دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > الدعوة بالقرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 6 محرم 1444هـ/3-08-2022م, 09:51 PM
منيرة محمد منيرة محمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
الدولة: السعودية
المشاركات: 668
افتراضي رسالة تفسيرية في قوله تعالى :﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ

رسالة تفسيرية في قوله تعالى :﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
الحمد لله الكبير المُتعال، ذي العزَّة والجبروت والجلال، له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكمُ وإليه المردُّ والمآل، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، طيِّبُ الخِصال، صادقُ الفِعال،
صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا .
وردت هذه الآية الجليلة ضمن سورة التغابن وهي سورة عظيمة تحدثت عن عظمة الله ومظاهر قدرته في الكون وفي خلق الإنسان، وحكمته في تقدير الأمور، وقدرته على بَعْث الناس وإحيائهم ،
ونلحظ ذلك من افتتاح السورة بتسبيح وتمجيد كل المخلوقات ؛ إذ الكون كله خاضع مُتَّجه إليه سبحانه ،ثم أتبعها ببيان عظيم قدرته بخلق السماوات والأرض بالحكمة البالغة والإتقان المشاهد،
وخلْق البشر في أحسن تقويم وأجمل صورة، وأتبعها جل شأنه ،بأنه لا يُعجزه شيء، وكل شيء عنده يسير، ومِن ذلك إحياء الموتى، وبعثهم يوم القيامة، وأنه عز وجل غنيٌ عن عباده ،
فلا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضرّه معصية العاصين ،
بعد ذلك تنقلنا الآيات ، إلى محك بحثنا وموضع تدبرنا، وهو قوله تعالى :﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
لنعلم ونوقن أن من عرف ربه وخالقه، رضيّ واطمأن، فكلُ ما يجري في هذا الكون هو من تقديره وبعلمه عز وجل، فهو الذي قدَّر الأمور، وعلم هواجس الصدور،
د ما مِن صغيرة ولا كبيرة ولا خير ولا شرٍّ إلا في كتاب مبين، وبتقدير العزيز العليم؛ ، ثم يمتحن الإنسان ليرى صبره عند المصائب، وشكره عند النِّعَم، فهو الذي يرزق المال والولد،
ثم يُحذِّر أن يكونا فتنةً بمنع الإنسان عن طاعة الله والإنفاق في سبيله ، تختم السورة كما بدأت ببيان عظمته وسَعة علمه وعزَّته وحكمته، فكل شيء مَكشوف لعلمه، خاضعٌ لسلطانه، مُدبَّرٌ بحكمته .
يقول العلامة محمد الشنقيطي في هذا المقام: إن الإنسان إذا سمع وصفا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ
من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزها معظما له جل وعلا. 2
فيالها من سورة عظيمة مدرسة في التوحيد، تعرفنا بربنا وتذكرنا بعظمته وقدرته وحكمته ، ومع أنها سورة مدنية ،إلا أن تعظيم الله في القلوب مَطلبٌ في كل الأزمان والأوقات؛
لذلك جاء الحديث عن عظمة الله في السور المكيَّة والمدنيَّة؛ لما في ذلك مِن أثر في تثبيت المؤمن على إيمانه، ورَدْع العاصي عن عصيانه، وخاصة نحن في زمَن الملهيات،
فكان لا بد من التأمُّل في آيات الله وتدبر معانيه ،ومعرفة مقاصد سورة وآياته؛ لننجوا بإذن الله ونسلم من الغبن الذي ذكر لنا صوره في هذه السورة الكريمة،التي تهدف إلى
"حث الإنسان على المبادرة إلى طاعة الله من أجل أن يغنم الإنسان ويفلح"
يقول الله تعالى :﴿مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن یُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ یَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ﴾
ومثلها آية الحديد ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)
اختصت المصيبة في استعمال اللغة بما يلحق الإنسان من شر وضر، وإن كان أصل فعلها يقال كل ما يصيب الإنسان مطلقا ،
ولكن غلب إطلاق فعل أصاب على لحاق السوء ،
وهو عام لجميع المصائب، في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم، فجميع ما أصاب العباد، فبقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علم الله تعالى، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته،
والتنصيص على المصيبة ، ليدل أن كل شيء ينال العبد إنما هو بإذنه تعالى ، يقول ابن عباس : "بأمر الله ، يعني : عن قدره ومشيئته " 3
وذلك لأن الجبلّة تأبى المصائب وتتوقاها ، ومع ذلك تصيبه ، وليس في مقدوره دفعها، وفي الحديث المتفق عليه : " عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ،
وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ "
4
بخلاف الخير ، لأنه قد يدعي أنه حصله باجتهاد منه كما أخبرنا الله تعالى عن قارون قوله : ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ 5
والشأن كل الشأن، هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها ..؟
فإن قام بها، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة.
قوله : (وَمَن یُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ یَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ)
قال القرطبي : "قراءة العامة يهد بفتح الياء وكسر الدال، لذكر اسم الله أولا.
وقرأ السلمي وقتادة (يهد قلبه) بضم الياء وفتح الدال .
وقرأ طلحة "نهد" بنون على التعظيم وقلبه بالنصب.
وقرأ عكرمة "يهدأ قلبه" بهمزة ساكنة ورفع الباء، أي يسكن ويطمأن.

وحاصل هذه القراءات وفائدة تنوعها ؛أن العبد المؤمن بقضاء الله وقدره ساكن النفس مرتاح القلب ؛وذلك لأنه آمن بالله رباً ورضي بقضائه وقدره ،وعلم أن له التصرف المطلق
في عباده سبحانه وتعالى ،
فإذا حصل هذا من العبد هدى الله قلبه ووفقه وثبته .
وهذا من ثمرات الإيمان إذا تحقق يزداد المرء به هدى وبصيرة .
نسأل الله الكريم من فضله ،

قال ابن عباس : "يهد قلبه لليقين ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه " 6
وما أعظم اليقين إذا صار في قلب المؤمن ؛ قال ابن القيم : "إذا اسْتكْمل العَبْد حَقِيقَة اليَقِين صار البلاء عِنْده نعْمَة، والمحنة منحة، فالعلم أول دَرَجات اليَقِين ".
وَلِهَذا قيل العلم يستعملك، واليَقِين يحملك. 7


وسئل علقمة عن ذلك فقال : "هو الرجل تصيبه المصيبة ، فيعلم أنها من عند الله ، فيرضى ويسلم" . 8
ومن أكبر الراحة والطمأنينة للعبد ، الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأنه يستريح ويسكن ؛وذلك لأنه مؤمن بالله ومؤمن بأن الملك ملكه وأن الأمر أمره ،فيتوكل عليه ولا يكون في قلبه حسرة ،
ولا ينزعج عند المصائب، كما يجري لمن لم يهد الله قلبه، بل يرزقه الله الثبات عند ورودها والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخر الله له يوم الجزاء من الثواب
كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ 9
ويُعلم من هذا أن من لم يؤمن بالله ، فإنه عند ورود المصائب، لايلحظ قضاء الله وقدره، بل يقف مع مجرد الأسباب، فيكون حاله الخذلان، ويكله الله إلى نفسه، وإذا وكل العبد إلى نفسه،
فالنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة، على ما فرط في واجب الصبر.
نسأل الله السلامة والعافية
قال سعيد بن جبير، ومقاتل: "يعني يسترجع، يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون " 10
وقال أبو عثمان الجيزي: "من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة". 11

وهذا من حسن توفيق الله لعبده المؤمن به الراضي بقضائه ، أن يوفقه إلى إتباع ما أمره به ، وما أرشده إليه رسوله عند حلول المصائب والنكبات ،
لذا رأى عليُّ بن الحسين في الرضا درجة إيمانية رفيعة شامخة قائلا: "الرِّضا بمكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين " 12
ونلحظ أنه تعالى أضاف الهداية إلى القلب، مما يدل إن الإيمان يتعلق بالقلب ،ومن المعلوم أنه إذا اهتدى القلب اهتدى البدن ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) 13
فعلى هذا ينبغي للعبد أن يسعى لإصلاح قلبه وتفقده وتقويته بما يزيد إيمانه ويقوي يقينه حتى يبلغ منزلة الرضا التي هي أعلى المنازل وأجلها .
روى أحمد وغيره قوله صلى الله عليه وسلم : «ولو أنفقتَ مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك،
وما أخطأك لم يكن ليُصيبك،
ولو مِتَّ على غير هذا لدخلتَ النار»
14
وفي هذا إشارة إلى أن أعمال القلوب أهم وأثقل من أعمال الجوارح، فإنفاق آلاف الأثقال ذهبا في سبيل الله مع مشقته لا يساوي عند الله ما يحويه قلبٌ من كنز اليقين .
فاللهمّ نسألك إيماناً كاملا ويقيناً صادقا .
والقصد تعليم العبد الصبر على ما يغلبه من مصائب ونكبات حتى لا يفُلّ عزمه، ويفُتّ عضده ،فيلهه الحزن عن مهمات أُموره ، وتدبير شؤونه،
كما قال تعالى ، في سورة الحديد ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ﴾
وفيها : إيماء إلى الأمر بالثبات والصبر عند حلول المصائب لأنه يلزم من هدي الله قلب المؤمن عند المصيبة ترغيبه في الثبات والتصبر عند حلول المصائب .
وفيها : كناية عن مجازاة الصابرين بالثواب لأن فائدة علم الله التي تهم الناس هو التخلق ورجاء الثواب ورفع الدرجات.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾هذا الختم البديع بهذه الجملة: يزيد المؤمن طمأنينة وراحة من بيان سعة علم الله، وأنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء مما يقع، وأنه عز وجل الأعلم بما يصلح حال العبد وقلبه،
وما هو خير له في العاجل والآجل، وفي الدنيا وفي الآخرة ، فلا يحدث حدث في الكون إلا بعلمه وإذنه وهذه حال تقتضي الرضا بالقضاء والقدر والتسليم لله تعالى فيما يقضي به على عبده وفي ذلك خير كثير
لايعرفه إلا أصحاب الرضا بالقضاء والتسليم للعليم الحكيم.
ومن طرق معالجة القرآن لشأن المصائب:
-الإرشاد إلى ذلك الدعاء العظيم الذي جاء ذكره في سورة البقرة، يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

- قراءة وتدبر قصص الأنبياء وأتباعهم، الذين لقوا أنواعاً من المصائب والابتلاءات تجعل المؤمن يأخذ العبرة، ويتأسى بهم، ويهون عليه ما يصيبه إذا تذكر ما أصابهم،
وعلى رأسهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
-النظر في سير الصالحين من هذه الأمة وغيرهم، ممن ابتلوا فصبروا، ثم ظفروا، ووجدوا أثر الرضا والتسليم بحياتهم .
ولقد أصبح الرضا في هذا العصرِ ضرورةً ملحة حتى تطمئن النفوس وتقنع ؛ لأنها لما فُقد وغاب من القلوب فُقد معه الراحةَ والاطمئنان.
اللهمَّ إنا نسألك نفسًا مطمئنةً تؤمِن بلقائك، وترضى بقضائك، وتَقنَع بعطائك .
المراجع :
1-التفاسير : ابن جرير- ابن كثير –القرطبي –ابن القيم –القاسمي –البقاعي –التحرير والتنوير –ابن عطية –السعدي –ابن عثيمين .
2-أضواء البيان للشنقيطي
3-ابن كثير
4-رواه مسلم
5-القصص (78)
6- ابن جرير
7- مفتاح دار السعادة ١/١٥٥.
8-ابن جرير
9- الزمر ( 10)
10- ابن جرير ، وابن أبي حاتم
11- اللباب في علوم الكتاب
12- عيون الأخبار لابن قتيبة
13- أخرجه البخاري

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تفسيرية, رسالة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:01 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir