكره البغوي: قيل معناه ورب العصر . 



( إن الإنسان لفي خسر )



المسألة الأولى: الألف واللام في الإنسان، هل هي للجنس أم للمعهود السابق؟ وبناء على هذا فإن المفسرين ذكروا في المراد به عدة أقوال:


القول الأول: أن المراد منه جنس الإنسان وهو كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان. ذكره الرازي

وقال ابن عاشور: تعريف الإنسان تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإِنساني الموجودين في زمن نزول الآية وهو زمن ظهور الإِسلام ، ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها ، ولما استُثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققاً في غير المؤمنين كما سيأتي ..
ونظير هذا قوله : (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) .

وسبب الحكم على الإنسان بالخسر: ذلك أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال، ورأس ماله هو عمره، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران. 

واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة، وتقريره أن سعادة الإنسان في حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، ثم إن الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرها، وهي الحواس الخمس والشهوة والغضب، فلهذا السبب صار أكثر الخلق مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في الخسران والبوار.

-مسألة: إن قيل: أنه تعالى قال في سورة التين: {لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين} فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال والانتهاء إلى النقصان، وههنا يدل على أن الابتداء من النقصان والانتهاء إلى الكمال، فكيف وجه الجمع؟
الجواب: أن المذكور في سورة التين أحوال البدن، وههنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين. ذكر ذلك الرازي.


القول الثاني: المراد به الكافر . ذكره البغوي وابن عاشور .


القول الثالث: المراد منه شخص معين، قال ابن عباس: يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب.
وقال مقاتل: نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع إنه أبو جهل، وروي أن هؤلاء كانوا يقولون: إن محمدا لفي خسر، فأقسم تعالى أن الأمر بالضد مما توهمون. ذكره الرازي



والصواب أن لا تعارض بين الأقوال ، بل إن القول الأول أعم ويدخل فيه القول الثاني والثالث ، فجنس الإنسان خاسر ، ما لم يكن من المؤمنين ، فبالتالي يخرج الكافرون من ذلك ويندرجون تحت قسم الخاسرين ، ويندرج تحت قسم الكافرين ما ذكر من رؤوس المشركين كأبي لهب والعاص بن وائل وغيرهم.

المسألة الثانية: المراد بالخسر:

الخُسر : مصدر وهو ضد الربح في التجارة ، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب .

-الظرفية في قوله : (لفي خسر) مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر .

ما الذي يفيده تنكير مفردة { خسر }؟
1- يجوز أن يكون للتنويع.
2- ويجوز أن يكون للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم ، والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم .
ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرف التوكيد في جوابه ، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس . ذكره ابن عاشور



واعلم أن الله تعالى قرن بهذه الآية قرائن تدل على مبالغته تعالى في بيان كون الإنسان في خسر،
أحدها: قوله: {لفي خسر} يفيد أنه كالمغمور في الخسران، وأنه أحاط به من كل جانب .

وثانيها: كلمة إن، فإنها للتأكيد.

وثالثها: حرف اللام في لفي خسر،
وههنا احتمالان: 
الأول: في قوله تعالى: {لفي خسر} أي في طريق الخسر، وهذا كقوله في أكل أموال اليتامى: {إنما يأكلون فى بطونهم نارا} لما كانت عاقبته النار.

الاحتمال الثاني: أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال، ورأس ماله هو عمره، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران. ذكره الرازي

-تفاوت الخسر:
هذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإِيمان بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكونُ مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها، وما حدده الإِسلام لذلك من مراتب الأعمال وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحشَ وهو ما فسر به قوله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ] .


-مسألة: هل الخسر مرتبط بالخسار الدنيوي ؟ وهل نجاح الناس في الدنيا وخسارتهم مرتبطة بالمعنى المذكور في الآية؟
الصواب أن المراد بهذا الخبر الخسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا ، قال تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [ آل عمران : 196 ، 197 ] .



( إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ)


انقسام الناس إلى فريقين بناء على ما تقتضيه الآيات:

1- فريق يلحقه الخسران، وهو جنس الإنسان الذي لم يقم بما أمره الله به.
2- فريق لا يلحقه شيء من الخسران، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .


-المراد بـ(ال) التعريف في (الصالحات):
ال التعريف في قوله: (الصالحات) هي (ال) تعريف الجنس المراد به الاستغراق؛ أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين. وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات. ذكره ابن عاشور.



معنى ( تواصوا ):
أوصى بعضهم بعضا، ذكره البغوي.


والمراد ( بالحق ):

قيل: بالقرآن ، قاله الحسن وقتادة وذكره البغوي.

وقال مقاتل : بالإيمان والتوحيد . ذكره البغوي

والصواب أن مفردة الحق تشمل هذا كله ، فالقرآن حق والإيمان حق والتوحيد حق.



( وتواصوا بالصبر )

معنى الصبر:
منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله ( إن كان صعبَ الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوْف ضر ينْشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور ) أو لرغبة في حصول نفع منه ( كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك ). ذكره ابن عاشور.


أنواع الصبر:

1- الصبر على أداء الطاعات والفرائض وإقامة أمر الله . ذكره البغوي وأشار إليه ابن عاشور.
2-الصبر على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. ذكره ابن كثير ، وذكر ابن عاشور مثالا على ذلك: وذلك أن المسلم إذا أمَرَ بالمعروف فإنه يلاقي امتعاض بعض المأمورين به كمن يقول لآمره : هَلاّ نظرت في أمر نفسك ، أو نحو ذلك .

ولعل هذا هو سبب ذكر التواصي بالصبر بعد ذكر التواصي بالحق ، وذلك أن التواصي بالحق يحتاج صاحبه إلى مزية الصبر.

3- الصبر عن فعل المعاصي ومنع النفس عن الشهوات والشبهات. أشار إليه ابن عاشور

وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها .

والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها ، كما قال عمرو بن العاص:


إذا المرءُ لم يَترُكْ طعاماً يُحبُّه


ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيثُ يمَّما ...


فيوشِك أن تُلفَى له الدَّهرَ سُبّةٌ


إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تَمْلأ الفَمَا ...


وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه ، وفي الحديث : " حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفّت النار بالشهوات " . وعن علي بن أبي طالب : «الصبر مطية لا تكبو» .



-سبب عطف التواصي بالحق والصبر على عمل الصالحات رغم أنه من عمل الصالحات:
هذا من عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه ، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر .


-وسبب عطف التواصي بالصبر على التواصي بالحق:
-أن هذا من عطف الخاص على العام.
- أن التواصي بالحق يحتاج فيه إلى التوصية بالصبر، لأن الصبر تحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق .


-شمولية إقامة المصالح الدينية في الآية:

فقد اشتمل قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } على إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر .


-استنباطات لطيفة في ظلال الاستثناء المذكور في الآية:
- أن الاستثناء فيه تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.
- أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد. ذكره الرازي.



-مسألة: في جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر السبب وفي جانب الربح ذكر السبب، وهو الإيمان والعمل الصالح، ولم يذكر الحكم فما الفرق؟

-أنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر كما يحصل بالفعل، وهو الإقدام على المعصية يحصل بالترك،وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل.
- وفيه وجه آخر، وهو أنه تعالى في جانب الخسر أبهم ولم يفصل، وفي جانب الربح فصل وبين، وهذا هو اللائق بالكرم. ذكره الرازي.



-فائدة في ظلال قوله تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}:
قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بين في أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح خرجوا عن أن يكونوا في خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث أنهم تمسكوا بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضا سببا لطاعات الغير كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين وعلى هذا الوجه قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} فالتواصي بالحق يدخل فيه سائر الدين من علم وعمل، والتواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب، وفي اجتنابهم ما يحرم إذ الإقدام على المكروه، والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد.

-عظم أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي على ذلك:

وذلك أن الآية فيها وعيد شديد، فقد حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف والثاني النهي عن المنكر، ومنه قوله: {وانه عن المنكر واصبر} وقال عمر: رحم الله من أهدى إلى عيوبي. ذكره الرازي

- دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي. ذكره الرازي

-كمال دين المرء ، وكمال مجتمعه بتحصيل الأمور الأربعة المذكورة في الآية:

(إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم. أورده السعدي.



رزقنا الله النجاة من الخسران ، والارتقاء لمرتبة المؤمنين العاملين بالصالحات ، المتواصين بالحق الصابرين عليه ، والحمدلله رب العالمين..

المراجع:

- تفسير البغوي.

-التفسير الكبير للرازي.

- تفسير القرطبي.

- تفسير الطبري.

-التحرير والتنوير لابن عاشور.

- في ظلال القرآن لسيد قطب.
-تفسير السعدي.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 01:35 AM
الصورة الرمزية صفية الشقيفي
صفية الشقيفي صفية الشقيفي غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 5,308
افتراضي

رسالة في تفسير سورة العصر

بسم الله والصلاة والسلام على خير خلق الله ومعلم الناس الهدى، محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فهذه رسالة في تفسير سورة العصر، أسأل الله فيها التوفيق والسداد، فما كان من حقٍ فيما ذكرت فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان.

نزلت سورة العصر في مكة حيث عناد المشركين وتجبرهم واستضعافهم جماعة المؤمنين، وحيث حاجة المؤمنين للثبات والصبر أمام فتنة المشركين وتربصهم بهم.
فنزلت على صفة القرآن المكي، وجيزة الألفاظ وافرة المعاني، قوية الأسلوب شديدة الخطاب، فارقة بين أهل الحق وأهل الباطل، بين الخاسرين والفائزين، جمعت بين معاني الترغيب والترهيب، إذ بين الله فيها للإنسان منهجًا باتباعه نجاته وبمخالفته هلاكه، لذا قال عنها الشافعي -رحمه الله-:
" لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" (1)
والقول بمكية السورة رواه ابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور للسيوطي، وعليه جمهور المفسرين.
وكان من هدي الصحابة رضوان الله عليهم أن يقرؤوها عند الفراق تذكيرًا بما فيها من المعاني.
عن أبي مدينة الدارمي - رضي الله عنه- قال: " كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا، وأرادا أن يتفرقا، قرأ أحدهم سورة: والعصر إن الإنسان لفي خسر، ثم سلم أحدهما على الآخر أو على صاحبه ثم تفرقا ". رواه أبو داوود في الزهد والطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني.
ولا يتصور أن يلتزم الصحابة أمرًا ولا يكون لهم في ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم
فحري بنا أن نتوقف طويلا أمام معانيها
لعلنا نهتدي بهديها ونستن بسنة خير القرون؛ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم
ونتواصى بها دبر كل مجلس!
ولأن موضوع هذه السورة هو الإنسان، وما يكون به نجاته من الخسران، جاءت الآيات مؤكدة بالقسم، تحقيقًا للخبر، وتأكيدًا للحجة على الناس، كافرهم ومؤمنهم
فأقسم الله عز وجل بالعصر، والله عز وجل يقسم بما شاء، وليس لأحد من خلقه القسم إلا به سبحانه
لأن القسم فيه نوع تعظيم للمقسم به ولا يحل لأحد تعظيم مخلوق فوق الله تعالى، والله عز وجل فوق كل شيء وقسمه بالمخلوق دليل عليه، إذ لا يُتصور وجود مخلوق بدون خالق، ومصنوع بدون صانع !
وفي قسمه سبحانه بالمخلوق تشريفٌ لهذا المخلوق.

و كلمة العصر من المشترك اللفظي في اللغة، والمشترك اللفظي هو اللفظ الذي يستخدم لعدة معان، فتأتي كلمة العصر لغة على عدة معان، منها:
الأول: الدهر: ويشهد له قول امرؤ القيس:
(ألا انعَمْ صباحاً أيُها الطلل البالي ... وهل ينعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخالي) (2)
العُصُر تثقيل عصر.

الثاني: العشي، وهو آخر ساعة من النهار،
قال الحارث بن حلزة :
(أنَسَتْ نبأةً وأَفْزَعَها القَنْنَاصُ ... عَصْراً وقد دنا الإِمساءُ) (3)
ويقال العصران الليل والنهار قال حميد بن ثور :
ولا يَلْبِثُ العَصْرَانِ يوماً وليلةً ... إذا اختلفا أن يدركا ما تيمّما
(4)

الثالث: مصدر (عَصَرَ) ومنه عصر العنب، قاله ابن السِّكيت. (5)

ولهذا اختلف السلف وأهل اللغة في تعيين المراد بكلمة العصر في الآية على أقوال:
القول الأول: الدهر، وهو قول الفراء وابن قتيبة وأبي بكر ابن الأنباري وأبي منصور الأزهري ومكي بن أبي طالب، وهو اختيار ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن.
ويشهد له ما روي عن عن عليٍّ رضي اللّه عنه، أنه كانَ يَقْرَأُ: (وَالْعَصْرِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَإِنَّهُ َ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ). رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائله وابن جرير في تفسيره والحاكم في مستدركه، وصححه ووافقه الذهبي.
وتحمل هذه القراءة على ما نُسخ من الأحرف السبعة بالجمع العثماني، ويستفاد منها في التفسير.
ويلحق بهذا القول تخصيص الزمان بعصر النبي صلى الله عليه وسلم، تنبيهًا على فضله وشرفه وإنذارًا للمشركين المعرضين، وتثبيتًا للمؤمنين. ذكر هذا القول فخر الدين الرازي وابن عادل والألوسي وابن عاشور.

القول الثاني: العشي وهو قول الحسن، ورواية عن ابن عباس.
قول الحسن رواه عبد الرزاق وابن جرير.
رواية ابن عباس رواه ابن المنذر كما في الدر المنثور.
ويلحق بهذا القول رواية عن ابن عباس وقتادة (ساعة من ساعات النهار)
قول ابن عباس رواه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه
قول قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره.

ويلحق به أيضأ القول بأن المراد بالعصر: صلاة العصر، وهو قول مقاتل، قاله في تفسيره، وقدمه الزمخشري وتبعه النسفي، وذكره ابن جزي الكلبي احتمالا وغيرهم.
وتوجيه هذا القول أن صلاة العصر هي الصلاة المخصوصة بوقت العشي، وأن التعريف في (العصر) للعهد، وقد اشتُهِر إطلاق (العصر) على هذه الصلاة.
وأقسم الله عز وجل بها لشرفها وفضلها
ومنها أنها الصلاة الوسطى التي أوصى الله بها، قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}
عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : (ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس). صحيح البخاري.
وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)
وقال صلى الله عليه وسلم: (من فاتته صلاة العصر فقد وتر ماله وأهله) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد.
وأشار أبو بكر البقاعي إلى مناسبة أخرى بين القسم بزمان ساعة العشي والمقسم به فقال:
({والعصر *} أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم)
يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وخلق الله آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة) رواه مسلم.

الدراسة والترجيح:
كلمة العصر من المشترك اللفظي الذي يحتمل عدة معان، واستعمال كلمة العصر بمعنى الدهر أو العشي معروفٌ في لغة العرب كما سبق بيانه،
وقد جمع قطرب بين المعنيين وذكر احتمال الآية لكليهما قال: (وقالوا: العَصْرُ العَشِيُّ. يُقالُ: أَتَيْتُكَ عَصْراً أَيْ عَشِيّاً.
وقولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {والعَصْرِ إنَّ الإنسانَ لفي خُسْرٍ} يكونُ على ذلكَ وعلى الدَّهْرِ. يُقالُ: مَضَى عَصْرٌ من الدهرِ وعُصْرٌ)
(6)
وتخصيص بعض الأحوال التي تتأتى على معنى أي منهما لا يعني انتفاء احتمال الآية للمعنى الأعم بل فيه زيادة تأكيد على فضل المخصوص وشرفه
وفي الجمع بين الأقوال مزيد فائدة - والله أعلم -، ففيه إشارة إلى أن الزمان وإن قصر في ساعة من نهار أو يوم وليلة، أو طال في معنى (الدهر) لا يصلح إلا بتعميره باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك صلاة العصر، وفي هذا تقدمة لما دلّ عليه جواب القسم في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
والله أعلم.
{إن الإنسان لفي خسر}
وجاء جوابُ القسم مؤكدًا بإنّ ولام التوكيد {لفي} زيادةً في التأكيد على تحقيق الخبر وكمال الحجة على المخاطبين، خاصةً من أنكر منهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكذّب بالقرآن.
{الإنسان}
مفردٌ أُريد به الجمع، أي (الناس كلهم)، وذلك لدلالة التعريف فيه بـأل على الاستغراق، وهو قول محمد بن كعب القرظي وأبو عبيدة والمبرد وابن جرير الطبري والزجاج وابن الأنباري والنحاس والزمخشري والبيضاوي وغيرهم.
قال محمد بن كعب القرظي: ({إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم). رواه عبد الرزاق، ورواه ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور للسيوطي.
وقال مكي بن أبي طالب في العمدة في غريب القرآن: (الناس إلا النبيين).
وقال الواحدي في الوجيز: الكافر العامل لغير طاعة الله.
وخصصه بأبي جهل، ونسب هذا القول لابن عباس.رواه ابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور.
بينما خصصه ابن عادل بالوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث، وعزاه إلى رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم أجده بهذا اللفظ في مصدر مسند ورواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، على العموم.

والراجح دلالة {الإنسان} على عموم الناس، بدليل الاستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
ولا حاجة لاستثناء النبيين لأنهم داخلون في المستثنى بتحقيقهم الوصف المذكور في قول الله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
وأما تخصيص الإنسان بالكافر، أو بكافر معين، وحمل الاستثناء مع ذلك على الانقطاع، فلا دليل صحيح عليه ومخالف لما عليه جمهور المفسرين وأهل اللغة.
والكافر داخل في عموم الآية، ويتحقق فيه معنى الخسارة الكاملة على ما سيأتي بيانه بإذن الله
{لفي خسر}
والخسر في اللغة هو النقصان، قاله الخليل ابن أحمد وأبو عبيدة وابن قتيبة وأبو منصور الأزهري وأحد قولي مكي بن أبي طالب.
وقيل الهلاك، وهو قول آخر لمكي بن أبي طالب، ونسبه الماوردي للسدي ولم أجده في مصدر مسند.
وجمع بين القولين ابن كثير، ومن لازم حصول النقص حصول الهلاك.

ثم اختُلف في المراد بالنقصان الذي يحصل لعموم الناس على أقوال:
القول الأول: أن الإنسان لا يزال يُنقص من عمره في الدنيا حتى يرد إلى الهرم والضعف فيضعف عن الطاعات، فمن تحقق فيه وصف المستنثى، أجرى الله له أجره على ما كان يعمل ولم ينقصه شيئا، وهو مروي عن إبراهيم النخعي، وقال به أبو عبيدة معمر بن المثنى في تأويل مشكل القرآن.
- رواية إبراهيم النخعي: رواها عبد بن حميد كما في الدر المنثور للسيوطي -
وهذا بمعنى قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون}
واستدل أبو عبيدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«قال الله للكرام الكاتبين: إذا مرض عبدي فاكتبوا له ما كان يعمل في صحته، حتى أقبضه أو أعافيه». صححه الألباني في صحيح الجامع.

القول الثاني: عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله في الجنة، وهو قول الفراء.
القول الثالث: دخول النار وهو قول أبي جعفر النحاس، وهو من لازم قول الفراء.
القول الرابع: أن لفظ الآية على عمومها وأن الخسر هنا ملازم للناس في حياتهم وحتى مماتهم وما يلقونه من جزاء في الآخرة.
ومعناه أنهم في خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في غير طاعة الله، وهو قول الزجاج و أبي المظفر السمعاني والبغوي وابن الجوزي والبيضاوي وأبي السعود والألوسي وغيرهم
ويشهد له قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (والعصر ونوائب الدهر وإنه فيه إلى آخر الدهر)، وسبق تخريجها.
والتحقيق أن الخسر هو النقصان، ومن النقصان ذهاب رأس المال، ورأس مال الإنسان هو عمره، فإذا ضيّعه فيما لا ينفعه في دنياه وآخرته فقد هلك وخسر دنياه وآخرته
وحقيقة ما ينفع في الدنيا والآخرة هو ما كان في طاعة الله عز وجل ابتغاء مرضاة الله عز وجل
وهو المذكور في وصف المستثنى في قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} على ما سيأتي بيانه بإذن الله
وعلى قدر إتيان الإنسان بهذا الوصف يكون نصيبه من الخسارة والربح
فالكافر يتحقق له الخسار المطلق لأنه لم يحقق وصف الإيمان بداية وأعماله كلها وإن حصل فيها من الصلاح شيء فليست لله عز وجل فتصير يوم القيامة هباء منثورًا كما قال تعالى: {وقدِمنا إلى ما عمِلوا من عملٍ فجعلناهُ هباء منثورًا}
وأما المؤمنون، فهم على درجات، فكلما كان نصيب المؤمن أوفر من وصف من استثناهم الله من الخسار {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} كلما كان أكثر ربحًا وعن الخسارة أبعد
ومن أنفق عمره في طاعة الله، ثم عرض له في آخره ضعف وعجز كان من فضل الله عليه أن يُجري له أجر ما كان يعمل، فلا ينقطع أجره.
وبهذا يتبين وجه الجمع بين الأقوال السابقة وتلازمها، فمن أنفق عمره في معصية الله، لن يجد حال عجزه عن الطاعات في مرضه أو عجزه أجرًا إلا على ما قدّم من عمل صالح، فخسِر أولا بتضييع عمره فيما يضره من معصية الله، وخسِر آخرًا أجر المؤمنين على ما قدموا من أعمال صالحة حال عافيتهم فأجرى الله لهم الأجر – من غير عمل – حال عجزهم، وخسر في الآخرة بما يلقاه من عقوبة على ذنوبه، وخسارة لمنزلته في الجنة، فإذا لم يغفر الله له، عُذّب بمقدار ذنوبه في النار ثم يدخل الجنة بإذن الله عز وجل، تحقيقًا لوعد الله عز وجل بأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان
قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}
وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) رواه مسلم في صحيحه.


وقال الله عز وجل {لفي خسر} بدلا من استخدام صيغة الفاعل مثل (لخاسر) لدلالة في الظرفية – والله أعلم - على إحاطة الخسر به من كل جانب، وبيان ذلك أن الإنسان لا ينفك عن الخسارة، فأوقاته ما بين معصية، وتحقق الخسارة معها واضح، أو مباحات لا ثواب عليها، وما يأتي به من الطاعات فكان من الممكن أن يأتي بها على وجه أكمل بتحقيق الإحسان فيها، وتركه للمرتبة الأعلى فيه نوع خسران، وإن حقق الإحسان في بعض المواضع ربما فاته مواضع أخرى
والمقصود أن على الإنسان الاجتهاد في تحصيل أعلى المراتب والنجاة من الخسران، والله المقصود أن يغفر له تقصيره
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُنَجِّيَ أحَدًا مِنكُم عَمَلُهُ قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ برَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا..) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
والمقصود من هذه الأحاديث أن التوفيق إلى الهداية والعمل الصالح، ودخول الجنة لا يكون إلا برحمة من الله عز وجل، فالمطلوب من الإنسان أن يجتهد ويسدد ويقارب ليحقق ذلك.
وليس معنى هذه الأحاديث أن يترك الإنسان العمل، بل معناها أن عمل الإنسان مهما عظم فهو لا يساوي نعيم الجنة الذي سيلقاه في الآخرة ولولا رحمة من الله تناله لما وصل إليه - والله أعلم -.
ومما سبق يتبين لنا دلالة تنكير كلمة (خسر) على التنويع، لبيان أنواع الخسر، كما دلت على التهويل والتعظيم بمجيئها في سياق القسم
ويتبين لنا أيضًا فائدة تأكيد خبر إنّ باللام {لفي خسر} للتهويل، والإنذار بالحالة العامة المحيطة بالناس، قاله ابن عاشور.


ثم استثنى الله عز وجل من عموم الناس {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
وجاء المستثنى منه مخبرًا عنه بذكر الجزاء وهو الخسارة {إن الإنسان لفي خسر}، بينما جاء المستثنى ببيان وصف أفعالهم
وفي هذا نوع احتباك، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ليسوا بخاسرين، بل رابحين.
والخاسرون فرطوا في هذا الوصف إما بصورة مطلقة في الكافرين، وإما بوجه دون وجه وهذا في عموم المؤمنين
ومن أكمل الأمور الأربعة سلم من الخسار وفاز بالربح
والدليل على أنه يشترط تكميل الأمور الأربعة للنجاة من الخسران ما رواه عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: في قوله تعالى: ({والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى:{إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم ثم استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وعملوا الصالحات} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالحق} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالصبر} شروطا يشترط عليهم).
والعطف في هذه الآية من باب عطف الخاص على العام، فالعمل الصالح داخل في معنى الإيمان المذكور في قوله {الذين آمنوا}، والتواصي بالحق من العمل الصالح، والتواصي بالصبر من الحق الذي أمر الله بالتواصي به
وفائدة عطف الخاص على العام التنبيه عليه والتأكيد على دخوله في الأمر
وإذا اعتبرنا أن العطف في الآية دالٌ على المغايرة فلابد من التأكيد على أن كل صفة تأتي على وصفها الكامل
فالإيمان ها هنا يقصد به تصديق الله عز وجل والإقرار بطاعته قولا وعملا واعتقادًا،
والعمل الصالح كل ما أمر الله به من الطاعات الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة؛ ما كان منها في حق الله عز وجل، وما كان في حق عباده، ويدخل فيه ترك السيئات
والتواصي بالحق وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيدخل فيه التواصي بكتاب الله، كما رواه عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن، ورواه كذلك ابن جرير عن قتادة
والتواصي بالصبر المقصود به التواصي بالصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات والصبر على أقدار الله المؤلمة
ومن ذلك أيضًا الصبر على ما يلقاه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من الأذى في سبيل الله
فإذا تبين ذلك، فلا يصح قول من قال أن العطف بين الإيمان والعمل الصالح دالٌ على أن العمل غير داخل في مسمى الإيمان، فإن ذلك ثابتٌ بدليل الكتاب والسنة، - منها على سبيل المثال –
تعليق بعض الأعمال في كتاب الله عز وجل على شرط الإيمان مثل قوله تعالى:
{اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (سورة البقرة: 278)
وقوله تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (سورة الأنفال: 1)
ويدل عليه أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم.
فجمع بين القول والعمل
بل استدل بآية سورة العصر الآجري في الشريعة على أن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح
وعلى ذلك عامة أهل السنة ولله الحمد.
وبتحقيق الإيمان والعمل الصالح يكمل الإنسان نفسه، إلا أن الإسلام لم يكتفِ بصلاح الإنسان لنفسه، بل لابد وأن يكون مُصلحًا فيما حوله؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات المسلم، كل بحسب ما يستطيعه، إما بيده أو بلسانه شرط ألا يؤدي ذلك إلا حصول منكر أعظم، فإن كان الأمر كذلك فوجب الإنكار بالقلب وهو واجبٌ على كل مسلم وهو أضعف الإيمان
كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من رَأى مُنكَرًا، فإنِ استَطاعَ أنْ يُغيِّرَه بيَدِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فبِلِسانِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فبِقَلْبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ) أخرجه مسلم ، وأبو داود، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه، وأحمد واللفظ له.
وذلك لأن المؤمن يعرض له من العوارض ما يضعفه، ويثبطه عن الإيمان والعمل الصالح
فلكل إنسان أعداؤه المتربصون به من النفس الأمارة بالسوء وشياطين الإنس والجن يزينون له الباطل بل ويلبسونه ثوب الحق، أو يصدونه عن الحق ويؤذونه بكل كبير وصغير ليرجع عنه
فإذا لم يكن في الجماعة المؤمنة تواص بالحق وتذكيرًا به وتواص بالصبر على طاعة الله وعلى الأذى في سبيل الله، فقد سلم بعضهم بعضًا لأعدائهم!
ولفظ التواصي على صيغة التفاعل التي تفيد وقوع الفعل من الطرفين، دلالة على حاجة كل إنسان للآخر لتحقيق هذا الأمر !!
ويشبه هذا المعنى قول الله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
وبتحقيق التواصي بالحق والتواصي بالصبر يكمل الإنسان غيره، ويجد في الجماعة المؤمنة من يكمله
وبهذا يتبين لنا المنهج الذي بينه الله لنا في هذه السورة، والذي به يتحقق الربح والنجاة من الخسارة
والمتأمل لهذه الأمور الأربعة ولواقع الأمة حاليًا ومدى تقصيرها في تحقيق هذه الأمور علِم من أين حصل لنا الخسار، وبعد عنا الربح
ولا نجاة حقيقة إلا باتباع ما أمر الله به
كما قال تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}
ويتبين لنا كذلك سبب حرص الصحابة رضوان الله عليهم على قراءة هذه السورة عند التفرق من كل مجلس
فاللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وانفع بنا
والله المستعان وعليه التكلان ولاحول ولا قوة إلا به.
_____________________________________________________
(1) الكتاب: تفسير الإمام الشافعي، الجزء الثالث، صفحة 1461.
(2) الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر ابن الأنباري، الجزء الثاني، صفحة 171.
(3) الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر ابن الأنباري، الجزء الثاني، صفحة 170.
(4) العين للخليل بن أحمد، الجزء الأول، صفحة .293
(5) إصلاح المنطق لابن السكيت، صفحة 38.
(6) الأزمنة وتلبية الجاهلية، صفحة 58.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 03:46 AM
فداء حسين فداء حسين غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - مستوى الإمتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 948
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
اللهم علمنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

ملاحظة: الهدايات والفوائد مبثوثة في جمل التفسير ولم أضعها في مسائل مستقلة.
تفسير سورة العصر:

اسم السورة:
سورة العصر, أو (والعصر) بإثبات الواو كما جاء في مجاز القرآان لأبي عبيدة, وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني, والبخاري وغيرهم على حكاية أوّل كلمة فيها، أي: سورة هذه الكلمة.
ما جاء في فضلها:
ذكر الطبراني في المعجم الأوسط من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن ، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر "سورة العصر" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
ورواه البيهقي في شعب الإيمان.

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره بأن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب , وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال(٢) لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفز نقز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب(.
قال ابن كثير بعدها: (وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف ب " مساوي الأخلاق " ، في الجزء الثاني منه ، شيئا من هذا أو قريبا منه .).

عدد آياتها:
عدد آيات سورة العصر ثلاث آيات, وهذا مجمع عليه, واختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية:
هي مكّيّة؛ قاله ابن عباس وابن الزبير.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: (مكية، وهذا على قول الجمهور).
وقاله الزجاج, وابن حزم, والثعلبي, والواحدي, والداني, وابن عطية وغيرهم,
وقال الشوكاني: (وهي مكّيّةٌ في قول الجمهور).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاسٍ قال: (نزلت سورة العصر بمكّة).

وذهب مجاهد وقتادة ومقاتل بأن السورة مدنية.

والصواب ما ذهب إليه الجمهور.

قوله تعالى: (والعصر):
بدأت السورة بالقسم, قال تعالى: (والعصر), أقسم الله تعالى بالعصر, والله سبحانه يقسم بما شاء, وليس للعباد أن يقسموا إلا به تعالى وتقدس.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (فإن الله يُقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته،فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وحكمته، وعظمته، وعزَّته، فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نُقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يُقسم بشيء من المخلوقات).

وقسم الله سبحانه بشيء تنبيه على أهميته ومكانته, ووقوع القسم به من خالقه؛ دعوة إلى التفكر فيه وتدبر حاله.

في معنى العصر:
جاء في مقاييس اللغة لابن فارس:
عصر:
العين والصاد والراء أصولٌ ثلاثة صحيحة: فالأوَّل دهرٌ وحين، والثاني ضَغْط شيء حتَّى يتحلَّب، والثالث تَعَلُّقٌ بشيءٍ وامتساكٌ به.فالأوَّل العَصْر، وهو الدَّهر. قال الله:{ وَالعَصْرِ. إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

المراد بالعصر:
تنوعت عبارات المفسرين من السلف في بيان المراد من (العصر), لكن يجمعها قول واحد وهو أن المراد به الدهر أو الزمان, وندكر هنا بعضا مما ورد من أقوالهم:
القول الأول: هو ساعة من ساعات النهار, قاله ابن عباس, رواه الطبري عن علي عن أبي صالح عن معاوية، عن علي عنه.
وقاله قتادة, رواه عنه معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني.

وجاء تحديد هذه الساعة بالعشي, ورد ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي:
أخْرَجَه ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ, قال في قوله تعالى:﴿والعَصْرِ﴾: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ. ذكره السيوطي قي الدر المنثور.
وقاله الحسن من طريق معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني والطبري في تفسيره.

وقال مقاتل: عصر النهار وهو آخر ساعة في النهار¸ رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.

توجيه القول:
يطلق العصر على النهار, ويطلق على العشي كما قال قطرب : وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقول الله عزّ وجلّ:{والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ} يكون على ذلك وعلى الدّهر. يقال: مضى عصرٌ من الدهر وعصرٌ.
قال الأَزهري: يَقَع العشيُّ على ما بَيْنَ زَوالِ الشمْسِ إلى وَقْت غُروبها، كل ذلك عَشِيٌّ، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ فهو العِشاءُ.
وقال الفراهيدي في كتاب العين: (العشي، آخر النهار، فإذا قلت: عشية فهي ليوم واحد، تقول: لقيته عشية يوم كذا، وعشية من العشيات، وإذا صغروا العشي قالوا: عشيشيان، وذلك عند الشفى وهو آخر ساعة من النهار عند مغيربان الشمس.)

قال ابي بن كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: « (أقسم ربكم بآخر النهار). ذكره القرطبي وابن عطية بلا سند ولم يذكر تخريجه.

وقد جاء في نصوص الشرع مزيد عناية بوقت العصر, ففيه ختام أعمال اليوم, والأعمال بخواتيمها, وفيه اجتماع الملائكة كما جاء في الحديث من قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة عنه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر...) الحديث.
لذلك غلظت اليمين في هذا الوقت كما جاء في الحديث المتفق عليه, الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ ولا ينظرُ إليهم ولهم عذابٌ أليمٌ :...) وذكر منهم: ( ورجلٌ حلف على يمينٍ بعدَ صلاةِ العصرِ لقد أُعطَى بسلعَتِه أكثرَ مما أَعْطى ) الحديث.
وفسر الكثير من أهل العلم الصلاة في قوله تعالى: { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} بأنها صلاة العصر لعظم هذا الوقت عند أهل الإسلام وعند غيرهم.
قال الطبري بعد أن رجح القول بأن الصلاة المقصودة هي صلاة العصر: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة "، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت, وذلك لقربه من غروب الشمس).

القول الثاني: صلاة العصر, قاله مقاتل ولفظه: ( أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى), ذكره البغوي وابن الجوزي. (ولم أجده في التفسير المنسوب إلى مقاتل في تفسيره لسورة العصر).
قال الخليل: (قالوا: وبه سمِّيت صَلاةُ العصر، لأنَّها تُعْصَر، أي تؤخَّر عن الظُّهر).

توجيه القول:
هو من باب حمل اللفظ على دلالته الشرعية, كذلك لعظم ما جاء في فضل صلاة العصر, فهي الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى:{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ},
وقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال : قلنا لعبيدة : سل عليا عن الصلاة الوسطى . فسأله فقال : كنا نرى أنها الصبح ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : (شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، صَلَاةِ الْعَصْرِ).
ولِما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: (والصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ).

وهي الصلاة الفضلى, وقد عظمت كما عظم وقتها:
فوقتها وقت اجتماع الملائكة كما ذكرنا في الحديث السابق¸ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التهويل والتحذير من التفريط فيها, كما جاء عن بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» . رواه البخاري.
وصلاة العصر إحدى صلاتي العشي, فقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين...) الحديث.

القول الثالث: قيل: هو قسم بعصر النبي ﷺ، لفضله بتجديد النبوة فيه .ذكره القرطبي, وذكره الرازي, والماوردي وابن عاشور.
قال الفخر الرازي : فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى : {وأنت حل بهذا البلد } وبعمره في قوله: { لعمرك }.
قال ابن عاشور: (ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس)
وقول ابن عاشور أعم من قول الرازي.

توجيه القول:
ساق ابن عاشور الحديث الذي رواه البخاري ليبين وجه قوله بأن العصر هو عصر الأمة الإسلامية, فقد قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ له عَمَلًا إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إلى نِصْفِ النَّهَارِ فَقالوا: لا حَاجَةَ لَنَا إلى أجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِكُمْ ولَكُمُ الذي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا، حتَّى إذَا كانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ قالوا: لكَ ما عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِهِمْ حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ).

القول الرابع : العصر هو الدهر, قاله ابن عباس, وزيد بن أسلم, ويحيى بن زياد الفراء, وعبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري, ومكي بن أبي طالب, ورجحه جمهور المفسرين وهو الراجح, وهو قول عام يجمع حميع ما سبق من الأقوال.
قال ابن عباس: العصر: الدهر.
أخرجه ابن المنذر. ذكره السيوطي.
قال الفراء :ويقال للدهر: العصر. ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا.
قال ابن السكيت: والعَصْر: الدهر .
وتسمية الدهر عصراً أمر معروف في اللغة, قال الخليل: والعَصْران: اللَّيل والنهار.
ولَنْ يلبث العَصْرانِ يومٌ وليلة إذا اختلفا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما
ويوم وليلة بدل من العصران.

لهذا قال ابن كيسان بأن المراد بالعصر الليل والنهار. ذكره البغوي في تفسيره. وقاله العسقلاني.
فالدهر هو تعاقب الليل والنهار, فلا منافاة بين القولين.

وسبب الاختلاف الواقع في تحديد المراد بالعصر هو الاشتراك اللغوي في لفظ العصر، فهو يطلق على عدة معان، وبهذا يرجع الخلاف إلى أكثر من معنى، وكل هذه الأقوال محتملة, لكن القول بأنه الدهر يشمل الأوقات كلها, لذا جاء تعريف (العصر) باللام تعريفا للعهد الذهني، أي: كل عصر.

لذا رجح الطبري -رحمه الله تعالى-وغبره من المفسرين عموم لفظ العصر لجميع الأوقات فقال: (والصوابُ من القولِ فِي ذلك: أنْ يُقالَ: إنَّ ربَّنا أقسمَ بالعصرِ {وَالْعَصْرِ} اسمٌ للدهرِ، وهو العشيُّ والليلُ والنهارُ، ولم يُخصِّصْ ممَّا شمِلَهُ هذا الاسمُ معنًى دونَ معنًى، فكلُّ ما لزِمَهُ هذا الاسمُ فداخلٌ فيما أقْسَمَ بهِ جلَّ ثناؤُه.(

قال الواحدي:
والعصر بهذه المعاني صحيح في اللغة؛ يقال للدهر: العصر، والعصر، والعصر، أنشد ابن السكيت:
ثم اتقى وأي عصر يتقى ... بعلبة وقلعه المعلق
ويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر.
قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
(فإبداله اليوم، والليلة من "العصران" يدل على أنهما العصران، أنشد ابن السكيت:
وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
قال: العصران: الغداة والعشي
قال الليث: والعصر العشي، وأنشد:
تروح بنا يا عمر ... وقد قصر العصر
قال: وبه سميت صلاة (العصر)
وقال أهل المعاني في "العصر" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذالنهار في التقضي، والليل في المجيء.

وكان عليّ رضى الله عنه يقرأ ذلك: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْر وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
قال عمرو ذي مرّ،: سمعت عليا رضى الله عنه يقرأ هذا الحرف ﴿وَالْعَصْرِ وَنَوَائِب الدَّهْرِ، إنَ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
رواه الطبري من طرق عن عمرو بن ذي مرة.

أقوال أخرى:
وقد جاء عن كعب القرظي التوقف في تعيين المراد بالعصر, فقال: (قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى), رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
ولعله من باب الورع والله أعلم.

وقيل المراد (ورب العصر) , كم في قوله تعالى:{فورب السماء والأرض} ذكره الزجاج ولم يعزوه.
وهذا القول ضعيف, فالأصل عدم الحذف وعدم التقدير.

لماذا أقسم الله بالعصر؟
أولا : أتى هذا القسم الله بالعصر تذكيرا بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، فالزمن محل لوقوع الكثير من الآيات المتغيرة التي تدل من تفكر فيها على وجود خالق ومدبر لها, ففيه تعاقب الليل والنهار بهيئة منتظمة تتحقق فيها مصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام, وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته, وفيه التنبيه والإشارة إلى عظيم خلق الله للشمس, وانتظام حركتها, وما تجلبه من منافع للأرض ومن يعيش عليها بلا استثناء, فلا حياة بدونها, فهي النور الحسي الذي جعل الله المنافع الحسية والبدنية لجميع الكائنات متعلقة به, كما جعل في النور المعنوي؛ نور الوحي, قيام جميع منافع الروح والقلب.
لذا لما حاج إبراهيم قومه وجههم إلى النظر في الآيات المتغيرة كالشمس والقمر, تأتي وتذهب, والقصد بيان وتأكيد أنها مربوبه ومدبرة, كما قال تعالى عنه:{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} الآيات.

ثانيا: كذلك في الإقسام بالعصر التنبيه على أمور عظيمة مباركة؛ مثل الصلاة المخصوصة وهي صلاة العصر, لما جاء من عظيم فضلها حتى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه الذي رواه عنه أبو موسى الأشعري: (عن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صلى البردين دخل الجنة) .
أو التذكير بعصر معين مبارك, على قول من قال بأنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: وقت العصر فيه الإعلام بانتهاء النهار, فهو الوقت الذي ينقطع الناس فيه عادة عن أعمال النهار بما فيها من كد وسعي وجهد وتعب- سواء أعمال الرجال خارج البيت سعيا في طلب الرزق أو طلب العلم, أو أعمال النساء داخل بيوتهن- فيتطلع المرء بعدها إلى الراحة في السكن والمأوى, يتطلع إلى السكينة والطمأنينة بعد يوم طويل شاق.
والإقسام بهذا الوقت-والله أعلم- فيه تنبيه إلى ما يحصل به من انتهاء يوم مر أوشكت صفحاته أن تطوى بما فيها, فلو تفكر الإنسان في هذا الأمر وهو يرى الشمس قد تغير لونها واصفرت بعد أن كانت بيضاء نقية, كأنها مريض تغير لون وجهه من شدة المرض والتعب, وأصبحت تميل إلى جهة المغرب, كحال المريض المتعب الذي يوشك على السقوط, فيتغير لونها كلما اقتربت من الرحيل, تاركة ألوانا في الأفق يخبو بريقها وشعاعها شيئا فشيئا حتى تنطفئ بالكلية مخلفة وراءها ظلام دامس؛
وهذا يذكر العبد بأن ما وهبه الله له من وقت في هذه الحياة لا بد أن ينتهي وتطوى صفحاته بما احتوته من عمل.

فالإقسام بالعصر فيه التنبيه على الزمان الذي تقع فيه أفعال العباد من خير وشر وغيره, تنبيه للعبد على هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه, لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم-كما عند البخاري-في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ), فحري بالعبد الفطن أن يستغل ما وهبه الله من الوقت, وليعلم بأن ما فات منه لا يمكن استدراكه.

فلو تفكر في هذا لما خلد إلى الراحة والدعة, ولأخذ من الراحة ما يقيمه ويقدره على العمل لله, كما قال تعالى:{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}, وكما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة في الحديث الذي رواه الترمذي, قال عليه الصلاة والسلام: (...وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ).

فالزمان رأس مال الإنسان في هذه الحياة, وهو عمره ; كلفه الله باستغلاله في فترة وجوده في هذه الدنيا، فالدنيا بالنسبة إليه كالسوق الذي يتاجر فيه برأس ماله, فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر, لذا قال تعالى:{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

وقال عليه الصلاة والسلام: (كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها), وهذا فيه تأكيد على أن رأس مال الإنسان عمره .

رابعا: جاء الإقسام بالعصر تأكيدا على عاقبة أعمال العباد وجزائها، فمن خلق الزمان وابتدأ الحياة قادر على أن يعيد الإنسان بعد موته, وقادر على محاسبته على ما وقع منه, لذا أقسم الله في كتابه بهذه الآيات الدالة على كمال قدرته سبحانه : الليل والنهار والشمس والقمر والضحى والصبح, فكل ما له بداية لا بد أن ينتهي ويزول, تذهب الشمس ويأتي القمر, يأتي الليل فيتلاشى النهار, فمن تفكر فيها أيقن بالجزاء, ومن أيقن عمل في أيامه قبل رحيلها, كما قال تعالى :{كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}, فهذا العمل في هذه الساعات هو زاد العبد إلى الآخرة, فلن ينفعه غيره, بل لا قيمة لغيره عند رحيله إلى الحياة الحقيقية.
رابعا: ذكر الرازي وجها آخر فقال: (ويعرض عز وجل لما في الأقسام به من التعظيم بنفي أن يكون له خسران أو دخل فيه كما يزعمه من يضيف الحوادث إليه وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان اشعار بأنه صفة له لا للزمان).

قال القاسمي: (كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضا. فيتوهم الناس أن الوقت مذموم. فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، كما اعتاد الناس أن يقولوا: (زمان مشؤوم)، و: (وقت نحس)، و: (دهر سوء)، وما يشبه ذلك. بل هو عاد للحسنات كما هو عاد للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع. فكيف يذم في ذاته، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة!).

قال الألوسي: (وتعقب بأن استعمال العصر بذلك المعنى غير ظاهر).

جواب القسم:
ولما أقسم سبحانه وتعالى بالعصر؛ جاء جواب القسم بعده مباشرة فقال: (إن الإنسان لفي خسر), والإنسان كما جاء في المصباح المنير :
(" الإِنْسَانُ " مِنَ الناس اسم جِنَسٍ يقع على الذَّكَرِ والأُنثْى والواحد ...).
وقد ورد قولان في المراد بالإنسان هنا, قول عام وقول خاص:

أما القول الخاص:
قال بعض المفسرين بأن المراد ب(الإنسان) الكافر, بدليل استثناء المؤمنين بعد ذلك, قاله البغوي وأضاف: (و"الخسران": ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي، وهما أكبر رأس ماله.), وذكره القرطبي .
وجاء تخصيص هذا القول بالتنصيص على بعض الكفار بعينهم, كما ذكر ذلك القرطبي, فساق حديثا لأبي بن كعب قال فيه: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل...) الحديث
وذكر قول ابن عباس في رواية أبي صالح, وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث.
وقال مقاتل بأن السورة نزلت في أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب, فقال: (يعني أنه في ضلال أبدا حتى يدخل النار). رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}قال: يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ). ذكره السيوطي في الدر المنثور.

أما القول العام: فقد جاء عن أبي بن كعب في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر}, قال: يعني آدم وبنيه.
رواه عبد الرحمن بن حسن الهمذاني عن إبراهيم عن آدم عن أبي داود الواسطي عن أبي علي عنه.
وجاء عنه قوله: (الناس كلهم) رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم, ذكره السيوطي في الدر المنثور.
وقال الزجاج: الإنسان ههنا في معنى الناس، كما تقول: قد كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، تريد قد كثر الدراهم.
وقال مكي: الناس
ورجحه الطبري وابن عطية وابن الجوزي وابن جزي والماوردي وابن القيم وابن كثير والشوكاني وغيرهم.
قال الطبري: (واستثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد).

والصحيح بأن اللفظ عام كما سنبين, قال الطبري رحمه الله تعالى: وقولُهُ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} يقولُ: إنَّ ابنَ آدمَ لفي هلكةٍ ونقصانٍ.).
أما تخصيصه بالكافر أو بالتنصيص على أبي لهب وأبي جهل؛ فهم أولى الناس بوسمهم بوصف الخسارة المطلقة, فهم أصحاب النصيب الأعظم, ولا يعني هذا تخصيص الخسارة بهم فقط, فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فحجم الخسارة يختلف من شخص لآخر, بل تختلف بين الكفار أنفسهم كما سنبين إن شاء الله.

لذا جاءت كلمة (الإنسان) في الآية مفردة, ومع ذلك فقد أفادت العموم كونها تحلت ب(أل) الاستغراقية, الذي يصير المفرد بسببهما صيغة عموم، قالمراد هنا جنس الإنسان، وعلامة العموم أن تحل كلمة (كُل) محلَّ (أل).
ودل على العموم أيضا قوله تعالى:{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فلفظ الآية يقتضي أنه ليس إنسانا واحدا.
ودل على العموم أيضا الاستثناء بعده, فالاستثناء معيار العموم, فإذا كان اللفظ يصلح للاستثناء منه فإنه عام اللفظ.


قوله تعالى: (لفي خسر):
الخسر لغة هو النقصان؛ قاله ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" وفي "تفسير غريب القرآن" , حيث قال: الخسران: النقصان، وقاله ابن شجرة في: "النكت والعيون"، والثعلبي في "الكشف والبيان".
قال الطبري: (يقول: إن ابن آدم لفي هلَكة ونقصان.)

أما المراد ب(الخسر) فقد ذكر الماوردي فيه أربعة أوجه:
أحدها: لفي هلاك، قاله السدي.
الثاني: لفي شر، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: لفي نقص، قاله ابن شجرة.
الرابع: لفي عقوبة.

ويمكن تقسيم عبارات المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه في تفسير (الإنسان):
فمن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو الكافر؛ قال بأن الخسارة هي العقوبة وهي دخول النار في الآخرة, ومنهم من قال بأن الخسارة هي ما كانوا فيه من ضلال في الدنيا أكبهم الله بسببه في النار في الآخرة.
فيكون معنى الآية: كل كافر لفي ضلال حتى يموت فيه، فيدخل النار, فتكون خسارته في الآخرة.
قال مجاهد: (لفي خسر: يعني لفي ضلال, ثم استثنى فقال: إلا من آمن).
رواه آدم بن أبي إياس في التفسير المنسوب إلى مجاهد

كما قال الفراء: لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله، وماله في الجنة.
وقال مكي بن أبي طالب: (وقيل: الخسر: دخول النار، يعني به الكافر.).
وقال الأخفش : هلكة , وقاله السدي, نسبه إليه الماوردي.

والقول بأن (الخسر) هو الضلال؛ من تفسير المسبب بسببه, فسبب الخسران في الآخرة هو ما وقع فيه العبد من ضلال, كما قال تعالى:{ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال:{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
أما تفسير الخسر بالعقوبة فهو كقوله تعالى:﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾, فالخسران هو نوع العقوبة الواقعة عليهم.

ومن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو جنس الإنسان؛ قال بعموم الخسارة في الدنيا والآخرة.
قال البغوي: (والخسران: ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي؛ وهما أكبر رأس ماله).

ولا تعارض بين القولين, فالقول الأول داخل في عموم القول الثاني¸ والكافر أحق بالخسارة من غيره, لكن القول بعموم الخسارة يناسب سياق الآيات من سورة العصر, وعموم ألفاظها, وسيأتي إن شاء الله الكلام عن درجات الخسارة.

ولفظ (خسر) يشمل جميع ما يتعرض له الإنسان من نقصان وهلكة سواء كان هذا في الدنيا أو في الآخرة:
فالإنسان يتقلب في أطوار, فينقلب من ضعف إلى قوة, ثم يعود من قوة إلى ضعفا وشيبة, كما قال تعالى ذلك عنه:
فتضعف الحواس
وتضعف الذاكرة
وتتناقص أيام عمره
وتتناقص قوته
وهذا يكون حاله في جميع أموره...
وعلى هذا الحال يخسر الكافر الدنيا والآخرة، أما المؤمن وإن كان قد تعرض في دنياه لخسارة القوة البدنية, وما قاساه فيها؛ فهو لا يذكر مقابلة لما سيكون عليه حاله في الآخر.
لذا قال رسول الله ﷺفيما رواه مسلم: ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط).
وقال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). رواه مسلم.
وفي هذا تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.
وفيه الإرشاد على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد.

وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أبلغ من قوله: (إن الإنسان لخاسر)؛ وذلك أنَّ معنى (في) الظرفية، فكأن الإنسان منغمس في الخسر، كإحاطة الظرف بالمظروف, والخسران محيط به من كل جانب, ومثل هذا التعبير يبعث الرعب والهلع في القلوب الحية, لذا تبدأ في البحث عن المخرج, تبدأ في البحث عن أسباب النجاة, فيتصور العبد نفسه كالغريق الذي يصرخ لعل أحدا ينقذه وينتشله من بحر الخسارة, فإذا أصبحت هذه حاله تهيأت نفسه لقبول ما جاء بعدها من أسباب النجاة, فتقع الكلمات على أسماع قد تشوقت لمعرفة ما ينجيها, فألقى صاحبها سمعه وأصغى بآذانه, وتقع كذلك على قلوب قد أزال الخوف من الخسارة ما فيها من عوائق بحثا عن النجاة, فدبت فيها الحياة, فوقع العلاج على محل صالح مستعد لقبوله؛ بعد أن انتفت الموانع وتحققت الشروط.

واختيار لفظ الخسارة من أحسن ما يكون, فهو لفظ يسترعي انتباه السامع, فالإنسان مجبول على محبة الربح والهرب من الخسارة, لذلك خاطب الله تعالى الناس بما يلفت انتباههم, وبما جبلت عليه فطرهم.

وقد جاءت ألفاظ التجارة والخسران والربح والأجر في آيات متعددة في القرآن، لعظيم وقعها على النفس, فالإنسان مجبول على حب ما يلائمه والحرص على تحصيله, وكراهية ما يؤذيه والفرار منه واتخاذ وقاية منه.
لذا نجد بأن الله تعالى قال :{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}
وقال:{ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليمتؤمنون بالله ورسوله}
وقال:{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}
وقال:{ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}

- والتنكير في قوله:(خسر)؛ قيل للتعظيم, أي في خسر عظيم، ويجوز أن يكون للتنويع؛ أي نوع من الخسر غير ما يعرفه الإنسان, فتتعدد أنواع الخسارة بالنسبة إليه, وفي هذا

- وقد تضمنت الآياتان السابقتان حكما ومحكوما عليه ومحكوما به؛ فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإنسان, كل الإنسان من النقصان والخسران, والمحكوم عليه هو الإنسان ابن آدم, والمحكوم به هو الخسران.

- وقد أكد الله جل ثناؤه قوله:(إن الإنسان لفي خسر) بأربعة مؤكدات:
أولها: القسم
ثانيها: (إن)
ثالثها: اللام
رابعها: الجملة الإسمية
وأفاد اجتماع هذه المؤكدات التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.

الكلام في قوله تعالى:{ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ِ}:
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إن جنس الإنسان واقع في خسارة محققة, وبعد أن تطلعت النفوس وتشوقت لمعرفة كيفية النجاة من هذه الخسارة؛ جاء الفرج, وجاءت البشرى¸ وجاء الترغيب بعد الترهيب بقوله تعالى: (إلا).
فالناجون من الخسارة لهم وصف معين لا تتم النجاة إلا بتحقيقه؛
فأول ما ذكر من أوصافهم هو الإيمان, فهم من آمن بجميع ما أمر الله بالإيمان به, والإيمان عند أهل السنة والجماعة هو قول واعتقاد وعمل.
فلا يكون المقصود بالإيمان مجرد التصديق, بل يدخل في مسماه العمل, فالتصديق بالأمور التي يتطلب التصديق بها عملا؛ لا يسمى الإنسان فيها (مصدقا) إلا إذا صاحب تصديقه عملا, لذا قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:{ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} وكان هذا بعد أن شرع إبراهيم عليه السلام بتنفيذ ما أمره الله به من ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام.
وأول ما يدخل في الإيمان هو الإيمان بأركانه الستة, وجميعها تعود على الإيمان بالله, فمن حقق الإيمان بالله؛ حقق الإيمان بجميع ما أمر به الله وارتضاه.

وحصول الإيمان يقتضي حصول العلم قبله, فلا يكون إيمانا على الحقيقة إلا إذا سبقه العلم.
ومن حصل له الإيمان على الصفة التي أمر الله بها: حصل له اليقين, ومن حصل له اليقين سهل عليه العمل.
وقد ذكر القرطبي حديثا فيه تخصيص (الذين آمنوا...) بالخلفاء الراشدين, فذكر في تفسيره قول أبي بن كعب: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل إلا الذين آمنوا: أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر. وتواصوا بالحق عثمان وتواصوا بالصبر "علي".
ثم قال: وهكذا خطب أبن عباس على المنبر موقوفا عليه.
وقد ذكره بلا سند ولم يذكر تخريجه.
واللفظ عام, والخلفاء الراشدون أولى الناس بالدخول به.

ثم قال تعالى:(وعملوا الصالحات):
قال ابن كثير: (فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم).
قد ذكرنا بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومع ذلك عطف بالواو العمل على الإيمان، والواو هنا للمغايرة بين حقائق الأشياء، وحقيقة الإيمان أكبر من حقيقة العمل, لأن العمل جزء من الإيمان, فهذا من عطف الخاص على العام، والفائدة من عطف الخاص على العام هنا هي التنبيه على أنه في الحكم مثل الأول، فدل على شرفه ومكانته، وعلى وجوب الاهتمام به, وفي هذا رد على المرجئة.
وكذلك فيه التنبيه على أن العبد لو عمل عملا يظنه صالحا؛ لفا يكون مقبولا عند الله إلا بشرط الإيمان.

والعمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، ولا يكون مرضيا مقبولا عنده سبحانه إلا إذا توفر فيه شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن لا إله إلا الله.
الشرط الثاني: المتابعة، ويعني هذا وقوع العمل موافقا لما شرعه الله وأمر به, كما بين لنا ذلك النبي عليه الصلاة والسلام, فيجب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن محمدا رسول الله.
فإذا فقد العمل أحد هذين الشرطين كان مرفوضا مردودا لا ثواب عليه لقوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} , وقال سبحانه:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}.
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبله الله، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبله الله حتى يكون خالصا صوابا، والخالص الذي يريد به وجه الله، والصالح أن يكون على السنة.
قال الطبري: (يقول: إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.).

فكل أهل الملل والنحل يعملون، بل إن منهم من ينقطع للعبادة طوال حياته كالرهبان في صوامعهم، ومع ذلك فعمله لن ينفعه عند الله تعالى لأنه عَمِلَ غير صالح، وقد قال تعالى ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾وقال : ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾وقال: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾.

وقد أمر الله الأنبياء والرسل بالعمل الصالح فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
وقال سبحانه ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
وأمر سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يخبر أمته بلزوم العمل الصالح فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [.
وتوجيه الأمر بعبادة ما إلى الأنبياء, وأمرهم بأمر أقوامهم بها؛ لدليل على أهميتها وعظم مكانتها.

قوله تعالى: ( وتَواصَوْا بالحَقِّ):
جاء في المراد بالحق ثلاثة أقوال:
القول الأول : أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام, وقاله الزجاج: (تواصوا بالإقامة على توحيد اللّه والإيمان بنبيه عليه السلام).
توجيه القول:
فُسر الحق بما سبق, وهو الإيمان والعمل الصالح, والتوحيد ركن الإيمان الأعظم الذي يقوم عليه, وهو الركن الأول من أركان الإيمان, والإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام- أيضا من أركان الإيمان, ولا يتحقق إسلام المرء إلا به, فالإيمان بالله وبنبيه هو حقيقة تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

الثاني: أنه القرآن، قاله قتادة والحسن.
قول قتادة: رواه الطبري عن بشر عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة.
وقول الحسن رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن الحسن.
وبسند آخر عن عمر عن ابن بكار الكلاعي، عن خطاب بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سنان أبو روح السكوني عنه.

توجيه القول:
فسر قتادة والحسن الحق بالقرآن، وهو تفسير صحيح؛ فالقرآن حق، وهو من تسمية المسمى بأحد معانيه التي يحتملها, قال تعالى:{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ }.

الثالث: إنه الله، قاله السدي. ذكره الماوردي والقرطبي.
وهذا كما في قوله تعالى:{ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} وكما جاء في حديث تميم بن أوس رضي الله عنه- المتفق عليه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله...) الحديث.
والنصيحة لله تتضمن الإيمان به وتوحيده بجميع أنواع التوحيد المأمور بها, والله سبحانه هو الذي أمر بالإيمان وأمر بعمل الصالحات.

فلا تعارض بين الأقوال, بل جميعها تتفق في أن التواصي يكون بجميع ما أمر الله سبحانه به, وبجميع ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم,: بالمرسِل والرسالة والرسول.
والوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، فتشمل كل ما جاءت الوصبة به في القرآن والسنة, في مثل قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾, وقوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾و وقول ابن مسعود رضي الله عنه: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآية.
فهو الوصية بلزوم الصراط المستقيم بلا ريب, والذي نسأل الله أن يهدينا إليه في قولنا:{اهدنا الصراط المستقيم}.

وقوله تعالى:{وتواصوا بالصبر}:
قال قتادة والحسن: الصبر على طاعة الله.
قال قتادة ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عنه
قال الحسن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عنه.
قال الزجاج: {وتواصوا بالصّبر} على طاعة اللّه والجهاد في سبيله والقيام بشرائع نبيه

القول الثاني:قال هشام بن حسان: الصبر على ما افترض الله, ذكره الماوردي.
القول الثالث: الصبر عن المحارم واتباع الشهوات. قاله الماوردي

والصبر لغة هو الحبس, قال الجوهري: الصبر حَبْس النفس عند الجزَع.
وقد عرفه ابن القيم فقال: (الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره).
وقال الجرجاني في تعريفاته:(ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله)
وقال الراغب الأصفهاني معرفا الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه).

فيكون المراد بالصبر؛ الصبر بأنواعه الثلاثة:
- الصبر على طاعة الله
- الصبر عن محارم الله
- الصبر على اقدار الله

والأقوال التي ذكرها المفسرون في تفسير المراد بالصبر من قبيل تفسير الصبر بجزء مما يقع عليه, والصبر في الآية يشمل جميع أنواع الصبر, فهي كلها داخلة في طاعة الله.
فيكون التواصي بالصبر على جميع ما سبق من الحق, والتواصي بالصبر على ما سيلقاه العبد في خلال سيره على الصراط المستقيم, فالدينُ كلُّه يحتاج إلى صبر:
- ولهذا قالَ تعالى لرسولِهِ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزمِ مِنَ الرُّسُلِ.
- وقالَ سبحانَهُ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.
- وقال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
- وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
- وقالَ تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ


- ولما كانت الآيات في سياق المدح؛ جاء الوصف بلفظ (وتواصوا) ولم يقل: ويتواصون لئلا يقع أمرا, فدل ذلك على رغبتهم في الثبات على الحق والصبر, فمن المؤكد أن من يوصي غيره بملازمة أمر؛ يراه جديرا بالملازمة, فهو لما كمل نفسه سعى إلى تكميل غيره.
كما إن التواصي بالحق والصبر يعين على ثبات الموصي إن تعرض للغفلة, فهو يذكر نفسه ويذكر غيره.
ولفظ (تواصوا) دل على أن الحق ثقيل, وبأن المحن تلازمه, فتحقيقه لا يكون إلا بمخالفة الهوى والله المستعان.

- وقد دلت السورة على أن الإقدام على المعصية يحصل بالترك، وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل.

- ولجميع ما ذكرناه من تفسير اهذه السورة؛قال الشافعي رحمه الله: (لوْ ما أنزلَ اللَّهُ حجةً على خلقِهِ إلاَّ هذهِ السورةَ لكَفَتْهُم) وفي رِوَايةٍ: (لو فكَّر النَّاسُ في هذهِ السورةِ لكَفَتْهُم ), فلو نظروا فيها وتأملوها لوجدوا فيها:
طريق الحق, وكيفية سلوكه والثبات عليه, وما يضاده والعاقبة, لوجدوا فيها النجاة لهم ولغيرهم, لوجدوا فيها صلاح النفس وصلاح المجتمع, فهي قد حوت حقا أصول الدين.
فالعلاقة بين الخسارة والمسائل الأربعة علاقة عكسية؛
فكلما حرص العبد على تحقيقها؛ قلت خسارته, لذلك تفاوت الناس في الربح والخسارة:
فهناك من تكون خسارته مطلقة وهو الكافر.
وهناك من سيكون ربحه مطلقا, وهم السابقون, وأقل منهم ربحا هم المقتصدون, وهم مراتب ودرجات, وكذا السابقون.
ومنهم من سيكون ربحه بحسب ما حقق من المسائل الأربعة.

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ﴿والعصر﴾ قال: قسم أقسم به ربنا وتبارك وتعالى ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ قال: الناس كلهم ثم استثنى فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وعملوا الصالحات﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالحق﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ يشترط عليهم.

فسبحان القائل:{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}, فمع قلة ألفاظ السورة؛ احتوت على معان وفوائد ولطائف لو جمعت لكتبت في مجلدات.

تم بحمد الله وتوفيقه.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 11:49 AM
الصورة الرمزية هيا أبوداهوم
هيا أبوداهوم هيا أبوداهوم غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 597
افتراضي

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (
الوقف :
الوقف في قوله ( لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا ) :
جائز الوقف ، وهو قول أبو عمرو الداني.
وذكر أبو عمرو الداني أن هذا الوقف جائز لأن الإنسان المراد به الإنسان ، فلا يستثنى الأكثر من الأقل .

القراءات :

القراءة في قوله ( والعصر )
القراءة الأولى : بسكون الصاد ، وهي قراءة الجمهور .
وهو مبني على اللغة وهو بمعنى الدهر.
القراءة الثانية : بكسر الصاد ، وهي قراءة سلام بن سليمان أبو المنذر وهارون وابن موسى عن أبي عمرو، ويحيى ابن سلام.
وهذه القراءة من لغة العرب عند إرادة الوقف، فينقل حركة الراء إلى الصاد ، وقد ذكر عن ذلك الهمذاني .
قال ابن عطية: (وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة).
القراءة الثالثة : بكسر العين وسكون الصاد ، وهي قراءة سلام بن سليمان أبو المنذر .
وهذه القراءة لغة، كما ذكر ذلك عبد اللطيف الخطيب .
القراءة الرابعة : ( والعصر ونوائب الدهر) ، وهي قراءة علي بن أبي طالب .
وقراءة علي أخرجه الحاكم في مستدركه وأبو بكر القاضي في المجالسة وجواهر العلم عن عمرو ذي مرة عن علي .
وهذه القراءة شاذة ، لكن صححه الحاكم ولم يخرجاه ،وضعفه غيرهم لأسباب ، منها أنها لم تكن كقرآن يتلى ، وأنها خالفت مصحف عثمان ، ذكر ذلك القرطبي وغيره .

القراءة في قوله ( خسر ) :
القراءة الأولى : بسكون السين ، وهي قراءة الجماعة .
وهذه القراءة بمعنى الخسارة والنقصان والهلاك ، وهو حاصل ما ذكره الفراء ومكي وابن عطية وغيرهم .
القراءة الثانية : بضم السين ، وهي قراءة عاصم والأعرج وعيسى الثقفي .
وهذه القراءة على الاتباع وذكر العبكري أنها لغة .

القراءة في قوله : ( الإنسان )
القراءة الأولى : نقَلَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقَيْهِ حَرَكَةَ هَمْزِ {الإِنْسَانَ} كَحَمْزَةَ وَقْفًا، وَسَكَتَ عَلَى اللاَّمِ حَمْزَةُ.
القراءة الثانية : قرأ ورش (لنسان) بنقل حركة الهمزة وهي الكسرة إلى اللام قبلها فتحركت بها، ثم حذفت الهمزة، ولما تحركت اللام سقطت همزة الوصل أيضًا.

القرءاة في قوله ( بالصبر ) :
القراءة الأولى : بسكون الباء ، وهي قراءة الجماعة .
وهو بمعنى ضد الجزع .
القراءة الثانية : بكسر الباء ، وهي قراءة سلام أبو المنذر وعيسى بن عمر الثقفي وهارون وابن أبي موسى عن أبي عمرو.
وهذه القراءة بناء على اللغة وهي شائعة وليست شاذة كما ذكر ذلك الرزاي .
وذكر أبو حيان أنه أيضا مما يدل عليه الإعراب .
وهو الدواء الذي يشرب .
وقال الرزاي : وقال الرازي: بنقل حركة الراء إلى الباء لئلا يحتاج أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا أن يسكن فيجمع بين ساكنين.
القراءة الثالثة : (بالصبر) بإشمام الباء الكسر، وهي قراءة أبي عمرو.
وقال ابن عطية أنه لا يجوز إلا في الوقف .


المسائل التفسيرية البيانية :
نوع الواو في قوله ( والعصر )
واو قسم ، ذكر ذلك درويش وغيره .

معنى العصر في اللغة :
العصر في اللغة بفتحها وهو الحبس والمنع ، وأما بالتحريك والضم هو الملجأ والمنجاة ، وهو حاصل ما ذكره ابن فارس وابن عاشور وغيرهم .
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: الْعَيْنُ وَالصَّادُ وَالرَّاءُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ صَحِيحَةٌ:
فَالْأَوَّلُ دَهْرٌ وَحِينٌ، وَالثَّانِي ضَغْطُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَلَّبَ، وَالثَّالِثُ تَعَلُّقٌ بِشَيْءٍ وَامْتِسَاكٌ بِهِ.)
قَالُوا: وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، لِأَنَّهَا تُعْصَرُ، أَيْ تُؤَخَّرُ عَنِ الظُّهْرِ.)


المراد بالعصر :
اختلف أهل العلم فيه على أقوال :
القول الأول : اسم للدهر ، وهذا حاصل ما ذكره ابن عباس والحسن وقتادة ويحي.
وهذا القول باعتبار تسميته باللغة ، ومن جهة القراءة الشاذة الذي روي عن علي رضي الله عنه موقوفا : ( والعصر ونوائب الدهر ) .
واختلفوا في الزمن المراد منه على أقوال :
الأول : أنه زمن معين :وقت العصر ويسمى العشي ، وهو الذي بين المغرب والعشاء وهو قول ابن عباس والحسن .
وقول ابن عباس في أنه ساعة من ساعات النهار ، أخرجه ابن جرير في تفسيره وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن علي عن ابن عباس .
وقول الحسن في أنه العشي ، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره وابن جرير عن معمر عن الحسن .
وقول يحي ذكره البخاري في صحيحه .
وهذا القول على معناه اللغوي ، ففي اللغة العصر هو الدهر كما ذكر ذلك الخليل أحمد و الفراء غيرهم .
وأما على اعتبار أل للعهد الحضوري ، فيكون العصر المراد به عصر معين وزمن معين .
و قد قال الجوهري في الصحاح أن العصر عصران وهو الليل والنهار ، وأيضا أنه الغداة والعشي ،ومنه سميت صلاة العصر .
وأما قول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة .

الثاني : قالوا أنه زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول الرازي وغيرهم .
وهذا القول باعتبار ما يقدر له ، وذكر ذلك ابن عاشور .

القول الثاني : صلاة العصر ، وهو قول مقاتل والزمخشري وغيرهم .
وقول مقاتل أخرجه مقاتل في تفسيره .
وهذا القول على أن اقسام للأمر العظيم في وقت العصر ، فكان الأمر العظيم هو الصلاة ، لان التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس لتجارتهم ومكاسبهم ، كما ذكر ذلك الزمخشري.
ومن جهة أخرى على اعتبار أل للعهد ، فيكون المراد به صلاة العصر .
وذكر ابن عاشور أن غالب اطلاقه على وقت العصر وهو ما بين الظهر والمغرب .

الراجح :
أنه الأقوال كلها تشملها العصر ولكن القول الأول أقرب لعموم اللفظ ودلالة اللغة ، ودلالة السياق .

فعل القسم في الاية :
محذوف ، وتقديره ( أقسم ) ،كما ذكر ذلك ابن عاشور وغيرهم
السبب في اقسام الله بالعصر :
لعظم شأنها وفضلها ، وذكر ذلك ابن عاشور والزمخشري .

نوع أل في قوله ( الإنسان ) :
اختلفوا في نوعه على قولين :
القول الأول : أنه للجنس والاستغراق والشمول ،وذكر ذلك الرازي.
وهذا القول باعتبار أن الإنسان هنا استثناء من الذين آمنوا ،وذكر ذلك الرازي وأبو حيان .
والقول الثاني : أنه للعهد ، وذكر ذلك الرزاي .
وهذا القول على أن الإنسان هنا المقصود أشخاص معينين .

معنى الإنسان في اللغة ::
أصلُ الْإِنْس والأَنَس وَالْإِنْسَان: من الإيناس وَهُوَ الإبصار، يُقَال: أَنَسْتُهُ وأَنِسْتُه: أَي: أَبْصَرْته، ذكر ذلك ابن فارس.

المراد بالإنسان :
القول الأول :لفظ واحد لكن بمعنى الجمع ، ويراد به جنس الناس ، وهو قول ابن جرير والزجاج .
القول الثاني : يراد به أشخاص معينين .
1) كأبي لهب وهذا القول في تفسير مقاتل .
2)أو أبو جهل بن هشان ، كما ذكر ذلك ابن عباس وأبي بن كعب .
فقول ابن عباس عزاه السيوطي لابن مردويه عن ابن عباس .
وأما قول أبي بن كعب أخرجه الواحدي في تفسيره عن أبو أمامة عن أبي بن كعب .
القول الثالث : أنه الإنسان الكافر ، وهو قول نقله البغوي .
وهذا القول لم أجد من قاله ، وهو قول مبني على أن الخسارة الحقيقة للكافر فيكون في الاخرة من الهالكين وغير الناجين ، كما قال تعالى : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة )

دلالة التعريف في قوله ( العصر ) :
للعهد أو العهد الحضوري، وذكر ذلك ابن عاشور .

معنى ( إن ) في قوله ( إن الإنسان لفي خسر ):
للتوكيد ، وذكر ذلك محمد درويش في اعراب القرآن وبيانه .

موضع ( إن الإنسان لفي خسر ) :
جواب القسم ، ذكره محمود صافي .

المراد باللام في قوله ( لفي ):
لام مزحلقة ، ذكر لك محمد درويش .

نوع ( في ) في قوله ( لفي ) :
حرف جر ، ذكر ذلك محمد درويش وغيره .

معنى خسر :
نقصان وخسارة ، كما ذكر ذلك ا بن قتيبة والزجاج وغيرهم .

المراد بالخسر :
القول الأول : خسارة الدنيا والاخرة والهلاك والعقوبة ،وهذا حاصل ما ذكره الفراء ومكي بن أبي طالب وابن عطية وغيرهم .
القول الثاني : الهرم ، وهو قول نقله البغوي عن عون عن إبراهيم .

دلالة تنكير ( خسر ) :
ذكر ابن عاشور :
1) إما أن يكون للتنكير .
2) للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم.

فائدة عموم لفظ الخبر و توكيده في قوله ( إن الإنسان لفي خسر ):
يُفِيدُ التَّهْوِيلَ وَالْإِنْذَارَ بِالْحَالَةِ الْمُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، ذكره ابن عاشور .

معنى إلا في قوله ( إلا الذين آمنوا )
للاستثناء ، وذكر ذلك محمود صافي في الجدول وغيره .

فائدة الاستثناء فيقوله ( إلا الذين آمنوا ) :
تقرير للحكم للسامع أن الناس فريقان ، ذكر ذلك ابن عاشور .

موقع ( الذين ) :
مستثنى ، و هذا ما ذكره النحاس ومحمد درويش وغيرهم .

نوع الاستثناء في قوله ( إلا الذين آمنوا ) :
اختلفوا فيه على قولين :
الأول : استثناء متصل موجب ، ذكره النحاس وابن الجزي .
الثاني : استثناء منقطع .
وهذا على من قال الإنسان المراد به الكافر ، كما نقل هذا القول البغوي ، وهو قول لم أجد قائله .
وهو قول مستدلين به على استثناء المؤمنين ، وذكر ذلك الخازن .
الراجح :
أن الاستثناء هو متصل ، وهذا رجح صحته القرطبي وغيره .

معنى الإيمان لغة
لغة التصديق ، وذكر ذلك الجوهري وغيره .

المراد بالإيمان :
بالقلب ، وذكر ذلك ابن كثير والسعدي وغيرهم .

دلالة صيغة الماضي في قوله ( آمنوا ) :
قال البقاعي في تناسب الايات والدرر :
ولعل التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر.

المراد بقوله ( عملوا ) :
عمل الجوارح ، ذكر ذلك ابن كثير.

معنى الصالحات في اللغة :
الصَلاحُ في اللغة : ضدّ الفساد. تقول: صلح الشيء يصلح صلوحا، مثل دخل يدخل دخولا، ذكر ذلك الجوهري .
المراد بالصالحات :
المراد به أداء الفرائض وترك المحرمات ، وذكر ذلك ابن جرير وغيره .

نوع أل في قوله ( الصالحات ) :
أل دالة على الجنس للاستغراق ، وذكر ذلك ابن عاشور .

فائدة العطف في قوله ( آمنوا وعملوا الصالحات ) :
لأهمية العمل مع الإيمان وليكون بها تكميل الإنسان نفسه ، كما ذكر ذلك السعدي وغيره .

نوع الواو في قوله ( وتواصوا ) :
حرف عطف ، وهذا حاصل ما ذكره النحاس ومحمد درويش وغيرهم .

معنى تواصوا :
تحاثوا ، ذكر ذلك الثعلبي .

موضع تواصوا الإعرابي :
معطوف ، ذكر ذلك النحاس وغيره .

فائدة التواصي :
لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ ، ذكره البقاعي في تناسب الايات والدرر .

المراد بالحق :
القول الأول :كتاب الله ، وهو قول قتادة والحسن .
وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد عن قتادة .
وأما قول الحسن فأخرجه الطبري في تفسيره عن معمر عن الحسن .
وهذا القول باعتبار أنه من أوصاف القرآن في مواضع أخرى ، فقال تعالى : ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) (وإنه لحق اليقين )
القول الثاني : الله تعالى والإيمان به وتوحيده ، وهو حاصل قول كعب ومقاتل .
وقول كعب أخرجه الهمذاني في تفسير مجاهد عن أبو علي عن كعب .
وقول مقاتل في تفسير مقاتل بن سليمان .
وهذا القول اعتبار أنه يوصف سبحانه بالحق وأنه من أسماءه ، فقال تعالى ( الحق من ربك ) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)(فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ)
الراجح :
القولان تحتملها الآية وهو متلازمان ، ولا تعارض بينهما ، فالتواصي بكتاب الله هو تواصي على الله وتوحيده والإيمان به .

.
معنى الصبر :
في اللغة هو الحبس ، وذكر ذلك الجوهري وابن فارس وابن منظور وغيرهم .

المراد بالصبر :
الصبر على طاعة الله وفرائضه ، وهذا حاصل ما ذكر ذلك الحسن وقتادة وكعب .
وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره و الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد عن قتادة
وقول الحسن أخرجه الطبري في تفسيره عن عبد الرحمن بن سنان أبو الروح عن الحسن.
وقول كعب أخرجه الهمذاني عن أبي علي عن كعب .

دالة التعريف في قوله ( الصبر ) :
يدل (أل) هنا على عموم أنواع الصبر ، وهذا حاصل ما ذكره القرطبي والسعدي وغيرهم .

أنواع الصبر :
1) الصبر على طاعة الله ، وهذا القول هو قول الحسن وقتادة .
وقول الحسن وقتادة سبق تخريجه .
2) الصبر على معصية الله ، وذكر ذلك القرطبي ، والسعدي .
3) الصبر على أقدار الله المؤلمة ، وذكر ذلك السعدي .

فائدة عطف ( آمنوا وعملوا الصالحات ) على قوله (و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) :
قال ابن عاشور :
عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه ، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به.

بيان هدايات السورة وفوائدها السلوكية :
- أن الإيمان مقرون بالعمل لذلك لا يكفي إيمان القلب بدون عمل الجوارح ، وهذا من قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .
- أن الإنسان إن لم يستغل دنياه لآخرته فهو في خسارة ونقص ، كما قال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ).
-اقسام الله بالعصر دلالة على أهميته ، فعلينا الاهتمام بالوقت والزمن . كما قال تعالى : ( والعصر ).
- علينا أن نحث بعضنا بعضا ويتواصى بعضنا بعضا على الخير لأن الإنسان يواجه فترات فتور وضعف ، كما قال تعالى ( تواصوا بالحق وتوصوا بالصبر ) .
-يجب علينا التمسك بكتاب الله لأنه سبيل النجاة ، كما قال تعالى ( وتواصوا بالحق ) .

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 02:14 PM
فداء حسين فداء حسين غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - مستوى الإمتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 948
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فداء حسين مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
اللهم علمنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

ملاحظة: الهدايات والفوائد مبثوثة في جمل التفسير ولم أضعها في مسائل مستقلة.
تفسير سورة العصر:

اسم السورة:
سورة العصر, أو (والعصر) بإثبات الواو كما جاء في مجاز القرآان لأبي عبيدة, وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني, والبخاري وغيرهم على حكاية أوّل كلمة فيها، أي: سورة هذه الكلمة.
ما جاء في فضلها:
ذكر الطبراني في المعجم الأوسط من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن ، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر "سورة العصر" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
ورواه البيهقي في شعب الإيمان.

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره بأن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب , وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال(٢) لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفز نقز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب(.
قال ابن كثير بعدها: (وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف ب " مساوي الأخلاق " ، في الجزء الثاني منه ، شيئا من هذا أو قريبا منه .).

عدد آياتها:
عدد آيات سورة العصر ثلاث آيات, وهذا مجمع عليه, واختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية:
هي مكّيّة؛ قاله ابن عباس وابن الزبير.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: (مكية، وهذا على قول الجمهور).
وقاله الزجاج, وابن حزم, والثعلبي, والواحدي, والداني, وابن عطية وغيرهم,
وقال الشوكاني: (وهي مكّيّةٌ في قول الجمهور).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاسٍ قال: (نزلت سورة العصر بمكّة).

وذهب مجاهد وقتادة ومقاتل بأن السورة مدنية.

والصواب ما ذهب إليه الجمهور.

قوله تعالى: (والعصر):
بدأت السورة بالقسم, قال تعالى: (والعصر), أقسم الله تعالى بالعصر, والله سبحانه يقسم بما شاء, وليس للعباد أن يقسموا إلا به تعالى وتقدس.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (فإن الله يُقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته،فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وحكمته، وعظمته، وعزَّته، فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نُقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يُقسم بشيء من المخلوقات).

وقسم الله سبحانه بشيء تنبيه على أهميته ومكانته, ووقوع القسم به من خالقه؛ دعوة إلى التفكر فيه وتدبر حاله.

في معنى العصر:
جاء في مقاييس اللغة لابن فارس:
عصر:
العين والصاد والراء أصولٌ ثلاثة صحيحة: فالأوَّل دهرٌ وحين، والثاني ضَغْط شيء حتَّى يتحلَّب، والثالث تَعَلُّقٌ بشيءٍ وامتساكٌ به.فالأوَّل العَصْر، وهو الدَّهر. قال الله:{ وَالعَصْرِ. إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

المراد بالعصر:
تنوعت عبارات المفسرين من السلف في بيان المراد من (العصر), لكن يجمعها قول واحد وهو أن المراد به الدهر أو الزمان, وندكر هنا بعضا مما ورد من أقوالهم:
القول الأول: هو ساعة من ساعات النهار, قاله ابن عباس, رواه الطبري عن علي عن أبي صالح عن معاوية، عن علي عنه.
وقاله قتادة, رواه عنه معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني.

وجاء تحديد هذه الساعة بالعشي, ورد ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي:
أخْرَجَه ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ, قال في قوله تعالى:﴿والعَصْرِ﴾: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ. ذكره السيوطي قي الدر المنثور.
وقاله الحسن من طريق معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني والطبري في تفسيره.

وقال مقاتل: عصر النهار وهو آخر ساعة في النهار¸ رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.

توجيه القول:
يطلق العصر على النهار, ويطلق على العشي كما قال قطرب : وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقول الله عزّ وجلّ:{والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ} يكون على ذلك وعلى الدّهر. يقال: مضى عصرٌ من الدهر وعصرٌ.
قال الأَزهري: يَقَع العشيُّ على ما بَيْنَ زَوالِ الشمْسِ إلى وَقْت غُروبها، كل ذلك عَشِيٌّ، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ فهو العِشاءُ.
وقال الفراهيدي في كتاب العين: (العشي، آخر النهار، فإذا قلت: عشية فهي ليوم واحد، تقول: لقيته عشية يوم كذا، وعشية من العشيات، وإذا صغروا العشي قالوا: عشيشيان، وذلك عند الشفى وهو آخر ساعة من النهار عند مغيربان الشمس.)

قال ابي بن كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: « (أقسم ربكم بآخر النهار). ذكره القرطبي وابن عطية بلا سند ولم يذكر تخريجه.

وقد جاء في نصوص الشرع مزيد عناية بوقت العصر, ففيه ختام أعمال اليوم, والأعمال بخواتيمها, وفيه اجتماع الملائكة كما جاء في الحديث من قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة عنه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر...) الحديث.
لذلك غلظت اليمين في هذا الوقت كما جاء في الحديث المتفق عليه, الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ ولا ينظرُ إليهم ولهم عذابٌ أليمٌ :...) وذكر منهم: ( ورجلٌ حلف على يمينٍ بعدَ صلاةِ العصرِ لقد أُعطَى بسلعَتِه أكثرَ مما أَعْطى ) الحديث.
وفسر الكثير من أهل العلم الصلاة في قوله تعالى: { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} بأنها صلاة العصر لعظم هذا الوقت عند أهل الإسلام وعند غيرهم.
قال الطبري بعد أن رجح القول بأن الصلاة المقصودة هي صلاة العصر: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة "، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت, وذلك لقربه من غروب الشمس).

القول الثاني: صلاة العصر, قاله مقاتل ولفظه: ( أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى), ذكره البغوي وابن الجوزي. (ولم أجده في التفسير المنسوب إلى مقاتل في تفسيره لسورة العصر).
قال الخليل: (قالوا: وبه سمِّيت صَلاةُ العصر، لأنَّها تُعْصَر، أي تؤخَّر عن الظُّهر).

توجيه القول:
هو من باب حمل اللفظ على دلالته الشرعية, كذلك لعظم ما جاء في فضل صلاة العصر, فهي الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى:{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ},
وقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال : قلنا لعبيدة : سل عليا عن الصلاة الوسطى . فسأله فقال : كنا نرى أنها الصبح ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : (شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، صَلَاةِ الْعَصْرِ).
ولِما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: (والصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ).

وهي الصلاة الفضلى, وقد عظمت كما عظم وقتها:
فوقتها وقت اجتماع الملائكة كما ذكرنا في الحديث السابق¸ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التهويل والتحذير من التفريط فيها, كما جاء عن بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» . رواه البخاري.
وصلاة العصر إحدى صلاتي العشي, فقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين...) الحديث.

القول الثالث: قيل: هو قسم بعصر النبي ﷺ، لفضله بتجديد النبوة فيه .ذكره القرطبي, وذكره الرازي, والماوردي وابن عاشور.
قال الفخر الرازي : فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى : {وأنت حل بهذا البلد } وبعمره في قوله: { لعمرك }.
قال ابن عاشور: (ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس)
وقول ابن عاشور أعم من قول الرازي.

توجيه القول:
ساق ابن عاشور الحديث الذي رواه البخاري ليبين وجه قوله بأن العصر هو عصر الأمة الإسلامية, فقد قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ له عَمَلًا إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إلى نِصْفِ النَّهَارِ فَقالوا: لا حَاجَةَ لَنَا إلى أجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِكُمْ ولَكُمُ الذي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا، حتَّى إذَا كانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ قالوا: لكَ ما عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِهِمْ حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ).

القول الرابع : العصر هو الدهر, قاله ابن عباس, وزيد بن أسلم, ويحيى بن زياد الفراء, وعبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري, ومكي بن أبي طالب, ورجحه جمهور المفسرين وهو الراجح, وهو قول عام يجمع حميع ما سبق من الأقوال.
قال ابن عباس: العصر: الدهر.
أخرجه ابن المنذر. ذكره السيوطي.
قال الفراء :ويقال للدهر: العصر. ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا.
قال ابن السكيت: والعَصْر: الدهر .
وتسمية الدهر عصراً أمر معروف في اللغة, قال الخليل: والعَصْران: اللَّيل والنهار.
ولَنْ يلبث العَصْرانِ يومٌ وليلة إذا اختلفا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما
ويوم وليلة بدل من العصران.

لهذا قال ابن كيسان بأن المراد بالعصر الليل والنهار. ذكره البغوي في تفسيره. وقاله العسقلاني.
فالدهر هو تعاقب الليل والنهار, فلا منافاة بين القولين.

وسبب الاختلاف الواقع في تحديد المراد بالعصر هو الاشتراك اللغوي في لفظ العصر، فهو يطلق على عدة معان، وبهذا يرجع الخلاف إلى أكثر من معنى، وكل هذه الأقوال محتملة, لكن القول بأنه الدهر يشمل الأوقات كلها, لذا جاء تعريف (العصر) باللام تعريفا للعهد الذهني، أي: كل عصر.

لذا رجح الطبري -رحمه الله تعالى-وغبره من المفسرين عموم لفظ العصر لجميع الأوقات فقال: (والصوابُ من القولِ فِي ذلك: أنْ يُقالَ: إنَّ ربَّنا أقسمَ بالعصرِ {وَالْعَصْرِ} اسمٌ للدهرِ، وهو العشيُّ والليلُ والنهارُ، ولم يُخصِّصْ ممَّا شمِلَهُ هذا الاسمُ معنًى دونَ معنًى، فكلُّ ما لزِمَهُ هذا الاسمُ فداخلٌ فيما أقْسَمَ بهِ جلَّ ثناؤُه.(

قال الواحدي:
والعصر بهذه المعاني صحيح في اللغة؛ يقال للدهر: العصر، والعصر، والعصر، أنشد ابن السكيت:
ثم اتقى وأي عصر يتقى ... بعلبة وقلعه المعلق
ويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر.
قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
(فإبداله اليوم، والليلة من "العصران" يدل على أنهما العصران، أنشد ابن السكيت:
وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
قال: العصران: الغداة والعشي
قال الليث: والعصر العشي، وأنشد:
تروح بنا يا عمر ... وقد قصر العصر
قال: وبه سميت صلاة (العصر)
وقال أهل المعاني في "العصر" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذالنهار في التقضي، والليل في المجيء.

وكان عليّ رضى الله عنه يقرأ ذلك: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْر وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
قال عمرو ذي مرّ،: سمعت عليا رضى الله عنه يقرأ هذا الحرف ﴿وَالْعَصْرِ وَنَوَائِب الدَّهْرِ، إنَ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
رواه الطبري من طرق عن عمرو بن ذي مرة.

أقوال أخرى:
وقد جاء عن كعب القرظي التوقف في تعيين المراد بالعصر, فقال: (قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى), رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
ولعله من باب الورع والله أعلم.

وقيل المراد (ورب العصر) , كم في قوله تعالى:{فورب السماء والأرض} ذكره الزجاج ولم يعزوه.
وهذا القول ضعيف, فالأصل عدم الحذف وعدم التقدير.

لماذا أقسم الله بالعصر؟
أولا : أتى هذا القسم الله بالعصر تذكيرا بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، فالزمن محل لوقوع الكثير من الآيات المتغيرة التي تدل من تفكر فيها على وجود خالق ومدبر لها, ففيه تعاقب الليل والنهار بهيئة منتظمة تتحقق فيها مصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام, وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته, وفيه التنبيه والإشارة إلى عظيم خلق الله للشمس, وانتظام حركتها, وما تجلبه من منافع للأرض ومن يعيش عليها بلا استثناء, فلا حياة بدونها, فهي النور الحسي الذي جعل الله المنافع الحسية والبدنية لجميع الكائنات متعلقة به, كما جعل في النور المعنوي؛ نور الوحي, قيام جميع منافع الروح والقلب.
لذا لما حاج إبراهيم قومه وجههم إلى النظر في الآيات المتغيرة كالشمس والقمر, تأتي وتذهب, والقصد بيان وتأكيد أنها مربوبه ومدبرة, كما قال تعالى عنه:{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} الآيات.

ثانيا: كذلك في الإقسام بالعصر التنبيه على أمور عظيمة مباركة؛ مثل الصلاة المخصوصة وهي صلاة العصر, لما جاء من عظيم فضلها حتى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه الذي رواه عنه أبو موسى الأشعري: (عن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صلى البردين دخل الجنة) .
أو التذكير بعصر معين مبارك, على قول من قال بأنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: وقت العصر فيه الإعلام بانتهاء النهار, فهو الوقت الذي ينقطع الناس فيه عادة عن أعمال النهار بما فيها من كد وسعي وجهد وتعب- سواء أعمال الرجال خارج البيت سعيا في طلب الرزق أو طلب العلم, أو أعمال النساء داخل بيوتهن- فيتطلع المرء بعدها إلى الراحة في السكن والمأوى, يتطلع إلى السكينة والطمأنينة بعد يوم طويل شاق.
والإقسام بهذا الوقت-والله أعلم- فيه تنبيه إلى ما يحصل به من انتهاء يوم مر أوشكت صفحاته أن تطوى بما فيها, فلو تفكر الإنسان في هذا الأمر وهو يرى الشمس قد تغير لونها واصفرت بعد أن كانت بيضاء نقية, كأنها مريض تغير لون وجهه من شدة المرض والتعب, وأصبحت تميل إلى جهة المغرب, كحال المريض المتعب الذي يوشك على السقوط, فيتغير لونها كلما اقتربت من الرحيل, تاركة ألوانا في الأفق يخبو بريقها وشعاعها شيئا فشيئا حتى تنطفئ بالكلية مخلفة وراءها ظلام دامس؛
وهذا يذكر العبد بأن ما وهبه الله له من وقت في هذه الحياة لا بد أن ينتهي وتطوى صفحاته بما احتوته من عمل.

فالإقسام بالعصر فيه التنبيه على الزمان الذي تقع فيه أفعال العباد من خير وشر وغيره, تنبيه للعبد على هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه, لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم-كما عند البخاري-في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ), فحري بالعبد الفطن أن يستغل ما وهبه الله من الوقت, وليعلم بأن ما فات منه لا يمكن استدراكه.

فلو تفكر في هذا لما خلد إلى الراحة والدعة, ولأخذ من الراحة ما يقيمه ويقدره على العمل لله, كما قال تعالى:{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}, وكما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة في الحديث الذي رواه الترمذي, قال عليه الصلاة والسلام: (...وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ).

فالزمان رأس مال الإنسان في هذه الحياة, وهو عمره ; كلفه الله باستغلاله في فترة وجوده في هذه الدنيا، فالدنيا بالنسبة إليه كالسوق الذي يتاجر فيه برأس ماله, فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر, لذا قال تعالى:{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

وقال عليه الصلاة والسلام: (كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها), وهذا فيه تأكيد على أن رأس مال الإنسان عمره .

رابعا: جاء الإقسام بالعصر تأكيدا على عاقبة أعمال العباد وجزائها، فمن خلق الزمان وابتدأ الحياة قادر على أن يعيد الإنسان بعد موته, وقادر على محاسبته على ما وقع منه, لذا أقسم الله في كتابه بهذه الآيات الدالة على كمال قدرته سبحانه : الليل والنهار والشمس والقمر والضحى والصبح, فكل ما له بداية لا بد أن ينتهي ويزول, تذهب الشمس ويأتي القمر, يأتي الليل فيتلاشى النهار, فمن تفكر فيها أيقن بالجزاء, ومن أيقن عمل في أيامه قبل رحيلها, كما قال تعالى :{كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}, فهذا العمل في هذه الساعات هو زاد العبد إلى الآخرة, فلن ينفعه غيره, بل لا قيمة لغيره عند رحيله إلى الحياة الحقيقية.
رابعا: ذكر الرازي وجها آخر فقال: (ويعرض عز وجل لما في الأقسام به من التعظيم بنفي أن يكون له خسران أو دخل فيه كما يزعمه من يضيف الحوادث إليه وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان اشعار بأنه صفة له لا للزمان).

قال القاسمي: (كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضا. فيتوهم الناس أن الوقت مذموم. فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، كما اعتاد الناس أن يقولوا: (زمان مشؤوم)، و: (وقت نحس)، و: (دهر سوء)، وما يشبه ذلك. بل هو عاد للحسنات كما هو عاد للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع. فكيف يذم في ذاته، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة!).

قال الألوسي: (وتعقب بأن استعمال العصر بذلك المعنى غير ظاهر).

جواب القسم:
ولما أقسم سبحانه وتعالى بالعصر؛ جاء جواب القسم بعده مباشرة فقال: (إن الإنسان لفي خسر), والإنسان كما جاء في المصباح المنير :
(" الإِنْسَانُ " مِنَ الناس اسم جِنَسٍ يقع على الذَّكَرِ والأُنثْى والواحد ...).
وقد ورد قولان في المراد بالإنسان هنا, قول عام وقول خاص:

أما القول الخاص:
قال بعض المفسرين بأن المراد ب(الإنسان) الكافر, بدليل استثناء المؤمنين بعد ذلك, قاله البغوي وأضاف: (و"الخسران": ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي، وهما أكبر رأس ماله.), وذكره القرطبي .
وجاء تخصيص هذا القول بالتنصيص على بعض الكفار بعينهم, كما ذكر ذلك القرطبي, فساق حديثا لأبي بن كعب قال فيه: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل...) الحديث
وذكر قول ابن عباس في رواية أبي صالح, وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث.
وقال مقاتل بأن السورة نزلت في أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب, فقال: (يعني أنه في ضلال أبدا حتى يدخل النار). رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}قال: يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ). ذكره السيوطي في الدر المنثور.

أما القول العام: فقد جاء عن أبي بن كعب في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر}, قال: يعني آدم وبنيه.
رواه عبد الرحمن بن حسن الهمذاني عن إبراهيم عن آدم عن أبي داود الواسطي عن أبي علي عنه.
وجاء عنه قوله: (الناس كلهم) رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم, ذكره السيوطي في الدر المنثور.
وقال الزجاج: الإنسان ههنا في معنى الناس، كما تقول: قد كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، تريد قد كثر الدراهم.
وقال مكي: الناس
ورجحه الطبري وابن عطية وابن الجوزي وابن جزي والماوردي وابن القيم وابن كثير والشوكاني وغيرهم.
قال الطبري: (واستثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد).

والصحيح بأن اللفظ عام كما سنبين, قال الطبري رحمه الله تعالى: وقولُهُ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} يقولُ: إنَّ ابنَ آدمَ لفي هلكةٍ ونقصانٍ.).
أما تخصيصه بالكافر أو بالتنصيص على أبي لهب وأبي جهل؛ فهم أولى الناس بوسمهم بوصف الخسارة المطلقة, فهم أصحاب النصيب الأعظم, ولا يعني هذا تخصيص الخسارة بهم فقط, فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فحجم الخسارة يختلف من شخص لآخر, بل تختلف بين الكفار أنفسهم كما سنبين إن شاء الله.

لذا جاءت كلمة (الإنسان) في الآية مفردة, ومع ذلك فقد أفادت العموم كونها تحلت ب(أل) الاستغراقية, الذي يصير المفرد بسببهما صيغة عموم، قالمراد هنا جنس الإنسان، وعلامة العموم أن تحل كلمة (كُل) محلَّ (أل).
ودل على العموم أيضا قوله تعالى:{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فلفظ الآية يقتضي أنه ليس إنسانا واحدا.
ودل على العموم أيضا الاستثناء بعده, فالاستثناء معيار العموم, فإذا كان اللفظ يصلح للاستثناء منه فإنه عام اللفظ.


قوله تعالى: (لفي خسر):
الخسر لغة هو النقصان؛ قاله ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" وفي "تفسير غريب القرآن" , حيث قال: الخسران: النقصان، وقاله ابن شجرة في: "النكت والعيون"، والثعلبي في "الكشف والبيان".
قال الطبري: (يقول: إن ابن آدم لفي هلَكة ونقصان.)

أما المراد ب(الخسر) فقد ذكر الماوردي فيه أربعة أوجه:
أحدها: لفي هلاك، قاله السدي.
الثاني: لفي شر، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: لفي نقص، قاله ابن شجرة.
الرابع: لفي عقوبة.

ويمكن تقسيم عبارات المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه في تفسير (الإنسان):
فمن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو الكافر؛ قال بأن الخسارة هي العقوبة وهي دخول النار في الآخرة, ومنهم من قال بأن الخسارة هي ما كانوا فيه من ضلال في الدنيا أكبهم الله بسببه في النار في الآخرة.
فيكون معنى الآية: كل كافر لفي ضلال حتى يموت فيه، فيدخل النار, فتكون خسارته في الآخرة.
قال مجاهد: (لفي خسر: يعني لفي ضلال, ثم استثنى فقال: إلا من آمن).
رواه آدم بن أبي إياس في التفسير المنسوب إلى مجاهد

كما قال الفراء: لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله، وماله في الجنة.
وقال مكي بن أبي طالب: (وقيل: الخسر: دخول النار، يعني به الكافر.).
وقال الأخفش : هلكة , وقاله السدي, نسبه إليه الماوردي.

والقول بأن (الخسر) هو الضلال؛ من تفسير المسبب بسببه, فسبب الخسران في الآخرة هو ما وقع فيه العبد من ضلال, كما قال تعالى:{ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال:{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
أما تفسير الخسر بالعقوبة فهو كقوله تعالى:﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾, فالخسران هو نوع العقوبة الواقعة عليهم.

ومن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو جنس الإنسان؛ قال بعموم الخسارة في الدنيا والآخرة.
قال البغوي: (والخسران: ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي؛ وهما أكبر رأس ماله).

ولا تعارض بين القولين, فالقول الأول داخل في عموم القول الثاني¸ والكافر أحق بالخسارة من غيره, لكن القول بعموم الخسارة يناسب سياق الآيات من سورة العصر, وعموم ألفاظها, وسيأتي إن شاء الله الكلام عن درجات الخسارة.

ولفظ (خسر) يشمل جميع ما يتعرض له الإنسان من نقصان وهلكة سواء كان هذا في الدنيا أو في الآخرة:
فالإنسان يتقلب في أطوار, فينقلب من ضعف إلى قوة, ثم يعود من قوة إلى ضعفا وشيبة, كما قال تعالى ذلك عنه:
فتضعف الحواس
وتضعف الذاكرة
وتتناقص أيام عمره
وتتناقص قوته
وهذا يكون حاله في جميع أموره...
وعلى هذا الحال يخسر الكافر الدنيا والآخرة، أما المؤمن وإن كان قد تعرض في دنياه لخسارة القوة البدنية, وما قاساه فيها؛ فهو لا يذكر مقابلة لما سيكون عليه حاله في الآخر.
لذا قال رسول الله ﷺفيما رواه مسلم: ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط).
وقال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). رواه مسلم.
وفي هذا تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.
وفيه الإرشاد على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد.

وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أبلغ من قوله: (إن الإنسان لخاسر)؛ وذلك أنَّ معنى (في) الظرفية، فكأن الإنسان منغمس في الخسر، كإحاطة الظرف بالمظروف, والخسران محيط به من كل جانب, ومثل هذا التعبير يبعث الرعب والهلع في القلوب الحية, لذا تبدأ في البحث عن المخرج, تبدأ في البحث عن أسباب النجاة, فيتصور العبد نفسه كالغريق الذي يصرخ لعل أحدا ينقذه وينتشله من بحر الخسارة, فإذا أصبحت هذه حاله تهيأت نفسه لقبول ما جاء بعدها من أسباب النجاة, فتقع الكلمات على أسماع قد تشوقت لمعرفة ما ينجيها, فألقى صاحبها سمعه وأصغى بآذانه, وتقع كذلك على قلوب قد أزال الخوف من الخسارة ما فيها من عوائق بحثا عن النجاة, فدبت فيها الحياة, فوقع العلاج على محل صالح مستعد لقبوله؛ بعد أن انتفت الموانع وتحققت الشروط.

واختيار لفظ الخسارة من أحسن ما يكون, فهو لفظ يسترعي انتباه السامع, فالإنسان مجبول على محبة الربح والهرب من الخسارة, لذلك خاطب الله تعالى الناس بما يلفت انتباههم, وبما جبلت عليه فطرهم.

وقد جاءت ألفاظ التجارة والخسران والربح والأجر في آيات متعددة في القرآن، لعظيم وقعها على النفس, فالإنسان مجبول على حب ما يلائمه والحرص على تحصيله, وكراهية ما يؤذيه والفرار منه واتخاذ وقاية منه.
لذا نجد بأن الله تعالى قال :{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}
وقال:{ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليمتؤمنون بالله ورسوله}
وقال:{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}
وقال:{ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}

- والتنكير في قوله:(خسر)؛ قيل للتعظيم, أي في خسر عظيم، ويجوز أن يكون للتنويع؛ أي نوع من الخسر غير ما يعرفه الإنسان, فتتعدد أنواع الخسارة بالنسبة إليه, وفي هذا

- وقد تضمنت الآياتان السابقتان حكما ومحكوما عليه ومحكوما به؛ فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإنسان, كل الإنسان من النقصان والخسران, والمحكوم عليه هو الإنسان ابن آدم, والمحكوم به هو الخسران.

- وقد أكد الله جل ثناؤه قوله:(إن الإنسان لفي خسر) بأربعة مؤكدات:
أولها: القسم
ثانيها: (إن)
ثالثها: اللام
رابعها: الجملة الإسمية
وأفاد اجتماع هذه المؤكدات التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.

الكلام في قوله تعالى:{ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ِ}:
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إن جنس الإنسان واقع في خسارة محققة, وبعد أن تطلعت النفوس وتشوقت لمعرفة كيفية النجاة من هذه الخسارة؛ جاء الفرج, وجاءت البشرى¸ وجاء الترغيب بعد الترهيب بقوله تعالى: (إلا).
فالناجون من الخسارة لهم وصف معين لا تتم النجاة إلا بتحقيقه؛
فأول ما ذكر من أوصافهم هو الإيمان, فهم من آمن بجميع ما أمر الله بالإيمان به, والإيمان عند أهل السنة والجماعة هو قول واعتقاد وعمل.
فلا يكون المقصود بالإيمان مجرد التصديق, بل يدخل في مسماه العمل, فالتصديق بالأمور التي يتطلب التصديق بها عملا؛ لا يسمى الإنسان فيها (مصدقا) إلا إذا صاحب تصديقه عملا, لذا قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:{ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} وكان هذا بعد أن شرع إبراهيم عليه السلام بتنفيذ ما أمره الله به من ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام.
وأول ما يدخل في الإيمان هو الإيمان بأركانه الستة, وجميعها تعود على الإيمان بالله, فمن حقق الإيمان بالله؛ حقق الإيمان بجميع ما أمر به الله وارتضاه.

وحصول الإيمان يقتضي حصول العلم قبله, فلا يكون إيمانا على الحقيقة إلا إذا سبقه العلم.
ومن حصل له الإيمان على الصفة التي أمر الله بها: حصل له اليقين, ومن حصل له اليقين سهل عليه العمل.
وقد ذكر القرطبي حديثا فيه تخصيص (الذين آمنوا...) بالخلفاء الراشدين, فذكر في تفسيره قول أبي بن كعب: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل إلا الذين آمنوا: أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر. وتواصوا بالحق عثمان وتواصوا بالصبر "علي".
ثم قال: وهكذا خطب أبن عباس على المنبر موقوفا عليه.
وقد ذكره بلا سند ولم يذكر تخريجه.
واللفظ عام, والخلفاء الراشدون أولى الناس بالدخول به.

ثم قال تعالى:(وعملوا الصالحات):
قال ابن كثير: (فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم).
قد ذكرنا بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومع ذلك عطف بالواو العمل على الإيمان، والواو هنا للمغايرة بين حقائق الأشياء، وحقيقة الإيمان أكبر من حقيقة العمل, لأن العمل جزء من الإيمان, فهذا من عطف الخاص على العام، والفائدة من عطف الخاص على العام هنا هي التنبيه على أنه في الحكم مثل الأول، فدل على شرفه ومكانته، وعلى وجوب الاهتمام به, وفي هذا رد على المرجئة.
وكذلك فيه التنبيه على أن العبد لو عمل عملا يظنه صالحا؛ لفا يكون مقبولا عند الله إلا بشرط الإيمان.

والعمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، ولا يكون مرضيا مقبولا عنده سبحانه إلا إذا توفر فيه شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن لا إله إلا الله.
الشرط الثاني: المتابعة، ويعني هذا وقوع العمل موافقا لما شرعه الله وأمر به, كما بين لنا ذلك النبي عليه الصلاة والسلام, فيجب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن محمدا رسول الله.
فإذا فقد العمل أحد هذين الشرطين كان مرفوضا مردودا لا ثواب عليه لقوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} , وقال سبحانه:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}.
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبله الله، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبله الله حتى يكون خالصا صوابا، والخالص الذي يريد به وجه الله، والصالح أن يكون على السنة.
قال الطبري: (يقول: إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.).

فكل أهل الملل والنحل يعملون، بل إن منهم من ينقطع للعبادة طوال حياته كالرهبان في صوامعهم، ومع ذلك فعمله لن ينفعه عند الله تعالى لأنه عَمِلَ غير صالح، وقد قال تعالى ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾وقال : ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾وقال: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾.

وقد أمر الله الأنبياء والرسل بالعمل الصالح فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
وقال سبحانه ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
وأمر سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يخبر أمته بلزوم العمل الصالح فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [.
وتوجيه الأمر بعبادة ما إلى الأنبياء, وأمرهم بأمر أقوامهم بها؛ لدليل على أهميتها وعظم مكانتها.

قوله تعالى: ( وتَواصَوْا بالحَقِّ):
جاء في المراد بالحق ثلاثة أقوال:
القول الأول : أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام, وقاله الزجاج: (تواصوا بالإقامة على توحيد اللّه والإيمان بنبيه عليه السلام).
توجيه القول:
فُسر الحق بما سبق, وهو الإيمان والعمل الصالح, والتوحيد ركن الإيمان الأعظم الذي يقوم عليه, وهو الركن الأول من أركان الإيمان, والإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام- أيضا من أركان الإيمان, ولا يتحقق إسلام المرء إلا به, فالإيمان بالله وبنبيه هو حقيقة تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

الثاني: أنه القرآن، قاله قتادة والحسن.
قول قتادة: رواه الطبري عن بشر عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة.
وقول الحسن رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن الحسن.
وبسند آخر عن عمر عن ابن بكار الكلاعي، عن خطاب بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سنان أبو روح السكوني عنه.

توجيه القول:
فسر قتادة والحسن الحق بالقرآن، وهو تفسير صحيح؛ فالقرآن حق، وهو من تسمية المسمى بأحد معانيه التي يحتملها, قال تعالى:{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ }.

الثالث: إنه الله، قاله السدي. ذكره الماوردي والقرطبي.
وهذا كما في قوله تعالى:{ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} وكما جاء في حديث تميم بن أوس رضي الله عنه- المتفق عليه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله...) الحديث.
والنصيحة لله تتضمن الإيمان به وتوحيده بجميع أنواع التوحيد المأمور بها, والله سبحانه هو الذي أمر بالإيمان وأمر بعمل الصالحات.

فلا تعارض بين الأقوال, بل جميعها تتفق في أن التواصي يكون بجميع ما أمر الله سبحانه به, وبجميع ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم,: بالمرسِل والرسالة والرسول.
والوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، فتشمل كل ما جاءت الوصبة به في القرآن والسنة, في مثل قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾, وقوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾و وقول ابن مسعود رضي الله عنه: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآية.
فهو الوصية بلزوم الصراط المستقيم بلا ريب, والذي نسأل الله أن يهدينا إليه في قولنا:{اهدنا الصراط المستقيم}.

وقوله تعالى:{وتواصوا بالصبر}:
قال قتادة والحسن: الصبر على طاعة الله.
قال قتادة ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عنه
قال الحسن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عنه.
قال الزجاج: {وتواصوا بالصّبر} على طاعة اللّه والجهاد في سبيله والقيام بشرائع نبيه

القول الثاني:قال هشام بن حسان: الصبر على ما افترض الله, ذكره الماوردي.
القول الثالث: الصبر عن المحارم واتباع الشهوات. قاله الماوردي

والصبر لغة هو الحبس, قال الجوهري: الصبر حَبْس النفس عند الجزَع.
وقد عرفه ابن القيم فقال: (الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره).
وقال الجرجاني في تعريفاته:(ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله)
وقال الراغب الأصفهاني معرفا الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه).

فيكون المراد بالصبر؛ الصبر بأنواعه الثلاثة:
- الصبر على طاعة الله
- الصبر عن محارم الله
- الصبر على اقدار الله

والأقوال التي ذكرها المفسرون في تفسير المراد بالصبر من قبيل تفسير الصبر بجزء مما يقع عليه, والصبر في الآية يشمل جميع أنواع الصبر, فهي كلها داخلة في طاعة الله.
فيكون التواصي بالصبر على جميع ما سبق من الحق, والتواصي بالصبر على ما سيلقاه العبد في خلال سيره على الصراط المستقيم, فالدينُ كلُّه يحتاج إلى صبر:
- ولهذا قالَ تعالى لرسولِهِ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزمِ مِنَ الرُّسُلِ.
- وقالَ سبحانَهُ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.
- وقال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
- وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
- وقالَ تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ


- ولما كانت الآيات في سياق المدح؛ جاء الوصف بلفظ (وتواصوا) ولم يقل: ويتواصون لئلا يقع أمرا, فدل ذلك على رغبتهم في الثبات على الحق والصبر, فمن المؤكد أن من يوصي غيره بملازمة أمر؛ يراه جديرا بالملازمة, فهو لما كمل نفسه سعى إلى تكميل غيره.
كما إن التواصي بالحق والصبر يعين على ثبات الموصي إن تعرض للغفلة, فهو يذكر نفسه ويذكر غيره.
ولفظ (تواصوا) دل على أن الحق ثقيل, وبأن المحن تلازمه, فتحقيقه لا يكون إلا بمخالفة الهوى والله المستعان.

- وقد دلت السورة على أن الإقدام على المعصية يحصل بالترك، وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل.

- ولجميع ما ذكرناه من تفسير اهذه السورة؛قال الشافعي رحمه الله: (لوْ ما أنزلَ اللَّهُ حجةً على خلقِهِ إلاَّ هذهِ السورةَ لكَفَتْهُم) وفي رِوَايةٍ: (لو فكَّر النَّاسُ في هذهِ السورةِ لكَفَتْهُم ), فلو نظروا فيها وتأملوها لوجدوا فيها:
طريق الحق, وكيفية سلوكه والثبات عليه, وما يضاده والعاقبة, لوجدوا فيها النجاة لهم ولغيرهم, لوجدوا فيها صلاح النفس وصلاح المجتمع, فهي قد حوت حقا أصول الدين.
فالعلاقة بين الخسارة والمسائل الأربعة علاقة عكسية؛
فكلما حرص العبد على تحقيقها؛ قلت خسارته, لذلك تفاوت الناس في الربح والخسارة:
فهناك من تكون خسارته مطلقة وهو الكافر.
وهناك من سيكون ربحه مطلقا, وهم السابقون, وأقل منهم ربحا هم المقتصدون, وهم مراتب ودرجات, وكذا السابقون.
ومنهم من سيكون ربحه بحسب ما حقق من المسائل الأربعة.

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ﴿والعصر﴾ قال: قسم أقسم به ربنا وتبارك وتعالى ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ قال: الناس كلهم ثم استثنى فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وعملوا الصالحات﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالحق﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ يشترط عليهم.

فسبحان القائل:{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}, فمع قلة ألفاظ السورة؛ احتوت على معان وفوائد ولطائف لو جمعت لكتبت في مجلدات.

تم بحمد الله وتوفيقه.

المصادر:
- التفسير المنسوب لمقاتل
- جامع البيان للطبري
- النكت والعيون للماوردي
- الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب
- التفسير البسيط للواحدي
- الكشف والبيان للثعلبي
- معالم التنزيل للبغوي
- زاد المسير لابن الجوزي
- المحرر الوجبز لابن عطية
- مفاتح الغيب لفخر الدين الرازي
- التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
- البحر المحيط لأبي حيان
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير
- الدر المنثور للسيوطي
- نظم الدرر للبقاعي
- فتح القدير للشوكاني
- التحرير والتنوير لابن عاشور
- روح المعاني للألوسي
- فتح البيان لصديق حسن خان
- أضواء البيان للشنقيطي
- تيسير الكريم الرحمن للسعدي
- تفسير ابن عثيمين

مصادر أخرى سوى كتب التفسير:
- المجلد الأول من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
- التبيان في أقسام القرآن لابن القيم
- شرح ثلاثة الأصول وأدلتها للشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله
- شرح ثلاثة الأصول وأدلتها للشيخ عبد العزيز الداخل حفظه الله

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 03:37 PM
هناء محمد علي هناء محمد علي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
المشاركات: 434
افتراضي

تفسير سورة العصر


سورة العصر
هي سورة مكية في قول الجمهور ؛ كما ذكر السيوطي في الإتقان ؛
- قال الثعلبي : مكّيّة، وهي ثمانية وستون حرفا، وأربع عشرة كلمة، وثلاث آيات
فقد أورد عن البيهقي في الدلائل عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن أن مما أنزل الله بمكة ( والعصر )
وكذلك ما أورده ابن الضريس في الفضائل عن ابن عباس أنها من أوائل من نزل من القرآن في مكة

وهي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور في عدد الآيات : هي و الكوثر والنصر

فضلها :
▪ قال البيهقي في شعب الإيمان ( 8639 ) ج11
- أخبرنا أبو طاهر الفقيه، قال: أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، قال: نا إبراهيم بن الحارث البغدادي، قال: نا يحيى بن أبي بكير، قال: نا حماد بن سلمة، قال: أنا ثابت البناني، عن الدارمي، قال: " كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا، وأرادا أن يتفرقا، قرأ أحدهم سورة: والعصر إن الإنسان لفي خسر، ثم سلم أحدهما على الآخر أو على صاحبه ثم تفرقا )
قال البيهقي : ورواه غيره عن حماد عن ثابت عن عقبة بن عبد الغافر ؛ قال : كان الرجلان : فذكره

- وأخرج الطبراني في الأوسط قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُسْتَمْلِيُّ قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَبِي مَدِينَةَ الدَّارِمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} ، ثُمَّ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ» قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: «اسْمُ أَبِي مَدِينَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِصْنٍ»
لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي مَدِينَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ "
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2648)

ولعل فعل الصحابة هذا كان ليذكر بعضهم بعضا بالتواصي بالثبات على الحق والصبر عليه ؛ فيكون آخر ما يفترقان على الوصية بينهم ونصيحة كل أخ اخاه …

▪وقد ذكر عن الشافعي أثر لم أجد تخريج سنده إليه ؛
- فقد قال ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن : قال الشافعي : لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم
وقال ابن كثير في تفسيره : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم

وهذا القول إن دل على شيء فإنه يدل على عظم الكنوز التي تحويها هذه الآيات ؛ وعلى اشتمالها سبيل الفوز والفلاح والنجاة حتى إن أحدهم لو لم يعمل إلا بما فيها فقد أفلح إذ حوت جماع الخير كله …

علاقة السورة بما قبلها وما بعدها :
سورة العصر جاءت بين سورتي التكاثر والهمزة
فقد توسطت السورتين اللتين تحذران من الانشغال بجمع الحطام الفاني والتكاثر والتفاخر به وهمز ولمز الغير والانتقاص منه ؛ فسورة التكاثر تحذر من الالتهاء بالتكاثر من الدنيا حتى تنتهي أيام العمر … ثم تأتي سورة العصر يقسم بها الله بالزمان والأيام التي تمر ليبين للإنسان أنه مهما جمع وربح وكسب من حطام الدنيا ونعيمها يبقى خاسرا ما لم يكن عمله للآخرة ؛ وأن سبيل النجاة من هذا الخسر؛ والفوز والربح يكون بالإيمان والعمل الصالح ثم إرشاد الغير إلى هذا الحق والتواصي به والصبر عليه … ثم تأتي سورة الهمزة بذلك النموذج الذي لم كفر ولم يعمل صالحا بل جمع مالا وعدده ؛ حتى ظن أن ماله يحفظه من الفناء وأن أيامه خالدة ؛ فتكبر على الناس وهمزهم ولمزهم فكان مصيره النار المؤصدة …


فاحرص على أن تكون تجارتك للآخرة لا للدنيا ؛ ثم كن للناس مرشدا ناصحا موصيا لا هامزا لامزا …

غرض السورة :
غرض هذه السورة التحذير من انقضاء أيام العمر في خسران … وبيان أسباب الفلاح والفوز في الآخرة وسبيل النجاة وتجنب الخسارة فيها …

القراءات :
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ ( 405هـ): (أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الصّفّار، ثنا أحمد بن مهران، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذي مرٍّ، عن عليٍّ رضي اللّه عنه، أنّه " قرأ: والعصر ونوائب الدّهر إنّ الإنسان لفي خسرٍ «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه» …

- وهي قراءة شاذة … والصحيح ما عليه رسم المصاحف ؛ فكل ما لم يثبت فيها ليس قرآنا …
قال الفخر الرازي : إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذَا مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ قَرَأَهُ قُرْآنًا بَلْ تَفْسِيرًا …

التفسير :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3)


المعنى الإجمالي للسورة :
هذه السورة القصيرة حوت مع إيجازها الكثير من المعاني الغزيرة التي لو تأملها المؤمنون أرشدتهم إلى ما فيه فلاحهم ونجاحهم … فيقسم الله في هذه السورة بالعصر ؛ وهو سواء عني به الزمان الذي تقع فيه حركات الإنسان وسكناته ؛ أو هو الوقت الذي يؤذن بانتهاء عمل النهار واستقبال عمل الليل ؛ فهو قسم عظيم في طياته تنبيه للإنسان من غفلته ؛ وتذكير له أن أيام دهره كما قال الشاعر ( دقات قلب المرء قائلة له … إن الحياة دقائق وثواني )
… وأنه كما يحرص على الكسب في النهار والكد والعمل فيه لدنياه ؛ فليحرص على اغتنامه لأخراه ؛ وأنه كما يأتي آخر النهار كل يوم مؤذنا بطي صفحة الأعمال فيه ؛ فإن أيام العمر لا بد ستأتي إلى نهايتها وتؤذن بالرحيل قال الشاعر : ( إنا لنفرح بالأيام نقطعها … وكل يوم مضى نقص من الأجل ) …
ولذلك أقسم سبحانه على أن الإنسان في خسر ؛ فأيامه التي هي رأس ماله تنقص باستمرار ؛ وهو إن لم يبادر إلى استثمار ما بقي منها خاسر مغبون …

ولقد ذكر الفخر الرازي ما روي عن بعض السلف قوله : تعلمت معنى السورة من بائع الثلج ؛ كان يصيح ويقول : ارحموا من يذوب رأس ماله ؛ ارحموا من يذوب رأس ماله ؛ فقلت : هذا معنى ( إن الإنسان لفي خسر ) يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر )

ولأن الله لا يترك ابن آدم دون أن يرشده ويبين له ؛ تأتي الآية الأخيرة لتدل هذا الإنسان على الطريق الأقوم لاستثمار أيام العمر والنجاة من الخسران … ولذلك استثنى الله من الواقعين في الخسر أولئك الذين آمنوا بالله ؛ ثم قدموا بين يدي إيمانهم أعمالا صالحات ؛ ثم لم يكتفوا هم بالنجاة ؛ بل أخذوا بأيدي إخوانهم فدعوهم إلى الحق وتواصوا به وتعاهدوا على الصبر على الطريق وعن معوقاته ؛ فكملوا أنفسهم ثم كملوا غيرهم لتنجوا سفينتهم جميعا …

- قال عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره : (أنا عبد العزيز بن أبي رواد قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: في قوله تعالى: {والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى:{إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم ثم استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وعملوا الصالحات} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال : {وتواصوا بالحق} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالصبر} شروطا يشترط عليهم). كما ذكره ابن أبي حاتم

التفسير :
🔹والعصر :
الواو للقسم ؛ وفعل القسم ( أقسم ) محذوف وجوبا مع واو القسم …
و( العصر ) هو المقسم به
و ( إن الإنسان لفي خسر ) جواب القسم ( المقسم عليه )
وغرض القسم توكيد الخبر وتقويته ؛ والتنبيه على خطورة وأهمية وتحقيق المقسم عليه …

وقد أقسم الله تعالى هنا بـ ( العصر ) ؛ والله تعالى يقسم بما شاء ؛ فقد أقسم سبحانه بذاته فقال : ( فوربك لنسألنهم أجمعين )) ؛ وأقسم بكتابه ( والقرآن ذي الذكر ) ؛ وأقسم بما شاء من مخلوقاته الدالة على عظمته … كقوله : ( والضحى ؛ والليل إذا سجى ) ( والشمس وضحاها ) ( والفجر ؛ وليال عشر ) ( والسماء والطارق ) ( والتين والزيتون ؛ وطور سينين ) وهنا ( والعصر ) وغيرها كثير …

والقسم في افتتاح السور القرآنية لا يكون متسقا مع جوابه فحسب ؛ بل متسقا مع مضمون السورة ككل … وهذا ما سيتضح في سورة العصر وبيانها …

▪( العصر )
مادة عصر :
قال الخليل في معجم العين :
باب العين والصاد والراء معا : ( ع ص ر، ع ر ص، ص ع ر، ر ع ص، ص رع، ر ص ع )
عصر: العَصْرُ:الدّهر، فإذا احتاجوا إلى تثقيله قالوا: عُصُر، وإذا سكنوا الصاد لم يقولوا إلاّ بالفتح،
كما قال ( امرؤ القيس ) : … … … وهل يَنْعَمَنْ من كان في العُصُرِ الخالي

و العصران: الليل والنهار.
قال حميد بن ثور : ولا يَلْبِثُ العَصْرَانِ يوماً وليلةً ... إذا اختلفا أن يدركا ما تيمّما

والعَصر: العشيّ.
قال : يروحُ بنا عمْروٌ وقد عَصَرَ العَصْرُ ... وفي الرَّوْحَةِ الأولَى الغنيمةُ والأجرُ
به سمّيت صلاة العصر، لأنّها تعصر. ( قال ابن فارس : أي تؤخر عن الظهر )

- والعصران: الغداة والعشيّ. :
قال : المطعم الناس اختلاف العَصْرَيْنِ ... جفان شيزى كجوابي الغَرْبَيْن
يعني للحدس التي يصيب فيها الغربان.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة :
عصر : العين والصاد والراء أصول ثلاثة صحيحة ،
فالأول دهر وحين ؛ والثاني ضغط الشيء حتى يتحلب ؛ والثالث تعلق بشيء وامتساك به …
فالأول : العصر وهو الدهر ؛ قال الله ( والعصر إن الإنسان لفي خسر )

- ثم ذكر ما أورده الخليل في معنى العصر ؛ ثم قال :
قال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَعْصَرَ الْقَوْمُ وَأَقْصَرُوا، مِنَ الْعَصْرِ وَالْقَصْرِ. وَيُقَالُ: عَصَّرُوا وَاحْتَبَسُوا إِلَى الْعَصْرِ.
وَرُوِيَ حَدِيثٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ: «حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ» . قَالَ الرَّجُلُ: وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا، فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ قَالَ: «صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا» ، يُرِيدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَصَلَاةَ الْعَصْر …

وقال ابن منظور في لسان العرب :

والجمع أَعْصُرٌ وأَعْصار وعُصْرٌ وعُصورٌ؛
قال العجاج: والعَصْر قَبْل هذه العُصورِ … مُجَرِّساتٍ غِرّةَ الغَرِيرِ

وقال : والعَصْران: الليل والنهار. والعَصْر: الليلة. والعَصْر: اليوم؛

وقال ابن السكيت في باب ما جاء مُثْنى: الليل والنهار، يقال لهما العَصْران، قال: ويقال العَصْران الغداة والعشيّ؛ وأَنشد: وأَمْطُلُه العَصْرَينِ حتى يَمَلَّني … ويَرضى بنِصْفِ الدَّيْنِ، والأَنْفُ راغمُ ؛
يقول: إِذا جاء في أَول النهار وعَدْتُه آخره.

- وفي الحديث: حافظْ على العَصْرَيْنِ؛ يريد صلاةَ الفجر وصلاة العصر، سمّاهما العَصْرَينِ لأَنهما يقعان في طرفي العَصْرَين، وهما الليل والنهار، والأَشْبَهُ أَنه غلَّب أَحد الاسمين على الآخر كالعُمَرَيْن لأَبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر، وقد جاء تفسيرهما في الحديث، قيل: وما العَصْران؟ قال: صلاةٌ قبل طلوع الشمس وصلاةٌ قبل غروبها؛ ومنه الحديث: من صلَّى العَصْرَيْنِ دخل الجنة …

وقد اختلف المفسرون في المراد بالعصر :
وخلافهم على قولين رئيسين ؛ يتفرع من أحدهم أقوال :
1⃣القول الأول : أن العصر هو الزمان والوقت والحين ؛ فأقسم الله بالوقت …
ويتفرع منه قولهم أن العصر هو : الدهر ، أو العشي ، أو الليل والنهار ؛ أو عصر النبوة كما سيأتي …
2⃣القول الثاني : أن العصر هي الصلاة المعروفة ؛ صلاة العصر … وأن الله هنا أقسم بهذه الصلاة المخصوصة كما قال ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى )

تفصيل الأقوال :
1⃣ القول الأول : العصر هو الزمان و الوقت والحين ؛ وفيه أقوال :
🔸1 - الأول : أن العصر المقسم به هو الدهر … فهو الزمان كله الذي تقع فيه حركات بني آدم من خيرٍ وشرٍّ.
ذكر هذا القول عن ابن عباس ؛ وهو قول الفراء وابن قتيبة والزجاج والنحاس … ورجحه الطبري وابن القيم وغيرهم

- قال الطبري : العصر هو اسم للدهر ؛ وهو العشي والليل والنهار ولم يخصص؛ فكل ما لزمه اسم العصر داخل في القسم …
- و قال ابن القيم : وأكثر المفسرين على أنه الدهر ؛ وهذا هو الراجح ؛ وتسمية الدهر عصرا معروف في لغتهم …

☑ والتعريف في [ ( والعصر ) للعهد الذهني ]
تخريج الأقوال :
🔺قول ابن عباس :
قال السيوطي في الدر المنثور : وأَخْرَجَ ابنُ المُنْذِرِ, عن ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِهِ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: الدَّهْرِ)

🔺قول الفراء :
قال الفراء في معاني القرآن : العصر هو الدهر أقسم به …
محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ : (وقال يحيى: العصر: الدّهر، أقسم به).
قال العسقلاني : يحيى بن زياد هذا هو الفراء ؛ هذا لفظه في معاني القرآن
وقال القسطلاني في إرشاد الساري : ( (قَالَ يَحْيَى) بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ: الْعَصْرُ هُوَ (الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ) تَعَالَى أي بِالدَّهْرِ لاشْتِمَالِهِ على الأعاجيبِ والْعِبَرِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَرَبِّ الْعَصْرِ. …)

🔺وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن : الدهر أقسم به …
🔺قال الزجاج : والعصر هو الدهر ؛ والعصران اليوم والليلة
🔺وقال النحاس في إعراب القرآن : التقدير: وربّ العصر، ويدخل فيه كلّ ما يسمى بالعصر لأنه لم يقع اختصاص تقوم به حجة فالعصر الدهر، والعصر العشي، والعصر الملجأ.

- قال قطرب في (الأزمنة) : وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقول الله عزّ وجلّ: {والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ} يكون على ذلك وعلى الدّهر. يقال: مضى عصرٌ من الدهر وعصرٌ

وذكر السيوطي أنه قول زيد بن أسلم كذلك ؛ فقال : وأَخْرَجَ ابنُ أبي حاتمٍ عَنْ زَيدٍ بنِ أَسلمَ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: وهُوَ في كَلامِ العرَبِ: الدَّهْرُِ)
ولم أجد قوله هذا في تفسيره ابن ابي حاتم ؛ بل إن قول زيد بن أسلم الذي وجدته هو أنه العشي والله أعلم

وجه هذا القول :
كما هو ظاهر من هذا القول فله أوجه تقويه :
- الأول : أنه المعنى اللغوي لكلمة عصر ؛ فالعرب تعرفه بهذا المعنى ؛ فالعصر الزمان ؛ وأشمل الزمان الدهر كله بأيامه ولياليه وأبكاره وعشيه … فهو أجمع الأقوال في الزمان …

- الثاني : أن معنى العصر على هذا القول متسق مع القسم به ؛ فقد أقسم الله بأزمنة مختلفة من الليل والنهار ؛ فقال سبحانه : ( والضحى ؛ والليل إذا سحى ) وقال ( والفجر وليال عشر ) ( و( الليل إذا يغشى ؛ والنهار إذا تجلى ) … فيكون القسم هنا بأعمها ؛ وهو الزمان كله ؛ وذلك لأن جواب القسم هنا واقع على كسب الإنسان هنا وخسارته ؛ وهذا لا يكون إلا في أيام عمره كلها ؛ فناسب أن يكون القسم بأيام العمر كلها لجنس الإنسان ؛ لتبقى العظة والعبرة والتحذير والتوجيه للإنسان على مر الزمان …

- ثم إن الدهر كله هو موطن الأعاجيب بما فيه من تغيرات في تعاقب الليل والنهار وما فيهما من دلائل القدرة والعظمة ؛ وحركة الأجرام في أفلاكها وانتظام الكون في نظام دقيق ؛ وما يظهر للإنسان من مخلوقات ؛ وفيه تنهض أمم وتبيد أمم ؛ وتقوم حضارة وتذهب أخرى … فهو موطن العبر …

فيناسب هذا المعنى بشموله كل الأوقات أن ينبه الإنسان في وقته كله وفي دقائق عمره كلها أن يبادر إلى الكسب ويحفظ رأس ماله وينميه حتى يكون من الفائزين .


▪وخصص بعض المفسرين أوقات الدهر أوقاتا معينة هي ما رجحوا إطلاق ( العصر ) عليها دون أن تعم … فقالوا :
🔸2- الثاني : العصر هو العشي ؛ قاله الحسن ؛ وذكره ابن عطية عن أبي بن كعب وعن قتادة ؛ وابن كثير عن زيد بن أسلم

قال الراغب في المفردات : ( والعصر ) والعصر العشي ؛ ومنه صلاة العصر …

📌 وقد مر بنا في المعاني اللغوية للخليل وابن فارس وابن منظور أن من معاني العصر : العشي ؛ والعشي هو الوقت من بعد زوال الشمس حتى مغيب الشمس …
وقال الفخر الرازي : القول الثاني وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ: الْمُرَادُ بِالْعَصْرِ أَحَدُ طَرَفَيِ النَّهَارِ،
تخريج الأقوال :
🔺أما الحسن :
فقد أخرجه عنه عبد الرزاق والطبري كلاهما عن معمر عن الحسن : في قوله تعالى: {والعصر} قال: هو العشي … وذكره السيوطي عن ابن المنذر
وقال الثعلبي : قال الحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها

🔺وأما زيد بن أسلم :
- قال ابن كثير : وقال مالكٌ: عن زيد بن أسلم: «هو العشيّ. والمشهور الأوّل» ( الأول أي أنه الدهر )

وأما ما ذكره ابن عطية فما وجدته عن قتادة هو قوله ساعة من ساعات النهار كما مر …
و ذكر ابن عطية عن أبي بن كعب قال : وقال أبيّ بن كعبٍ: سألت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن العصر فقال: «أقسم ربّك بآخر النّهار»

🔺وذكر السيوطي في تفسيره تخصيصا لابن عباس أنه آخر وقت العشي :
قال : وأَخْرَجَ ابنُ المُنْذِرِ, عن ابنِ عبَّاسٍ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشمسِ مِن العَشِيِّ)

- وقال ابن عطية : وقال بعض العلماء: العصر: بكرةٌ، والعصر : عشيّةٌ، وهما الأبردان.


▪وجعله بعضهم محددا بوقت العصر وهو أخص من وقت العشي … ( ولم أجد لهم نسبة ) بل ذكره ابن عاشور من الأقوال ؛ وذكره البقاعي ؛
قال ابن عاشور : (وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علمٌ بالغلبة لوقت ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس ؛ فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثله بعد القدر الذي كان عليه عند زوال الشمس ؛ ويمتد إلى أن يصير ظل الجسم مثلي قدره بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس ؛ وذلك وقت اصفرار الشمس ؛ والعصر مبدأ العشي ؛ ويعقبه الأصيل والاحمرار ؛ وهو ما قبل غروب الشمس … )


وجه هذا القول : ( القائلين أن العصر هو العشي أو من حددوه بوقت صلاة العصر : )
- أن العشي هو أحد معاني العصر التي استخدمها العرب كما مر …
- أن جعل العشي هو المعنى المراد من العصر في القسم لدلالة هذا المعنى على ما يراد من السورة واتساقه مع جواب القسم وما يراد منه ؛ ومن ذلك :
أن العشي هو وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار … وكل تغير يلفت الإنسان ويذكره بحركة الأرض ودورانها حول الشمس ؛ وما ينتج عن تلك الحركة من تعاقب لليل والنهار … وقرب غروب الشمس ؛ وظهور أجرام السماء ؛ وذلك النظام الدقيق الذي يسير عليه الكون بانتظام … وهو كالقسم بالضحى مبدأ النهار …فهو تنبيه على قدرة الله وبديع خلقه وأودعه في الكون من نواميس وموازين لا يختل نظمها …

- أنه الوقت الذي يتهيأ فيه الناس للانقطاع عن أعمالهم وحساب غلاتهم وما كسبوه في يومهم … وفي هذا تذكير للإنسان أن عمره كيومه ؛ يكتسب في يومه ليجد حصيلته آخر النهار ؛ وكذلك في عمره يعمل فيه ويكسب ليجد نتيجة عمله آخر عمره … والقسم بهذا الوقت تنبيه للإنسان وإيقاظ له من رقاد غفلته وتحفيز له أن يعمل فيما بقي لعله يعوض ما خسر …

- أنه الوقت الذي يعود فيه الناس إلى أهليهم ويسكنون في منازلهم يأنسون بأولادهم وأهلهم ويتفرغون من أشغالهم … فهو تذكير لهم بانقطاع الدنيا واستقبال الآخرة حيث ينقطعون عن العمل ويقبلون على الجزاء ؛ فإما يسكنون إلى أهليهم في جنات عدن ؛ آو هي الأخرى والعياذ بالله …

📌ومن حدده بوقت صلاة العصر وهو جزء من العشي ؛ فقد شمل المعاني السابقة جميعا وأضاف إليها ما اختص به وقت صلاة العصر وما ميزت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم :
1- أن وقت صلاة العصر هو وقت تغشاه البركة ؛ إذ فيه تجتمع ملائكة الليل والنهار … حيث تعرج ملائكة النهار بأعمال العباد ؛ وتنزل ملائكة الليل تستقبل عمل الليل … وهو كوقت الفجر إذ تعرج ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار …
- روى البخاري في صحيحه قال : حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ …

2 - أن وقت صلاة العصر هو الوقت الذي ضرب رسول الله به مثلا لعمل هذه الأمة وفضلها على أمم اليهود والنصارى :
- روى البخاري في صحيحه قال : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا، يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ.
- فوقت صلاة العصر من مبدئه حتى غروب الشمس هو وقت عظيم دل على فضل هذه الأمة عن غيرها من الأمم … وأن عمل أمتنا كمن عمل من وقت صلاة العصر حتى غروب الشمس؛ وأجر أمتنا ضعفي من كان قبلنا من الأمم … وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء …

📌وهذا الحديث الذي ذكرنا وغيره في فضل وقت صلاة العصر استدل به الفخر الرازي على قول القائل أن العصر هو زمان النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه …
- وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره كلاما نفيسا استدل فيه على كون المراد بالعصر المقسم به هو وقت العشي فقال : أَنَّهُ أَقْسَمَ تَعَالَى بِالْعَصْرِ كَمَا أَقْسَمَ بِالضُّحَى لِمَا فِيهِمَا جَمِيعًا مِنْ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ كُلَّ بَكْرَةٍ كَأَنَّهَا الْقِيَامَةُ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَتَصِيرُ الْأَمْوَاتُ أَحْيَاءً وَيُقَامُ الْمَوَازِينُ وَكُلَّ عَشِيَّةٍ تُشْبِهُ تَخْرِيبَ الدُّنْيَا بِالصَّعْقِ وَالْمَوْتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ شَاهِدُ عَدْلٍ ثُمَّ إِذَا لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ عَقِيبَ الشَّاهِدَيْنِ عُدَّ خَاسِرًا فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسرو
قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ بِهَذَا الْوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَسْوَاقَ قَدْ دَنَا وَقْتُ انْقِطَاعِهَا وَانْتِهَاءُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ فِيهَا، فَإِذَا لَمْ تَكْتَسِبْ وَدَخَلْتَ الدَّارَ وَطَافَ الْعِيَالُ عَلَيْكَ يَسْأَلُكَ كُلُّ أَحَدٍ مَا هُوَ حَقُّهُ فَحِينَئِذٍ تَخْجَلُ فَتَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَكَذَا نَقُولُ: وَالْعَصْرِ أَيْ عَصْرِ الدُّنْيَا قَدْ دَنَتِ الْقِيَامَةُ وَ أنت بَعْدُ لَمْ تَسْتَعِدَّ وَتَعْلَمْ أَنَّكَ تُسْأَلُ غَدًا عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فِي دُنْيَاكَ، وَتُسْأَلُ فِي مُعَامَلَتِكَ مَعَ الْخَلْقِ وَكُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْمَظْلُومِينَ يَدَّعِي مَا عَلَيْكَ فَإِذًا أَنْتَ خَاسِر …

ثم إن رسول الله قد عظم هذا الوقت وغلظ على فاعل الإثم فيه
فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب : اليمين بعد العصر : قال :
حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا، فأخذها). ورواه مسلم بلفظ قريب منه …

- قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : " قال المهلب: إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذباً لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت ، انتهى . وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال "
ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: " خُص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت ، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه ، وهو وقت ختام الأعمال ، والأمور بخواتيمها ، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً ، فإن من تجرأ عليها فيه ، إعتادها في غيره ، وكان السلف يحلفون بعد العصر ، وجاء ذلك في الحديث أيضاً "

🔸3- الثالث : العصر هو ساعة من ساعات النهار ؛ قاله ابن عباس ؛ وروي عن قتادة …
تخريج الأقوال :
🔺 قول ابن عباس :
- روى الطبري في تفسيره قال : حدَّثني عليٌّ قالَ: ثنا أبو صالحٍ قالَ: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، فِي قولِهِ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: العصرُ: ساعةٌ من ساعاتِ النهارِ.

🔺قول قتادة :
روى عبد الرزاق الصنعاني : قال معمر، وقال قتادة: ساعة من ساعات النهار
وقال ابن أبي حاتم : عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَالْعَصْرِ قَالَ: سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَفِي قَوْلِهِ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ … وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ قَالَ: طَاعَةُ اللَّهِ … ؛ وذكره السيوطي عن عبد بن حميد …

وجه هذا القول :
- هذا القول لم يخصص ساعة بعينها وإنما جعلها مبهمة منكرة ؛ ولعل وجه ذلك عندهم أن الساعة جزء من الوقت تقوم به أمور وتذهب أمور ؛ يتقلب فيه المرء بين الفوز والخسر … فهو كالأول في عدم تخصيصه وقتا معينا ؛ لكنه أخذ بأقل وقت …
- ولعل المقصد هنا هو آخر ساعة من ساعات النهار كما ورد في أحد الأقوال المنسوبة لقتادة أنها آخر ساعة من النهار ؛ وهذا داخل في وقت العشي

🔸4- وقيل العصر هو الليل والنهار
قال ابن عطية : وقال بعض العلماء - وذكره أبو عليٍّ -: العصر: اليوم، والعصر: الليلة، ومنه قول حميدٍ: ولن يلبث العصران: يومٌ وليلةٌ ....... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
وقال العيني : العصر هو الليل والنهار ونسبه لابن كيسان

▪وهو كما مر في المعاني اللغوية للكلمة …
قال الراغب : وإذا قيل العصران فقيل الغداة والعشي وقيل الليل والنهار ؛ وذلك كالقمرين للشمس والقمر …

🔸5- قيل هو عصر معين ؛ ويقصد به هنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أشرف الأعصار
قال ابن عاشور : ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس ؛ أو ملك أو نبي؛ أو دين ؛ ويعين بالإضافة فيقال : عصر الفطحل ؛ وعصر إبراهيم وعصر الإسكندر وعصر الجاهلية ؛ فيجوز أن يكون هذا معنى الإطلاق هنا ؛ ويكون المعنى عصر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ويجوز أ يراد عصر الإسلام كله وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم …
☑ والتعريف فيه [ تعريف العهد الحضوري ]

📌وقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وسائر الأمم مثلا :
فقد روى البخاري في صحيحه قال : حَدَّثَنَا عبدالعَزِيزِ بْنُ عبداللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ: أَهْلُ الكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.

- قال الفخر الرازي :
قال فَهَذَا الْخَبَرُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ هُوَ الزَّمَانُ الْمُخْتَصُّ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، فَلَا جَرَمَ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: وَالْعَصْرِ أَيْ وَالْعَصْرِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَهُوَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِزَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبِمَكَانِهِ فِي قَوْلِهِ: ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) وَبِعُمُرِهِ فِي قَوْلِهِ:( لَعَمْرُكَ ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَعَصْرِكَ وَبَلَدِكَ وَعُمُرِكَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ كَالظَّرْفِ لَهُ، فَإِذَا وَجَبَ تَعْظِيمُ حَالِ الظَّرْفِ فَقِسْ حَالَ الْمَظْرُوفِ

وجه هذا القول :
كما ذكر ابن عاشور أن لفظة العصر إذا أضيفت عنت عصر ذلك الشيء ؛ وهي ههنا معرفة بلام التعريف لتدل على عصر المخاطبين …

- ثم مناسبة القسم بهذا المعنى للمقسم عليه : أن الناس في عصر النبوة حتى قيام الساعة منهم من كفر فكان خاسرا في الدنيا والآخرة ؛ ومنهم من آمن وعمل صالحا واستوفى ما عليه فكان من الناجين ؛ ومنهم ما بين ذلك ممن آمن لكنه لم يستوف ما ينجوا به من خسارة ما ؛ ففي عمله تقصير وخسارته تقابل ما قصر فيه ؛ فهو في خسر أنه لم يعمل أكثر فيلحق بمن علا …

- قال الفخر الرازي : ثُمَّ وَجَّهَ الْقَسَمَ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَضَرْتَهُمْ وَدَعَوْتَهُمْ، وَهُمْ أَعْرَضُوا عَنْكَ وَمَا الْتَفَتُوا إِلَيْكَ، فَمَا أَعْظَمَ خُسْرَانَهُمْ وَمَا أَجَلَّ خِذْلَانَهُمْ.

2⃣ القول الثاني في المراد بالعصر :
أن العصر هنا يراد به صلاة العصر ؛ فأقسم الله بالصلاة المفروضة لفضلها ومكانتها
-ووهو قول مقاتل … كما ذكر ابن عطية ؛ وهو ما اختاره الزمخشري

- قال مقاتلٌ: «العصر: هي الصلاة الوسطى، أقسم اللّه تعالى بها» …
-وقال الزمخشري : اقسم بصلاة العصر ؛ لفضلها ؛ بدليل قوله ( والصلاة الوسطى ) صلاة العصر ؛ في مصحف حفصة … ؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم ( من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله )

☑ ويكون التعريف فيه [ تعريف العهد ؛ وصار علما بالغلبة ] كقولهم العقبة ؛ حيث صار ذكره مطلقا معرفا ب(ال) علما على المكان المعروف بالعقبة …

وجه هذا القول :
وقد روي في فضل صلاة العصر وعظمتها أحاديث كثيرة تؤيد وجه أن يكون القسم بالعصر هو بالصلاة المخصوصة في هذا الوقت لفضلها وشرفها ومكانتها وغظمها ؛ منها :

روى البخاري في صحيحه قال : حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ. ورواه مالك في الموطأ

وقال : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاَةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ.

وقال : حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عبداللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي البَدْرَ- فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا*ثُمَّ قَرَأَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ [ق: 39]، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: «افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ».

وقال يحيى الليثي : حدثني مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر عمر بن الخطاب انصرف من صلاة العصر فلقي رجلا لم يشهد العصر ؛ فقال عمر : ما حبسك عن صلاة العصر ؟ فذكر له الرجل عذرا ؛ فقال عمر : طففت … ( موطأ مالك )

📌ذكر الفخر الرازي أوجها للقسم بصلاة العصر منها :
1 - وأَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ لِفَضْلِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ( وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ
- وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: { تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ } إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ
- قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»

2- أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي أَدَائِهَا أَشَقُّ لِتَهَافُتِ النَّاسِ فِي تِجَارَاتِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ آخِرَ النَّهَارِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِمَعَايِشِهِمْ

3- أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِهَا يَحْصُلُ خَتْمُ طَاعَاتِ النَّهَارِ، فَهِيَ كَالتَّوْبَةِ بِهَا يُخْتَمُ الْأَعْمَالُ، فَكَمَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِالتَّوْبَةِ كَذَا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِخَوَاتِيمِهَا، فَأَقْسَمَ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا، وَزِيَادَةَ تَوْصِيَةِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَدَائِهَا وَإِشَارَةً مِنْهُ أَنَّكَ إِنْ أَدَّيْتَهَا عَلَى وَجْهِهَا عَادَ خُسْرَانُكَ رِبْحًا، كَمَا قال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا …

📌الترجيح :
- كما مر بنا فقد رجح الطبري وابن القيم عموم المراد بالعصر وجعله شاملا الدهر بكل ساعاته وأزمانه وبه أخذ ابن كثير في تفسيره …
- بينما رجح الزمخشري أنها صلاة العصر
- ورجح الفخر الرازي ومال إلى كونه وقت العشي
وذكرنا حجج كل منهم ؛ وما أيد به قوله من الأدلة …

وإذا لم يكن هناك تعارض في الأقوال وأمكن الجمع بينها فهو الأفضل وإن كان بعضها أقوى من بعض ؛ وهو مما يعرفه علماء اللغة من التوسع في المعنى … فكما ذكر ابن عاشور أن لفظة العصر وحدها هي التي تعطي كل تلك الدلالات والمعاني ؛ فلو قال : الدهر لحدد المعنى به ؛ ولو قال العشي لما شمل غيره من الآوقات ؛ ولو قال صلاة العصر لحدده كذلك … لكنه تركه عاما ليشمل كل هذه المعاني …
وهو ما قاله الطبري من أنه لا وجه لتخصيص ما لم يخصص … بل العموم في معنى العصر واشتماله الزمان كله بكل ما فيه من اوقات وساعات وليل ونهار وبكرة وعشي وعصر النبوات وعصر الإسلام وغيرها أدعى للاتعاظ والعبرة فيه … إذ يشمل العبرة بعظمة الخلق واتساع الكون وانتظامه ؛ وفيه عظة بنظام المجتمع الإنساني ككل وتعاقب عصوره وما مر على الإنسان من صنوف الدهر وأعاجيبه ؛ وما حل بالأمم السابقة ؛ وما حمله التاريخ الماضي مما يستشرف به المستقبل ؛ فتتعظ الأمة مما حل بالأمم السابقة ؛ وتحمل الزاد الذي علا بالأمة وارتقى بها لتصير في قمة الأمم وتسود ردحا من الزمان بدينها وعدلها وحكمها بكتاب ردها ؛ فيكون ذلك عونا لها على عود حميد بإذن الله …
وأما الصلاة فهي واقعة في زمان مرتبطة به ؛ إذ أن الزمان يشرف بما يفعل به ؛ فما كان التنبيه على الوقت إلا للتنبيه على العمل فيه والاستعداد ليوم الرحيل ؛ و العصر كزمان يشمل وقت صلاة العصر ؛ ودخول هذا الوقت في القسم يدخل فيه عمله ؛ إذ فرض وقت العصر هو صلاة العصر … والله أعلم …
وفي هذا دلالة وتنبيه للإنسان أن لا يدم دهره وأيامه ؛ فالزمان هبة الله للإنسان ؛ وما يجعله حسنا أو سيئا هو فعل الإنسان فيه … فمن شاء عمره بالطاعة فكان زمانه خيرا له ؛ ومنهم من عاث فيه فسادا وكفرا فكان زمانه وبالا عليه …

ومن البلاغة في لفظ( العصر ) واختياره دون غيره من الألفاظ ؛ هو من التوسع في المعنى ؛ واشتمال معناه على كل ما يحتمله لفظه مما يناسب الآيات …

فائدة فقهية :
وتبعا لما مر من معاني العصر ؛ وعظمة القسم والوقت ؛ فقد كان لهذا القسم أثر في بعض الأحكام :
▪ قال ابن العربي في أحكام القرآن :
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ رَجُلًا عَصْرًا لَمْ يُكَلِّمْهُ سَنَةً، وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ الْعَصْرَ لَمْ يُكَلِّمْهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ هُوَ الدَّهْرُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بِنَاءُ (ع ص ر) يَنْطَلِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: ( وذكر : الدهر والليل والنهار والغداة والعشي وساعة من ساعات النهار )

- قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّمَا حَمَلَ مَالِكٌ يَمِينَ الْحَالِفِ أَلَّا يُكَلِّمَ امْرَأً عَصْرًا عَلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَغْلِيظِ الْمَعْنَى فِي الْأَيْمَانِ.

- قال ابن العربي : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُبَرُّ بِسَاعَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ؛ وَبِهِ أَقُولُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ عَرَبِيًّا، فَيُقَالُ لَهُ: مَا أَرَدْت؟ فَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَا يُحْتَمَلُ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يُفَسِّرُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

🔹إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2)
جواب القسم ؛ وهو مؤكد بالقسم نفسه ؛ ثم ب( إن ) ؛ واللام الواقعة في خبرها … وهذا يدل على خطر المقسم عليه ؛ وشدة التنبيه له والتهويل من أمره …
فقد أقسم الله على أن الناس كلهم مغمورون في الخسر وإن تفاوتوا فيه ؛ إلا من استثنى كما سيأتي …
📌قال ابن القيم : فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها …ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد … وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر على المعاد …
وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم ، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين ؛ بل الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيما والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به …

الإنسان :
فيه قولان :
1⃣الأول : عموم النوع الإنساني ؛ فالإنسان للعموم ويرد به الناس ( وهو الراجح )
2⃣الثاني : تخصيصه بأبي جهل أو غيره من كفار قريش ؛ وبالتالي جعل الآية والخسر خاصا بالكفار …

1⃣ الأول : الإنسان للعموم … قاله محمد بن كعب القرظي ؛ وهو ما قال به جمهور المفسرين
ويكون استثناء الذين آمنوا بعده استثناء متصلا لكون المؤمنين من جملة الناس …

🔺قول محمد القرظي :
عن عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ : أنا عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: في قوله تعالى: {والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى: {إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم ثم استثنى …

▪وقد روي عن كعب قوله أن الإنسان آدم وبنيه وهو بذلك يعود إلى نفس القول أن الإنسان عام في النوع كله ؛ فهل نحن إلا من آدم عليه السلام …
🔺قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو داود الواسطي، عن أبي علي، عن كعب {إن الإنسان لفي خسر} قال: يعني آدم وبنيه) وأخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن الهمذاني بسنده …

الإنسان :
التعريف للجنس ؛ يراد به استغراق أفراد الجنس والنوع الإنساني … وهو هنا وإن كان بلفظ الواحد ( إنسان ) إلا أنه يراد به العموم ؛ يراد به الناس جميعا لكونه دالا على الجنس ؛ ولوجود استثناء مجموع منه ؛ ولا يستثنى المجموع من الواحد بل يستثنى الواحد من المجموع ؛ والمجموع من مجموع أكبر منه كما هنا …
قال أبو عبيدة : مجاز "إنّ الإنسان" في موضع "إن الأناسي" لأنه يستثني الجميع من الواحد ؛ وإنما يستثنى الواحد من الجميع، ولا يقال: إن زيداً قادم إلى قومه؛ وفي آية أخرى {إنّ الإنسان خلق هلوعاً إذا مسّهُ الشّرّ جزوعاً وإذا مسّه الخير منوعاً إلاّ المصلّين} وإنما جاز هذا فيما أظهر لفظ الواحد منه لأن معناه على الجميع فمجازه مجاز أحد، يقع معناه على الجميع وعلى الواحد، في القرآن {ما منكم من أحدٍ عنه حاجزينَ} …
قال النحاس : الإنسان بمعنى الناس، والخسر دخول النار. فهو أكبر الخسران.

2⃣ وقد روي عن ابن عباس تخصيصه بأبي جهل :
وذكر السيوطي في الدر المنثور قال : وأَخْرَجَ ابنُ مَرْدُويَهْ, عن ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}: يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ
وأَخْرَجَ ابنُ مَرْدُويَهْ, عن ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}: يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ, {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ذَكَرَ عَلِيًّا وسَلْمَانَ)

- وأخرج الثعلبي في تفسيره بسنده قال حدّثنا سباط بن محمد عن القاسم بن رفيعة عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قرأت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وَالْعَصْرِ فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله وما تفسيرها؟ فقال: «وَالْعَصْرِ قسم من الله أقسم لكم بآخر النهار» إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ قال: «أبو جهل بن هشام» إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «أبو بكر الصديق» وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «عمر بن الخطّاب» وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ «عثمان بن عفّان» وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ «علي بن أبي طالب».

☑ ذكر مثله القرطبي وقال أنه روي عن ابن عباس موقوفا عليه ؛ وهي الرواية الثانية التي ذكرها الثعلبي …

- وأخبرنا عبد الخالق [بن علي] قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف بن حاتم بن نضر قال: حدّثنا الحسن بن عثمان قال: حدّثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة قال: حدّثنا عمّي علي بن رفاعة عن أبيه رفاعة قال: حججت فوافيت علي بن عبد الله بن عباس يخطب على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرأ: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) أبو جهل ابن هشام ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أبو بكر الصديق وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) عمر بن الخطّاب ( وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ ) عثمان بن عفّان ( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) علي بن أبي طالب …

📌 إن صح الأثر عن ابن عباس ؛ فهو وإن كان هناك ما دعاه إلى تخصيص المعنى إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب … وكون اللفظ عاما يرجح إرادته الجميع ؛ بل هو أبلغ في بيان معنى الآيات وتحذير الناس كلهم حتى مؤمنهم من الغبن والخسر بالتكاسل عن الطاعات أو الاكتفاء بتكميل النفس دون تكميل الغير …

- وذكر الفخر الرازي قوله : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لَهَبٍ، وَفِي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ/ إِنَّهُ أَبُو جَهْلٍ
ولم أقف على تخريج الآقوال …

- وعلى هذا القول يكون استثناء الذين آمنوا بعده منقطعا …

خسر :
- قال ابن عاشور : مصدر ؛ وهو ضد الربح ؛ استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة …
- ذكر أبو هلال العسكري في الوجوه والنظائر في معاني الخسران :
قال أصله النقصان ؛ ومنه قيل للتاجر إذا وضع أنه خسر ؛ ثم كثر حتى قيل من سعى في شيء فأداه إلى مكروه : خاسر …
وقال : وأصل الخسران ذهاب رأس المال ؛ فلما كانت النفس بمنزلة رأس المال وما يستفيده بعد ذلك بمنزلة الربح قال للهالك الذي خسر نفسه لأنه بمنزلة من ذهب منه رأس المال
وقيل الخسران : الضلال

📌 وهو في القرآن على أربعة :
1- الأول : بمعنى العجز : ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون )
2- الثاني : بمعنى الغبن : ( إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ) ؛ أي غبنوا فصاروا الى النار ؛
3- الثالث : الضلال : ( إن الإنسان لفي خسر ) أي في ضلال
4- الرابع : النقصان ؛ قال ( ولا تكونوا من المخسرين ) اي الناقصين في الكيل والوزن …

📌وذكر المفسرون في معنى خسر هنا :
1- هلكة ونقصان … قال به أبو عبيدة وابن قتيبة ؛ وبه أخذ الطبري وابن عطية وابن كثير …
🔺قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن : لفي خسر أي : مهلكة ونقصان …
🔺وقال ابن قتيبة الدينوري : خسر أي في نقص ؛ والخسر النقصان
- قال الطبري : لفي خسر : هلكة ونقصان

2- ضلال … روي عن مجاهد
🔺تخريج قول مجاهد :
- قال الهمذاني : (ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لفي خسر يعني لفي ضلال ثم استثنى فقال إلا من آمن).

- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ : (قولُهُ: (وقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ: ضَلالٌ ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: {إلا مَنْ آمَنَ} ثَبَتَ هَذَا هنا للنَّسَفِيِّ وحدَهُ، ولَمْ أَرَهُ في شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ المُسْنَدَةِ إلا هكذا عَنْ مُجَاهِدٍ: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} قَالَ: {إِلاَّ مَنْ آمَنَ}. وهو ما رواه الطبري حيث أخرج في تفسيره قال :
حدَّثني محمَّدُ بنُ عمرٍو قالَ: ثنا أبو عاصمٍ قالَ: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ قالَ: ثنا الحسنُ قالَ: ثنا ورقاءُ، جميعاً عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} إلا مَن آمنَ

- وقالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ : (وأَخْرَجَ الفِريَابِيُّ وعبدُ بنُ حُمَيْدٍ وابنُ جَرِيرٍ عن مُجَاهِدٍ {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}. يَعْنِي ضَلال، {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا} قَالَ {إلا مَنْ آمَنَ}.

3- عقوبة … وهو قول الفراء
🔺قال الفراء : عقوبة :
(وقوله عز وجل: {لفي خسرٍ...}.لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله في الجنة)

الجوانب البيانية في الآية :
▪فأقسم الله بالعصر على أن الإنسان في خسر … وأكد جواب القسم بإن التي تفيد التوكيد؛ وواللام في خبرها ؛
وفي هذا التأكيد مع وجود القسم الدال بأصله على تأكيد ما بعده وتعظيم شأنه وتهويله دليل على تهويل ما دلت عليه هذه الآية وتحذير الإنسان مما هو فيه …
▪مجاز في استخدام ( الإنسان ) بلفظ الواحد وإرادة الجمع به أي الناس ( إطلاق البعض وإرادة الكل ) ؛ بدليل الاستثناء ؛ إذ يستثنى الواحد من الجميع لا العكس …
▪استعارة لفظ ( خسر ) التي هي ضد الكسب والربح في التجارة لبيان العاقبة الدائمة للإنسان في الآخرة ؛ فمن آمن وعمل صالحا في دنياه أفلح في آخرته كالتاجر الذي كد وكسب فوجد نتيجة غلته ربحا وفيرا ؛ ومن باع دنياه بآخرته فخسر الدنيا والآخرة كان كمن ضيع رأس ماله وخسر تجارته

▪ثم قال : ( لفي خسر ) بالظرفية ؛ ولم يقل :لخاسر
- قال ابن عاشور : ( والظرفية ( لفي خسر ) مجازية ؛ شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف ؛ فكانت أبلغ من أن يقال إن الإنسان لخاسر … ) انتهى كلامه …

▪وفي : حرف جر يفيد الاستغراق ؛ فكأن الإنسان مستغرق في هذا الخسر … والإنسان أي كل الناس
📌وهنا يأتي سؤال : كيف يكون الناس كلهم مستغرقون في الخسر ومنهم المؤمنون العاملون الذين استثناهم الله من الخسر في الآية التالية ؟
نقول أن هذا مما دل عليه قوله تعالى ( في خسر ) أي أنه واقع في الخسر ؛ فهناك خسر دون خسر
وكما مر من معاني ( خسر) الهلكة والضلال ؛ فكذلك منه النقصان والعقوبة ؛
- فمن خسر نفسه في الدنيا والآخرة فهذا في خسارة مطلقة وهو من كفر ولم يؤمن ؛ فإنه محبط عمله ضال في الدنيا هالك في الآخرة كما قال تعالى ( خسر الدنيا والآخرة )
- ومن الناس من آمن لكنه أنقص من الواجبات والمأمورات أو قارف المحظورات والممنوعات ، فهذا ليس هالكا خاسرا بالمطلق ؛ بل هو خسر بالنسبة إلى ما قصر فيه ؛
- وهناك من آمن وعمل الصالحات لكنه مقتصد في عمله فهذا ولا شك خسر بالنسة إلى حصل ربح خسره

- قال ابن القيم : ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر أو ذو خسر …

▪ولذلك جاء لفظ خسر بالتنكير ؛ والتنكير يدل على العموم ؛ ليدل على مطلق الخسارة كثيرة كانت أو قليلة ؛ … مهلكة أو منقصة … فكلها خسارة … ولذلك - قال ابن القيم : ( فمطلق الخسار شيء ؛ والخسار المطلق شيء … )
ولذلك سمى الله يوم القيامة ( يوم التغابن ) …

- قال القرطبي : قال المفسرون : فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة .
ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان , وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام .

- قال الزجاج : ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته .

- قال السعدي : والخسار مراتب متعددة متفاوتة ؛ قد يكون خسارا مطلقا كحال من خسر الدنيا والآخرة ؛ وفاته النعيم واستحق الجحيم …وقد يكون خاسرا من بعض الوجوه دون بعض ؛ ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات …( وذكرها )

▪والتنكير في ( خسر ) كذلك يفيد التهويل والتعظيم ؛ وهذا يتناسب مع المؤكدات التي في جواب القسم على الخسر المحيط بالإنسان إن لم يتدارك نفسه بتكميل نفسه والنصح لغيره ؛ فهو خسران عظيم وأي خسران
▪وكذلك للتنويع فكما مر الخسارة خسر دون خسر ؛ فمنه خسارة مهلكة ومنها موجبة للعقوبة ومنها منقصة للمكانة … والفايز من تجنب الخسارة بكل أنواعها …
▪قال ابن عاشور : هذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد … أي لفي خسر في الحياة الأبدية في الآخرة ؛ فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا … قال تعالى ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ؛ متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد )

استطرادات :
1⃣ ما ورد في قراءة الآية :
قال الطبري : : حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلَى بنِ واصلٍ قالَ: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ قالَ: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو ذي مرٍّ قالَ: سمِعْتُ عليًّا رضيَ اللَّهُ عنهُ يقرأُ هذا الحرفَ: (والعصرِ ونوائبِ الدهرِ، إنَّ الإنسانَ لفي خسرٍ، وإنَّه فيهِ إلى آخرِ الدَّهرِ).
حدَّثنا بشرٌ قالَ: ثنا يزيدُ قالَ: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} ففي بعضِ القراءاتِ: (وإنَّهُ فيهِ إلى آخرِ الدهرِ).
حدَّثنا أبو كريبٍ قالَ: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو ذي مرٍّ، أنَّ عليًّا رضيَ اللَّهُ عنهُ قرأَها: (والعصرِ ونوائبِ الدهرِ إنَّ الإنسانَ لفي خسرٍ).
قال الثعلبي : وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، والقراءة الصحيحة ما عليه العامّة والمصاحف.

2⃣ مسألة مرتكب الكبيرة :
قال الآلوسي في تفسيره :
واستدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأنه لم يستثن فيها عن الخسر إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلخ.
وأجيب عنه بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في خسر، وأما على كونه مخلدا في النار فلا ؛ كيف والخسر عام فهو إما بالخلود إن مات كافرا، وإما بالدخول النار إن مات عاصيا ولم يغفروا ما بفوت الدرجات العاليات إن غفر وهو جواب حسن …

🔹إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
بعد أن بين الله في الآية السابقة أن الناس كلهم في خسر ؛ استثنى منهم أهل الفوز والنجاة ؛ ممن توفرت فيهم خصال أربع ؛ ذكرها الله بقوله :
1- آمنوا
2- عملوا الصالحات
3- تواصوا بالحق
4- تواصوا بالصبر

ونأتي إلى تفصيلها الآن :
أولا : الاستثناء هنا استثناء متصل إذا قصد بالإنسان جنسه ؛ وهو الراجح ؛ ومنقطع إذا قصد بالإنسان الكافر …
قال الطبري : واستثنى الذينَ آمنُوا من الإنسانِ؛ لأنَّ الإنسانَ بمعنى الجمعِ، لا بمعنى الواحدِ.

ثانيا : الصالحات : تعريفها للجنس ؛ لاستغراق جميع أنواع الأعمال الصالحة التي أمروا بها واجتناب جميع ما نهوا عنه …

ثالثا : وتواصوا : تواصى : تفاعل ؛ وهو وزن يدل على التفاعل والمشاركة من طرفيه ؛ أي وصى بعضهم بعضا وحث بعضهم بعضا … ففعل التواصي حاصل من كليهما …

رابعا: المراد بالحق :
قال أبو هلال العسكري :الحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم ؛ والقوة فيما طريقه غالب الظن …
وقال : والحق خلاف الباطل لأنه يثبت

▪وذكر من معاني الحق في القرآن أنه :
- من أسماء الله تعالى
- القرآن ( حتى جاءهم الحق ورسول مبين )
- الإسلام ( وقل جاء الحق وزهق الباطل )
- الصدق ( قوله الحق ) ( وعد الله حقا )
- خلاف الباطل ( ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق )

📌وما أورده المفسرون من معاني الحق :
1- الحق كتاب الله … وهو قول الحسن وقتادة
🔺أما قتادة :
فقد أخرج الطبري في تفسيره قال :
حدَّثنا بشرٌ قالَ: ثنا يزيدُ قالَ: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} والحقُّ: كتابُ اللَّهِ.

🔺وأما الحسن :
وعن عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ : (عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قال الحق كتاب الله والصبر طاعة الله).

قال الطبري : حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلَى قالَ: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} قالَ: الحقُّ كتابُ اللَّهِ.
وقال : حدَّثني عمرانُ بنُ بكَّارٍ الكُلاعيُّ قالَ: ثنا خطَّابُ بنُ عثمانَ قالَ: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سنانٍ أبو رَوْحٍ السكونيُّ، حمصيٌّ لقِيتُهُ بإرْمِينيةَ، قالَ: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ فِي {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} قالَ: الحقُّ: كتابُ اللَّهِ.

2- الحق هو الله تعالى والإيمان به … روي عن كعب ؛ ومقاتل ؛ وبه قال الزجاج …
🔺قول كعب :
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ : ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو داود الواسطي، عن أبي علي، عن كعب {وتواصوا بالحق} قال: الحق هو الله عز وجل والإيمان به {وتواصوا بالصبر} قال: الصبر على فرائض الله وحكمه)

- قال الزجاج : تواصوا بالإقامة على توحيد اللّه والإيمان بنبيه عليه السلام.

- قال الثعلبي : وَتَواصَوْا وتحاثّوا وأوصى بعضهم بعضا. وذكر عن مقاتل قوله : بالإيمان والتوحيد
وذكر قولهم : على العمل بالحق ؛ ولم ينسبه
- وقال ابن كثير : بالحق : وهو أداء الطاعات وترك المحرّمات

وهي أقوال مفادها ومؤداها واحد ؛ فالحق الثابت الذي لا خلاف فيه ولا شك فيه ولا مراء أن الله واحد أحد فرد صمد وينبني على العلم بهذا التصديق والإيمان به وبكل ما أمر به من كتب ورسل وغيب ؛ ولا يكمل الإيمان إلا بالعمل بما أمر واجتناب ما نهى عنه سبحانه ؛ ثم يدخل في الحق عمل أي خير ابتغاء وجه الله وترك أي شر ومكروه لله ؛ فيكون الحق شاملا لكل هذه المعاني …

- قال ابن القيم : والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب …

خامسا : الصبر :
الصبر لغة الحبس والمنع
- قال ابن عاشور : وحقيقة الصبر أنه منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله إن كان صعب الحصول فيترك المحاولة لخوف ضر ينشأ عن تناوله كخوف غضب الله … أو لرغبة في حصول نفع كالصبر على مشقة الجهاد والحج …

قال ابن القيم : والصبر نوعان :
1- نوع على المقدور كالمصائب ؛
2- ونوع على المشروع وهذا نوعان :
أ. صبر على الأوامر
ب. وصبر عن النواهي ؛ فذاك صبر على الإرادة والفعل ؛ وهذا صبر عن الإرادة والفعل …
وقال : والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب …


📌المراد بالصبر هنا :
1- طاعة الله … قاله قتادة والحسن
🔺أما قتادة :
أخرج الطبري في تفسيره قال : حدَّثنا بشرٌ قالَ: ثنا يزيدُ قالَ: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} قالَ: الصبرُ: طاعةُ اللَّهِ.

🔺وأما الحسن
فأخرج الطبري في تفسيره قال :
حدَّثني عمرانُ بنُ بكَّارٍ الكُلاعيُّ قالَ: ثنا خطَّابُ بنُ عثمانَ قالَ: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سنانٍ أبو روحٍ قالَ: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ فِي قولِهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} قالَ: الصبرُ: طاعةُ اللَّهِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلَى قالَ: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} قالَ: الصبرُ: طاعةُ اللَّهِ )

قال الزجاج : {وتواصوا بالصّبر} على طاعة اللّه والجهاد في سبيله والقيام بشرائع نبيه
وقال الثعلبي : وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ على أداء الفرائض وإقامة أمر الله

2- على أقدار الله :
ذكره ابن كثير ولم ينسبه : {وتواصوا بالصّبر} على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممّن يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر).

📌الترجيح :
والصبر هنا شامل لكل أنواع الصبر يعمها جميعا ؛ فلام التعريف هنا لجنس الصبر ؛ واستغراقه كل أنواع الصبر ؛ من صبر على أقدار الله ؛ إلى صبر على الطاعات ؛ وصبر عن المنكرات ؛ وصبر على الأذى الذي يلاقيه المؤمن في دعوته …

أما الصبر على مشقة فعل المنكرات فليست من الصبر المأمور به ؛ كالصبر على مشقة السهر في المعاصي وأشباهها

سادسا : من المقصودون بالاستثناء :
كما مر فقد استثنى الله ممن هم في خسر ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )
والمتأمل في هذا الاستثناء يجده مخصصا ومضيقا … فهو مشتمل على صفات أربع ؛ وذلك زيادة تخصيص على الاسثناء الوارد في سورة التين والتي استثنى الله فيها ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) من أن يردهم أسفل سافلين … فكان الاستثناء أعم …

فدل الاستثناء هنا أن الربح التام والنجاة الكاملة من الخسران لا تتم إلا بتحقق أربع خصال للمرء : اثنتان منها في نفسه ؛ واثنتان مع غيره …
فكما بين ابن القيم فالاستثناء تضمن وصيتين وتكميلتين ؛ وصية العبد لنفسه ووصيته لغيره ؛ وتكمله لنفسه ثم تكميله لغيره …

📌فهذه الأربع خصال هي :
1- الذين آمنوا : الإيمان … والإيمان يشمل الإيمان والتصديق بكل ما أمر الله الإيمان به … إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والغيب …
والإيمان كما عرفه سلفنا تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان ر
فالإيمان الحق لابد أن تظهر آثاره على الجوارح ؛ فيصدق القلب حتى يفيض إيمانه على الجوارح فتتحرك بهذا الإيمان … ولا يتم الإيمان دون علم فهو فرع عنه … ( إنما يخشى الله من عباده العلماء )

2- وعملوا الصالحات :
وجملة ( عملوا الصالحات ) هو من عطف الخاص على العام لكمال العناية به والتنبيه لأهميته ؛ وإلا فالعمل الصالح جزء من الإيمان كما مر ؛ ولكن الله أفرده بالذكر ليدل أنه لا ينفصل عن الإيمان ؛ فلا يقول أحد أنا مؤمن بقلبي ؛ ثم لا يظهر شيء من الإيمان على جوارحه ؛ إذ الجوارح ترجمان القلب ؛ تخرج ما حواه … فمن آمن حقا دفعه إيمانه للعمل بما علم …

فهاتين الخصلتين تكميل المرء نفسه بالعلم والعمل ؛ بالإيمان والعمل الصالح …

3- وتواصوا بالحق :
وهنا يأتي للمرتبة الثالثة ؛ فمع تكميل المؤمن نفسه ؛ يسعى لتكميل غيره إن أراد أن يبلغ غاية كماله …
والتواصي بالحق هو ان يتعاهد إخوانه فيرشدهم ويدلهم إلى الحق الذي هداه الله إليه ؛ وكما آمن يدعو غيره ليؤمن وكما عمل الصالحات يأخذ بيد إخوانه ليعملوا بها …

4- وتواصوا بالصبر :
ولأن الجق ثقيل ؛ ودربه مفروش بالمصاعب وتكثر في درب سالكيه الابتلاءات كان لا بد لسالكيه من الصبر عليه ثم تعاهد بعضهم بعضا بالصبر على الطريق ؛ الصبر على الإيمان وعلى العمل الصالح وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على كل الابتلاءات والمحن التي تصيبه في طريقه …

▪قال ابن عاشور : والتَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ مِلاكُ فَضائِلِ الأخْلاقِ كُلِّها، فَإنَّ الِارْتِياضَ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ لا يَخْلُو مِن حَمْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى مُخالَفَةِ شَهَواتٍ كَثِيرَةٍ، فَفي مُخالَفَتِها تَعَبٌ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ مَكارِمُ الأخْلاقِ مَلَكَةً لِمَن راضَ نَفْسَهُ عَلَيْها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
فَيُوشِكُ أنْ تُلْفى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةٌ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَما
وكَذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِن إكْراهِ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» . وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو
.


☑ فمن كمل هذه الأربع نال جماع الخير كله … لذلك قال ابن القيم : هذه السورة هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره .
ومن كمل هذه الأربع حصل له الربح الأعظم واجتنب الخسر ؛ ومن فاته شيء من ذلك حصل له من الخسارة بمقدار ما فوت من هذه الأمور ؛ فقد يكون مؤمنا مطيعا في نفسه لكنه لا يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ؛ فهذا قد خسر بمقدار تفويته نصح غيره وإرشادهم ؛ ومن زاد حصل له من الربح بقدر الفعل …

📌البلاغة في هذه الآية :
▪الإطناب بتكرار ( وتواصوا ) في : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر لاختلاف متعلقاتها ولإبراز كمال العناية بكل منها
▪ذكر الفعل ( تواصوا ) بصيغة الفعل الماضي ليبين أن هذا حال ملازم لهم ؛ فهم ملتزم هذا التواصي بينهم ؛ ثم هم عازمون على الاستمرار به مستقبلا … ثم هو فعل مشترك بينهم فكل منهم يوصي صاحبه وكل منهم يقبل الوصية من صاحبه …

▪ عطف الخاص على العام لإبراز العناية به مثل عطف ( وعملوا الصالحات ) على ( آمنوا ) مع أن العمل من الإيمان ؛ وعطف التواصي بالصبر على التواصي بالحق مع أن الصبر داخل في عموم الحق لكنه أفرده إشادة بفضيلة الذكر …

فوائد
📌 قال ابن القيم عن هذه الآية :
وقوله تعالى ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين ؛ كقوله تعالى ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين …

📌 قال ابن عاشور : وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلِّها، فالعَقائِدُ الإسْلامِيَّةُ والأخْلاقُ الدِّينِيَّةُ مُنْدَرِجَةٌ في الحَقِّ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ وتَجَنُّبُ السَّيِّئاتِ مُنْدَرِجَةٌ في الصَّبْرِ.
وقال : وأفادَتْ صِيغَةُ التَّواصِي بِالحَقِّ وبِالصَّبْرِ أنْ يَكُونَ شَأْنُ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قائِمًا عَلى شُيُوعِ التَّآمُرِ بِهِما دَيْدَنًا لَهم. وذَلِكَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ الحَقِّ وصَبْرَهم عَلى المَكارِهِ في مَصالِحِ الإسْلامِ وأُمَّتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ عُرْفُ النّاسِ مِن أنَّ أحَدًا لا يُوصِي غَيْرَهُ بِمُلازَمَةِ أمْرٍ إلّا وهو يَرى ذَلِكَ الأمْرَ خَلِيقًا بِالمُلازَمَةِ

▪ومن البديع في السورة : الفاصلة القرآنية في ( العصر ؛ خسر ؛ بالصبر ) ؛ وهو ما يسمى بالسجع وهو من المحسنات البديعية

هدايات السورة وفوائدها :
- لا يقسم المسلم إلا بالله ؛ أما القسم بمخلوقات الله فهو مما اختص الله تعالى به …
- إذا قرأ المسلم أو سمع قسم الله شنف سمعه وفتح قلبه لسماع ما أقسم الله عليه لأنه يعلم أنه عظيم …
- يبقى المسلم في حذر ويقظة دائما ؛ فما يسرق لحظات عمره كثير وهو لا شك سائر إلى زوال ؛ فليشتغل بعمارها بالطاعة
- يحمد المسلم ربه على أن جعله من هذه الأمة التي فضلت على سائر الأمم فكانت أقصرها عمرا وأوفرها بركة في العمل والأجر
- يتفكر الإنسان في عظمة خلق الله وما أودع في هذا الكون من نظام دقيق تسير به الأجرام ويتعاقب فيه الليل والنهار وتتبدل فيه الأحوال
- يحرص الإنسان على الاعتبار بغيره والاتعاظ بمن مر قبله ؛ ففي الزمان صنوف وأعاجيب وفيه عبر لمن اعتبر
- يحرص المسلم على ختم يومه بالطاعات ؛ وعلى اغتنام فضائل الأوقات ؛ فيستغل شهود الملائكة بالاستغفار والذكر والإكثار من الصالحات ؛ ويحسن في وقت رفع الأفعال لعله يلقى ربه بعمل يوم يسره يوم القيامة
- يعلم المسلم أن سبيل نجاته وفوزه في هذه الدنيا هو بتكميل نفسه بالإيمان والعمل الصالح ؛ وتكميل غيره بالتواصي على الحق والصبر عليه
- يعلم المسلم أن الحق ثقيل شاق وأن طريقه محفوف بالمكاره ولذلك وصاه الله بالصبر عليه والتواصي بذلك
- يتخذ المسلم لنفسه رفقة في الطريق تقويه وتعينه ؛ فمما يخفف ثقل الحق أن يكون معك رفيق يشتد به أزرك …
- يحرص المسلم على تفقد إخوانه في دربه ودوام التواصي بالحق بينهم حتى لا يحيد أحدهم عنه
- يعلم المسلم أن إيمانه لا يكتمل إلا بعمل الصالحات ؛ فلا يكفي تصديق قلبه وجنانه وقول لسانه إن لم يتبع القول العمل
- يحرص المؤمن على اغتنام لحظاته حتى لا يكون خاسرا يوم يراها شغلت بغير طاعة
- يحرص المؤمن على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لينجو هو ومجتمعه ؛ ولا يكتفي بصلاح نفسه فقط
- يعلم المسلم أن الصبر مدار الأمر كله ؛ فلا قدرة للمرء على دوام الطاعة إلا بالصبر عليها ؛ ولا بالابتعاد عن المعصية إلا بالصبر عنها ؛ وذلك كله بعد الاستعانة بالله وتوفيقه …


المراجع :
معاني للقران للفراء (207)
مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى 210 هـ
تفسير عبدالرزاق الصنعاني (211 هـ )
موطأ الإمام مالك ( 179 هـ ) برواية يحيى الليثي ( 243 هـ )
صحيح البخاري / محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ ( 256هـ)
تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة الدينوري :( 276)
جامع البيان أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ( 310هـ)
تهذيب معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج ( 311 هـ )
تفسير القرآن العظيم ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (327هـ)
إعراب القرآن للنحاس ( 338 هـ )
تفسير مجاهد بن جبر،من رواية عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (352هـ)
المعجم الأوسط للطبراني ( 360 هـ )
الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لأبي هلال العسكري ( 395 هـ )
المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ( 405 هـ )
الكشف والبيان / الثعلبي (427 هـ )
النكت والعيون للماوردي(450هـ).
شعب الإيمان للبيهقي ( 458 هـ )
المفردات في غريب القران للراغب الأصفهاني ( 502 هـ)
الكشاف للزمخشري ( 538 هـ )
المحرر الوجيز لابن عطية (542هـ).
أحكام القرآن لابن العربي المالكي ( 543 هـ )
زاد المسير لابن الجوزي (597هـ).
تفسير الفخر الرازي المعروف باسم مفاتح الغيب ( 606 هـ )
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(671هـ).
بدائع التفسير ( المجموع من تفسير ابن قيم الجوزية ( 751 هـ )
التبيان في أقسام القرآن لابن قيم الجوزية ( 751 هـ )
تفسير ابن كثير لإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (774 هـ)
فتح الباري للعسقلاني ( 852 هـ )
عمدة القاري بشرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ( 855 هـ )
نظم الدرر للبقاعي ( 885 هـ )
الدر المنثور للسيوطي ( 911 هـ )
أسرار ترتيب القرآن للسيوطي ( 911 هـ )
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ( 911 هـ )
إرشاد الساري للقسطلاني ( 923 هـ )
تفسير أبي السعود ( 951 هـ )
روح المعاني للآلوسي ( 1270 هـ )
محاسن التأويل للقاسمي ( 1332 هـ )
التحرير والتنوير لابن عاشور. (1393هـ )
الإبداع البياني في النظم القرآني / محمد علي الصابوني
صفوة التفاسير للصايوني
ألفاظ القسم في افتتاح السور القرآنية ومناسباتها الدلالية والفنية لمضمونها … الدكتور محمود الحسن

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 07:16 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاطمة الزهراء احمد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد المصطفى الهادي الأمين وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين .
أما بعد :
أتكلم في هذه السطور عن تفسير سورة العصر ، هذه السورة العظيمة التي لها معان جليلة وعبر كثيرة بالرغم من اختصارها ، والتي قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم ؛أي كفتهم موعظة .
فضل السورة :
أخرج الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ «والعَصْرِ» ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
مناسبتها لما قبلها :
قيل :أن فيها إشارَةٌ إلى حالِ مَن لَمْ يُلْهِهِ التَّكاثُرُ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدَ سُورَتِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّية في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ.
وقيل :بأنها مدنية في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] والقول بأنها مكية هو الراجح والله أعلم .
العصر لغة : الضغط لاستخلاص العصارة. [ هذا أحد المعاني ] استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها.
وسميت السحب الممطرة معصرات لما تعتصر من المطر، وأعصر القوم أمطروا.
ومعنى (الواو )في قوله تعالى ( والعصر ) للقسم ،قال محمد بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: قَسَمٌ أقْسَمَ به ربُّنا تَبَاركَ وتعالى).
وغرض القسم في السورة توكيد الخبر ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَرَبِّ الْعَصْرِ.
ورد في المراد بالعصر عدة أقوال :
الأول : المراد به الدهر : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ،رواه عنه ابن جرير من طريق علي .
وقال به الفراء وابن قتيبة ومكي بن أبي طالب وأكثر المفسرين .
وتوجيه هذا القول أن تعريفه بِاللّامِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: كُلِّ عَصْرٍ.
كما يؤيد هذا القول ما ورد عن عليٍّ رضي اللّه عنه، أنّه " قرأ: والعصر ونوائب الدّهر إنّ الإنسان لفي خسرٍ)
وقال يحي الفراء :(ويقال للدهر: العصر. ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا).
ولما في مروره من أصناف العجائب .
وسمي الدهر عصراً، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة.
الثاني :أنه العشي :وهو قول قتادة والحسن ،فأما قول قتادة فنسبه إليه ابن أبي حاتم وغيره ؛ وأما قول الحسن فأخرجه عنه ابن عبد الرزاق من طريق معمر ؛ وقال بهذا القول قطرب أيضا .
توجيه هذا القول :
الأثر الوارد عن أبيّ بن كعبٍ قال : سألت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن العصر فقال: «أقسم ربّكم بآخر النهار )
وقول قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ.
وقال بعض العلماء [ من هم؟ ] : العصر: اليوم، والعصر: الليلة، ومنه قول حميدٍ:
ولن يلبث العصران: يومٌ وليلةٌ ....... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
وقال قطرب :(وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقال المارودي : خصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال .

الثالث : أنه صلاة العصر:نسبه ابن عطية وغيره لمقاتل ؛ورجحه الزمخشري .
وتوجيه هذا القول أن لفظة العصر أصبحت علما على صلاة العصر ،وهي صَلاةٌ مُعَظَّمَةٌ. وقِيلَ: هي المُرادُ بِالوُسْطى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: 238] . وجاءَ في الحَدِيثِ («مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» ) ؛وتعريفه على هذا تعريف العهد .كما ذكر ابن عاشور
الرابع :أنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته : ذكره ابن عاشور وغيره .
وتوجيه هذا القول كما قال ابن عاشور :
أن التَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في اليَوْمِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ كَذا، فالقَسَمُ بِهِ كالقَسَمِ بِحَياتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَعَمْرُكَ) ؛ ولأنه يشبه عصر عمر الدنيا .
الخامس : أنه عصر الإسلام : ذكره ابن عاشور .
وتوجيهه كما قال :أن الإسلام خاتمة عصور الأديان ؛وقَدْ مَثَّلَ النَّبِيﷺ عَصْرَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَصْرِ اليَهُودِ وعَصْرِ النَّصارى بِما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ وما عَمِلْنا باطِلٌ، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم، فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَأنْتُمْ هم» . فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصالٌ بِالرَّمْزِ إلى عَصْرِ الإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
القول الراجح :
أن المعنى عام ،فكل مالزمه هذا الإسم فداخل فيما أقسم به جل جلاله ، ولا يوجد تخصيص معنى دون الآخر .
( إن الإنسان لفي خسر )
القراءات الواردة فيها :
-قرأها عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
-وفي مصحف عبد الله ( لقد خلقنا الإنسان في خسر ) لكنها قراءات شاذة .
وقال الزجاج قوله تعالى ( إن الإنسان لفي خسر )هي جواب القسم .
والمراد بالخبر في قوله تعالى ( لفي خسر ) الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الإنْذارِ والوَعِيدِ، أيْ: لَفي خُسْرٍ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الآخِرَةِ، فَلا التِفاتَ إلى أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: 196] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: 197] .كما ذكر ابن عاشور .
وفائدة التنكير في قوله ( خسر ) إما يكون للتنويع ،أو يكون للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم كما ذكر ابن عاشور .
وذكر ابن سلامة والسخاوي أن هذه الآية منسوخة.
وقيل في المراد بالإنسان هنا أربعة أقوال :
1-المراد به الناس كلهم ،فلإنسان هنا بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد .رواه عبد الرزاق عن كعب القر ظي من طريق أبي رواد وذكره الطبري والزجاج وغيرهم .
2-المراد به الناس إلا النبيين . ذكره مكي بن أبي طالب
3- المراد به هنا الكفار والعاملين بغير طاعة الله . ذكره الزجاج
4- المراد به أبا جهل بن هشام . أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس .
والراجح أن المرادُ به العمومُ بدليلِ الاستثناءِ منه، وهو مِنْ جملةِ أدلة العمومِ. كما ذكر السمين الحلبي .
وحرف "في" يأخذ موضعه في هذا البيان المعجز، بما يفيد من معنى الظرفية، في الغمر والإحاطة والإغراق.
وَفي معنى الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ الطبري وأبو عبيدة التيمي .
الثّانِي: لفي ضلال ،قاله مجاهد ورواه عنه الهمداني من طريق أبي نجيح ،ونسبه إليه العيني .
الثّالِثُ: لفي هلكة ،قاله الأخفش .
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، قاله الفراء ،ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ .
والخسر والخسران بمعنى واحد ، فالخسر هلاك رأس المال ونقصانه .
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مَجازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلازَمَةَ الخُسْرِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَتْ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ لَخاسِرٌ.
ومَجِيءُ هَذا الخَبَرِ عَلى العُمُومِ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جَوابِهِ، يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والإنْذارَ بِالحالَةِ المُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النّاسِ.كما ذكر ابن عاشور .
( إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )
استثنى الله عزوجل من قوله (إن الإنسان لفي خسر ) إلا من ءامن بالله ورسوله فإنهم ليسوا في خسر ،واشترط عليهم شروطا فقال ( وعملوا الصالحات ) أي : عملوا بالطاعات واجتنبوا المحرمات ،والمراد بالتعريف في قَوْلِهِ (الصّالِحاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وهذا يشمل القيام بجميع الطاعات وترك جميع السيئات .
يتبع ..

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 07:18 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاطمة الزهراء احمد مشاهدة المشاركة
وفائدة عطف التواصي بالحق والتواصي بالصبر على عمل الطاعات مع أنهما منها هو من باب عطف الخاص على العام وذلك للاهتمام به .
وكرر الفعل وحروف الجر في قوله :(وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) لأهمية كل واحد منهما وهذه أعلى الاهتمامات.
وورد في الحَقِّ تأويلان :
الأول : أنه الله تعالى والإيمان به ، رواه الهمداني عن كعب من طريق أبي علي .
الثّانِي: أنه كتاب الله ، قاله قتادة والحسن ، فأما قول قتادة فأخرجه عنه ابن جرير من طريق سعيد ؛وابن جرير من طريق أبي روح السكوني ؛وأما قول الحسن فأخرجه عنه عبد الرزاق من طريق معمر .
والقولان متلازمان ولا تضاد بينهما فالتواصي بالإيمان بالله واتباع ماجاء في كتابه هو غاية ماشرع التواصي لإجله .
وفِي المراد بالصبر قولان :
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ والحسن ،فأما قول قتادة فأخرجه عنه ابن جرير من طريق سعيد ؛ وأما قول الحسن فأخرجه عنه عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر .
الثّانِي:على فرائض الله وحكمه ، أخرجه الهمداني عن كعب من طريق أبي علي .
والقولان يحملان على بعضهما فالصبر على فرائض الله وحكمه داخل في طاعة الله سبحانه . [ ويدخل فيه أيضاً: الصبر عن المعصية والصبر على المصائب؛ لأنّ الصبر ورد عاماً فلا يخصّص بنوع منه]
فبالأمرين الأوَّلين في السورة وهما الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح يكمِّل العبد نفسه ، وبالأمرين الأخيرين بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر يكمِّل غيره ،وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم في الدارين .
هدايات السورة والفوائد السلوكية المستفادة منها :
-الحذر من الوقوع في الهلاك والضلال والخسران وتجنب عقوبة الله تعالى في الدارين .
-النجاة تكون في التمسك بطاعة الله وهديه واتباع أحكامه والبعد عن معاصيه .
-الإكثار من الأعمال الصالحة في السراء والضراء .
-الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكروتحمل الأذى في سبيل تبليغ دعوة الله عزوجل .
-الصبر على مشقة الطاعة واستحضار الثواب على ذلك ؛قال تعالى :( وبشر الصابرين ) .
-الاستعانة على الطاعات بمصاحبة الصالحين ومجالستهم ومناصحتهم .
-كثرة الدعاء بالثبات والتوفيق للطاعات والخيرات .
أ

أحسنت بارك الله فيك.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 07:29 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نورة الأمير مشاهدة المشاركة
رسالة في تفسير سورة العصر ، وهي مكية:


قال تعالى: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿2﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ ﴾



مقدمة فيها وفي فضلها:
ذكر الطبراني عن عبد الله بن حصن [ أبي مدينة ] ، قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر " سورة العصر " إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر .
ولا عجب من فعلهم هذا، وذلك لاشتمال السورة على الأسس والمبادئ السليمة للحياة الكاملة السعيدة، فهذه السورة من أكثر السور شمولا رغم أنها من أقصرهن! وقد قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم.
وبيان ذلك أن المراتب أربع، باستكمالها يحصل للشخص غاية كماله: إحداها: معرفة الحق. الثانية: عمله به. الثالثة: تعليمه من لا يحسنه. الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربع في هذه السورة، كما ذكر ذلك ابن القيم-رحمه الله-.

لذا سنحاول تفكيك هذه السورة وتحليل آياتها ، والنهل من عذب مفرداتها ، لنعرف أسباب النجاح والفلاح، وسبل النجاة من الخسران المذكور فيها، وقانا الله وإياكم خسران الدنيا والآخرة.


(والعصر):
ابتدأت السورة بالقسم الذي يفيد التعظيم ،

وحرف القسم: هو الواو.
والمقسَم به: هو العصر، وهو من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه .
والمراد بالقسم: تأكيد الخبر. كما ذكره ابن عاشور.

أما سبب القسم بالعصر: فذلك مبني على المراد بالعصر، وذلك أن له معانٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية ، لذا سنستعرض الأقوال التي أوردها المفسرون في المراد به ، لنستنتج سبب القسم به.



ذكر المفسرون في المراد بالعصر عدة أقوال:

الأول: أنه الدهر، قال به ابن عباس، وذكره البغوي، ورجحه الطبري وابن كثير والقرطبي ، وهذا القول يدخل تحته كثير من الأقوال الأخرى ، فالقول به أشمل وأكمل ، وذكر في الاحتجاج بهذا القول الرازي عدة وجوه:

أحدها: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم، فإنه مجزأ مقسم بالسنة، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضيا ومستقبلا، فكيف يكون معدوما؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟

وثانيها: أن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله: {وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}.

وثالثها: أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.

ورابعها: أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران، ولذلك قال: {لفي خسر} ،
ومنه قول القائل:

إنا لنفرح بالأيام نقطعها ** وكل يوم مضى نقص من الأجل

فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر.



القول الثاني: وهو قول أبي مسلم والحسن ، وذكره البغوي والرازي : أن المراد بالعصر أحد طرفي النهار، وذكر ابن عاشور: أن أشهر إطلاق لفظ العصر أنه علَم بالغلبة لوقت ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس ، ويعقبه الأصيل والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس ،
قال الحارث بن حِلزة :

آنستْ نبأة وأفزَعها القَنَّـ ... اصُ عَصراً وقَدْ دَنَا الإِمساء

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر .

والسبب في قول القائل أنه المراد بالعصر وجوه ذكرها الرازي:

أحدها: أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسرا فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر.

وثانيها: قال الحسن رحمه الله: إنما أقسم بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة والكسب فيها، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين،[ أين مصدر هذا القول عن الحسن؟ ] فكذا نقول: والعصر أي عصر الدنيا قد دنت القيامة و(أنت) بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غدا عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك فإذن أنت خاسر، ونظيره: {اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون}.

وقال ابن عاشور: أن ذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية ، وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظام لابتدائه وانقطاعه ، وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم ، وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم .

وثالثها: أن هذا الوقت معظم، والدليل عليه قوله عليه السلام: "من حلف بعد العصر كاذبا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة" فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وههنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار، ثم كأنه يقول بعض النهار: باق فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة، وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة من بائع الثلج كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت: هذا معنى: {إن الإنسان لفي خسر} يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذن هو خاسر.



القول الثالث: وهو قول مقاتل ، وذكره البغوي والرازي وابن عاشور : أراد صلاة العصر، وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علَماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العَقَبَة، كما ذكر ذلك ابن عاشور .

وذكر الرازي فيه وجوها:

أحدها: أنه تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله: {حافظوا على صلاة العصر} في مصحف حفصة وقيل في قوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} إنها صلاة العصر.

وثانيها: قوله عليه السلام: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".

وثالثها: أن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشها.

ورابعها: أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة تفخيما لشأنها، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحا، كما قال: {إلا الذين ءامنوا}.


القول الرابع:أنه قسم بعصر محدد من العصور، كقولنا: عصر فلان، أو عصر النهضة. وخصصه الرازي وابن عاشور بأنه قسم بزمان الرسول عليه السلام، فقوله: {والعصر} أي والعصر الذي أنت فيه، والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في ( اليوم ) من قوْلك : فعلت اليوم كذا ، فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله: {وأنت حل بهذا البلد} وبعمره في قوله: {لعمرك} فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف، ثم وجه القسم، كأنه تعالى يقول: أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.

ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه كما أورد ذلك ابن عاشور، فعصر الإسلام هو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله : « مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوماً إلى الليل فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل ، واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا ، واستأجر قوماً أن يعملوا بقيةَ يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فأنتم هُم » . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإِسلام في هذه الآية .

وسبب القَسَم بالعَصر بناء على هذا القول: هو أن السورة بينت حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها ، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت ، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإِسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم ، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإِسلام من الشرك أو بدين جاء الإِسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } في سورة آل عمران ( 85 ) .



القول الخامس: ذكره البغوي: قيل معناه ورب العصر . 



( إن الإنسان لفي خسر )



المسألة الأولى: الألف واللام في الإنسان، هل هي للجنس أم للمعهود السابق؟ وبناء على هذا فإن المفسرين ذكروا في المراد به عدة أقوال:


القول الأول: أن المراد منه جنس الإنسان وهو كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان. ذكره الرازي

وقال ابن عاشور: تعريف الإنسان تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإِنساني الموجودين في زمن نزول الآية وهو زمن ظهور الإِسلام ، ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها ، ولما استُثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققاً في غير المؤمنين كما سيأتي ..
ونظير هذا قوله : (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) .

وسبب الحكم على الإنسان بالخسر: ذلك أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال، ورأس ماله هو عمره، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران. 

واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة، وتقريره أن سعادة الإنسان في حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، ثم إن الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرها، وهي الحواس الخمس والشهوة والغضب، فلهذا السبب صار أكثر الخلق مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في الخسران والبوار.

-مسألة: إن قيل: أنه تعالى قال في سورة التين: {لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين} فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال والانتهاء إلى النقصان، وههنا يدل على أن الابتداء من النقصان والانتهاء إلى الكمال، فكيف وجه الجمع؟
الجواب: أن المذكور في سورة التين أحوال البدن، وههنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين. ذكر ذلك الرازي.


القول الثاني: المراد به الكافر . ذكره البغوي وابن عاشور .


القول الثالث: المراد منه شخص معين، قال ابن عباس: يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب.
وقال مقاتل: نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع إنه أبو جهل، وروي أن هؤلاء كانوا يقولون: إن محمدا لفي خسر، فأقسم تعالى أن الأمر بالضد مما توهمون. ذكره الرازي



والصواب أن لا تعارض بين الأقوال ، بل إن القول الأول أعم ويدخل فيه القول الثاني والثالث ، فجنس الإنسان خاسر ، ما لم يكن من المؤمنين ، فبالتالي يخرج الكافرون من ذلك ويندرجون تحت قسم الخاسرين ، ويندرج تحت قسم الكافرين ما ذكر من رؤوس المشركين كأبي لهب والعاص بن وائل وغيرهم.

المسألة الثانية: المراد بالخسر:

الخُسر : مصدر وهو ضد الربح في التجارة ، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب .

-الظرفية في قوله : (لفي خسر) مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر .

ما الذي يفيده تنكير مفردة { خسر }؟
1- يجوز أن يكون للتنويع.
2- ويجوز أن يكون للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم ، والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم .
ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرف التوكيد في جوابه ، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس . ذكره ابن عاشور



واعلم أن الله تعالى قرن بهذه الآية قرائن تدل على مبالغته تعالى في بيان كون الإنسان في خسر،
أحدها: قوله: {لفي خسر} يفيد أنه كالمغمور في الخسران، وأنه أحاط به من كل جانب .

وثانيها: كلمة إن، فإنها للتأكيد.

وثالثها: حرف اللام في لفي خسر،
وههنا احتمالان: 
الأول: في قوله تعالى: {لفي خسر} أي في طريق الخسر، وهذا كقوله في أكل أموال اليتامى: {إنما يأكلون فى بطونهم نارا} لما كانت عاقبته النار.

الاحتمال الثاني: أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال، ورأس ماله هو عمره، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران. ذكره الرازي

-تفاوت الخسر:
هذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإِيمان بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكونُ مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها، وما حدده الإِسلام لذلك من مراتب الأعمال وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحشَ وهو ما فسر به قوله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ] .


-مسألة: هل الخسر مرتبط بالخسار الدنيوي ؟ وهل نجاح الناس في الدنيا وخسارتهم مرتبطة بالمعنى المذكور في الآية؟
الصواب أن المراد بهذا الخبر الخسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا ، قال تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [ آل عمران : 196 ، 197 ] .



( إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ)


انقسام الناس إلى فريقين بناء على ما تقتضيه الآيات:

1- فريق يلحقه الخسران، وهو جنس الإنسان الذي لم يقم بما أمره الله به.
2- فريق لا يلحقه شيء من الخسران، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .


-المراد بـ(ال) التعريف في (الصالحات):
ال التعريف في قوله: (الصالحات) هي (ال) تعريف الجنس المراد به الاستغراق؛ أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين. وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات. ذكره ابن عاشور.



معنى ( تواصوا ):
أوصى بعضهم بعضا، ذكره البغوي.


والمراد ( بالحق ):

قيل: بالقرآن ، قاله الحسن وقتادة وذكره البغوي.

وقال مقاتل : بالإيمان والتوحيد . ذكره البغوي

والصواب أن مفردة الحق تشمل هذا كله ، فالقرآن حق والإيمان حق والتوحيد حق.



( وتواصوا بالصبر )

معنى الصبر:
منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله ( إن كان صعبَ الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوْف ضر ينْشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور ) أو لرغبة في حصول نفع منه ( كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك ). ذكره ابن عاشور.


أنواع الصبر:

1- الصبر على أداء الطاعات والفرائض وإقامة أمر الله . ذكره البغوي وأشار إليه ابن عاشور.
2-الصبر على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. ذكره ابن كثير ، وذكر ابن عاشور مثالا على ذلك: وذلك أن المسلم إذا أمَرَ بالمعروف فإنه يلاقي امتعاض بعض المأمورين به كمن يقول لآمره : هَلاّ نظرت في أمر نفسك ، أو نحو ذلك .

ولعل هذا هو سبب ذكر التواصي بالصبر بعد ذكر التواصي بالحق ، وذلك أن التواصي بالحق يحتاج صاحبه إلى مزية الصبر.

3- الصبر عن فعل المعاصي ومنع النفس عن الشهوات والشبهات. أشار إليه ابن عاشور

وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها .

والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها ، كما قال عمرو بن العاص:


إذا المرءُ لم يَترُكْ طعاماً يُحبُّه


ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيثُ يمَّما ...


فيوشِك أن تُلفَى له الدَّهرَ سُبّةٌ


إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تَمْلأ الفَمَا ...


وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه ، وفي الحديث : " حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفّت النار بالشهوات " . وعن علي بن أبي طالب : «الصبر مطية لا تكبو» .



-سبب عطف التواصي بالحق والصبر على عمل الصالحات رغم أنه من عمل الصالحات:
هذا من عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه ، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر .


-وسبب عطف التواصي بالصبر على التواصي بالحق:
-أن هذا من عطف الخاص على العام.
- أن التواصي بالحق يحتاج فيه إلى التوصية بالصبر، لأن الصبر تحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق .


-شمولية إقامة المصالح الدينية في الآية:

فقد اشتمل قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } على إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر .


-استنباطات لطيفة في ظلال الاستثناء المذكور في الآية:
- أن الاستثناء فيه تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.
- أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد. ذكره الرازي.



-مسألة: في جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر السبب وفي جانب الربح ذكر السبب، وهو الإيمان والعمل الصالح، ولم يذكر الحكم فما الفرق؟

-أنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر كما يحصل بالفعل، وهو الإقدام على المعصية يحصل بالترك،وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل.
- وفيه وجه آخر، وهو أنه تعالى في جانب الخسر أبهم ولم يفصل، وفي جانب الربح فصل وبين، وهذا هو اللائق بالكرم. ذكره الرازي.



-فائدة في ظلال قوله تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}:
قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بين في أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح خرجوا عن أن يكونوا في خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث أنهم تمسكوا بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضا سببا لطاعات الغير كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين وعلى هذا الوجه قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} فالتواصي بالحق يدخل فيه سائر الدين من علم وعمل، والتواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب، وفي اجتنابهم ما يحرم إذ الإقدام على المكروه، والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد.

-عظم أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي على ذلك:

وذلك أن الآية فيها وعيد شديد، فقد حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف والثاني النهي عن المنكر، ومنه قوله: {وانه عن المنكر واصبر} وقال عمر: رحم الله من أهدى إلى عيوبي. ذكره الرازي

- دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي. ذكره الرازي

-كمال دين المرء ، وكمال مجتمعه بتحصيل الأمور الأربعة المذكورة في الآية:

(إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم. أورده السعدي.



رزقنا الله النجاة من الخسران ، والارتقاء لمرتبة المؤمنين العاملين بالصالحات ، المتواصين بالحق الصابرين عليه ، والحمدلله رب العالمين..

المراجع:

- تفسير البغوي.

-التفسير الكبير للرازي.

- تفسير القرطبي.

- تفسير الطبري.

-التحرير والتنوير لابن عاشور.

- في ظلال القرآن لسيد قطب.
-تفسير السعدي.
أ

أحسنت بارك الله فيك

واعتني بأمر نسبة الأقوال، وتخريج الآثار.


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 09:10 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صفية الشقيفي مشاهدة المشاركة
رسالة في تفسير سورة العصر

بسم الله والصلاة والسلام على خير خلق الله ومعلم الناس الهدى، محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فهذه رسالة في تفسير سورة العصر، أسأل الله فيها التوفيق والسداد، فما كان من حقٍ فيما ذكرت فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان.

نزلت سورة العصر في مكة حيث عناد المشركين وتجبرهم واستضعافهم جماعة المؤمنين، وحيث حاجة المؤمنين للثبات والصبر أمام فتنة المشركين وتربصهم بهم.
فنزلت على صفة القرآن المكي، وجيزة الألفاظ وافرة المعاني، قوية الأسلوب شديدة الخطاب، فارقة بين أهل الحق وأهل الباطل، بين الخاسرين والفائزين، جمعت بين معاني الترغيب والترهيب، إذ بين الله فيها للإنسان منهجًا باتباعه نجاته وبمخالفته هلاكه، لذا قال عنها الشافعي -رحمه الله-:
" لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" (1)
والقول بمكية السورة رواه ابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور للسيوطي، وعليه جمهور المفسرين.
وكان من هدي الصحابة رضوان الله عليهم أن يقرؤوها عند الفراق تذكيرًا بما فيها من المعاني.
عن أبي مدينة الدارمي - رضي الله عنه- قال: " كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا، وأرادا أن يتفرقا، قرأ أحدهم سورة: والعصر إن الإنسان لفي خسر، ثم سلم أحدهما على الآخر أو على صاحبه ثم تفرقا ". رواه أبو داوود في الزهد والطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني.
ولا يتصور أن يلتزم الصحابة أمرًا ولا يكون لهم في ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم
فحري بنا أن نتوقف طويلا أمام معانيها
لعلنا نهتدي بهديها ونستن بسنة خير القرون؛ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم
ونتواصى بها دبر كل مجلس!
ولأن موضوع هذه السورة هو الإنسان، وما يكون به نجاته من الخسران، جاءت الآيات مؤكدة بالقسم، تحقيقًا للخبر، وتأكيدًا للحجة على الناس، كافرهم ومؤمنهم
فأقسم الله عز وجل بالعصر، والله عز وجل يقسم بما شاء، وليس لأحد من خلقه القسم إلا به سبحانه
لأن القسم فيه نوع تعظيم للمقسم به ولا يحل لأحد تعظيم مخلوق فوق الله تعالى، والله عز وجل فوق كل شيء وقسمه بالمخلوق دليل عليه، إذ لا يُتصور وجود مخلوق بدون خالق، ومصنوع بدون صانع !
وفي قسمه سبحانه بالمخلوق تشريفٌ لهذا المخلوق.

و كلمة العصر من المشترك اللفظي في اللغة، والمشترك اللفظي هو اللفظ الذي يستخدم لعدة معان، فتأتي كلمة العصر لغة على عدة معان، منها:
الأول: الدهر: ويشهد له قول امرؤ القيس:
(ألا انعَمْ صباحاً أيُها الطلل البالي ... وهل ينعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخالي) (2)
العُصُر تثقيل عصر.

الثاني: العشي، وهو آخر ساعة من النهار،
قال الحارث بن حلزة :
(أنَسَتْ نبأةً وأَفْزَعَها القَنْنَاصُ ... عَصْراً وقد دنا الإِمساءُ) (3)
ويقال العصران الليل والنهار قال حميد بن ثور :
ولا يَلْبِثُ العَصْرَانِ يوماً وليلةً ... إذا اختلفا أن يدركا ما تيمّما
(4)

الثالث: مصدر (عَصَرَ) ومنه عصر العنب، قاله ابن السِّكيت. (5)

ولهذا اختلف السلف وأهل اللغة في تعيين المراد بكلمة العصر في الآية على أقوال:
القول الأول: الدهر، وهو قول الفراء وابن قتيبة وأبي بكر ابن الأنباري وأبي منصور الأزهري ومكي بن أبي طالب، وهو اختيار ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن.
ويشهد له ما روي عن عن عليٍّ رضي اللّه عنه، أنه كانَ يَقْرَأُ: (وَالْعَصْرِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَإِنَّهُ َ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ). رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائله وابن جرير في تفسيره والحاكم في مستدركه، وصححه ووافقه الذهبي.
وتحمل هذه القراءة على ما نُسخ من الأحرف السبعة بالجمع العثماني [ الصواب أن يقال: ما تركت القراءة به، لأن النسخ لا يكون إلا بالنصّ، وما تركت القراءة به قد يكون منسوخ التلاوة وقد لا يكون منسوخاً، ولو ذكرت إسناد القراءة لكان أجود، وتصحيح الحاكم فيه تساهل، وهذه القراءة لا تصحّ عن عليّ، تفرّد بها عمر ذو مرّ، وهو كوفيّ، قال فيه البخاري: لا يُعرف، وقال ابن حبان: في حديثه مناكير]، ويستفاد منها في التفسير.
ويلحق بهذا القول تخصيص الزمان بعصر النبي صلى الله عليه وسلم، تنبيهًا على فضله وشرفه وإنذارًا للمشركين المعرضين، وتثبيتًا للمؤمنين. ذكر هذا القول فخر الدين الرازي وابن عادل والألوسي وابن عاشور.

القول الثاني: العشي وهو قول الحسن، ورواية عن ابن عباس.
قول الحسن رواه عبد الرزاق وابن جرير. [ مثلك ينبغي أن يذكر مخرج الأثر]
رواية ابن عباس رواه ابن المنذر كما في الدر المنثور.
ويلحق بهذا القول رواية عن ابن عباس وقتادة (ساعة من ساعات النهار)
قول ابن عباس رواه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه
قول قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره.

ويلحق به أيضأ القول بأن المراد بالعصر: صلاة العصر، وهو قول مقاتل، قاله في تفسيره، وقدمه الزمخشري وتبعه النسفي، وذكره ابن جزي الكلبي احتمالا وغيرهم.
وتوجيه هذا القول أن صلاة العصر هي الصلاة المخصوصة بوقت العشي، وأن التعريف في (العصر) للعهد، وقد اشتُهِر إطلاق (العصر) على هذه الصلاة.
وأقسم الله عز وجل بها لشرفها وفضلها
ومنها أنها الصلاة الوسطى التي أوصى الله بها، قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}
عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : (ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس). صحيح البخاري.
وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)
وقال صلى الله عليه وسلم: (من فاتته صلاة العصر فقد وتر ماله وأهله) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد.
وأشار أبو بكر البقاعي إلى مناسبة أخرى بين القسم بزمان ساعة العشي والمقسم به فقال:
({والعصر *} أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم)
يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وخلق الله آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة) رواه مسلم.

الدراسة والترجيح:
كلمة العصر من المشترك اللفظي الذي يحتمل عدة معان، واستعمال كلمة العصر بمعنى الدهر أو العشي معروفٌ في لغة العرب كما سبق بيانه،
وقد جمع قطرب بين المعنيين وذكر احتمال الآية لكليهما قال: (وقالوا: العَصْرُ العَشِيُّ. يُقالُ: أَتَيْتُكَ عَصْراً أَيْ عَشِيّاً.
وقولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {والعَصْرِ إنَّ الإنسانَ لفي خُسْرٍ} يكونُ على ذلكَ وعلى الدَّهْرِ. يُقالُ: مَضَى عَصْرٌ من الدهرِ وعُصْرٌ)
(6)
وتخصيص بعض الأحوال التي تتأتى على معنى أي منهما لا يعني انتفاء احتمال الآية للمعنى الأعم بل فيه زيادة تأكيد على فضل المخصوص وشرفه
وفي الجمع بين الأقوال مزيد فائدة - والله أعلم -، ففيه إشارة إلى أن الزمان وإن قصر في ساعة من نهار أو يوم وليلة، أو طال في معنى (الدهر) لا يصلح إلا بتعميره باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك صلاة العصر، وفي هذا تقدمة لما دلّ عليه جواب القسم في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
والله أعلم.
{إن الإنسان لفي خسر}
وجاء جوابُ القسم مؤكدًا بإنّ ولام التوكيد {لفي} زيادةً في التأكيد على تحقيق الخبر وكمال الحجة على المخاطبين، خاصةً من أنكر منهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكذّب بالقرآن.
{الإنسان}
مفردٌ أُريد به الجمع، أي (الناس كلهم)، وذلك لدلالة التعريف فيه بـأل على الاستغراق، وهو قول محمد بن كعب القرظي وأبو عبيدة والمبرد وابن جرير الطبري والزجاج وابن الأنباري والنحاس والزمخشري والبيضاوي وغيرهم.
قال محمد بن كعب القرظي: ({إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم). رواه عبد الرزاق، ورواه ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور للسيوطي.
وقال مكي بن أبي طالب في العمدة في غريب القرآن: (الناس إلا النبيين).
وقال الواحدي في الوجيز: الكافر العامل لغير طاعة الله.
وخصصه بأبي جهل، ونسب هذا القول لابن عباس.رواه ابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور.
بينما خصصه ابن عادل بالوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث، وعزاه إلى رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم أجده بهذا اللفظ في مصدر مسند ورواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، على العموم.

والراجح دلالة {الإنسان} على عموم الناس، بدليل الاستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
ولا حاجة لاستثناء النبيين لأنهم داخلون في المستثنى بتحقيقهم الوصف المذكور في قول الله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
وأما تخصيص الإنسان بالكافر، أو بكافر معين، وحمل الاستثناء مع ذلك على الانقطاع، فلا دليل صحيح عليه ومخالف لما عليه جمهور المفسرين وأهل اللغة.
والكافر داخل في عموم الآية، ويتحقق فيه معنى الخسارة الكاملة على ما سيأتي بيانه بإذن الله
{لفي خسر}
والخسر في اللغة هو النقصان، قاله الخليل ابن أحمد وأبو عبيدة وابن قتيبة وأبو منصور الأزهري وأحد قولي مكي بن أبي طالب.
وقيل الهلاك، وهو قول آخر لمكي بن أبي طالب، ونسبه الماوردي للسدي ولم أجده في مصدر مسند.
وجمع بين القولين ابن كثير، ومن لازم حصول النقص حصول الهلاك.

ثم اختُلف في المراد بالنقصان الذي يحصل لعموم الناس على أقوال:
القول الأول: أن الإنسان لا يزال يُنقص من عمره في الدنيا حتى يرد إلى الهرم والضعف فيضعف عن الطاعات، فمن تحقق فيه وصف المستنثى، أجرى الله له أجره على ما كان يعمل ولم ينقصه شيئا، وهو مروي عن إبراهيم النخعي، وقال به أبو عبيدة معمر بن المثنى في تأويل مشكل القرآن.
- رواية إبراهيم النخعي: رواها عبد بن حميد كما في الدر المنثور للسيوطي -
وهذا بمعنى قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون}
واستدل أبو عبيدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«قال الله للكرام الكاتبين: إذا مرض عبدي فاكتبوا له ما كان يعمل في صحته، حتى أقبضه أو أعافيه». صححه الألباني في صحيح الجامع. [ لا ينبغي أن يكتفى بهذا عن تخريج الحديث، وهذه العبارة توهم أنّ الألباني صحح الحديث بهذا اللفظ، وهو لم يقل ذلك، فهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً، والمرسل منقطع، وعبارة الألباني الألباني: ( بإسناد صحيح عنه [أي: عن عطاء] إلا أنه مرسل). والحديث صحيح المعنى لما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا (إذا مرض العبد أو سافر..) الحديث ]

القول الثاني: عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله في الجنة، وهو قول الفراء.
القول الثالث: دخول النار وهو قول أبي جعفر النحاس، وهو من لازم قول الفراء.
القول الرابع: أن لفظ الآية على عمومها وأن الخسر هنا ملازم للناس في حياتهم وحتى مماتهم وما يلقونه من جزاء في الآخرة.
ومعناه أنهم في خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في غير طاعة الله، وهو قول الزجاج و أبي المظفر السمعاني والبغوي وابن الجوزي والبيضاوي وأبي السعود والألوسي وغيرهم
ويشهد له قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (والعصر ونوائب الدهر وإنه فيه إلى آخر الدهر)، وسبق تخريجها.
والتحقيق أن الخسر هو النقصان، ومن النقصان ذهاب رأس المال، ورأس مال الإنسان هو عمره، فإذا ضيّعه فيما لا ينفعه في دنياه وآخرته فقد هلك وخسر دنياه وآخرته
وحقيقة ما ينفع في الدنيا والآخرة هو ما كان في طاعة الله عز وجل ابتغاء مرضاة الله عز وجل
وهو المذكور في وصف المستثنى في قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} على ما سيأتي بيانه بإذن الله
وعلى قدر إتيان الإنسان بهذا الوصف يكون نصيبه من الخسارة والربح
فالكافر يتحقق له الخسار المطلق لأنه لم يحقق وصف الإيمان بداية وأعماله كلها وإن حصل فيها من الصلاح شيء فليست لله عز وجل فتصير يوم القيامة هباء منثورًا كما قال تعالى: {وقدِمنا إلى ما عمِلوا من عملٍ فجعلناهُ هباء منثورًا}
وأما المؤمنون، فهم على درجات، فكلما كان نصيب المؤمن أوفر من وصف من استثناهم الله من الخسار {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} كلما كان أكثر ربحًا وعن الخسارة أبعد
ومن أنفق عمره في طاعة الله، ثم عرض له في آخره ضعف وعجز كان من فضل الله عليه أن يُجري له أجر ما كان يعمل، فلا ينقطع أجره.
وبهذا يتبين وجه الجمع بين الأقوال السابقة وتلازمها، فمن أنفق عمره في معصية الله، لن يجد حال عجزه عن الطاعات في مرضه أو عجزه أجرًا إلا على ما قدّم من عمل صالح، فخسِر أولا بتضييع عمره فيما يضره من معصية الله، وخسِر آخرًا أجر المؤمنين على ما قدموا من أعمال صالحة حال عافيتهم فأجرى الله لهم الأجر – من غير عمل – حال عجزهم، وخسر في الآخرة بما يلقاه من عقوبة على ذنوبه، وخسارة لمنزلته في الجنة، فإذا لم يغفر الله له، عُذّب بمقدار ذنوبه في النار ثم يدخل الجنة بإذن الله عز وجل، تحقيقًا لوعد الله عز وجل بأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان
قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}
وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) رواه مسلم في صحيحه.


وقال الله عز وجل {لفي خسر} بدلا من استخدام صيغة الفاعل مثل (لخاسر) لدلالة في الظرفية – والله أعلم - على إحاطة الخسر به من كل جانب، وبيان ذلك أن الإنسان لا ينفك عن الخسارة، فأوقاته ما بين معصية، وتحقق الخسارة معها واضح، أو مباحات لا ثواب عليها، وما يأتي به من الطاعات فكان من الممكن أن يأتي بها على وجه أكمل بتحقيق الإحسان فيها، وتركه للمرتبة الأعلى فيه نوع خسران، وإن حقق الإحسان في بعض المواضع ربما فاته مواضع أخرى
والمقصود أن على الإنسان الاجتهاد في تحصيل أعلى المراتب والنجاة من الخسران، والله المقصود أن يغفر له تقصيره
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُنَجِّيَ أحَدًا مِنكُم عَمَلُهُ قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ برَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا..) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
والمقصود من هذه الأحاديث أن التوفيق إلى الهداية والعمل الصالح، ودخول الجنة لا يكون إلا برحمة من الله عز وجل، فالمطلوب من الإنسان أن يجتهد ويسدد ويقارب ليحقق ذلك.
وليس معنى هذه الأحاديث أن يترك الإنسان العمل، بل معناها أن عمل الإنسان مهما عظم فهو لا يساوي نعيم الجنة الذي سيلقاه في الآخرة ولولا رحمة من الله تناله لما وصل إليه - والله أعلم -.
ومما سبق يتبين لنا دلالة تنكير كلمة (خسر) على التنويع، لبيان أنواع الخسر، كما دلت على التهويل والتعظيم بمجيئها في سياق القسم
ويتبين لنا أيضًا فائدة تأكيد خبر إنّ باللام {لفي خسر} للتهويل، والإنذار بالحالة العامة المحيطة بالناس، قاله ابن عاشور.


ثم استثنى الله عز وجل من عموم الناس {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
وجاء المستثنى منه مخبرًا عنه بذكر الجزاء وهو الخسارة {إن الإنسان لفي خسر}، بينما جاء المستثنى ببيان وصف أفعالهم
وفي هذا نوع احتباك، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ليسوا بخاسرين، بل رابحين.
والخاسرون فرطوا في هذا الوصف إما بصورة مطلقة في الكافرين، وإما بوجه دون وجه وهذا في عموم المؤمنين
ومن أكمل الأمور الأربعة سلم من الخسار وفاز بالربح
والدليل على أنه يشترط تكميل الأمور الأربعة للنجاة من الخسران ما رواه عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: في قوله تعالى: ({والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى:{إن الإنسان لفي خسر} قال الناس كلهم ثم استثنى فقال: {إلا الذين آمنوا} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وعملوا الصالحات} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالحق} ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: {وتواصوا بالصبر} شروطا يشترط عليهم).
والعطف في هذه الآية من باب عطف الخاص على العام، فالعمل الصالح داخل في معنى الإيمان المذكور في قوله {الذين آمنوا}، والتواصي بالحق من العمل الصالح، والتواصي بالصبر من الحق الذي أمر الله بالتواصي به
وفائدة عطف الخاص على العام التنبيه عليه والتأكيد على دخوله في الأمر
وإذا اعتبرنا أن العطف في الآية دالٌ على المغايرة فلابد من التأكيد على أن كل صفة تأتي على وصفها الكامل
فالإيمان ها هنا يقصد به تصديق الله عز وجل والإقرار بطاعته قولا وعملا واعتقادًا،
والعمل الصالح كل ما أمر الله به من الطاعات الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة؛ ما كان منها في حق الله عز وجل، وما كان في حق عباده، ويدخل فيه ترك السيئات
والتواصي بالحق وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيدخل فيه التواصي بكتاب الله، كما رواه عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن، ورواه كذلك ابن جرير عن قتادة
والتواصي بالصبر المقصود به التواصي بالصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات والصبر على أقدار الله المؤلمة
ومن ذلك أيضًا الصبر على ما يلقاه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من الأذى في سبيل الله
فإذا تبين ذلك، فلا يصح قول من قال أن العطف بين الإيمان والعمل الصالح دالٌ على أن العمل غير داخل في مسمى الإيمان، فإن ذلك ثابتٌ بدليل الكتاب والسنة، - منها على سبيل المثال –
تعليق بعض الأعمال في كتاب الله عز وجل على شرط الإيمان مثل قوله تعالى:
{اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (سورة البقرة: 278)
وقوله تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (سورة الأنفال: 1)
ويدل عليه أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم.
فجمع بين القول والعمل
بل استدل بآية سورة العصر الآجري في الشريعة على أن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح
وعلى ذلك عامة أهل السنة ولله الحمد.
وبتحقيق الإيمان والعمل الصالح يكمل الإنسان نفسه، إلا أن الإسلام لم يكتفِ بصلاح الإنسان لنفسه، بل لابد وأن يكون مُصلحًا فيما حوله؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات المسلم، كل بحسب ما يستطيعه، إما بيده أو بلسانه شرط ألا يؤدي ذلك إلا حصول منكر أعظم، فإن كان الأمر كذلك فوجب الإنكار بالقلب وهو واجبٌ على كل مسلم وهو أضعف الإيمان
كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من رَأى مُنكَرًا، فإنِ استَطاعَ أنْ يُغيِّرَه بيَدِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فبِلِسانِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فبِقَلْبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ) أخرجه مسلم ، وأبو داود، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه، وأحمد واللفظ له.
وذلك لأن المؤمن يعرض له من العوارض ما يضعفه، ويثبطه عن الإيمان والعمل الصالح
فلكل إنسان أعداؤه المتربصون به من النفس الأمارة بالسوء وشياطين الإنس والجن يزينون له الباطل بل ويلبسونه ثوب الحق، أو يصدونه عن الحق ويؤذونه بكل كبير وصغير ليرجع عنه
فإذا لم يكن في الجماعة المؤمنة تواص بالحق وتذكيرًا به وتواص بالصبر على طاعة الله وعلى الأذى في سبيل الله، فقد سلم بعضهم بعضًا لأعدائهم!
ولفظ التواصي على صيغة التفاعل التي تفيد وقوع الفعل من الطرفين، دلالة على حاجة كل إنسان للآخر لتحقيق هذا الأمر !!
ويشبه هذا المعنى قول الله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
وبتحقيق التواصي بالحق والتواصي بالصبر يكمل الإنسان غيره، ويجد في الجماعة المؤمنة من يكمله
وبهذا يتبين لنا المنهج الذي بينه الله لنا في هذه السورة، والذي به يتحقق الربح والنجاة من الخسارة
والمتأمل لهذه الأمور الأربعة ولواقع الأمة حاليًا ومدى تقصيرها في تحقيق هذه الأمور علِم من أين حصل لنا الخسار، وبعد عنا الربح
ولا نجاة حقيقة إلا باتباع ما أمر الله به
كما قال تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}
ويتبين لنا كذلك سبب حرص الصحابة رضوان الله عليهم على قراءة هذه السورة عند التفرق من كل مجلس
فاللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وانفع بنا
والله المستعان وعليه التكلان ولاحول ولا قوة إلا به.
_____________________________________________________
(1) الكتاب: تفسير الإمام الشافعي، الجزء الثالث، صفحة 1461.
(2) الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر ابن الأنباري، الجزء الثاني، صفحة 171.
(3) الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر ابن الأنباري، الجزء الثاني، صفحة 170.
(4) العين للخليل بن أحمد، الجزء الأول، صفحة .293
(5) إصلاح المنطق لابن السكيت، صفحة 38.
(6) الأزمنة وتلبية الجاهلية، صفحة 58.
أ+

أحسنت وأجدت بارك الله فيك ونفع بك.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 09:22 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فداء حسين مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
اللهم علمنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.

ملاحظة: الهدايات والفوائد مبثوثة في جمل التفسير ولم أضعها في مسائل مستقلة.
تفسير سورة العصر:

اسم السورة:
سورة العصر, أو (والعصر) بإثبات الواو كما جاء في مجاز القرآان لأبي عبيدة, وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني, والبخاري وغيرهم على حكاية أوّل كلمة فيها، أي: سورة هذه الكلمة.
ما جاء في فضلها:
ذكر الطبراني في المعجم الأوسط من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن ، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر "سورة العصر" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
ورواه البيهقي في شعب الإيمان.

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره بأن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب , وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال(٢) لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفز نقز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب(.
قال ابن كثير بعدها: (وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف ب " مساوي الأخلاق " ، في الجزء الثاني منه ، شيئا من هذا أو قريبا منه .).

عدد آياتها:
عدد آيات سورة العصر ثلاث آيات, وهذا مجمع عليه, واختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية:
هي مكّيّة؛ قاله ابن عباس وابن الزبير.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: (مكية، وهذا على قول الجمهور).
وقاله الزجاج, وابن حزم, والثعلبي, والواحدي, والداني, وابن عطية وغيرهم,
وقال الشوكاني: (وهي مكّيّةٌ في قول الجمهور).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاسٍ قال: (نزلت سورة العصر بمكّة).

وذهب مجاهد وقتادة ومقاتل بأن السورة مدنية.

والصواب ما ذهب إليه الجمهور.

قوله تعالى: (والعصر):
بدأت السورة بالقسم, قال تعالى: (والعصر), أقسم الله تعالى بالعصر, والله سبحانه يقسم بما شاء, وليس للعباد أن يقسموا إلا به تعالى وتقدس.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (فإن الله يُقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته،فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وحكمته، وعظمته، وعزَّته، فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نُقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يُقسم بشيء من المخلوقات).

وقسم الله سبحانه بشيء تنبيه على أهميته ومكانته, ووقوع القسم به من خالقه؛ دعوة إلى التفكر فيه وتدبر حاله.

في معنى العصر:
جاء في مقاييس اللغة لابن فارس:
عصر:
العين والصاد والراء أصولٌ ثلاثة صحيحة: فالأوَّل دهرٌ وحين، والثاني ضَغْط شيء حتَّى يتحلَّب، والثالث تَعَلُّقٌ بشيءٍ وامتساكٌ به.فالأوَّل العَصْر، وهو الدَّهر. قال الله:{ وَالعَصْرِ. إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

المراد بالعصر:
تنوعت عبارات المفسرين من السلف في بيان المراد من (العصر), لكن يجمعها قول واحد وهو أن المراد به الدهر أو الزمان, وندكر هنا بعضا مما ورد من أقوالهم:
القول الأول: هو ساعة من ساعات النهار, قاله ابن عباس, رواه الطبري عن علي عن أبي صالح عن معاوية، عن علي عنه.
وقاله قتادة, رواه عنه معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني.

وجاء تحديد هذه الساعة بالعشي, ورد ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي:
أخْرَجَه ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ, قال في قوله تعالى:﴿والعَصْرِ﴾: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ. ذكره السيوطي قي الدر المنثور.
وقاله الحسن من طريق معمر, رواه عبدالرزاق الصنعاني والطبري في تفسيره.

وقال مقاتل: عصر النهار وهو آخر ساعة في النهار¸ رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.

توجيه القول:
يطلق العصر على النهار, ويطلق على العشي كما قال قطرب : وقالوا: العصر العشيّ. يقال: أتيتك عصراً أي عشيّاً.
وقول الله عزّ وجلّ:{والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ} يكون على ذلك وعلى الدّهر. يقال: مضى عصرٌ من الدهر وعصرٌ.
قال الأَزهري: يَقَع العشيُّ على ما بَيْنَ زَوالِ الشمْسِ إلى وَقْت غُروبها، كل ذلك عَشِيٌّ، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ فهو العِشاءُ.
وقال الفراهيدي في كتاب العين: (العشي، آخر النهار، فإذا قلت: عشية فهي ليوم واحد، تقول: لقيته عشية يوم كذا، وعشية من العشيات، وإذا صغروا العشي قالوا: عشيشيان، وذلك عند الشفى وهو آخر ساعة من النهار عند مغيربان الشمس.)

قال ابي بن كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: « (أقسم ربكم بآخر النهار). ذكره القرطبي وابن عطية بلا سند ولم يذكر تخريجه.

وقد جاء في نصوص الشرع مزيد عناية بوقت العصر, ففيه ختام أعمال اليوم, والأعمال بخواتيمها, وفيه اجتماع الملائكة كما جاء في الحديث من قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة عنه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر...) الحديث.
لذلك غلظت اليمين في هذا الوقت كما جاء في الحديث المتفق عليه, الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ ولا ينظرُ إليهم ولهم عذابٌ أليمٌ :...) وذكر منهم: ( ورجلٌ حلف على يمينٍ بعدَ صلاةِ العصرِ لقد أُعطَى بسلعَتِه أكثرَ مما أَعْطى ) الحديث.
وفسر الكثير من أهل العلم الصلاة في قوله تعالى: { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} بأنها صلاة العصر لعظم هذا الوقت عند أهل الإسلام وعند غيرهم.
قال الطبري بعد أن رجح القول بأن الصلاة المقصودة هي صلاة العصر: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة "، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت, وذلك لقربه من غروب الشمس).

القول الثاني: صلاة العصر, قاله مقاتل ولفظه: ( أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى), ذكره البغوي وابن الجوزي. (ولم أجده في التفسير المنسوب إلى مقاتل في تفسيره لسورة العصر).
قال الخليل: (قالوا: وبه سمِّيت صَلاةُ العصر، لأنَّها تُعْصَر، أي تؤخَّر عن الظُّهر).

توجيه القول:
هو من باب حمل اللفظ على دلالته الشرعية, كذلك لعظم ما جاء في فضل صلاة العصر, فهي الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى:{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ},
وقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال : قلنا لعبيدة : سل عليا عن الصلاة الوسطى . فسأله فقال : كنا نرى أنها الصبح ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : (شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، صَلَاةِ الْعَصْرِ).
ولِما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: (والصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ).

وهي الصلاة الفضلى, وقد عظمت كما عظم وقتها:
فوقتها وقت اجتماع الملائكة كما ذكرنا في الحديث السابق¸ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التهويل والتحذير من التفريط فيها, كما جاء عن بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» . رواه البخاري.
وصلاة العصر إحدى صلاتي العشي, فقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين...) الحديث.

القول الثالث: قيل: هو قسم بعصر النبي ﷺ، لفضله بتجديد النبوة فيه .ذكره القرطبي, وذكره الرازي, والماوردي وابن عاشور.
قال الفخر الرازي : فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى : {وأنت حل بهذا البلد } وبعمره في قوله: { لعمرك }.
قال ابن عاشور: (ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس)
وقول ابن عاشور أعم من قول الرازي.

توجيه القول:
ساق ابن عاشور الحديث الذي رواه البخاري ليبين وجه قوله بأن العصر هو عصر الأمة الإسلامية, فقد قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ له عَمَلًا إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إلى نِصْفِ النَّهَارِ فَقالوا: لا حَاجَةَ لَنَا إلى أجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِكُمْ ولَكُمُ الذي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا، حتَّى إذَا كانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ قالوا: لكَ ما عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِهِمْ حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ).

القول الرابع : العصر هو الدهر, قاله ابن عباس, وزيد بن أسلم, ويحيى بن زياد الفراء, وعبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري, ومكي بن أبي طالب, ورجحه جمهور المفسرين وهو الراجح, وهو قول عام يجمع حميع ما سبق من الأقوال.
قال ابن عباس: العصر: الدهر.
أخرجه ابن المنذر. ذكره السيوطي.
قال الفراء :ويقال للدهر: العصر. ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا.
قال ابن السكيت: والعَصْر: الدهر .
وتسمية الدهر عصراً أمر معروف في اللغة, قال الخليل: والعَصْران: اللَّيل والنهار.
ولَنْ يلبث العَصْرانِ يومٌ وليلة إذا اختلفا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما
ويوم وليلة بدل من العصران.

لهذا قال ابن كيسان بأن المراد بالعصر الليل والنهار. ذكره البغوي في تفسيره. وقاله العسقلاني.
فالدهر هو تعاقب الليل والنهار, فلا منافاة بين القولين.

وسبب الاختلاف الواقع في تحديد المراد بالعصر هو الاشتراك اللغوي في لفظ العصر، فهو يطلق على عدة معان، وبهذا يرجع الخلاف إلى أكثر من معنى، وكل هذه الأقوال محتملة, لكن القول بأنه الدهر يشمل الأوقات كلها, لذا جاء تعريف (العصر) باللام تعريفا للعهد الذهني، أي: كل عصر.

لذا رجح الطبري -رحمه الله تعالى-وغبره من المفسرين عموم لفظ العصر لجميع الأوقات فقال: (والصوابُ من القولِ فِي ذلك: أنْ يُقالَ: إنَّ ربَّنا أقسمَ بالعصرِ {وَالْعَصْرِ} اسمٌ للدهرِ، وهو العشيُّ والليلُ والنهارُ، ولم يُخصِّصْ ممَّا شمِلَهُ هذا الاسمُ معنًى دونَ معنًى، فكلُّ ما لزِمَهُ هذا الاسمُ فداخلٌ فيما أقْسَمَ بهِ جلَّ ثناؤُه.(

قال الواحدي:
والعصر بهذه المعاني صحيح في اللغة؛ يقال للدهر: العصر، والعصر، والعصر، أنشد ابن السكيت:
ثم اتقى وأي عصر يتقى ... بعلبة وقلعه المعلق
ويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر.
قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
(فإبداله اليوم، والليلة من "العصران" يدل على أنهما العصران، أنشد ابن السكيت:
وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
قال: العصران: الغداة والعشي
قال الليث: والعصر العشي، وأنشد:
تروح بنا يا عمر ... وقد قصر العصر
قال: وبه سميت صلاة (العصر)
وقال أهل المعاني في "العصر" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذالنهار في التقضي، والليل في المجيء.

وكان عليّ رضى الله عنه يقرأ ذلك: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْر وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
قال عمرو ذي مرّ،: سمعت عليا رضى الله عنه يقرأ هذا الحرف ﴿وَالْعَصْرِ وَنَوَائِب الدَّهْرِ، إنَ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾ .
رواه الطبري من طرق عن عمرو بن ذي مرة.

أقوال أخرى:
وقد جاء عن كعب القرظي التوقف في تعيين المراد بالعصر, فقال: (قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى), رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
ولعله من باب الورع والله أعلم.

وقيل المراد (ورب العصر) , كم في قوله تعالى:{فورب السماء والأرض} ذكره الزجاج ولم يعزوه.
وهذا القول ضعيف, فالأصل عدم الحذف وعدم التقدير.

لماذا أقسم الله بالعصر؟
أولا : أتى هذا القسم الله بالعصر تذكيرا بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، فالزمن محل لوقوع الكثير من الآيات المتغيرة التي تدل من تفكر فيها على وجود خالق ومدبر لها, ففيه تعاقب الليل والنهار بهيئة منتظمة تتحقق فيها مصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام, وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته, وفيه التنبيه والإشارة إلى عظيم خلق الله للشمس, وانتظام حركتها, وما تجلبه من منافع للأرض ومن يعيش عليها بلا استثناء, فلا حياة بدونها, فهي النور الحسي الذي جعل الله المنافع الحسية والبدنية لجميع الكائنات متعلقة به, كما جعل في النور المعنوي؛ نور الوحي, قيام جميع منافع الروح والقلب.
لذا لما حاج إبراهيم قومه وجههم إلى النظر في الآيات المتغيرة كالشمس والقمر, تأتي وتذهب, والقصد بيان وتأكيد أنها مربوبه ومدبرة, كما قال تعالى عنه:{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} الآيات.

ثانيا: كذلك في الإقسام بالعصر التنبيه على أمور عظيمة مباركة؛ مثل الصلاة المخصوصة وهي صلاة العصر, لما جاء من عظيم فضلها حتى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه الذي رواه عنه أبو موسى الأشعري: (عن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صلى البردين دخل الجنة) .
أو التذكير بعصر معين مبارك, على قول من قال بأنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: وقت العصر فيه الإعلام بانتهاء النهار, فهو الوقت الذي ينقطع الناس فيه عادة عن أعمال النهار بما فيها من كد وسعي وجهد وتعب- سواء أعمال الرجال خارج البيت سعيا في طلب الرزق أو طلب العلم, أو أعمال النساء داخل بيوتهن- فيتطلع المرء بعدها إلى الراحة في السكن والمأوى, يتطلع إلى السكينة والطمأنينة بعد يوم طويل شاق.
والإقسام بهذا الوقت-والله أعلم- فيه تنبيه إلى ما يحصل به من انتهاء يوم مر أوشكت صفحاته أن تطوى بما فيها, فلو تفكر الإنسان في هذا الأمر وهو يرى الشمس قد تغير لونها واصفرت بعد أن كانت بيضاء نقية, كأنها مريض تغير لون وجهه من شدة المرض والتعب, وأصبحت تميل إلى جهة المغرب, كحال المريض المتعب الذي يوشك على السقوط, فيتغير لونها كلما اقتربت من الرحيل, تاركة ألوانا في الأفق يخبو بريقها وشعاعها شيئا فشيئا حتى تنطفئ بالكلية مخلفة وراءها ظلام دامس؛
وهذا يذكر العبد بأن ما وهبه الله له من وقت في هذه الحياة لا بد أن ينتهي وتطوى صفحاته بما احتوته من عمل.

فالإقسام بالعصر فيه التنبيه على الزمان الذي تقع فيه أفعال العباد من خير وشر وغيره, تنبيه للعبد على هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه, لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم-كما عند البخاري-في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ), فحري بالعبد الفطن أن يستغل ما وهبه الله من الوقت, وليعلم بأن ما فات منه لا يمكن استدراكه.

فلو تفكر في هذا لما خلد إلى الراحة والدعة, ولأخذ من الراحة ما يقيمه ويقدره على العمل لله, كما قال تعالى:{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}, وكما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة في الحديث الذي رواه الترمذي, قال عليه الصلاة والسلام: (...وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ).

فالزمان رأس مال الإنسان في هذه الحياة, وهو عمره ; كلفه الله باستغلاله في فترة وجوده في هذه الدنيا، فالدنيا بالنسبة إليه كالسوق الذي يتاجر فيه برأس ماله, فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر, لذا قال تعالى:{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

وقال عليه الصلاة والسلام: (كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها), وهذا فيه تأكيد على أن رأس مال الإنسان عمره .

رابعا: جاء الإقسام بالعصر تأكيدا على عاقبة أعمال العباد وجزائها، فمن خلق الزمان وابتدأ الحياة قادر على أن يعيد الإنسان بعد موته, وقادر على محاسبته على ما وقع منه, لذا أقسم الله في كتابه بهذه الآيات الدالة على كمال قدرته سبحانه : الليل والنهار والشمس والقمر والضحى والصبح, فكل ما له بداية لا بد أن ينتهي ويزول, تذهب الشمس ويأتي القمر, يأتي الليل فيتلاشى النهار, فمن تفكر فيها أيقن بالجزاء, ومن أيقن عمل في أيامه قبل رحيلها, كما قال تعالى :{كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}, فهذا العمل في هذه الساعات هو زاد العبد إلى الآخرة, فلن ينفعه غيره, بل لا قيمة لغيره عند رحيله إلى الحياة الحقيقية.
رابعا: ذكر الرازي وجها آخر فقال: (ويعرض عز وجل لما في الأقسام به من التعظيم بنفي أن يكون له خسران أو دخل فيه كما يزعمه من يضيف الحوادث إليه وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان اشعار بأنه صفة له لا للزمان).

قال القاسمي: (كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضا. فيتوهم الناس أن الوقت مذموم. فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، كما اعتاد الناس أن يقولوا: (زمان مشؤوم)، و: (وقت نحس)، و: (دهر سوء)، وما يشبه ذلك. بل هو عاد للحسنات كما هو عاد للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع. فكيف يذم في ذاته، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة!).

قال الألوسي: (وتعقب بأن استعمال العصر بذلك المعنى غير ظاهر).

جواب القسم:
ولما أقسم سبحانه وتعالى بالعصر؛ جاء جواب القسم بعده مباشرة فقال: (إن الإنسان لفي خسر), والإنسان كما جاء في المصباح المنير :
(" الإِنْسَانُ " مِنَ الناس اسم جِنَسٍ يقع على الذَّكَرِ والأُنثْى والواحد ...).
وقد ورد قولان في المراد بالإنسان هنا, قول عام وقول خاص:

أما القول الخاص:
قال بعض المفسرين بأن المراد ب(الإنسان) الكافر, بدليل استثناء المؤمنين بعد ذلك, قاله البغوي وأضاف: (و"الخسران": ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي، وهما أكبر رأس ماله.), وذكره القرطبي .
وجاء تخصيص هذا القول بالتنصيص على بعض الكفار بعينهم, كما ذكر ذلك القرطبي, فساق حديثا لأبي بن كعب قال فيه: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل...) الحديث
وذكر قول ابن عباس في رواية أبي صالح, وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث.
وقال مقاتل بأن السورة نزلت في أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب, فقال: (يعني أنه في ضلال أبدا حتى يدخل النار). رواه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا في المنسوب إلى مقاتل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}قال: يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ). ذكره السيوطي في الدر المنثور.

أما القول العام: فقد جاء عن أبي بن كعب في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر}, قال: يعني آدم وبنيه.
رواه عبد الرحمن بن حسن الهمذاني عن إبراهيم عن آدم عن أبي داود الواسطي عن أبي علي عنه.
وجاء عنه قوله: (الناس كلهم) رواه عنه عبدالعزيز بن أبي رواد, رواه عبدالرزاق الصنعاني.
وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم, ذكره السيوطي في الدر المنثور.
وقال الزجاج: الإنسان ههنا في معنى الناس، كما تقول: قد كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، تريد قد كثر الدراهم.
وقال مكي: الناس
ورجحه الطبري وابن عطية وابن الجوزي وابن جزي والماوردي وابن القيم وابن كثير والشوكاني وغيرهم.
قال الطبري: (واستثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد).

والصحيح بأن اللفظ عام كما سنبين, قال الطبري رحمه الله تعالى: وقولُهُ: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} يقولُ: إنَّ ابنَ آدمَ لفي هلكةٍ ونقصانٍ.).
أما تخصيصه بالكافر أو بالتنصيص على أبي لهب وأبي جهل؛ فهم أولى الناس بوسمهم بوصف الخسارة المطلقة, فهم أصحاب النصيب الأعظم, ولا يعني هذا تخصيص الخسارة بهم فقط, فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فحجم الخسارة يختلف من شخص لآخر, بل تختلف بين الكفار أنفسهم كما سنبين إن شاء الله.

لذا جاءت كلمة (الإنسان) في الآية مفردة, ومع ذلك فقد أفادت العموم كونها تحلت ب(أل) الاستغراقية, الذي يصير المفرد بسببهما صيغة عموم، قالمراد هنا جنس الإنسان، وعلامة العموم أن تحل كلمة (كُل) محلَّ (أل).
ودل على العموم أيضا قوله تعالى:{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فلفظ الآية يقتضي أنه ليس إنسانا واحدا.
ودل على العموم أيضا الاستثناء بعده, فالاستثناء معيار العموم, فإذا كان اللفظ يصلح للاستثناء منه فإنه عام اللفظ.


قوله تعالى: (لفي خسر):
الخسر لغة هو النقصان؛ قاله ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" وفي "تفسير غريب القرآن" , حيث قال: الخسران: النقصان، وقاله ابن شجرة في: "النكت والعيون"، والثعلبي في "الكشف والبيان".
قال الطبري: (يقول: إن ابن آدم لفي هلَكة ونقصان.)

أما المراد ب(الخسر) فقد ذكر الماوردي فيه أربعة أوجه:
أحدها: لفي هلاك، قاله السدي.
الثاني: لفي شر، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: لفي نقص، قاله ابن شجرة.
الرابع: لفي عقوبة.

ويمكن تقسيم عبارات المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه في تفسير (الإنسان):
فمن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو الكافر؛ قال بأن الخسارة هي العقوبة وهي دخول النار في الآخرة, ومنهم من قال بأن الخسارة هي ما كانوا فيه من ضلال في الدنيا أكبهم الله بسببه في النار في الآخرة.
فيكون معنى الآية: كل كافر لفي ضلال حتى يموت فيه، فيدخل النار, فتكون خسارته في الآخرة.
قال مجاهد: (لفي خسر: يعني لفي ضلال, ثم استثنى فقال: إلا من آمن).
رواه آدم بن أبي إياس في التفسير المنسوب إلى مجاهد

كما قال الفراء: لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله، وماله في الجنة.
وقال مكي بن أبي طالب: (وقيل: الخسر: دخول النار، يعني به الكافر.).
وقال الأخفش : هلكة , وقاله السدي, نسبه إليه الماوردي.

والقول بأن (الخسر) هو الضلال؛ من تفسير المسبب بسببه, فسبب الخسران في الآخرة هو ما وقع فيه العبد من ضلال, كما قال تعالى:{ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال:{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
أما تفسير الخسر بالعقوبة فهو كقوله تعالى:﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾, فالخسران هو نوع العقوبة الواقعة عليهم.

ومن قال بأن المراد ب (الإنسان) في الآية هو جنس الإنسان؛ قال بعموم الخسارة في الدنيا والآخرة.
قال البغوي: (والخسران: ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي؛ وهما أكبر رأس ماله).

ولا تعارض بين القولين, فالقول الأول داخل في عموم القول الثاني¸ والكافر أحق بالخسارة من غيره, لكن القول بعموم الخسارة يناسب سياق الآيات من سورة العصر, وعموم ألفاظها, وسيأتي إن شاء الله الكلام عن درجات الخسارة.

ولفظ (خسر) يشمل جميع ما يتعرض له الإنسان من نقصان وهلكة سواء كان هذا في الدنيا أو في الآخرة:
فالإنسان يتقلب في أطوار, فينقلب من ضعف إلى قوة, ثم يعود من قوة إلى ضعفا وشيبة, كما قال تعالى ذلك عنه:
فتضعف الحواس
وتضعف الذاكرة
وتتناقص أيام عمره
وتتناقص قوته
وهذا يكون حاله في جميع أموره...
وعلى هذا الحال يخسر الكافر الدنيا والآخرة، أما المؤمن وإن كان قد تعرض في دنياه لخسارة القوة البدنية, وما قاساه فيها؛ فهو لا يذكر مقابلة لما سيكون عليه حاله في الآخر.
لذا قال رسول الله ﷺفيما رواه مسلم: ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط).
وقال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). رواه مسلم.
وفي هذا تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.
وفيه الإرشاد على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد.

وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أبلغ من قوله: (إن الإنسان لخاسر)؛ وذلك أنَّ معنى (في) الظرفية، فكأن الإنسان منغمس في الخسر، كإحاطة الظرف بالمظروف, والخسران محيط به من كل جانب, ومثل هذا التعبير يبعث الرعب والهلع في القلوب الحية, لذا تبدأ في البحث عن المخرج, تبدأ في البحث عن أسباب النجاة, فيتصور العبد نفسه كالغريق الذي يصرخ لعل أحدا ينقذه وينتشله من بحر الخسارة, فإذا أصبحت هذه حاله تهيأت نفسه لقبول ما جاء بعدها من أسباب النجاة, فتقع الكلمات على أسماع قد تشوقت لمعرفة ما ينجيها, فألقى صاحبها سمعه وأصغى بآذانه, وتقع كذلك على قلوب قد أزال الخوف من الخسارة ما فيها من عوائق بحثا عن النجاة, فدبت فيها الحياة, فوقع العلاج على محل صالح مستعد لقبوله؛ بعد أن انتفت الموانع وتحققت الشروط.

واختيار لفظ الخسارة من أحسن ما يكون, فهو لفظ يسترعي انتباه السامع, فالإنسان مجبول على محبة الربح والهرب من الخسارة, لذلك خاطب الله تعالى الناس بما يلفت انتباههم, وبما جبلت عليه فطرهم.

وقد جاءت ألفاظ التجارة والخسران والربح والأجر في آيات متعددة في القرآن، لعظيم وقعها على النفس, فالإنسان مجبول على حب ما يلائمه والحرص على تحصيله, وكراهية ما يؤذيه والفرار منه واتخاذ وقاية منه.
لذا نجد بأن الله تعالى قال :{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}
وقال:{ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليمتؤمنون بالله ورسوله}
وقال:{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}
وقال:{ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}

- والتنكير في قوله:(خسر)؛ قيل للتعظيم, أي في خسر عظيم، ويجوز أن يكون للتنويع؛ أي نوع من الخسر غير ما يعرفه الإنسان, فتتعدد أنواع الخسارة بالنسبة إليه, وفي هذا

- وقد تضمنت الآياتان السابقتان حكما ومحكوما عليه ومحكوما به؛ فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإنسان, كل الإنسان من النقصان والخسران, والمحكوم عليه هو الإنسان ابن آدم, والمحكوم به هو الخسران.

- وقد أكد الله جل ثناؤه قوله:(إن الإنسان لفي خسر) بأربعة مؤكدات:
أولها: القسم
ثانيها: (إن)
ثالثها: اللام
رابعها: الجملة الإسمية
وأفاد اجتماع هذه المؤكدات التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.

الكلام في قوله تعالى:{ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ِ}:
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إن جنس الإنسان واقع في خسارة محققة, وبعد أن تطلعت النفوس وتشوقت لمعرفة كيفية النجاة من هذه الخسارة؛ جاء الفرج, وجاءت البشرى¸ وجاء الترغيب بعد الترهيب بقوله تعالى: (إلا).
فالناجون من الخسارة لهم وصف معين لا تتم النجاة إلا بتحقيقه؛
فأول ما ذكر من أوصافهم هو الإيمان, فهم من آمن بجميع ما أمر الله بالإيمان به, والإيمان عند أهل السنة والجماعة هو قول واعتقاد وعمل.
فلا يكون المقصود بالإيمان مجرد التصديق, بل يدخل في مسماه العمل, فالتصديق بالأمور التي يتطلب التصديق بها عملا؛ لا يسمى الإنسان فيها (مصدقا) إلا إذا صاحب تصديقه عملا, لذا قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:{ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} وكان هذا بعد أن شرع إبراهيم عليه السلام بتنفيذ ما أمره الله به من ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام.
وأول ما يدخل في الإيمان هو الإيمان بأركانه الستة, وجميعها تعود على الإيمان بالله, فمن حقق الإيمان بالله؛ حقق الإيمان بجميع ما أمر به الله وارتضاه.

وحصول الإيمان يقتضي حصول العلم قبله, فلا يكون إيمانا على الحقيقة إلا إذا سبقه العلم.
ومن حصل له الإيمان على الصفة التي أمر الله بها: حصل له اليقين, ومن حصل له اليقين سهل عليه العمل.
وقد ذكر القرطبي حديثا فيه تخصيص (الذين آمنوا...) بالخلفاء الراشدين, فذكر في تفسيره قول أبي بن كعب: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: والعصر قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: إن الإنسان لفي خسر: أبو جهل إلا الذين آمنوا: أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر. وتواصوا بالحق عثمان وتواصوا بالصبر "علي".
ثم قال: وهكذا خطب أبن عباس على المنبر موقوفا عليه.
وقد ذكره بلا سند ولم يذكر تخريجه.
واللفظ عام, والخلفاء الراشدون أولى الناس بالدخول به.

ثم قال تعالى:(وعملوا الصالحات):
قال ابن كثير: (فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم).
قد ذكرنا بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومع ذلك عطف بالواو العمل على الإيمان، والواو هنا للمغايرة بين حقائق الأشياء، وحقيقة الإيمان أكبر من حقيقة العمل, لأن العمل جزء من الإيمان, فهذا من عطف الخاص على العام، والفائدة من عطف الخاص على العام هنا هي التنبيه على أنه في الحكم مثل الأول، فدل على شرفه ومكانته، وعلى وجوب الاهتمام به, وفي هذا رد على المرجئة.
وكذلك فيه التنبيه على أن العبد لو عمل عملا يظنه صالحا؛ لفا يكون مقبولا عند الله إلا بشرط الإيمان.

والعمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، ولا يكون مرضيا مقبولا عنده سبحانه إلا إذا توفر فيه شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن لا إله إلا الله.
الشرط الثاني: المتابعة، ويعني هذا وقوع العمل موافقا لما شرعه الله وأمر به, كما بين لنا ذلك النبي عليه الصلاة والسلام, فيجب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك, وهذا الشرط يرجع لشهادة أن محمدا رسول الله.
فإذا فقد العمل أحد هذين الشرطين كان مرفوضا مردودا لا ثواب عليه لقوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} , وقال سبحانه:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}.
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبله الله، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبله الله حتى يكون خالصا صوابا، والخالص الذي يريد به وجه الله، والصالح أن يكون على السنة.
قال الطبري: (يقول: إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.).

فكل أهل الملل والنحل يعملون، بل إن منهم من ينقطع للعبادة طوال حياته كالرهبان في صوامعهم، ومع ذلك فعمله لن ينفعه عند الله تعالى لأنه عَمِلَ غير صالح، وقد قال تعالى ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾وقال : ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾وقال: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾.

وقد أمر الله الأنبياء والرسل بالعمل الصالح فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
وقال سبحانه ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
وأمر سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يخبر أمته بلزوم العمل الصالح فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [.
وتوجيه الأمر بعبادة ما إلى الأنبياء, وأمرهم بأمر أقوامهم بها؛ لدليل على أهميتها وعظم مكانتها.

قوله تعالى: ( وتَواصَوْا بالحَقِّ):
جاء في المراد بالحق ثلاثة أقوال:
القول الأول : أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام, وقاله الزجاج: (تواصوا بالإقامة على توحيد اللّه والإيمان بنبيه عليه السلام).
توجيه القول:
فُسر الحق بما سبق, وهو الإيمان والعمل الصالح, والتوحيد ركن الإيمان الأعظم الذي يقوم عليه, وهو الركن الأول من أركان الإيمان, والإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام- أيضا من أركان الإيمان, ولا يتحقق إسلام المرء إلا به, فالإيمان بالله وبنبيه هو حقيقة تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

الثاني: أنه القرآن، قاله قتادة والحسن.
قول قتادة: رواه الطبري عن بشر عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة.
وقول الحسن رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن الحسن.
وبسند آخر عن عمر عن ابن بكار الكلاعي، عن خطاب بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سنان أبو روح السكوني عنه.

توجيه القول:
فسر قتادة والحسن الحق بالقرآن، وهو تفسير صحيح؛ فالقرآن حق، وهو من تسمية المسمى بأحد معانيه التي يحتملها, قال تعالى:{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ }.

الثالث: إنه الله، قاله السدي. ذكره الماوردي والقرطبي.
وهذا كما في قوله تعالى:{ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} وكما جاء في حديث تميم بن أوس رضي الله عنه- المتفق عليه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله...) الحديث.
والنصيحة لله تتضمن الإيمان به وتوحيده بجميع أنواع التوحيد المأمور بها, والله سبحانه هو الذي أمر بالإيمان وأمر بعمل الصالحات.

فلا تعارض بين الأقوال, بل جميعها تتفق في أن التواصي يكون بجميع ما أمر الله سبحانه به, وبجميع ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم,: بالمرسِل والرسالة والرسول.
والوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، فتشمل كل ما جاءت الوصبة به في القرآن والسنة, في مثل قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾, وقوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾و وقول ابن مسعود رضي الله عنه: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآية.
فهو الوصية بلزوم الصراط المستقيم بلا ريب, والذي نسأل الله أن يهدينا إليه في قولنا:{اهدنا الصراط المستقيم}.

وقوله تعالى:{وتواصوا بالصبر}:
قال قتادة والحسن: الصبر على طاعة الله.
قال قتادة ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عنه
قال الحسن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: الصبر: طاعة الله.
رواه الطبري عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عنه.
قال الزجاج: {وتواصوا بالصّبر} على طاعة اللّه والجهاد في سبيله والقيام بشرائع نبيه

القول الثاني:قال هشام بن حسان: الصبر على ما افترض الله, ذكره الماوردي.
القول الثالث: الصبر عن المحارم واتباع الشهوات. قاله الماوردي

والصبر لغة هو الحبس, قال الجوهري: الصبر حَبْس النفس عند الجزَع.
وقد عرفه ابن القيم فقال: (الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره).
وقال الجرجاني في تعريفاته:(ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله)
وقال الراغب الأصفهاني معرفا الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه).

فيكون المراد بالصبر؛ الصبر بأنواعه الثلاثة:
- الصبر على طاعة الله
- الصبر عن محارم الله
- الصبر على اقدار الله

والأقوال التي ذكرها المفسرون في تفسير المراد بالصبر من قبيل تفسير الصبر بجزء مما يقع عليه, والصبر في الآية يشمل جميع أنواع الصبر, فهي كلها داخلة في طاعة الله.
فيكون التواصي بالصبر على جميع ما سبق من الحق, والتواصي بالصبر على ما سيلقاه العبد في خلال سيره على الصراط المستقيم, فالدينُ كلُّه يحتاج إلى صبر:
- ولهذا قالَ تعالى لرسولِهِ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزمِ مِنَ الرُّسُلِ.
- وقالَ سبحانَهُ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.
- وقال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
- وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
- وقالَ تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ


- ولما كانت الآيات في سياق المدح؛ جاء الوصف بلفظ (وتواصوا) ولم يقل: ويتواصون لئلا يقع أمرا, فدل ذلك على رغبتهم في الثبات على الحق والصبر, فمن المؤكد أن من يوصي غيره بملازمة أمر؛ يراه جديرا بالملازمة, فهو لما كمل نفسه سعى إلى تكميل غيره.
كما إن التواصي بالحق والصبر يعين على ثبات الموصي إن تعرض للغفلة, فهو يذكر نفسه ويذكر غيره.
ولفظ (تواصوا) دل على أن الحق ثقيل, وبأن المحن تلازمه, فتحقيقه لا يكون إلا بمخالفة الهوى والله المستعان.

- وقد دلت السورة على أن الإقدام على المعصية يحصل بالترك، وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل.

- ولجميع ما ذكرناه من تفسير اهذه السورة؛قال الشافعي رحمه الله: (لوْ ما أنزلَ اللَّهُ حجةً على خلقِهِ إلاَّ هذهِ السورةَ لكَفَتْهُم) وفي رِوَايةٍ: (لو فكَّر النَّاسُ في هذهِ السورةِ لكَفَتْهُم ), فلو نظروا فيها وتأملوها لوجدوا فيها:
طريق الحق, وكيفية سلوكه والثبات عليه, وما يضاده والعاقبة, لوجدوا فيها النجاة لهم ولغيرهم, لوجدوا فيها صلاح النفس وصلاح المجتمع, فهي قد حوت حقا أصول الدين.
فالعلاقة بين الخسارة والمسائل الأربعة علاقة عكسية؛
فكلما حرص العبد على تحقيقها؛ قلت خسارته, لذلك تفاوت الناس في الربح والخسارة:
فهناك من تكون خسارته مطلقة وهو الكافر.
وهناك من سيكون ربحه مطلقا, وهم السابقون, وأقل منهم ربحا هم المقتصدون, وهم مراتب ودرجات, وكذا السابقون.
ومنهم من سيكون ربحه بحسب ما حقق من المسائل الأربعة.

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ﴿والعصر﴾ قال: قسم أقسم به ربنا وتبارك وتعالى ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ قال: الناس كلهم ثم استثنى فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وعملوا الصالحات﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالحق﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ يشترط عليهم.

فسبحان القائل:{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}, فمع قلة ألفاظ السورة؛ احتوت على معان وفوائد ولطائف لو جمعت لكتبت في مجلدات.

تم بحمد الله وتوفيقه.


أ

أحسنت وأجدت في تفسير السورة

وفاتك ذكر الفوائد السلوكية، وإن كنت قد أشرت لبعضها في أثناء التفسير.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 3 رجب 1442هـ/14-02-2021م, 09:50 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,862
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيا أبوداهوم مشاهدة المشاركة
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (
الوقف :
الوقف في قوله ( لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا ) :
جائز الوقف ، وهو قول أبو عمرو الداني.
وذكر أبو عمرو الداني أن هذا الوقف جائز لأن الإنسان المراد به الإنسان ، فلا يستثنى الأكثر من الأقل .

القراءات :
القراءة في قوله ( والعصر )
القراءة الأولى : بسكون الصاد ، وهي قراءة الجمهور .
وهو مبني على اللغة وهو بمعنى الدهر.
القراءة الثانية : بكسر الصاد ، وهي قراءة سلام بن سليمان أبو المنذر وهارون وابن موسى عن أبي عمرو، ويحيى ابن سلام.
وهذه القراءة من لغة العرب عند إرادة الوقف، فينقل حركة الراء إلى الصاد ، وقد ذكر عن ذلك الهمذاني .
قال ابن عطية: (وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة).
القراءة الثالثة : بكسر العين وسكون الصاد ، وهي قراءة سلام بن سليمان أبو المنذر .
وهذه القراءة لغة، كما ذكر ذلك عبد اللطيف الخطيب .
القراءة الرابعة : ( والعصر ونوائب الدهر) ، وهي قراءة علي بن أبي طالب . [ لا تصحّ عن عليّ رضي الله عنه ]
وقراءة علي أخرجه الحاكم في مستدركه وأبو بكر القاضي في المجالسة وجواهر العلم عن عمرو ذي مرة عن علي .
وهذه القراءة شاذة ، لكن صححه الحاكم ولم يخرجاه ،وضعفه غيرهم لأسباب ، منها أنها لم تكن كقرآن يتلى ، وأنها خالفت مصحف عثمان ، ذكر ذلك القرطبي وغيره .

القراءة في قوله ( خسر ) :
القراءة الأولى : بسكون السين ، وهي قراءة الجماعة .
وهذه القراءة بمعنى الخسارة والنقصان والهلاك ، وهو حاصل ما ذكره الفراء ومكي وابن عطية وغيرهم .
القراءة الثانية : بضم السين ، وهي قراءة عاصم والأعرج وعيسى الثقفي .
وهذه القراءة على الاتباع وذكر العبكري أنها لغة .

القراءة في قوله : ( الإنسان )
القراءة الأولى : نقَلَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقَيْهِ حَرَكَةَ هَمْزِ {الإِنْسَانَ} كَحَمْزَةَ وَقْفًا، وَسَكَتَ عَلَى اللاَّمِ حَمْزَةُ.
القراءة الثانية : قرأ ورش (لنسان) بنقل حركة الهمزة وهي الكسرة إلى اللام قبلها فتحركت بها، ثم حذفت الهمزة، ولما تحركت اللام سقطت همزة الوصل أيضًا.

القرءاة في قوله ( بالصبر ) :
القراءة الأولى : بسكون الباء ، وهي قراءة الجماعة .
وهو بمعنى ضد الجزع .
القراءة الثانية : بكسر الباء ، وهي قراءة سلام أبو المنذر وعيسى بن عمر الثقفي وهارون وابن أبي موسى عن أبي عمرو.
وهذه القراءة بناء على اللغة وهي شائعة وليست شاذة كما ذكر ذلك الرزاي .
وذكر أبو حيان أنه أيضا مما يدل عليه الإعراب .
وهو الدواء الذي يشرب .
وقال الرزاي : وقال الرازي: بنقل حركة الراء إلى الباء لئلا يحتاج أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا أن يسكن فيجمع بين ساكنين.
القراءة الثالثة : (بالصبر) بإشمام الباء الكسر، وهي قراءة أبي عمرو.
وقال ابن عطية أنه لا يجوز إلا في الوقف .


المسائل التفسيرية البيانية :
نوع الواو في قوله ( والعصر )
واو قسم ، ذكر ذلك درويش وغيره . [ كون الواو للقسم أمر ظاهر لا يُحتاج فيه إلى عزو، والذين نصوا على معنى القسم من المتقدمين كثير، والكلام التفسير البياني ينبغي أن يكون في ذكر لطائف معنى القسم بهذا المقسم به، واختياره على غيره في هذه السورة، ومناسبته لمقصد السورة ونحو ذلك من المعاني البيانية]

معنى العصر في اللغة :
العصر في اللغة بفتحها وهو الحبس والمنع ، وأما بالتحريك والضم هو الملجأ والمنجاة [هذا خطأ، ينبغي أن يفرّق بين اللغات في نطق المفردة وبين اختلاف الاشتقاق؛ فقولهم: اعتصر بالمكان إذا التجأ إليه أصل آخر] ، وهو حاصل ما ذكره ابن فارس وابن عاشور وغيرهم .
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: الْعَيْنُ وَالصَّادُ وَالرَّاءُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ صَحِيحَةٌ:
فَالْأَوَّلُ دَهْرٌ وَحِينٌ، وَالثَّانِي ضَغْطُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَلَّبَ، وَالثَّالِثُ تَعَلُّقٌ بِشَيْءٍ وَامْتِسَاكٌ بِهِ.)
قَالُوا: وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، لِأَنَّهَا تُعْصَرُ، أَيْ تُؤَخَّرُ عَنِ الظُّهْرِ.)

المراد بالعصر :
اختلف أهل العلم فيه على أقوال :
القول الأول : اسم للدهر ، وهذا حاصل ما ذكره ابن عباس والحسن وقتادة ويحي.
وهذا القول باعتبار تسميته باللغة ، ومن جهة القراءة الشاذة الذي روي عن علي رضي الله عنه موقوفا : ( والعصر ونوائب الدهر ) .
واختلفوا في الزمن المراد منه على أقوال :
الأول : أنه زمن معين :وقت العصر ويسمى العشي ، وهو الذي بين المغرب والعشاء وهو قول ابن عباس والحسن .
وقول ابن عباس في أنه ساعة من ساعات النهار ، أخرجه ابن جرير في تفسيره وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن علي عن ابن عباس .
وقول الحسن في أنه العشي ، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره وابن جرير عن معمر عن الحسن .
وقول يحي ذكره البخاري في صحيحه .
وهذا القول على معناه اللغوي ، ففي اللغة العصر هو الدهر كما ذكر ذلك الخليل أحمد و الفراء غيرهم .
وأما على اعتبار أل للعهد الحضوري ، فيكون العصر المراد به عصر معين وزمن معين .
و قد قال الجوهري في الصحاح أن العصر عصران وهو الليل والنهار ، وأيضا أنه الغداة والعشي ،ومنه سميت صلاة العصر .
وأما قول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة .

الثاني : قالوا أنه زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول الرازي وغيرهم .
وهذا القول باعتبار ما يقدر له ، وذكر ذلك ابن عاشور .

القول الثاني : صلاة العصر ، وهو قول مقاتل والزمخشري وغيرهم .
وقول مقاتل أخرجه مقاتل في تفسيره .
وهذا القول على أن اقسام للأمر العظيم في وقت العصر ، فكان الأمر العظيم هو الصلاة ، لان التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس لتجارتهم ومكاسبهم ، كما ذكر ذلك الزمخشري.
ومن جهة أخرى على اعتبار أل للعهد ، فيكون المراد به صلاة العصر .
وذكر ابن عاشور أن غالب اطلاقه على وقت العصر وهو ما بين الظهر والمغرب .

الراجح :
أنه الأقوال كلها تشملها العصر ولكن القول الأول أقرب لعموم اللفظ ودلالة اللغة ، ودلالة السياق .

فعل القسم في الاية :
محذوف ، وتقديره ( أقسم ) ،كما ذكر ذلك ابن عاشور وغيرهم
السبب في اقسام الله بالعصر :
لعظم شأنها وفضلها ، وذكر ذلك ابن عاشور والزمخشري .

نوع أل في قوله ( الإنسان ) :
اختلفوا في نوعه على قولين :
القول الأول : أنه للجنس والاستغراق والشمول ،وذكر ذلك الرازي.
وهذا القول باعتبار أن الإنسان هنا استثناء من الذين آمنوا ،وذكر ذلك الرازي وأبو حيان .
والقول الثاني : أنه للعهد ، وذكر ذلك الرزاي .
وهذا القول على أن الإنسان هنا المقصود أشخاص معينين .

معنى الإنسان في اللغة ::
أصلُ الْإِنْس والأَنَس وَالْإِنْسَان: من الإيناس وَهُوَ الإبصار، يُقَال: أَنَسْتُهُ وأَنِسْتُه: أَي: أَبْصَرْته، ذكر ذلك ابن فارس.

المراد بالإنسان :
القول الأول :لفظ واحد لكن بمعنى الجمع ، ويراد به جنس الناس ، وهو قول ابن جرير والزجاج .
القول الثاني : يراد به أشخاص معينين .
1) كأبي لهب وهذا القول في تفسير مقاتل .
2)أو أبو جهل بن هشان ، كما ذكر ذلك ابن عباس وأبي بن كعب .
فقول ابن عباس عزاه السيوطي لابن مردويه عن ابن عباس .
وأما قول أبي بن كعب أخرجه الواحدي في تفسيره عن أبو أمامة عن أبي بن كعب .
القول الثالث : أنه الإنسان الكافر ، وهو قول نقله البغوي .
وهذا القول لم أجد من قاله ، وهو قول مبني على أن الخسارة الحقيقة للكافر فيكون في الاخرة من الهالكين وغير الناجين ، كما قال تعالى : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة )

دلالة التعريف في قوله ( العصر ) :
للعهد أو العهد الحضوري، وذكر ذلك ابن عاشور .

معنى ( إن ) في قوله ( إن الإنسان لفي خسر ):
للتوكيد ، وذكر ذلك محمد درويش في اعراب القرآن وبيانه .

موضع ( إن الإنسان لفي خسر ) :
جواب القسم ، ذكره محمود صافي .

المراد باللام في قوله ( لفي ):
لام مزحلقة ، ذكر لك محمد درويش . [ هذا كلام بعض المعربين لأن نظرهم إلى الإعراب، وفي التفسير البياني ينبغي أن يبيّن غرضها وهو التوكيد؛ فيقال: اللام للتوكيد، ثمّ يبنى عليه الكلام في دلالات هذا التوكيد ولطائفه ]

نوع ( في ) في قوله ( لفي ) :
حرف جر ، ذكر ذلك محمد درويش وغيره .

معنى خسر :
نقصان وخسارة ، كما ذكر ذلك ا بن قتيبة والزجاج وغيرهم .

المراد بالخسر :
القول الأول : خسارة الدنيا والاخرة والهلاك والعقوبة ،وهذا حاصل ما ذكره الفراء ومكي بن أبي طالب وابن عطية وغيرهم .
القول الثاني : الهرم ، وهو قول نقله البغوي عن عون عن إبراهيم .

دلالة تنكير ( خسر ) :
ذكر ابن عاشور :
1) إما أن يكون للتنكير .
2) للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم.

فائدة عموم لفظ الخبر و توكيده في قوله ( إن الإنسان لفي خسر ):
يُفِيدُ التَّهْوِيلَ وَالْإِنْذَارَ بِالْحَالَةِ الْمُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، ذكره ابن عاشور .

معنى إلا في قوله ( إلا الذين آمنوا )
للاستثناء ، وذكر ذلك محمود صافي في الجدول وغيره .

فائدة الاستثناء فيقوله ( إلا الذين آمنوا ) :
تقرير للحكم للسامع أن الناس فريقان ، ذكر ذلك ابن عاشور .

موقع ( الذين ) :
مستثنى ، و هذا ما ذكره النحاس ومحمد درويش وغيرهم .

نوع الاستثناء في قوله ( إلا الذين آمنوا ) :
اختلفوا فيه على قولين :
الأول : استثناء متصل موجب ، ذكره النحاس وابن الجزي .
الثاني : استثناء منقطع .
وهذا على من قال الإنسان المراد به الكافر ، كما نقل هذا القول البغوي ، وهو قول لم أجد قائله .
وهو قول مستدلين به على استثناء المؤمنين ، وذكر ذلك الخازن .
الراجح :
أن الاستثناء هو متصل ، وهذا رجح صحته القرطبي وغيره .

معنى الإيمان لغة
لغة التصديق ، وذكر ذلك الجوهري وغيره .

المراد بالإيمان :
بالقلب ، وذكر ذلك ابن كثير والسعدي وغيرهم .

دلالة صيغة الماضي في قوله ( آمنوا ) :
قال البقاعي في تناسب الايات والدرر :
ولعل التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر.

المراد بقوله ( عملوا ) :
عمل الجوارح ، ذكر ذلك ابن كثير.

معنى الصالحات في اللغة :
الصَلاحُ في اللغة : ضدّ الفساد. تقول: صلح الشيء يصلح صلوحا، مثل دخل يدخل دخولا، ذكر ذلك الجوهري .
المراد بالصالحات :
المراد به أداء الفرائض وترك المحرمات ، وذكر ذلك ابن جرير وغيره .

نوع أل في قوله ( الصالحات ) :
أل دالة على الجنس للاستغراق ، وذكر ذلك ابن عاشور .

فائدة العطف في قوله ( آمنوا وعملوا الصالحات ) :
لأهمية العمل مع الإيمان وليكون بها تكميل الإنسان نفسه ، كما ذكر ذلك السعدي وغيره .

نوع الواو في قوله ( وتواصوا ) :
حرف عطف ، وهذا حاصل ما ذكره النحاس ومحمد درويش وغيرهم .

معنى تواصوا :
تحاثوا ، ذكر ذلك الثعلبي .

موضع تواصوا الإعرابي :
معطوف ، ذكر ذلك النحاس وغيره .

فائدة التواصي :
لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ ، ذكره البقاعي في تناسب الايات والدرر .

المراد بالحق :
القول الأول :كتاب الله ، وهو قول قتادة والحسن .
وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد عن قتادة .
وأما قول الحسن فأخرجه الطبري في تفسيره عن معمر عن الحسن .
وهذا القول باعتبار أنه من أوصاف القرآن في مواضع أخرى ، فقال تعالى : ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) (وإنه لحق اليقين )
القول الثاني : الله تعالى والإيمان به وتوحيده ، وهو حاصل قول كعب ومقاتل .
وقول كعب أخرجه الهمذاني في تفسير مجاهد عن أبو علي عن كعب .
وقول مقاتل في تفسير مقاتل بن سليمان .
وهذا القول اعتبار أنه يوصف سبحانه بالحق وأنه من أسماءه ، فقال تعالى ( الحق من ربك ) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)(فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ)
الراجح :
القولان تحتملها الآية وهو متلازمان ، ولا تعارض بينهما ، فالتواصي بكتاب الله هو تواصي على الله وتوحيده والإيمان به .

.
معنى الصبر :
في اللغة هو الحبس ، وذكر ذلك الجوهري وابن فارس وابن منظور وغيرهم .

المراد بالصبر :
الصبر على طاعة الله وفرائضه ، وهذا حاصل ما ذكر ذلك الحسن وقتادة وكعب .
وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره و الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد عن قتادة
وقول الحسن أخرجه الطبري في تفسيره عن عبد الرحمن بن سنان أبو الروح عن الحسن.
وقول كعب أخرجه الهمذاني عن أبي علي عن كعب .

دالة التعريف في قوله ( الصبر ) :
يدل (أل) هنا على عموم أنواع الصبر ، وهذا حاصل ما ذكره القرطبي والسعدي وغيرهم .

أنواع الصبر :
1) الصبر على طاعة الله ، وهذا القول هو قول الحسن وقتادة .
وقول الحسن وقتادة سبق تخريجه .
2) الصبر على معصية الله ، وذكر ذلك القرطبي ، والسعدي .
3) الصبر على أقدار الله المؤلمة ، وذكر ذلك السعدي .

فائدة عطف ( آمنوا وعملوا الصالحات ) على قوله (و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) :
قال ابن عاشور :
عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه ، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به.

بيان هدايات السورة وفوائدها السلوكية :
- أن الإيمان مقرون بالعمل لذلك لا يكفي إيمان القلب بدون عمل الجوارح ، وهذا من قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .
- أن الإنسان إن لم يستغل دنياه لآخرته فهو في خسارة ونقص ، كما قال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ).
-اقسام الله بالعصر دلالة على أهميته ، فعلينا الاهتمام بالوقت والزمن . كما قال تعالى : ( والعصر ).
- علينا أن نحث بعضنا بعضا ويتواصى بعضنا بعضا على الخير لأن الإنسان يواجه فترات فتور وضعف ، كما قال تعالى ( تواصوا بالحق وتوصوا بالصبر ) .
-يجب علينا التمسك بكتاب الله لأنه سبيل النجاة ، كما قال تعالى ( وتواصوا بالحق ) .

ب أحسنت بارك الله فيك

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 4 رجب 1442هـ/15-02-2021م, 12:49 AM
ضحى الحقيل ضحى الحقيل غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 634
افتراضي

سورة العصر



أولا / مقدمات السورة
نزول السورة:
سورة العصر مكية في قول الأكثرين نسب هذا القول لابن عباس وابن الزبير والجمهور
وقد اقتصر على هذا القول عدد من المفسرين مثل الزجاج وابن عطية وابن كثير والسعدي وقد رجعت لبعض الكتب المؤلفة في المكي والمدني فوجدت سورة العصر معدودة في المكي المتفق عليه ولم يورد في ذلك خلافا.
إلا أن بعض المفسرين ذكر أن في نزولها قولين مثل ابن الجوزي والماوردي والقرطبي والشوكاني ونسبوا القول بأنها مدنية إلى قتادة ونسبه ابن الجوزي إلى مجاهد ومقاتل، وقال القرطبي والماوردي أنها رواية عن ابن عباس.

قال ابن عاشور:
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَإِطْلَاقِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ. وَعَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَمُقَاتِلٍ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّوَرِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا.

فضلها:
سورة العصر كغيرها من سور القرآن الكريم الحرف منها بحسنة والحسنة بعشر أمثالها كما أنها معجزة يشملها التحدي المذكور في قوله تعالى {فاتوا بسورة من مثله}.
وقد أدرك سلفنا الصالح ما لهذه السورة من الأهمية البالغة حتى روي أن الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثمً يسلِّم أحدهما على الآخر، وقال الشافعي رحمه الله: " لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ" والمقصود كفاية الموعظة.

التخريج:
- يورد بعض المفسرين حديثا موضوعا في فضل سورة العصر هو:
أن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: "من قَرَأَ سُورَة الْعَصْر غفر الله لَهُ وَكَانَ مِمَّن تَوَاصَى بِالْحَقِّ وَتَوَاصَى بالصبر.
هذا الحديث رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ من حَدِيث سَلام بن سليم وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره
وبلفظ الثَّعْلَبِيّ أَيْضا رَوَاهُ الواحدي فِي الْوَسِيط وهو حديث موضوع كما جاء في بعض الكتب التي اعتنت بالتخريج.

- قراءة سورة العصر قبل التفرق
رواه أبو داوود في الزهد والطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان
من طريق: حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي مدينة الدارمي به. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"

فائدة
علَّق الألباني على حديث قراءة العصر عند التفرق بقوله:
"وفي هذا الحديث فائدتان مما جرى عليه عمل سلفنا الصالح رضي الله عنهم جميعاً:
أحدهما: التسليم عند الافتراق ....
والأخرى: نستفيدها من التزام الصحابة لها، وهي قراءة سورة (العصر) لأننا نعتقد أنهم أبعد الناس عن أن يحدثوا في الدين عبادة يتقربون بها إلى الله إلا أن يكون ذلك بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً".
أما الشيخ بن عثيمين فقد أجاب على سؤال بشأن سنية قراءتها عند التفرق بقوله:
أما ختم المجلس بسورة العصر، فإن ذلك بدعة ولا أصل له.
وقرأت في موقع ملتقى أهل الحديث أن الشيخ خالد الهويس ذكر للشيخ ابن عثيمين ثبوت الأثر عن الصحابة فوعد بالمراجعة.
وسئل الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لكتاب الدعوات من سنن الترمذي عن قراءة سورة العصر في ختام المجلس فقال: ذهب بعض العلماء إلى عدم المواظبة على ذلك، بل يفعل أحيانا ويترك أحيانا أخرى، فلو كان ذلك مواظبا عليه، لعمله الجميع ولذاع وانتشر.
والله أعلم


ثانيا/ تفسير السورة
قال تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}.

{والْعَصْرُ}
أقسم الله سبحانه بالعصر، لتأكيد الخبر الوارد في جواب القسم، وله سبحانه أن يقسم بما شاء من مخلوقاته الدالة على عظمته وقدرته فهو سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء: 23]. وأما المخلوق فليس له إلا أن يحلف بالله تعالى.

قال الزجاج: وقال بعضهم: معناه ورَبِّ العَصْرِ كما قال جل ثناؤه: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
ونقله عنه الشوكاني وقال والأول أولى، كما ذكره النحاس ولم يذكر غيره.

بعض ما جاء في أن قوله {والعصر} قسم مع التخريج:
- روى الصنعاني في تفسيره عن عبد العزيز بن أبي رواد عن محمد بن كعب القرظي قال: {والعصر} قال: "قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى".
- وقال جَلاَلُ السُّيُوطِيُّ في الدر المنثور وأَخْرَجَ عبدُ الرزَّاقِ وعبدُ بنُ حُمَيْدٍ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ وابنُ أبي حاتمٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ: {وَالْعَصْرِ} قالَ: "قَسَمٌ أقْسَمَ به ربُّنا تَبَاركَ وتعالى". ولم أعثر عليه إلا عند الصنعاني.


ويطلق العصر على عدد من المعاني منها الزمان كله أو جزء منه أو الصلاة المعروفة، ويتعين إما بالعهد أو القرينة، وقد اختلفت عبارات المفسرين في المقصود بالعصر هنا على أقوال:

القول الأول:
أنه الدَّهر كله، نسب هذا القول لابن عباس وزيد بن أسلم، وذكره الزجاج والطبري وابن عطية والماوردي وابن الجوزي والفراء وابن قتيبة والشوكاني وابن عاشور وصاحب أضواء البيان وغيرهم.
قال في أضواء البيان اسْتَدَلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا جَاءَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَرْفُوعًا مِنْ قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ: «وَالْعَصْرِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ» وَحُمِلَ عَلَى التَّفْسِيرِ إِنْ لَمْ يَصِحَّ قُرْآنًا.
والدهر محل عمل ابن آدم وفيه من العجائب ما لا يخفى من تتالي الليل والنهار، وتعاقب الشدة والرخاء، وسيادة أمم وزوال أخرى، وما يحيط ذلك من نظام بديع وتقدير دقيق، تظهر معه قدرة الخالق وعجز المخلوق وعلم الخبير وجهل العبيد.

التخريج:
- روى القراءة عن علي الحاكم في المستدرك، وابن جرير في تفسيره من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذي مرٍّ، عن عليٍّ رضي اللّه عنه أنّه قرأ: "والعصر ونوائب الدّهر إنّ الإنسان لفي خسرٍ" زاد الطبري في إحدى الروايات" وإنه فيه إلى آخر الدهر.
- وذكر السيوطي في الدر المنثور أن ابن المنذر اخرج عن ابن عباس في قوله {والعصر} قال: "الدهر". ولم أعثر عليه.
- وذكر السيوطي في الدر المنثور أن ابن حاتم أخرج عن زيد ابن أسلم: {والعصر} قال: "وهو في كلام العرب": الدهر. ولم أعثر عليه

القول الثاني:
أنه الليل والنهار، أو الغداة والعشي وهما الأبردان، ذكره الزجاج وابن عطية والشوكاني وصاحب أضواء البيان وابن حجر وغيرهم.
واستدلوا بقول حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
وَلَمْ يَلْبَثِ الْعَصْرَانِ يَوْمَ لَيْلَةٍ ... إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا يُتَمِّمَا
وبقول الشاعر:
وَأَمْطُلُهُ الْعَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِي ... وَيَرْضَى بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَالْأَنْفُ رَاغِمُ

ويقال في مناسبة القسم بالليل والنهار والغداة والعشي ما قيل في القسم بالدهر فهما محل عمل ابن آدم وفيهما من بديع صنع الخالق سبحانه ما يذهل المتأمل.

القول الثالث:
أنه عَصْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ زَمَنُ أُمَّتِهِ قاله الماوردي والشوكاني وابن عاشور وصاحب أضواء البيان.
وذلك لفضله بتجديد النبوة فيه ولكونه خير القرون.
قال ابن عاشور: "وَيُطْلَقُ الْعَصْرُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَة لوُجُود جل مِنَ النَّاسِ، أَوْ ملك أَو نبيء، أَوْ دِينٍ، وَيُعَيَّنُ بِالْإِضَافَةِ، فَيُقَالُ: عَصْرُ الْفِطَحْلِ، وَعَصْرُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَصْرُ الْإِسْكَنْدَرِ، وَعَصْرُ الْجَاهِلِيَّةِ"
قَالَ الرازي: "فَهُوَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِزَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبِمَكَانِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَبِعُمْرِهِ فِي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ".

القول الرابع:
أَنْه عَصْرُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ وَهُوَ خَاتِمَةُ عُصُورِ الْأَدْيَانِ لِهَذَا الْعَالَمِ، قاله ابن عاشور.

وقال: "وَقَدْ مَثَّلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَصْرَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَصْرِ الْيَهُودِ وَعَصْرِ النَّصَارَى بِمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ
بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يعْملُونَ لَهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهُمْ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فَأَنْتُمْ هُمْ»"

ثم علق بقوله:
"فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصَالٌ بِالرَّمْزِ إِلَى عَصْرِ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ".

وقال:" وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ بِالْعَصْرِ لِغَرَضِ السُّورَةِ عَلَى إِرَادَةِ عَصْرِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ حَالَ النَّاسِ فِي عَصْرِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَمَنْ آمَنَ وَاسْتَوْفَى حَظَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ"


القول الخامس:
أن المراد عَصْرُ الْإِنْسَانِ أَيْ عُمُرُهُ وَمُدَّةُ حَيَاتِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكَسْبِ
وَالْخُسْرَانِ، قاله ابن عاشور
وبرر ذلك بإشعار السياق، وبأن الموعظة على هذا المعنى تكون موجهة للعبد نفسه وبمناسبة السورة للسورة التي قبلها -سورة التكاثر- وفيها ذم التلهي بالمال والولد حتى الموت وهذا محله حياة الإنسان، وبالسورة بعدها -سورة الهمزة- وهي في نفس المعنى تذم الذي يجمع المال ويعده ويحسب أنه أخلده، فجمع المال والالتهاء بتكثيره تقع في حياة الإنسان، وعمل الصالحات أيضا يقع في حياته.

القول السادس:
أنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، وقيل ما بين آخر وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، نقل هذا القول عن الحسن وقتادة وزيد بن أسلم، وذكره ابن الجوزي والماوردي وابن عطية وابن كثير والشوكاني وصاحب أضواء البيان.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَرُوحُ بِنَا يَا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ الْعَصْرُ ... وَفِي الرَّوْحَةِ الْأُولَى الْغَنِيمَةُ وَالْأَجْرُ

قال ابن عاشور: "وَأَشْهَرُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْعَصْرِ أَنَّهُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ لِوَقْتٍ مَا بَيْنَ آخَرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَيْنَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ"

وأورد ابن عطية في تفسيره حديثا عن أبي بن كعب أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: «أقسم ربكم بآخر النهار» ولم أعثر عليه.

قال الماوردي: "وخصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال"
وقال بعض المفسرين لتعظيم اليمين فيه، جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُم اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، ولَا يُزَكِّيهِمْ، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" وذكر منهم " ورَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. "مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.، قال الشيخ ابن باز في شرح الحديث " هذا يُفيد أن اليمين الغموس تعظم وقت العصر عند ختم النهار يكون إثمها أعظم إذا كانت في آخر النهار كونه يختم نهاره باليمين الفاجرة. -نسأل الله العافية-
وهو وقت له هيبته يؤذن بانتهاء النهار وانقضاء السعي في طلب المعاش وانتظار الليل الذي يكون فيه السكن والعودة للمنازل والتقاء بالأهل وتهيؤ للعبادة والراحة.
قال ابن عاشور: "وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّذْكِيرِ بِمِثْلِ الْحَيَاةِ حِينَ تَدْنُو آجَالُ النَّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ أَطْوَارِ الشَّبَابِ وَالِاكْتِهَالِ وَالْهِرَمِ".
والقسم بأوقات محددة من اليوم موجود في القرآن فقد أقسم سبحانه بالفجر، وبالضحى، وبالليل، وبالنهار.

التخريج:
- روى ابن جرير وعبد الرزاق في تفسيرهما من طريق معمر عن الحسن قال: {العصر} "هو العشي"، وذكر السيوطي أن ابن النذر وابن أبي حاتم أخرجاه عن الحسن ولم أعثر عليه.
- وذكر السيوطي في الدر المنثور أن ابن المنذر أخرج عن ابن عباس: {والعصر} قالَ: "هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشمسِ مِن العَشِيِّ". ولم أعثر عليه.
- وروى ابن جرير عن عليٌّ عن أبو صالحٍ عن معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قالَ: {العصرُ}: "ساعةٌ من ساعاتِ النهارِ."
- ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن قتادة في قوله {والعصر} قال "ساعة من ساعات النهار".
- وذكر السيوطي في الدر المنثور أن عبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم أخرجوا عن قتادة قوله {والعصر}"ساعة من ساعات النهار". ولم أعثر عليه إلا عند ابن أبي حاتم دون اسناد.
أورد الشوكاني في تفسيره عن قتادة: "هو آخر ساعة من ساعات النهار"، لذلك أدرجت تخريج هذا القول هنا.

القول السابع:
أن المقصود صلاة العصر، نقله بعض المفسرين عن مقاتل، وذكره بن عطية وابن الجوزي، والماوردي، والشوكاني، وابن عاشور وصاحب أضواء البيان.
وصلاة العصر لها فضل خاص، قيل إنها الصَّلَاةُ الْوُسْطَى المذكورة في قوله تعالى: {حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى} [الْبَقَرَة: 238]
وجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». متفق عليه
قال الزمخشري" والتكليف في أدائها أشق لتهافت الناس على تجارتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم".

الترجيح
كل ما ذكر في عبارات المفسرين صحيح في اللغة، ويدل على آية من آيات الله العظيمة، أو زمن له فضل خاص أو فريضة لها مكانة في الشرع وكل ذلك مما يقسم به سبحانه في كتابه قال الطبري:
"والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر (وَالْعَصْرِ) اسم للدهر، وهو العشيّ والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزِمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه".

أما صاحب أضواء البيان فبعد أن استعرض معظم الأقوال قال:
وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: أَنَّ أَقْرَبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا قَوْلَانِ: إِمَّا الْعُمُومُ بِمَعْنَى الدَّهْرِ لِلْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، إِذْ أَقَلُّ دَرَجَاتِهَا التَّفْسِيرُ، وَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ. وقال: "وهذا أقواها"
وَإِمَّا عَصْرُ الْإِنْسَانِ أَيْ عُمُرُهُ وَمُدَّةُ حَيَاتِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكَسْبِ


وقال الشيخ مساعد الطيار في تفسيره للسورة:
"وردَ في تفسيرِ العصرِ أقوالٌ، وتفسيره بالدهر هو أعمُّ الأقوالِ وأشملُها، وهو قولُ الحسن من طريق معمر، وورد أنه وقت العَشِي، وهو آخر ساعاتِ النهار، وقد ورد التفسير بذلك عن ابن عباس من طريق العوفي.
ومن هنا فإنَّ سببَ الاختلاف هو الاشتراكُ اللغوي في لفظِ العصر، فهو يطلقُ على عدَّة معانٍ، وبهذا يرجع الخلافُ إلى أكثر من معنى، وكل هذه الأقوال محتملٌ كما قال الطبري، غير أن القولَ بأنه الدهر يظهرُ فيه شموله للأوقات كلِّها، والله أعلم".


والملاحظ أن لكل ما ذكر مناسبة تدعو للتفكر والتأمل والاعتبار والله أعلم.

البيان:
1. ذكر أهل التفسير أنه غالبا ما يكون هناك نوع مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، ونلاحظ هنا إحاطة هذه اللفظة القصيرة بأنواع من المعاني المتناسبة مع المقسم عليه
- فالدهر محل لخسارة بني آدم منذ خلق أبيهم إلا من أنجاه الله وكان ممن استثني.
- والليل والنهار والغداة والعشي محل عمل ابن آدم وخسارته وربحه وتوبته بعد الخطأ وانتكاسته بعد الإيمان.
- وعصر النبي صلى الله عليه وسلم تحددت فيه معالم الخسارة والربح.
- وعصر الإسلام كان فاصلا في حياة البشر وبعده لا رابح إلا من اتبع هديه.
- وعصر الإنسان هو محل عمله واختياره طريق الربح أو الخسارة
- ووقت العصر هو وقت انتهاء الأعمال والعودة للسكينة بعد الشغل ومظنة سبر ما حصل في اليوم من ربح وخسارة.
- وصلاة العصر ركن من أركان الإسلام فارق بين المسلم والكافر وهي الصلاة الوسطى التي تؤدى في وقت الراحة والسكون وتدل على التزام الإنسان بها أو تفريطه.

قال ابن عاشور" وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَفِي بِاحْتِمَالِهَا غَيْرُ لَفْظِ الْعَصْرِ".
وربط السامرائي القسم بالمقسم عليه من حيث علاقة تقسيم الزمن بتقسيم اليوم، فالقسم بالفجر أعقبه ذكر قوم عاد الذين جاؤوا في أول الزمان، والقسم بالضحى أعقبه ذكر قوم ثمود الذين جاؤوا في بعدهم ويفهم من كلامه أن العصر إن كان بمعنى الدهر فهو قسم على أعمال بني آدم كلهم، وإن كان بمعنى وقت العصر فهو قسم على أعمال أمة محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
2. ذكر الألوسي أن من فوائد القسم بالدهر:
- التذكير بما يحدث فيه من النعم وأضدادها لتنبيه الإنسان بشأن الربح والخسارة.
- ما يدل عليه القسم به من التعظيم الذي ينفي أن يكون له علاقة بالخسران وتقرير أن الخسارة راجعة للإنسان وليست للدهر كما يزعمه من يضيف الحوادث إليه كما قيل:
يعيبون الزمان وليس فيه ... معايب غير أهل للزمان

{إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}
هذه الآية الكريمة {إن الإنسان لفي خسر} هي جواب القسم، قال الطبري المعنى: "أن ابن آدم لفي هلَكة ونقصان".

{إن} حرف توكيد ونصب
{الإنسان} جاء في معناه هنا ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد جماعة من المشركين هم الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، والعاص بن وائل، والأسود ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَالْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. نقله القرطبي عن ابن عباس وذكر أنها رواية الضحاك كما ذكره الشوكاني.
القول الثاني: أن المراد به الكافر نقله القرطبي عن ابن عباس وذكر أنها رواية أبي صالح، كما ذكره الشوكاني وصاحب أضواء البيان.
القول الثالث: أن المراد جنس الإنسان والمعنى كل إنسان لدلالة "أل" الاستغراقية فهو يشمل المسلم والكافر إلا من استثنى سبحانه ذكره الطبري، والقرطبي، وابن عاشور وصاحب أضواء البيان ورجحه.

الترجيح:
أن الانسان اسم جنس والمراد بني آدم، لأننا لو قلنا كل إنسان لصحت العبارة وعلامة كون "أل" جنسية أن يحل محلها (كل).
قال الشوكاني بعد أن رجح هذا القول: "لِمَا فِي لَفْظِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعُمُومِ وَلِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ".
فالمعنى كل إنسان خاسر إلا من آمن...

{لفي خسر}
اللام: لام القسم
في: حرف جر يشعر بالاستغراق في الخسران وبإحاطة الخسر به من كل جانب.
والْخُسْرُ: هو هلاك رأس المال أو نقصه، وهو ضد الربح.

قالوا: "إن عمر الإنسان هو رأس ماله فإذا ضيعه بدون عمل صالح فهو في خسر دائم".

وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان معنى الخسر هنا فقيل هو: الغبن أو النقص أو العقوبة أو الهلكة أو الشر، والمعنى متقارب.

ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء فهو عام لكل خسر، ولا شك أن الخسارة الحقيقية هي خسارة الآخرة قال في أضواء البيان:
"وَهَذَا الْخَبَرُ مُرَادٌ بِهِ الْحُصُولُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقَامِ الْإِنْذَارِ وَالْوَعِيدِ، أَيْ لَفِي خُسْرٍ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ الْآخِرَةِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى:
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمرَان: 196، 197]."
قال ابن عطية في تفسيره: "وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا يفنى"

وذكر القرطبي وابن الجوزي عن إبراهيم معنا آخر له علاقة بخسارة الآخرة هو كون الإنسان إذا عمر وهرم يظل في ضعف ونقص إلا المؤمنين حيث تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال صحتهم.


والمتأمل يعلم أن للخسر مراتب كما ذكر ذلك أهل التفسير:
- فالخسارة المهلكة تحصل بالكفر والعياذ بالله حيث يخسر الإنسان الجنة وتجب له النار وهذه أعظم خسارة.
- وهناك خسارة أدنى منها تحصل مع التفريط بكل عمل صالح صغيرا كان أو كبيرا حيث يخسر الإنسان منزلة في الجنة كان بإمكانه الوصول إليها.

وهذه الخسارة تعم حتى الجن إلا من استثنى
قال صاحب أضواء البيان: "وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ كَالْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [46 \ 18]".

أسأل الله أن يعيذنا من الخسارة ويجعلنا وإياكم ووالدينا ومعلمينا ومن له فضل علينا ممن فاز فوزا عظيما.

التخريج:
- روى عبد الرزاق في تفسيره عن عبد العزيز بن أبي رواد عن محمد بن كعب القرظي {إن الإنسان لفي خسر} قال: "الناس كلهم".
- وروى الهَمَذَانِيُّ في تفسير مجاهد عن إبراهيم، عن آدم، عن أبي داود الواسطي، عن أبي علي، عن كعب {إن الإنسان لفي خسر} قال: "يعني آدم وبنيه".
- أخرج الهَمَذَانِيُّ في تفسير مجاهد عن إبراهيم، عن آدم عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {لفي خسر} يعني "لفي ضلال ثم استثنى فقال إلا من آمن"
- وذكر السُّيُوطِيُّ في الدر المنثور أن الفِريَابِيُّ وعبدُ بنُ حُمَيْدٍ وابنُ جَرِيرٍ أخرجوا عن مُجَاهِدٍ {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}. "يَعْنِي ضَلالَك".
- ذكر السُّيُوطِيُّ في الدر المنثور أن ابن مَرْدُويَهْ أخْرَجَ عن ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِه: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر}ٍ" : يعني أبا جهلِ بنَ هِشامٍ" ، {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} " ذَكَرَ عَلِيًّا وسَلْمَانَ". ولم أعثر عليه.
- وذكر السُّيُوطِيُّ في الدر المنثور أن عبدُ بنُ حُمَيْدٍ أَخْرَجَ عن إبراهيمَ، قالَ: هي مثل التي في (التين والزيتون): {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.

البيان:
هذه الآية على قصرها حوت ألوانا من البيان منها:
- استعارة الخسارة وهي ضد الربح في التجارة للدلالة على سوء العاقبة. (ابن عاشور).
- المجاز باستخدام الظرفية في قوله{لفي} حيث شبهت الخسارة هنا بإحاطة الظرف بالمظروف وهو أبلغ من قولك: إن الإنسان خاسر. (ابن عاشور، أضواء البيان).
- التعبير بلفظ الإنسان نيابة عن الجمع وهو لون بياني يسمى التعلق الاشتقاقي، وهو إقامة صيغة مقام أخرى. ومن أمثلة ذلك، (وجاء ربك والملك صفا)، أي والملائكة، لأن الصف لا يكون من واحد (إدريس الناصري).
- ما أفاده العموم في لفظ {الإنسان} المؤكد بالقسم{والعصر} وحرف التوكيد{إن} في الجواب من التخويف والإنذار من هذه الحالة المحيطة بمعظم الناس. (ابن عاشور، أضواء البيان).
- اجتماع هذه المؤكدات يدل على حالة إنكار ملازمة للإنسان الذي غالبا ما يفضل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه الشهوات (إدريس الناصري).
- ذكر أسباب الربح مع ترك أسباب الخسارة إما اكتفاءً بالمقصود وهو بيان أسباب الفوز أو إعراضا عن أهل الخسارة (روح البيان).


{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }

{إلا}
أداة استثناء تخرج ما بعدها عن الحكم العام الذي قبلها، استثنى فيها المذكورين من الخسارة التي أقسم عليها سبحانه.
وعلى القول الراجح بأن الإنسان اسم جنس فالاستثناء متصل، وعلى القول بأن المعني بالإنسان الكافر فهو استثناء منقطع.


{الَّذِينَ آمَنُوا}
الصفة الأولى للمستثنين من الخسارة هي: الإيمان وهو الإيمان بما أمر الله به ولا يكون بدون العلم فهو فرع عنه ولا يتم إلا به.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد لما سئل عن تفسير سورة العصر فهذه مرتبتان: الأولى: الإيمان بالله ورسوله; الثانية: العمل الصالح; فهذا هو العلم بما أنزل الله والعمل به.
وَقَالَ البُخَارِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " باب العلم قبل القول" وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ}، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل".


والإيمان عند أهل السنة هو: الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح.
وأركانه ستة ذكرت في القرآن والسنة، جاء في حديث جبريل حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)
والحديث عن الإيمان يطول وتفصيله في كتب العقيدة.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
العمل الصالح: كما ذكر العلماء له شرطين: الإخلاص والمتابعة، وهو شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده الواجبة والمستحبة، كما أنه يشمل اجتناب ما نهوا عنه من المعاصي، ومن أعظم الأعمال الصالحة التوبة والرجوع عن الباطل وعن المعصية.
قال ابن عاشور: " وَالتَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ: الصَّالِحاتِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ مُرَادٌ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ، أَيْ عَمِلُوا جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِعَمَلِهَا بِأَمْرِ الدِّينِ وَعَمَلُ الصَّالِحَاتِ يَشْمَلُ تَرْكَ السَّيِّئَاتِ"

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}
المعنى: وأوصى بعضهم بعضا بالحق وحث بعضهم بعضا عليه
وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان المقصود بالحق هنا: فقالوا الحق كتاب الله، وقالوا هو الله تعالى والإيمان به، وقالوا التوحيد، وهي معان متقاربة مؤداها واحد، والمقصود أوصى بعضهم بعضا بالإيمان والعمل الصالح على العموم المذكور فيهما آنفا.

{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على العمل بطاعة الله، واجتناب معصيته، وعلى المصائب والأقدار المؤلمة، وعلى ما يصيبهم من أذى بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

قال قتادة والحسن الصبر: "طاعة الله"، وقال كعب: "الصبر فرائض الله وحكمه"، وما ذكر مفصلا من أن الصبر يكون على الطاعات وعن المعاصي وعلى المصائب كله داخل في الطاعة وفيما فرضه الله وحكم به.

واللفظ عام يشمل كل من اتصف بهذه الصفات قال الشوكاني: " وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَلَا وَجْهَ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الصَّحَابَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ" يقصد والله أعلم ما روى في بعض كتب التفسير عن أبي بن كعب رضي الله عنه.

التخريج:
- أخرج عبد الرزاق وابن جرير في تفسيرهما من طريق معمر عن الحسن في قوله تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قال الحق كتاب الله، والصبر طاعة الله.
- وأخرج الطبري في تفسيره عن عمران بن بكار الكلاعي عن خطاب بن عثمان عن عبد الرحمن بن سنان عن الحسن قال في {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قال: " الحق كتاب الله، والصبرُ طاعةُ اللَّهِ "
- وأخرج الطبري في تفسيره عن بشر عن زيد عن سعيد عن قتادة: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قال: "الحق كتاب الله، والصبر طاعة الله".
- أخرج الهَمَذَانِيُّ في تفسير مجاهد عن إبراهيم، عن آدم، عن أبي داود الواسطي، عن أبي علي، عن كعب {وتواصوا بالحق} قال: الحق هو الله عز وجل والإيمان به {وتواصوا بالصبر} قال: "الصبر على فرائض الله وحكمه".
- جاء في عدد من كتب التفسير: عن أبيّ بن كعب أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم والعصر، ثم قلت: ما تفسيرها يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «والعصر قسم من الله أقسم ربكم بآخر النهار أنّ الإنسان لفي خسر أبو جهل إلا الذين آمنوا أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر وتواصوا بالحق عثمان، وتواصوا بالصبر عليّ». وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفاً عليه. ولم أجد من خرجه أو حكم عليه.

البيان
- ال التعريف في قوله {الصالحات} تدل على العموم وتعبر عن معان كثيرة بلفظ وجيز (ابن عاشور)
- الاستثناء يدل على نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه (إنهم ليسوا في خسر) فيفهم المعنى مع اختصار اللفظ (ابن عاشور)
- العموم في قوله {الصالحات} يشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة وقد عبر عنه ابن عاشور بقوله: عموم مقول عليه بالتشكك.
- دل استثناء من آمن وعمل صالحا من الخسر على أن سبب خسران غيرهم هو ترك الإيمان والعمل الصالح قال ابن عاشور: "بدلالة مفهوم الصفة".
- التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به، ولأنه قد يغفل عنه فيظن المسلم أنه معني بخاصة نفسه ولا شأن له بغيره (ابن عاشور) ( اطناب)
- التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق وفي عطفه عليه دلالة على أهميته وعظم قدره (ابن عاشور) (اطناب)
- في هذه السورة كان الاستثناء بأربعة صفات وفي سورة التين اكتفى بذكر الإيمان والعمل الصالح ولذلك علاقة بالمستثنى منه وهو هنا الخسارة التي يمكن أن تكون على مراتب عدة ولو كانت خسارة حسنة واحدة، وفي سورة التين للنجاة من أن يكون في أسفل سافلين. (السامرائي) بالاستفادة من التبيان ولم أعثر عليه في التبيان
- آية واحدة وصفت الأمة الإسلامية حقيقتها ووظيفتها، وهذا من إعجاز القرآن (إدريس الناصري)


ثالثا / هدايات السورة:
- عناية الصحابة والسلف بهذه السورة وما حوته من معان عظيمة يوجب التذكير بها وتعلمها وتعليمها فهي خير زاد للدعاة والمعلمين.
- هذه السورة على قصرها سورة جامعة شاملة لخير الدنيا والآخرة للعلم والعمل، والعمل الخاص والعمل المتعدي.
- قال الشيخ الخضير في تفسير هذه السورة العظيمة "بالإمكان في تفسير هذه السورة أن يتكلم المتحدث عن جميع أبواب الدين؛ لأنها في ألفاظها الوجيزة كل لفظ يدخل تحته أبواب كثيرة من أبواب الدين"، وقد ظهر ذلك جليا في الاطلاع على مدارسة آيات السورة في عدد من المواضع ففيها مجال واسع للتحدث عن مواضيع هامة كثيرة.
- معرفة المعاني التي تشملها اللفظة القرآنية وتأملها تفتح آفاقا جديدة لفهم أعمق.
- أهمية الوقت في حياة الإنسان حيث أقسم به سبحانه وهو لا يقسم إلا بعظيم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس).
- التأمل في الأساليب البيانية وتراكيب الجمل يعطي معان أوسع للآيات.
- التفكر في بديع صنع الله وإحكامه للكون وتقليبه سبحانه للأمر يزيد الإيمان ويرسخه.
- من لم يتعظ بهذه الآيات العظيمة التي أكد فيها سبحانه بأنواع المؤكدات وأقسم على أن الإنسان خاسر إلا صاحب الخصال الأربع المذكورة لا أدري كيف سيتعظ.
- من أراد أن ينجو من الخسارة فليكمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح وغيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. (السعدي)
- دلت الآية بمفهومها على أن أسباب الخسارة هي: الكفر، وترك العمل الصالح، وعدم التواصي بالحق (ترك التواصي بالحق أو التواصي بالباطل)، وَعَدَمُ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، (انْعِدَامُ التَّوَاصِي أَوِ الْهَلَعُ وَالْجَزَعُ). (أضواء البيان)
- هذه السورة تعْتَبَرَ أَسَاسًا مِنْ أُسُسِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، بِقَرِينَةِ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، أَيْ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. (أضواء البيان)
- لا طريق للسعادة والربح إلا بهذه الصفات الأربع، أخرج الصَّنْعَانِيُّ في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى {والعصر} قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى {إن الإنسان لفي خسر} قال: "الناس كلهم ثم استثنى فقال" {إلا الذين آمنوا}" ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: " {وعملوا الصالحات} " ثم لم يدعهم وذاك حتى قال": {وتواصوا بالحق} " ثم لم يدعهم وذاك حتى قال" : {وتواصوا بالصبر} " شروطا يشترط عليهم".
- والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي أن هناك منهجا واحدا رابحا، وطريقا واحدا ناجحا على امتداد الزمان في جميع الأعصار وامتداد الإنسان في جميع الأزمان، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وتصف معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسران: إنه الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
- تربط الآية الإيمان بالعمل الصالح ربط الشجرة بجذورها فالعمل الذي لا يستند إلى الإيمان باطل والإيمان الذي لا يثمر عملا صالحا مشكوك فيه والفائز من جمع بينهما.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 10 رجب 1442هـ/21-02-2021م, 01:01 AM
سارة المشري سارة المشري غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 535
افتراضي

مقصد السورة:
اشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن شاكلهم بعد بلوغ دعوة الإسلام، وكذلك من تقلّد أعمال الباطل التي حذّر الإسلام المسلمين منها، وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات والدّاعين منهم إلى الحق، وعلى فضيلة الصبر على تزكية النفس ودعوة الحق، ذكره ابن عاشور.

فضل السورة:
عن الشافعي رحمه الله: ( لو تدبّر الناس هذه السورة لوسعتهم)، وفي رواية عنه: (لو لم ينزل إلى الناس إلاّ هي لكفتهم)، وقال غيره: إنّها شملت جميع علوم القرآن.

(والعصر): القسم لتأكيد الخبر. ذكره ابن عاشور.

الأقوال في العصر:
القول الأول: هو الدهر، وهو الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وهو المشهور، ذكره ابن جرير، وابن كثير، وابن عاشور.
توجيه هذا القول:
باعتبار العموم بقاءً على الأصل، ذكره ابن جرير.

القول الثاني: هو العشي، وهو قول ابن عباس رواه ابن جرير من طريق معاوية عن علي عنه، قال:(العصر ساعة من ساعات النهار)، والحسن من طريق معمر عنه،
ذكره ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور.

توجيه هذا القول:
هذا باعتبار العهد، ذكره ابن عاشور.
القول الثالث:
صلاة العصر: ذكره ابن عطية ، والقرطبي، وابن عاشور.
توجيه هذا القول:
باعتبار أهميتها وأنها الصلاة الوسطى.

القول الرابع: عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن عاشور.
توجيهه:
باعتبار إطلاق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس، أو نبي، أو ملك، ويُعيّن بالإضافة، وخص به عصر النبي صلى الله عليه وسلم تعريف عهدٍ حضوري، ذكره ابن عطية.
القول الخامس: عصر الإسلام كلّه، ذكره ابن عاشور.
توجيهه:
لتمثيل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ذكره ابن عاشور.
القول السادس:
هو الليل والنهار، والغداة والعشي، ومنه قول الشاعر:
وَلَنْ يَلْبَث الْعَصْرَانِ يَوْم وَلَيْلَة إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
ذكره القرطبي.

الترجيح:
يترجح لي من الأقوال البقاء على العموم، ودخول الأقوال جميعا في مسمّى العصر فهو كل الزمان، إذ أن بقية الأقوال كلها جزء من هذا القول ولا وجه للتخصيص كما ذكر ابن جرير رحمه الله فكل ما ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.

الغرض من القسم:
زمنٌ يذكّر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة، أو عصر معيّن مبارك، ذكره ابن عاشور.

(إن الإنسان لفي خسر): هذا جواب القسم.
وأل استغراقية.
المراد بالإنسان:
القول الأول: الإنسان الكافر، قاله ابن عباس في رواية أبي صالح، وذكره القرطبي.
القول الثاني: يُرِيد جَمَاعَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ: الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَالْعَاص بْن وَائِل , وَالْأَسْوَد بْن عَبْد الْمُطَّلِب بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَالْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث، ، وهو قول ابن عباس عن الضحاك وذكره القرطبي.
القول الثالث: المراد جنس الإنسان في زمن نزول الآية، ويخصّص بالذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم، ذكره ابن عاشور.
القول الرابع: المراد جنس الناس، ذكره القرطبي.

الترجيح:
يترجح لي القول الرابع، وأن المراد بهم جنس الناس عموما، وإلا ما الفائدة من الاستثناء بعده.

المراد بقوله تعالى : (إن الإنسان لفي خسر):
القول الأول: أي هلكة وخسران، ذكره ابن جرير، وابن كثير، وهو ضد الربح، واستعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة، والمراد عاقبة الإنسان في آخرته من نعيم أو عذاب، ذكره ابن عاشور.
القول الثاني: إن الإنسان إذا عُمّر في الدنيا وهرم، لفي نقص وضعف وتراجع، إلا المؤمنين فإنهم تُكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى :
"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ "، ذكره القرطبي.

الترجيح:
لا إشكال في صحة القول الثاني، فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يبعُد أن يكون هو المراد أصالة من السورة إذ الأمر أعظم من ذلك، ثم إن تمام السورة يدل على إرادة القول الأول، والله تعالى أعلم.


معنى الظرفية: للإحاطة والملازمة، فقد شبه إحاطة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف، ذكره ابن عاشور.

الغرض من تنكير خسر:
يجوز أن يكون للتنويع، ويجوز أن يكون للتعظيم والتعميم، في مقام التهويل وفي سياق القسم، ذكره ابن عاشور.

الغرض من العموم، والتأكيد بمؤكدين:
للتهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.

إلا الذين آمنوا: الذين صدّقوا الله ووحدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، ذكره ابن جرير
وعملوا الصالحات: أدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه، ذكره ابن جرير، والصالحات تعريف الجنس مراد به الاستغراق، أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بها، ذكره ابن عاشور.

الاستثناء:
استثنى الذين آمنوا من الإنسان لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد، ذكره ابن جرير.
- وقال ابن عاشور: ما استثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققا في غير المؤمنين، ومخصوص بالذين بلغتهم الدعوة.
- وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماءً إلى علة حكم الاستثناء، وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه، فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات.
- ودلّ الاستثناء على أن سبب كون بقية الإنسان في خسر هو عدم الإيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة.

وتواصوا بالحق: أي أوصى بعضهم بعضا
والحق: هو كتاب الله، وهو قول قتادة رواه ابن جرير من طريق يزيد عن سعيد عنه، والحسن، ورواه ابن ثور عن معمر عنه،
وقال ابن كثير: أداء الطاعات وترك المحرمات.
وقال ابن عباس: التوحيد، رواه الضحاك عنه وذكره القرطبي.
وقال السدي: الحق هو الله تعالى، ذكره القرطبي.

والصبر: أي الصبر على العمل بطاعة الله، وهو قول قتادة رواه ابن جرير من طريق يزيد عن سعيد عنه، والحسن، وقد رواه ابن جرير من طريق خطاب بن عثمان عن عبدالرحمن بن سنان عنه.
والصبر: منع المرء من تحصيل ما يشتهيه، ومن الصبرِ: الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمر بالمعروف من امتعاض أو أذى، ذكره ابن عاشور.

وجه عطف الخاص على العام:
التواصي بالحق والتواصي بالصبر داخل في الإيمان والعمل الصالح، وعطفه هنا للاهتمام به، لأنّه قد يُغفل عنه، فنبه إلى أنّ من العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق.
ثم عطف التواصي بالصبر على التواصي بالحق، وإن كان خصوصه خصوصا من وجه، لتأكيد الصبر على مشقة إقامة الحق، ذكره ابن عاشور.

فوائد الآيات:
- امتنان الله تعالى على عباده بنعمة الزمان، وتذكيرهم بانتهائه، فالعصر آخر النهار، وهكذا الزمان وجد للعمل ثم يؤول إلى نهاية العمل، فإمّا ربح وإمّا خسران.
- بيان أنّ الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق لا يلحقه شيء منه، ذكره ابن عاشور.
- وجوب السعي في تحصيل الفلاح، الذي هو ضد الخسران، بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
- أنّ التوبة من الذنوب من أكبر الأعمال الصالحات، لأن الشرط على مطلق الإيمان والعمل الصالح، والإنسان مجبول على الخطأ، والتقصير، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن عاشور- رحمه الله-.
- أنّ هذا الخسر متفاوت وهو مراتب أعلاها ترك الإيمان، ثم يتدرج بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها، ذكره ابن عاشور.
- أن المراد بالخسر خسارة الآخرة، لقوله تعالى:(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد).
- أن الصالحات يراد به الاستغراق، فيدخل فيه جميع الأعمال الصالحة التي أُمروا بها ومنها ترك السيئات، ذكره ابن عاشور.
- أنّ انتفاء الخسران بمقدار ما عملوه من الصالحات، وفي ذلك مراتب كثيرة، ذكره ابن عاشور.
- اشتمل التواصي بالحق والتواصي بالصبر على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد والأخلاق مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر، ذكره ابن عاشور.
- التخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها، ذكره ابن عاشور.
- أن الكافر في خسر وإن ربح الدنيا، وأن المؤمن في فوز وإن نالته مشاق الحياة وآلامها.
- في الآيات إشارة إلى سبب وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وسبب نجاته.
- الزمن المهدر والمضاع في غير الطاعة نقص في عمر الإنسان الذي هو عصره، وغبن في ربحه.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 10 رجب 1442هـ/21-02-2021م, 01:03 AM
سارة المشري سارة المشري غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 535
افتراضي

المراجع:
تفسير ابن جرير.
تفسير ابن عطية
تفسير ابن عاشور.
تفسير ابن كثير.
تفسير القرطبي.
(توجد أقوال في تفسير القرطبي لم يسعفني الوقت للبحث عن أصلها فنقلتها كما هي).
وأعتذر عن التأخير.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المجلس, السادس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:06 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir