دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة التأهيل العالي للمفسر > منتدى الامتياز

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27 شوال 1436هـ/12-08-2015م, 04:09 PM
هبة الديب هبة الديب غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,274
افتراضي بحث في في تفسير اسم الله "الصمد"

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



تأمُّلات في مَعاني الأَسماءِ الحُسنَى والصِّفات العُلى



الصَّمَد


الحمد لله الواحد الأحد الصَّمد ،الذي لم يَلِد ولم يُولد،ولَم يَكن لَه كُفُوا أَحَد ، والصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ الكَريم ، المَبعوثِ رَحمةً للعالمِين نبيّنا مُحمَدِِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعين، أمَّا بعدُ:
إنَّ من أجلِّ العلومِ وأشرفها ؛ العلم بأسماءِ اللهِ وصفاتِه ِ، والاشتِغال بها وتدَارُسَهَا ، وهي الغاية من الخلق ، والرُكن الأَول للإِيمَان ، وهو الإيمان بالله المَُتَضَمن (لربوبيته وألوهيته وأسماءِه وصفاته) ، وبناءً عليهِ فإنَّ إيمان العَبد يَزداد بازدياد معرِفَتِهِ بربه ،ويَنقُص بنقصانها ،لأنَّ أسَاس العبادة هو العِلمُ عنِ الله فكيفَ بالعَبد أنْ يَتعبد لرِبه ويُحبه ويَخشَاه إلا بمعرفتِهِ إيَّاه.

وبابُ الأَسْماءِ والصِّفاتِ مِن أَوسَعِ أَبوابَ العَقيدةِ التي يجبُ فيها الاعتِقاد الصَّحيح ،الخَالي مِن البِدَع ،لِأنَّ هذا البَاب هو مَا ضَلَّت فيه الأُمُّة ، ولِهَذا اعتَنَى الكثير مِنَ العُلَماءِ بالقَواعدِ الصَّحيحة لِضبطِ هذا العِلم وألَّفُوا فيه المُؤَلَّفَات ِلأهمِّيتِه، حتى تبقى الأمََّة سائِرة على نَهْجِ السَّلَف واستِدلالاتِهم ،بَعيدا عن مَنهَجِ أَهْلِ الكَلام وبِدَعِهِم.

ولَمَّا كان لِمَعرِفَةِ الأَسْمَاءِ والصِّفاتِ الآثَار العَظِيمَة على سُلوكِ العَبْد ودِينِه ،وَخُلُقِهِ ، وَجَبَ عليه العِنايَة بها وفَهمِهَا ومَعْرِفَةِ لَوِازِمِها ومُقْتَضَيَاِتها وأَثَرِها فِي حَياته ،فلِكُل اسْم وصِفَة لله تعالى له معنى يَختَصُ به ويتعبد بِه ، وبحثنا هنا لِمَعرِفَة مَعنى اسْم من أَسماءِ اللهِ تَعَالى وَهُوَ الصَّمَد:


ورود هذا الاسم في الكتاب وصحيح السنة :
وَرَدَ اسم الله الصَّمد في كتاب الله تعالى مرةً واحدةً في سُورةِ الإِخْلاص في قَولهِ تَعَالى : (( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّـهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾ )).[الإخلاص]

أمَّا في السُّنة ، فقّد وَرَدَ في عدة مواضِع نَذكرُ منها صَحيحِ البُخَاري، عن أبي سَعِيدٍ الخُدريّ رَضي اللهُ عَنهُ، قَال النَبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأَصْحَابِه : أَيَعجَزُ أحَدُكم أَنْ يَقرأَ ثُلثَ القرآنِ في ليلةٍ ؟ فشقَّ ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيقُ ذلك يا رسولَ اللهِ ؟ فقال : اللهُ الواحدُ الصمدُ ثلثُ القرآنِ.

وأيضًا ما جَاءَ فِي الحَديثِ القُدُسِي مِمَّا رَواهُ أَبُو هُرَيرَة رَضيَ اللهُ عَنهُ ،عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَم قال الله تعالى:(( أنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا ))

وَأخرجَ أبو داود ،أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ” , فَقَالَ : ” لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ” .

سبب نزول سورة الإخلاص:
قيل في نزولها ثلاثة أقوال:
1-أشهرُها وأَصَحها ما روى ابن أبي حاتم في تَفسير القرآنِ العظيم عن أبيّ بن كعبٍ أنّ (المشركين قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد، انسب لنا ربّك، فأنزل اللّه: {قل هو اللّه أحدٌ * اللّه الصّمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحدٌ}.

2-القول الثاني: ما ذَكَرهُ الواحِدي في أسباب النّزول ، عن ابن عبّاس (إنَّ وَفد نَجرَان قَدِموا على النَّبي صلَّى الله عليه وَسَلم فقالوا: صِف لنا رَبك؛ أمِن زَبَرجد، أم مِن ياقوت، أم من ذَهَب، أم من فِضَّة؟! فأنزل الله هذه السورة))

3-القول الثالث: رَوى ابن الجَوزِيِّ عن قتادة والضَّحاك :"أنَّ قوم من أَحبارِ اليَهود قالوا: من أيِّ جنس هو، وممن ورث الدنيا، ولمن يورثها؟ فنزلت هذه السورة."

من فَضْلُ هذه السُّورَة والرَّد على مَن يُنكِر صِفاتِ اللهِ تعالى
مِن الأَدِلّةِ على فضْلِ هذه السُّورة ما رواهُ مُسلِم عَن عَائِشة رَضيَ اللهُ عنها: أنّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَليه وَسَلم بَعَث رَجُلًا على سَرِيَّة، وكان يَقْرَأُ لأَصحَابِه في صَلاتِهم، فَيَختِمُ ب " - قُل هُو اللهُ أَحَدٌ "، فلمّا رَجَعوا ذَكَروا ذلك للنّبيّ صَلّى اللهُ عَليه وَسَلَم فَقَال: [ سَلُوهُ لأَيّ شَئٍ يَصنعُ ذَلك ] ؟ فَسَألُوه فَقَال: لأَنّها صِفَة الرَّحمن، فَأَنا أُحِبُّ أَن أَقْرَأَ بِها ، َفَقَال رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَليهِ وَسلّم: [ أَخبِرُوه أنّ اللهَ عَزّوَجَلّ يُحِبّه ] .
وعّقيدَة أَهلِ السُّنة والجَماعةِ في بابِ الأسماءِ والصِّفاتِ ،هيَ إثباتُ للهِ من الأسماءِ والصّفاتِ ما أثبته لِنَفسِه في كِتابِه أو أثبتَهُ لهُ نبيّه صلّى الله عليهِ وَسَلَم مِن غَير تحريفٍ ولا تَعطيلٍ ولا تَكييفِ ولا تَمثيل.
وإقرار النّبيّ صَلّى اللهُ عَليه وسلَم لِقَولِ الرَّجُلِ إنَّها صِفَة الرَّحمن ؛دَليلٌ على إِثباتِ الصّفاتِ لِمن أنكَرها وَعطّلَها ، سواءَ كان تَعطيله كليّا كَالجَهميَّة أو جُزئيا كالأَشاعِرة، ومِن ناحِيَةِِ أُخرى احتّج ابن تَيميّة بقَول النَّبيّ صلّى الله عَليهِ وَسَلَمَ:"أخبِروه"، فَثَبَتَ بِهذِه النّصوص أنَّ الكَلامَ الذّي يُخبرُ بِه عَنِ الله صِفَة له، وعلّل ذلك بِاَنَّ الوَصفَ هو الإظهَارُ والبَيانُ للبّصرِ أو السَّمعِ، كَما يَقولُ الفُقَهاءُ: ثَوبٌ يَصِفُ البَشَرة أو لا يَصِفُ البَشَرة، كما في قَوله تعالى: "سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [الأنعام/ 139]، وقال: "سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ"[الصافات/180]".
ولا يَسَع المقامِ للبسطِ في هذا الجانِب، وَإنّما أشرتُ لَه لِتَعلّق الدّليل بموضُوع البَحث.

سياق السُّورة :
جاءت هَذه السُّورة لتُقرر وحدانيَّةِ اللَّه تَعالى وتَنزِيههِ عن صِفات النَّقصِ عنه ،وَإِثباتِ جميعِ صِفاتِ الكَمالِ لهُ وَحْدَهُ ؛ولِذلكَ وصَفَها الصَّحابة بأنَّها " سُورة الرَّحمن " ، فهذه السُّورة تَختَص بحَقِ الله تعَالى في ذاتِه وصفاتِه التي تَفَرد بها سُبحَانَه مِن الوحْدانيِّة والصَّمديَّة ، ونفي الولادَة والولد ، ونفي الكُفء عنه سُبحانه وتعالى ، فَكُلُ هذِه المعانِي تَدورُ حول التَّوحيد ، فمَن قرأ قوله تَعالى:{الله الصَّمد} ، وَجَدَ فِيها إثبَات تَوحيد الأُلوهية ، وَفِي قَولِه تَعَالَى: {لمَ يلد ولَم يُولد} ،وَجَدَ فيها إثبات الرُّبوبِيَّة ، وفي قَولهِ تعالى: {ولَم يَكن لَهُ كُفوًا أَحَد} وهذا فيه تَوحيدِ الأَسماءِ والصَّفات، فلا أَحد يُكافئُه ويُماثلُه ،ولأجلِ ذلك كُلّه فَهيَ تَعدِلُ ثُلث القرآن، فَضلٌ عظيم.

اقتران اسمَي الأَحد والصَّمد
أَحَديِّة الله تَعالَى تَدلُّ على انفرادِه سُبحانَهُ وَتَعَالى بِصِفاتِ الكَمال، لا يُماثِلُه شَيء ، وممِّا يعزِّزُ ذلك أنَّ لفظة أَحَد لم تَقترِن ب "أل" ، لأنَّه ليس في المَوجُوداتِ مَا يُسمّى "أَحَداً" في الإثبات في حالِ الإفراد غير مضاف سِوى الله تعالى ، أَمَّا الصَّمد وإِن كَانَ يُطلقُ على بَعضِ المَخلُوقاتِ إلا أنَّ هذهِ الصِّفة بِحقِ المَخلوُق لَيست على كَمالِها ، فهي تَقبل التَجزِئَة ،وذلك لِضَعفِه وحاجَتِهِ لِغَيرِه ،أمّا في حقِّه تَعالى فإنَّ كمال الصَّمديَّة لهُ وَحدَه لا يمكن مُماثلَتُها، لذلك تَجِد دخول "أل" عليها بيانًا لاِستحقاقِه للكَمال.

المعنى اللُّغوي للصَّمد:

{ الله الصَّمد } مُبتدأ وخبر، وقيل: { الصَّمد } نعت، والخبر فيما بعد.
والصَّمَد ُ في اللُّغَةِ :صِفة مُشَبهة، والفِعلُ منهُ :صَمَدَ يَصمِدُ صَمْدََا، بينما قالَ ابن عاشور في صيغة { اللَّه الصَّمد }:أنها صِيغة قَصر ، وذلك لتعريف المُسند؛ فتُفيد قَصْر صِفة الصَّمديِّة على الله تعالى، وهو قَصْرُ قَلْب ؛ وذلكَ إِبطْالًا لِما تَعوّدَه أهلُ الشِّرك في الجاهِليَّة مِن دُعائِهم أصْنامِهم في حوائِجهم ،والفَزعِ إليها في نوائِبهم ،حتى نَسُوا الله.

وذَكَر ابن فارِس في مقاييسِ اللُّغة أنَّ معنى (صَمَدَ) الصَّادُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ أَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا :الْقَصْدُ ، فيُقَالُ: صَمَدْتُهُ صَمْدًا. وَفُلَانٌ مُصَمَّدٌ، إِذَا كَانَ سَيِّدًا يُقْصَدُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ. وَصَمَدٌ أَيْضًا. وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الصَّمَدُ ; لِأَنَّهُ يَصْمِدُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ بِالدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ.
وَالْآخَرُ :الصَّلَابَةُ فِي الشَّيْءِ.

وَفِي اللُّغة يُطلقُ هذَا المَعنى علَى السَّيِّد المُطاع ، والسيِّد الذِي يَنتَهي إِليهِ السُؤدد ،وهو الذي يَطعم ولا يُطعَم ،وَقِيلَ الدائِم الباقِي،وقيل الذي يُصمَد إِليه الأَمر، وقيل ليسَ فَوقَهُ أَحد، وأشَار الزَّجاج في مَعاني القُرآن إلى أنَّ هذِه المَعانِي جائِزَة في حَقِ اللَّهِ تَعالى،وأيضًا الصَّمد من المعاني التي تُطلِقها العرب على الغليظ من الأرضِ المرتَفِع ، وهذا القَول ذكَرَه البَغداديِّ في إصْلاح المَنطق .

فكَيف يَكون مَعنى الاسم في حَقِ اللهِ تَعالَى ؟؟

تَفسِير معنى الصَّمد مِن القُرآن :
فلَيس أَجمع ولا أَبلغُ قَولًا مِن تفسير القرآن بالقرآن ، وقد وَرَدَ عِدة أقوال في هذا المعنى:
## القول الأول: يفسرها قوله تعالى : (لم يَلِد ولَمْ يُولَد).
وهذا التّفسير وفقًا لقاعِدة (يُفسرُه ما بعده )، وهو من أشهر الأقوال وأرجحها ،وهذا القول أخرجَه ابن أبِي حَاتم عَن الرَّبيع ،وابن المُنذِر عَن السُّدي، وكَذلك رواه ُ ابن جَرير عن مُحمّد بن كَعب وعِكرمَة وأبي العَاليَة ،وقالَ ابن كَثير أنهَّ قولٌ حَسن .
روى التّرمذيّ عن أُبيّ بن كَعب :"... والصّمد: الّذي لَم يَلد ولَم يُولد؛ لأنَّه ليس شيء يُولد إلا سيموت، وليس شَيء يَموت إلا سَيورث،وأنّ الله تعالى لا يَموت ولا يورث..."

وَهذا المَعنى الأَول الذي يُبين صَمديِّة اللهِ تَعالَى ،وهو نفي الولد والوِلادة عنه عزَّوجلّ، تعَالى الله أن يكونَ لهُ ذَلك ،فقَد قالَ تعَالى في غَير موضِع في كِتابِهِ العَزيز :"وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا" [الجن/3]، قال السّعدي في تفسير هذهِ الآيَة : قّد تَبيّنَ لِلمُشرِكينَ بُطلان افتِرائِهم على الله،ممّا وجَدوا من كَمالِ عَظَمَتِه وصِفَاتِه فتعالَلى (فتعالى) سُبحانَهُ عن اتِخاذِ ما يُنافي كَمَالَه.

##القول الثاني: يفسرها قوله تعالى: ( وهو يُطعم ولا يَطعم ) [الأنعام/14].
ومعناه أنَّه لا يطعم الطعام ولا يشرب الشراب وهذا القول رواه الطبري وابنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ والسيوطي ، عن الشّعبي بروايتين متوافقتين: قالَ: «الصَّمدُ الذي لا يَطْعَمُ الطعامَ»، وقالَ: «الصمدُ: الذي لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ الشرابَ».
وبيان هذه الآية في سورة الأنعَام جَاءت في سِياق نَفي اتخاذ ولايَةََ دونَ اللهِ عزَّوَجل،فهو المتكَفل بالرِزق لخَلقِهِ غيرَ مُحتاجِ لهُم ،فهوَ ليسَ كأحدٍ من خلقِه .
إذن نخرُج بهذا أنَّ صمديّة الله في غِناه عمَّا يَحتاجهُ خلقُه ، فَهو من لهُ الفضلُ عليهِم.

## القول الثّالث : هي تَفسير لمَا قَبلها مِن أَحَديَة الله تعالى ،فَقال تَعالى:"قُل هُو الله أَحد".
وهذا قول الشّنقيطي رحمه الله تعالى ،إنَّ أحديّة الله هي تفرده سُبحانه بجميع بصفات الجَلال والجَمال والكَمال تتبين من خلال السّورة في عِدة أمور:
1- أنّ المولود ليسَ بأحد، لأنّه جُزء من والده.
2-كَذلك الوالد ليسَ بأَحد، لأنّ جُزءاً منه في ولده.
3- يكون له كُفء. فليس بأحد لوجود الكُفء، وهكذا السُّورة كلها لتقرير { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }.
وهذا لا شَكَ في وضوحِه مِن خِلال السُّورة ،وأشار الألوسي إلى قولِِ رائع هنا ،فقال :الأحديّة تَستَلزِم الصَّمديّة ، والمُتَصِف بالصَّمديّة هو المُستحِق للأُلوهيّة .

معنى الصَّمد من كلام النُّبوة
*حديث قُدُسي:
روي الإِمام البُخاريّ والنَّسائِيّ والإمام أَحمد في مُسندِه ،عَن أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عَليه وَسلَم :"قالَ اللهُ كذّبني ابنُ آدم ولم يَكن لَه ذلك، وشَتمني ولَم يَكن لَه ذلك، أمّا تَكذيبَه إيّايّ أن يقول إنّي لن أُعيدَه كما بدأتُه ، وأمّا شَتمه إيّايّ أن يقول اتخذَ اللهُ ولدََا وأنا الصَّمد الذّي لَم أّلد ولَم أُولد ولم يكن لي كُفؤا أَحد".

تفسير معنى "الصَّمد" من كلام السَّلف والتَّابعين:
منهم من قال :
##الصّمد:" السَّيد"
وقد روى ابن جرير عن أبي جعفر أنّ العَرب كانت تُسمِّي أَشرافَها بالصَّمد :
قال الأسدي:
أَلاَ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ ....... بِعَمْرِو بنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقالَ الزِّبْرِقَانُ:
ولا رَهِينَةً إلاَّ سَيِّدٌ صَمَدُ
كما ذكر القالي عن أَحد الشّعراءِ وقَد أَرادَ حُذيفة بن بدر:
علوته بحسام ثم قلت له ....... خذها حذيف فأنت السيّد الصّمد.

** "السيِّد الذي قد كمَّل أنواع الشرف وانتهى إليه سؤدده" .
وهذا القول رواه ابن عبّاس وابن مَسعُود وشقيق (أبي وائل)، قَال: "الصمَدُ: السيِّدُ الذي قد انْتَهَى سُؤْدَدُهُ".
ذكره الصَّنعانِيّ والبَُخاريّ والطّبري وابن كَثير وابن حَجر .


** "السَّيِّد الذي ليسَ فَوقَه أَحد".
وقد روى هذا القول ابن جَرير عن أبي جعفر ، كما ذَكَره ابن حَجر عن قَول أبي عُبَيدة .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: «الصَّمَدُ السَّيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ»

** " السَّيد الذي يُصمَد إليه في الحَوائج".
رُويَ هذا القَول عن طوائِف من أهلِ السَّلَفِ والخَلَف وجُمهور أَهلِ اللُّغة ، فقد أخرَجَ ابن أَبي حاتم عَن ابن عبّاس قال: "الصَّمَدُ الَّذِي تَصْمُدُ إِلَيْهِ الأَشْيَاءُ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ كُرْبَةٌ أو بَلاءٌ".
وكذلك قَالَ الحسن ثم تَلا قَولُهُ تَعالى "ثُمّ إذا مَسَّكُم الضُّر فإليه تَجأَرون" [النحل/53].

قال ابن الأنباريّ أنَّه لا خِلافّ بين أَهلِ اللُّغة أنََّّه السيد الذي ليسَ فوقَهُ أحد الذّي َيصمُد إليه النَّاس في حوائِجِهم وأمُورِهم ، فهذِه الأَقوال الثّلاثّة يَجمعُها مَعنى عُلوُ السَّيد عن غيره ،فَسيادتُه عليهِم تَقتضي الكَمالَ لهُ والغِنى عن غَيره ،فُهو مَقصدهُم ومَلجأهم الذّي بيدِه قَضاء حوائِجهم .


وقد قيل غير هذه المعاني في الصَّمد؛ فمنهُ قَول أنَّ
##الصَّمد:هو " الّذي لا جَوف لَه" .
وَهو قول مَشهُور للسَّلَف والتّابِعين وأَهل اللُّغَة ، فَقَد روى ابن جرير عن ابن عبّاس قال:" الصَّمَدُ الّذي لَيسَ بأجوَف "،كَذلِكَ قالَ مُجاهِد وسَعيدُ بنُ جُبير وابن بريدة وغيرهم ، إلا أنَّهُ أَشار ابن جَرير وابن كَثير إلى أنَّ روايَةَ ابن بريدَة موقُوفَة لا تَِصح.
وهذا المَعنى يَدخُل فِيه عِدة مَعانِي ذَكَرها السَّلف :
1- " فالذِي لا جَوف لَه " يَلزم مِنه مَعنى أَنَّه:
**"لا يَطعَم ولا يَأكُل الطَّعام والشَّراب"، وروى هذا المعنى ابن جَرير عن ابن عبَّاس وابن مَسعود ومُجاهد وسعيد بن جبير والضَحاك والسُّدي وعكرمة وسعيد بن المسيب والحسن وغيرهم، وكذلك رواه الصنعاني عن مُجاهد وعِكرمة،و أخرجَه الطَّبراني في السُّنة عن الضَّحاك.وهو يُطابق مَعنى "لا يَطعَم ولا يُطعم" وهو ما ذكر آنفا.
2-والمعنى الثَّاني الذي ذكره السَّلف بالتَّلازُم مع مَعنى "الذي لا جَوف لَه" هو:
** " الذي لم يخرج منه شيء "، وهذا المعنى رواه ابن جرير وكذلك السّيوطي عن عكرمة.
فَقَد روى الطَّبري عن عِكرمَة ، قَال في قَولِه : ( الصَّمد ) : الذي لَم يَخرُج منه شَيء ، ولَم يَلد ، ولم يُولد .
ولكن يَلزم التَّنبيه إِلى أنَّ مَعنَى "لا يَخرُج منه شَيء" ليس المُرَادُ مِنهُ أنَّهُ لا يتَكلم، لِأَنَّهُ يُقالُ في الكَلامِ: خَرَج مِنه، وذلك كَما في الحَديث الّذي أخرجهُ التّرمِذِيّ: "ما تقَرَبَ العِبادُ إلى اللهِ بِشيءٍ أَفضًل ممّا خَرَجَ مِنه".

ومن كَان له جَوف يَلزم لبَقاءِه الطّعام والشّراب ؛وهَذه صِفات نَقصٍ لا تَليق برَب العِزّة والجَلال ، فَهيَ في حَقِّ المَخلوقِين أتمّ، فَهل يَستوي اللُّجوء لِمن هوَ ناقِص الصِّفات كَاللُّجوء لَمن الكمال وَصفُه، بالطّبع لا،لأنّ النّفسَ مجبُولة لحبِّ الكَمال.


إلى الآن نحنُ أَمامَ تعريفَين جَامِعَين ،وهما :
الأَول: السيّد الذِي كمُل في سُؤدده وليسَ فوقه أحد ويقضِي الحوائِج.
والثاني:الذي لا جَوف لَه ،ولا يأكل ولا يشرَب ولا يَخرج منهُ شَيء.
ففي التعريف الأول إثبات لِصفات الكَمال ،والثاني نفي صفات النقص عنه جلّ وعلا، فتنَنَزّه وتَقَدّسَ تعالَى عن صِفات خلقِه.

ومن الأقوال ِالأُخرى في معنى الصَّمد هو:
## "الصّمد" :هو الحَيّ القَيوم الّذي لا زَوال له.
وهذا القَول رواهُ ابن كثير والسَّيوطي والقَسطلانيّ عن الحَسن ،أَنَّه قَال: «{الصّمد}: الحيّ القيّوم، الذي لا زوال له».
وقد رَوى ما يُوافق هذا المَعنى الصَّنعانيّ عن الحَسن، وابن جرير عن قتادة فقالا :أن ّ** الصَمد: هو الدائِم ، وقول آخر أنّ** الصَّمد :هو الباقي بعد خَلقِه، فلا يَفنى .
وروى هذا المعنى ابن جرير عن الحَسن وقَتادة ؛ وقَالا أنَّ هذه سُورة خَالصة لَيس فيها ذِكر لأَمر الدُّنيا والآخِرة .

فهذِه الأقوال مُتّفقة فيما بَينها ،وقَد ذَكر ابن تَيّمية رَحمَه الله تعالى أنّ "الحَيّ " هو اسم من أسمَاء الله تَعالى التي مَفادها أنّ لله تعالى صِفة الحَياة الكَامِلة ،لا يَعتريها نَقص مِن غَفوة أو نَوم أو مَوت، وهَذه كُلّها صِفاتُ كمال
بالمُقابل أشار إلى أنّ معنى "القَيوم " هُو القائِم بنفسه المُقيم لغيره، ولو تَأملنَا ما ِقيل سَابقََا في مَعنى الصَّمد أنّه الّذي يُصمد إليه في الحوائج ،لوجَدنا أنّ الأَلفاظ يُفسر بَعضها بَعض، وقَد اعتبَر العُلماء أنّ اسمي الحَيّ القَيوم من الأسماء التي جَمعت أُصول مَعاني الأَسماء والصِّفات ، فالحيّ معناه الدّائِم ، والدّائِم هو الّذي لا يَفنى ،فيَبقى بَعد خلقه،وكلها تتفق مع صَمَديّة الله تعالى .
وقالوا:
## الصّمد : هو نورٌ يتلألأ، وهذا القَول رواه ابن كثير عَن عبدُالله بن بريدة ، والقَسطلانِي عن عبدُالله بن يّزيد.


خُلاصَة هذه الأقوال:
ذَكر ابن تَيميّة رَحمَه اللهُ تَعالى في هذِه الأَقوال ،أَنّه قد يُظنُّ باختِلافِها، ّوالصّحيح ليست كذلك بَل كُلّها صواب، وهذا ممّا بيَّنه الطّبري وابن كثير و الطَّبرانِي في كِتابه السُّنة وكذلك البَغويّ ،لأَنّ جَميعَ هذِه المَعانِي مُحتملة له،فَجميعَها صِفات كَمال لا تَليقُ إلا بِه ،قَال تعالى:" لَيس كَمِثلهِ شَيء وَهو السَّميعُ البَصير" [الشورى/11].

الصَّمد من الأَسماءِ الجامِعة
إنَّ اسم الله الصّمد مِن الأَسماءِ التي حَوت مَعانِِ كَثيرة غَير مُفردَة، وهي من الأسماء الجامعة، والمَقصود من الأسماءِ الجامعة ،أي التي تَجمَع أكثَر مِن اسمٍ مِن أَسمَاءِ اللهِ الحُسنى في معناها، وابن عبّاس جَمع العديد من أسماء الله الُحسنى في معَنى اسم اللهِ الصَّمد، فقد روى ابنُ أبي حاتم عنِ ابن عبّاس رضِي اللهُ عنهُ في مَعنى الصَّمد:" أنه السيِّدُ الذي قد كَمُلَ في سُؤْدَدِه، والشريفُ الذي قد كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعظيمُ الذي قد كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، والحليمُ الذي قد كَمُلَ في حِلْمِهِ، والغنِيُّ الذي قد كَمُلَ في غِناهُ، والجبَّارُ الذي قد كَمُلَ في جَبَرُوتِهِ، والعالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحكيمُ الذي قد كَمُلَ في حِكْمَتِهِ، وهو الذي قد كَمُلَ في أنواعِ الشرَفِ والسُّؤْدَدِ، وهو اللهُ سبحانَه هذه صِفَتُه، لا تَنْبَغِي إِلاَّ له،ليسَ لهُ كُفوًا أحد، ولَيسَ كَمثلِه شَيء،سُبحانَه هوَ اللهُ الواحِد القّهار."
نلاحِظ أنّه جَمَع اسم الله العظيمَ بعَظمتِه، والحليم بِحلمِه، والعليمَ بعلمِه ،والحكيمِ بِحكمتِه، والحيّ القَيوم من أقوال أخرى..فكل الصّفات قَد كَمل فيها ،لذلك اسم الله الصَمد من الأسماء الجامعة .

قال ابن القيّم فِي نونيّته:
وهو الإلهُ السّيِّدُ الصَّمدُ الّذي ***حَمَدَت إِليهِ الخَلقُ بالإِذعانِ
الكامل الأوصاف كماله ما فيه*** من كُلِّ الوجوهِ من نقصَانِ


لَكن كيفَ يكون أثر اسم اللهِ الصَّمد في حياتنا ؟
إنَّ معرفَة المعنى المُتضمن للاسم يُعيننا على إيجاد أثره في جميعِ نواحي الحياة ،فبعد أنْ تبين معنى صَمَديِّة الله ،وأنَّه هو المستَحِقُ للجوءِ والاستِعانة ، فعَليك أن تَطرُق بابه فِي صَغير أُمُورِك قَبل كبَيِرها ، وَعوِّد نفسَكَ على ذلك،وحالَ قِيامِك بذلك استَحضِر هذه المعَاني فِي قَلبِك، وعلِّمها لِمن حَولك.

فعجبًا لأمرِ النَّاس ،فقد تركوا الغنيِّ مِن كُلِّ الوجوهِ ،وَقَصدوا الفقير مِن كُلِّ الوُجوه، حتى ضعفَ الإيمان في قلوبهم.



والحَمدُللهِ رَبِّ العالَمِين


- المراجع :
*التفاسير:
-عبد الرزاق الصنعاني، (ت:211ه) ، http://jamharah.net/showthread.php?t=21817#.Vcs9fvmqqko
-فتح الباري شرح صحيح البخاري / كتاب التفسير ،أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ( ت:852ه )،تحقيق عبدالقادر شيبة الحمد،دار الكتب العلمية
-الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي،لأبي عيسى محمد بن عيسىبن سورة (ت:279ه)،دار الكتب العلمية /بيروت.
-تفسير ابن جرير الطبري ، (ت:310ه)http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-تفسير الثعلبي ، http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-تفسير الماوردي، http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-تفسير ابن عطية (ت:481ه) .http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-زاد المسير لابن الجوزي، http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي،(ت:774ه) ، دار السلام/الرياض.
-الدر المنثور للسيوطي.(ت:911ه) ، http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-روح المعاني، للألوسي، (ت:1270ه).http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-التحرير والتنوير ، للطاهر ابن عاشور(ت:1393ه).http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx
-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن مختار للشنقيطي (ت: 1393ه)،دار ابن حزم.
-تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، عبدالرحمن بن ناصر السَّعدي ، (ت:1367ه) ،تحقيق عبدالرحمن بن معلا اللويحق ، دار ابن حزم/القاهرة.
*أسباب النزول:
-أسباب النزول للواحدي. (ت:468ه) ،http://www.afaqattaiseer.net/vb/show...4#.Vcs5Cfmqqko
*كتب اللغة :
- معاني القرآن للزجاج .(ت:311ه)، http://www.afaqattaiseer.net/vb/show...1#.Vcs4f_mqqko
*موقع جمهرة العلوم..http://jamharah.net/showthread.php?t=21817
*مؤلفات في العقيدة:
-فتح الباري بشرح صحيح البخاري/ كتاب التوحيد ، أحمدبن علي بن حجر العسقلاني ( ت:852ه )،تحقيق عبدالقادر شيبة الحمد،دار الكتب العلمية
-
العقيدة الطحاوية ( إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل ) ، صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ ، دار المودة ، المنصورة / مصر
* مؤلفات في الأسماء والصفات :
-شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ، محمد بن صالح العثيمين ( ت:1421ه)، دار التقوى للنشر والتوزيع.
-المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى ،عبد العزيز بن داخل المطيري،كتاب بصيغة pdf
-فقه الِأسماء الحسنى ، لعبد الرزاق البدر، دار ابن حزم ، القاهرة.


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29 شوال 1436هـ/14-08-2015م, 10:31 PM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

أحسنت أختي بارك الله فيك وزادك من فضله

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تجب, في

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:18 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir