دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > دروس التفسير لبرنامج إعداد المفسّر > دروس تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الأول 1440هـ/17-11-2018م, 02:41 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي تفسير سورة النساء [ الآية (11) ]

تفسير قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)}


تفسير قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله - عزّ وجلّ - {يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف ولأبويه لكلّ واحد منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس من بعد وصيّة يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا فريضة من اللّه إنّ اللّه كان عليما حكيما}.
معنى {يوصيكم}: يفرض عليكم، لأن الوصية من اللّه - عز وجل - فرض، والدليل على ذلك قوله: {ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ذلكم وصّاكم به}وهذا من المحكم علينا.
{للذّكر مثل حظّ الأنثيين} المعنى: يستقر للذكر مثل حظ الأنثيين، له الثلثان وللابنة الثلث.
{فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النّصف}
يجوز واحدة وواحدة ههنا، وقد قرئ بهما جميعا إلا أن النصب عندي أجود بكثير، لأن قوله: {فإن كنّ نساء فوق اثنتين} قد بين أن المعنى فإن كان الأولاد نساء، وكذلك، وإن كانت المولودة واحدة فلذلك اخترنا النصب، وعليه أكثر القراءة.
فإن قال قائل إنما ذكر لنا ما فوق الثنتين وذكرت واحدة فلم أعطيت البنتان الثلثين فسوّي بين الثنتين والجماعة؟
فقد قال الناس في هذا غير قول: قال بعضهم: أعطيت البنتان الثلثين بدليل لا تفرض لهما مسمى، والدليل: أهو، قوله: {يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك}، فقد صار للأخت النصف كما أن للابنة النصف، {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان} فأعطيت البنتان الثلثين كما أعطيت الأختان، وأعطي جملة الأخوات الثلثين قياسا على ما ذكر اللّه - عزّ وجلّ - في جملة البنات، وأعلم اللّه في مكان آخر أن حظ الابنتين وما فوقهما حظ واحد في قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السّدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثّلث}،فدلت هذه الآية: أن حظّ الجماعة إذا كان الميراث مسمى حظ واحدة.
وهذا أيضا في العربية كذا قياسه لأن منزلة الاثنتين من الثلاث كمنزلة الثلاث من الأربع فالاثنان جمع كما أن الثلاث جمع، وصلاة الاثنين وصلاة الاثنتين جماعة، والاثنان يحجبان كما تحجب الجماعة.
فهذا بيّن واضح.
وهذا جعله اللّه في كتابه يدل بعضه على بعض تفقيها للمسلمين وتعليما، ليعلموا فيما يحزبهم من الأمور على هذه الأدلة.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد، وكذا قال إسماعيل بن إسحاق – أنه قال: «في الآية نفسها دليل أن للبنتين الثلثين، لأنه إذا قال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وكان أول العدد ذكرا وأنثى، فللذّكر الثلثان وللأنثى الثلث، فقد بأن من هذا أن للبنتين الثلثين، واللّه قد أعلم أن ما فوق الثنثين لهما الثلثان».
وجميع هذه الأقوال التي ذكرنا: حسن جميل بين، فأمّا ما ذكر عن ابن عباس من أن البنتين بمنزلة البنت فهذا لا أحسبه صحيحا عن ابن عباس وهو يستحيل في القياس لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع، فالواحد خارج عن الاثنين، ويقال ثلث وربع وسدس، ويجوز تخفيف هذه الأشياء لثقل الضم، فيقال ثلث وربع وسدس.
ومن زعم أن الأصل فيه: التخفيف وأنّه ثقل فخطأ، لأن الكلام موضوع على الإيجاز والتخفيف.
وقوله عزّ وجلّ: {ولأبويه لكلّ واحد منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس} فالأم لها في الميراث تسمية من جهتين:
1- تسمية السدس مع الولد.
2- وتسمية السدس مع الإخوة، وتسمية الثلث إن لم يكن له ولد.
والأب يرث: من جهة التسمية السدس، ويرث بعد التسمية على جهة التعصيب.
والأم يحجبها: الإخوة عن الثلث فترث معهم السدس.
قال أبو إسحاق: ونذكر من كل شيء من هذا مسألة، إذ كان أصل الفرائض في الأموال والمواريث في هذه السورة.
فإن مات رجل أو امرأة فخلفا أبوين، فلام الثلث، والثلثان الباقيان للأب، بهذا جاء التنزيل وعليه اجتمعت الأمة، فإن خلّف الميت ولدا وكان ذكرا فللأم السدس وللأب السدس، وما بقي فللابن، فإن خلّف بنتا وأبوين، فللبنت النصف وللأم السدس، وما بقي للأب يأخذ الأب سدسا بحق التسمية، ويأخذ السدس الآخر بحق التعصيب.
فإن خلّف الميت - وكانت امرأة - زوجا وأبوين، فللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي للأب ثلثا ما بقي، وهو ثلث أصل المال.
وقد ذكر عن ابن عباس«إنّه كان يعطي الأمّ الثلث من جميع المال».
ويعطي الأب السدس، فيفضل الأم على الأب في هذا الموضع.
والإجماع: على خلاف ما روي عنه.
وقال الذين احتجوا مع الإجماع: « لو أعلمنا اللّه - عزّ وجلّ - أن المال بين الأب والأم ولم يسم لكل واحد لوجب أن نقسمه بينهما نصفين، فلما أعلمنا اللّه - عزّ وجلّ - أنّ للأم الثلث علمنا أن للأب الثلثين، فلما دخل على الأب والأم داخل أخذ نصف المال، دخل النقص عليهما جميعا، فوجب أن يكون الميراث للأبوين إنّما هو النص، فصار للأم ثلث النصف، وللأب ثلثا النصف»..
وقيل في الاحتجاج في هذا قول آخر:
قال بعضهم: «إنما قيل {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث} ولم يرثه ههنا أبواه فقط، بل ورثه أبواه وورثه مع الأبوين غير الأبوين، فرجع ميراث الأم إلى ثلث ما بقي».
وقال أصحاب هذا الاحتجاج: «كيف تفضل الأم على الأب والإخوة يمنعون الأم الثلث فيقتصر بها على السدس، ويوفر الباقي على الأب، فيأخذ الأب خمسة أسداس، وتأخذ الأم سدسا».
فإن توفي رجل أو امرأة، وخلّف إخوة ثلاثة فما فوق، وأمّا وأبا أخذت الأم السدس وأخذ الأب الباقي. هذا إجماع.
وقد روي عن ابن عباس في هذا شيء شاذ: «رووا أنّه كان يعطي الإخوة هذا السدس الذي منع الإخوة الأم أن تأخذه، فكان يعطي الأمّ السّدس، والإخوة السّدس. ويعطي الأب الثلثين، وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء».
وقد أجمعت فقهاء الأمصار: «أن الإخوة لا يأخذون مع الأبوين».
فإن توفّي رجل وخلف أخوين وأبوين، فقد أجمع الفقهاء أن الأخوين يحجبان الأم عن الثلث، إلا ابن عباس فإنه كان لا يحجب بأخوين، وحجته أن اللّه - عزّ وجلّ - قال: {فإن كان له إخوة فلأمّه السّدس}
وقال جميع أهل اللغة: «إن الأخوين جماعة، كما أن الإخوة جماعة، لأنك إذا جمعت واحدا إلى واحد فهما جماعة، ويقال لهما إخوة».
وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما، يريدون رحليهما.
وما كان الشيء منه واحدا فتثنيته جمع، لأنّ الأصل هو الجمع.
قال اللّه تعالى: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}.
وقال: {ولأبويه} لأن كل واحد منهما قد ولده.
والأصل في " أم " أن يقال " أبة "، ولكن استغني عنها بأم. وأبوان تثنية أب، وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنا وابنة، - ولم تخف اللبس - قلت: ابنان.
{فلأمّه} تقرأ بضم الهمزة وهي أكثر القراءات.
وتقرأ بالكسر " فلإمّه "، فأما إذا كان قبل الهمزة غير كسر، فالضم لا غير، مثل قوله:{وجعلنا ابن مريم وأمّه آية} لا يجوز وإمّه، وكذلك قوله: {ما هنّ أمّهاتهم}، وإنما جاز " لإمّه " و {في أمّها رسولا} بالكسر، لأن قبل الهمزة كسرة.
فاستثقلوا الضمة بعد الكسرة، وليس في كلام العرب مثل: " فعل " بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام بالاسم شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الصفة كسرة،.
ومن قال: فلامه كح - بضم الهمزة. أتى بها على أصلها، على أن اللام تقديرها تقدير الانفصال.
وقوله عزّ وجل: {من بعد وصيّة يوصي بها أو دين} أي: إن هذه الأنصبة إنما تجب بعد قضاء الدين، وإنفاذ وصية الميت في فإن قال قائل: فلم قال أو دين، وهلا كان " من بعد وصية يوصي بها ودين؟
فالجواب في هذا: أن " أو " تأتي للإباحة، فتأتي لواحد واحد على انفراد، وتضم الجماعة فيقال جالس الحسن أو الشعبي، والمعنى كل واحد من هؤلاء أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، ولو قلت جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت.
فلو كان " من بعد وصية يوصي بها ودين " احتمل اللفظ أن يكون هذا إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفردا كان حكم آخر، فإذا كانت " أو " دلّت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما وقوله - عزّ وجلّ -: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا} في هذا غير قول: أمّا التفسير فإنه يروى أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة أن يرفع إليه أبوه فيرفع، وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل يرفع ابنه إليه فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا، أي: إن اللّه - عزّ وجلّ - قد فرض الفرائض على ما هي عنده حكمة، ولو ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع في الدنيا، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة.
{إنّ اللّه كان عليما حكيما} أي: عليم بما يصلح خلقه - حكيم فيما فرض من هذه الأموال وغيرها.
وقوله: {فريضة من اللّه} منصوب على التوكيد والحال من.. ولأبويه... أي: ولهؤلاء الورثة ماذكرنا مفروضا، ففريضة مؤكدة لقوله {يوصيكم الله} ومعنى {إن اللّه كان عليما حكيما}فيه ثلاثة أقوال:
1- قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما وحكمة ومغفرة وتفضلا، فقيل لهم إن الله كان كذلك ولم يزل، أي لم يزل على ما شاهدتم.
2- وقال الحسن: كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر تدبيره منها.
3- وقال بعضهم: الخبر عن الله في هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى وما يكون وما هو كائن.
والقولان الأولان هما الصحيحان: لأن العرب خوطبت بما تعقل، ونزل القرآن بلغتها فما أشبه من التفسير كلامها فهو أصح، إذ كان القرآن بلغتها نزل.
وقال بعضهم: «الأب تجب عليه النفقة للابن إذا كان محتاجا إلى ذلك، وكذلك الأب تجب نفقته على الابن إذا كان محتاجا إلى ذلك، فهما في النفع في هذا الباب لا يدرى أيهما أقرب نفعا».
والقول الأول هو الذي عليه أهل التفسير). [معاني القرآن: 2/18-25]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {يوصيكم} يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظة أمر- كيف تصرفت، وأما صيغة الأمر من غير اللفظة ففيها الخلاف الذي سيأتي موضعه إن شاء الله، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، ذلكم وصّاكم به } وقيل: «نزلت هذه الآية بسبب بنات سعد بن الربيع» وقال السدي: «نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت»، وقيل: «بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر بن عبد الله، وذكر أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآيات تبيينا أن لكل أنثى وصغير حظه»، وروي عن ابن عباس:« أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات»، ومثل مرتفع بالابتداء أو بالصفة، تقديره حظ مثل حظ، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «في أولادكم أن للذكر» وقوله تعالى: {فإن كنّ نساءً } الآية الأولاد لفظ يجمع الذكران والإناث، فلما أراد بهذه الآية أن يخص الإناث بذكر حكمهن أنث الفعل للمعنى، ولو اتبع لفظ الأولاد لقال كانوا، واسم- كان- مضمر، وقال بعض نحويي البصرة: تقديره وإن كن المتروكات «نساء»، وقوله: فوق اثنتين معناه: «اثنتين» فما فوقهما، تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما بالإجماع الذي مرت عليه الأمصار والأعصار، ولم يحفظ فيه خلاف، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس: أنه يرى لهما النصف. ويثبت أيضا ذلك لهما بالقياس على الأختين المنصوص عليهما، ويثبت ذلك لهما بالحديث الذي ذكره الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بالثلثين، ومن قال: فوق زائدة واحتج بقوله تعالى: {فوق الأعناق} هو الفصيح، وليست فوق زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة «اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال: وقد احتج لأخذهما الثلثين بغير هذا، وكله معارض، قال إسماعيل القاضي: « إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها الثلث إذا انفرد، فأحرى أن تأخذ ذلك مع أختها » قال غيره:« وكما كان حكم الاثنين فما فوقهما من الإخوة للأم واحدا، فكذلك البنات»، وقال النحاس:«لغة أهل الحجاز وبني أسد، الثلث والربع إلى العشر» ، وقد قرأ الحسن ذلك كله بإسكان الأوسط، وقرأه الأعرج، ومذهب الزجاج:« أنها لغة واحدة، وأن سكون العين تخفيف، وإذا أخذ بنات الصلب الثلثين، فلا شيء بعد ذلك لبنات الابن، إلا أن يكون معهن أخ لهن، أو ابن أخ، فيرد عليهن»، وعبد الله بن مسعود « لا يرى لهن شيئا، وإن كان الأخ أو ابن الأخ، ويرى المال كله للذكر وحده دونهن».
قرأ السبعة سوى نافع «واحدة» بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع واحدة بالرفع على أن كان بمعنى وقع وحصر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «النّصف» بضم النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن، وقوله: « ولدٌ يريد ذكرا أو أنثى، واحدا أو جماعة للصلب أو ولد ولد ذكر، فإن ذلك كيف وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب»، وقوله تعالى: {فإن لم يكن له ولدٌ } الآية، المعنى: «فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولد ذكر، ذكرا كان أو أنثى»، وقوله: «وورثه أبواه تقتضي قوة الكلام أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله وورثه حكما لهما بالمال فإذا ذكر وحدّ بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد حددت للآخر منه الثلثين، بنص كلامك، وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره»يجيء قول أكثر الناس: «إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان معهما زوج كان «للأم السدس»، وهو الثلث بالإضافة إلى الأب، وعلى أن الفريضة خلت من الولد فقط» يجيء قول شريح وابن عباس: «إن الفريضة إذا خلت من الولد أخذت «الأم الثلث» من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب ويجيء على هذا»، قوله: «وورثه أبواه. منفردين أو مع غيرهم». وقرأ حمزة والكسائي «فلإمه» بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله: {في بطون أمّهاتكم}{وفي أمّها}{ وفي أمّ الكتاب} وهذا كله إذا وصلا اتباعا للكسرة أو الياء التي قبل الهمزة، وقرأ الباقون كل هذا بضم الهمزة، وكسر همزة الميم من «أمهاتكم» اتباعا لكسر الهمزة، ومتى لم يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق، وقوله تعالى: { فإن كان له إخوةٌ فلأمّه السّدس} الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه ، أشقاء كانوا أو للأب أو للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ: إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه خلافه مثل قول «السدس» الذي يحجبون «الأم» عنه، قال قتادة:« وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعدا يحجبون الأم عنه»، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس، أن الأخوين في حكم الواحد، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة. واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شاهدين } وكقوله في آية الخصم {إذ تسوّروا المحراب إذ دخلوا} وكقوله: {وأطراف النّهار} واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى- يحكمان- وفي الثانية- إن هذا أخي، وأيضا فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم غيرهما فهم جماعة، وأما «النهار» في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق»، وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس: «أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا يصح أن يدخل هذا على هذا» ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي- «يوصي» - بإسناد الفعل إلى الموروث، إذ قد تقدم له ذكر، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، «يوصى» بفتح الصاد ببنية الفعل للمفعول الذي لم يسّم فاعله، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، «يوصّى» بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر، وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوما من الدين، اهتماما بها وندبا إليها، كما قال تعالى:{ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً } وأيضا قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانا، ويقوي هذا كون العطف ب أو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضا إذ هي حظ مساكين وضعاف وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه السلام إن لصاحب الحق مقالا وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث، وأن يغض الناس إلى الربع). [المحرر الوجيز: 2/480-484]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدةً فلها النّصف ولأبويه لكلّ واحدٍ منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولدٌ فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوةٌ فلأمّه السّدس من بعد وصيّةٍ يوصي بها أو دينٍ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعًا فريضةً من اللّه إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا (11) }.
هذه الآية الكريمة والّتي بعدها والآية الّتي هي خاتمة هذه السّورة هنّ آيات علم الفرائض، وهو مستنبطٌ من هذه الآيات الثّلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك ممّا هي كالتّفسير لذلك ولنذكر منها ما هو متعلّقٌ بتفسير ذلك، وأمّا تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلّة، والحجاج بين الأئمّة، فموضعه كتاب "الأحكام" فاللّه المستعان.
وقد ورد التّرغيب في تعلّم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصّة من أهمّ ذلك. وقد روى أبو داود وابن ماجه، من حديث عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، عن عبد الرّحمن بن رافعٍ التّنوخيّ، عن عبد اللّه بن عمرٍو، رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:«العلم ثلاثةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ: آيةٌ محكمةٌ، أو سنّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«يا أبا هريرة، تعلّموا الفرائض وعلّموه فإنّه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أوّل شيءٍ ينتزع من أمّتي».رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعفٌ.
وقد روي من حديث عبد اللّه بن مسعودٍ وأبي سعيدٍ وفي كلٍّ منهما نظرٌ. قال سفيان ابن عيينة: «إنّما سمّى الفرائض نصف العلم؛ لأنّه يبتلى به النّاس كلّهم».
وقال البخاريّ عند تفسير هذه الآية: حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشامٌ: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه قال: «عادني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكرٍ في بني سلمة ماشيين، فوجدني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا أعقل شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضّأ منه، ثمّ رش عليّ، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت: {يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين}».
وكذا رواه مسلمٌ والنّسائيّ، من حديث حجّاج بن محمّدٍ الأعور، عن ابن جريجٍ به، ورواه الجماعة كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابرٍ.
حديثٌ آخر عن جابرٍ في سبب نزول الآية: قال الإمام أحمد: حدّثنا زكريّا بن عديٍّ، حدّثنا عبيد اللّه -هو ابن عمرو الرّقّيّ -عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل، عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الرّبيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه، هاتان ابنتا سعد بن الرّبيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإنّ عمّهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالًا ولا ينكحان إلّا ولهما مالٌ. قال: فقال: «يقضي اللّه في ذلك». قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمّهما فقال: «أعط ابنتي سعدٍ الثّلثين، وأمّهما الثّمن، وما بقي فهو لك».
وقد رواه أبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه، من طرقٍ، عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل، به. قال التّرمذيّ:«ولا يعرف إلّا من حديثه».
والظّاهر أنّ حديث جابرٍ الأوّل إنّما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السّورة كما سيأتي، فإنّه إنّما كان له إذ ذاك أخواتٌ، ولم يكن له بناتٌ، وإنّما كان يورث كلالةً، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعًا للبخاريّ، رحمه اللّه، فإنّه ذكره هاهنا. والحديث الثّاني عن جابرٍ أشبه بنزول هذه الآية، واللّه أعلم.
فقوله تعالى: {يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين} أي: «يأمركم بالعدل فيهم، فإنّ أهل الجاهليّة كانوا يجعلون جميع الميراث للذّكور دون الإناث، فأمر اللّه تعالى بالتّسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصّنفين، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرّجل إلى مؤنة النّفقة والكلفة ومعاناة التّجارة والتّكسّب وتجشّم المشقّة، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى».
وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: {يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين} أنّه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح.
وقد رأى امرأةً من السّبي تدور على ولدها، فلمّا وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه:« »أترون هذه طارحة ولدها في النّار وهي تقدر على ذلك؟ » قالوا: لا يا رسول اللّه: قال: «فوالله للّه أًرحم بعباده من هذه بولدها».
وقال البخاريّ هاهنا: حدّثنا محمّد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبّاسٍ قال:«كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس والثّلث، وجعل للزّوجة الثّمن والرّبع، وللزّوج الشّطر والرّبع ».
وقال العوفي، عن ابن عبّاسٍ قوله: {يوصيكم اللّه في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين} وذلك أنّه لمّا نزلت الفرائض الّتي فرض اللّه فيها ما فرض، للولد الذّكر والأنثى والأبوين، كرهها النّاس أو بعضهم وقالوا: «تعطى المرأة الرّبع أو الثّمن وتعطى البنت النّصف. ويعطى الغلام الصّغير. وليس أحدٌ من هؤلاء يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة.. اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينساه، أو نقول له فيغيّر، فقال بعضهم: يا رسول اللّه، نعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم ونعطي الصّبيّ الميراث وليس يغني شيئًا.. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة، لا يعطون الميراث إلّا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر». رواه ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ أيضًا.
وقوله: {فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك} قال بعض النّاس: قوله: {فوق} زائدةٌ وتقديره: فإن كنّ نساءً اثنتين كما في قوله تعالى {فاضربوا فوق الأعناق} وهذا غير مسلّم لا هنا ولا هناك؛ فإنّه ليس في القرآن شيءٌ زائدٌ لا فائدة فيه وهذا ممتنعٌ، ثمّ قوله: {فلهنّ ثلثا ما ترك} لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك. وإنّما استفيد كون الثّلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنّه تعالى حكم فيها للأختين بالثّلثين. وإذا ورث الأختان الثّلثين فلأن يرث البنتان الثّلثين بطريق الأولى وقد تقدّم في حديث جابرٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حكم لابنتي سعد بن الرّبيع بالثّلثين، فدلّ الكتاب والسّنّة على ذلك، وأيضًا فإنّه قال: {وإن كانت واحدةً فلها النّصف} فلو كان للبنتين النّصف أيضًا لنصّ عليه، فلمّا حكم به للواحدة على انفرادها دلّ على أنّ البنتين في حكم الثّلاث واللّه أعلم.
وقوله: {ولأبويه لكلّ واحدٍ منهما السّدس ممّا ترك إن كان له ولدٌ فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثّلث فإن كان له إخوةٌ فلأمّه السّدس} إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث أحوالٌ:
أحدها: أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكلّ واحدٍ منهما السّدس فإن لم يكن للميّت إلّا بنتٌ واحدةٌ، فرض لها النّصف، وللأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس، وأخذ الأب السّدس الآخر بالتّعصيب، فيجمع له -والحالة هذه -بين هذه الفرض والتّعصيب.
الحال الثّاني: أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأمّ -والحالة هذه -الثّلث ويأخذ الأب الباقي بالتّعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض للأمّ، وهو الثّلثان، فلو كان معهما -والحالة هذه -زوجٌ أو زوجةٌ أخذ الزّوج النّصف والزّوجة الرّبع. ثمّ اختلف العلماء: ما تأخذ الأمّ بعد فرض الزّوج والزّوجة على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنّها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأنّ الباقي كأنّه جميع الميراث بالنّسبة إليهما. وقد جعل اللّه لها نصف ما جعل للأب فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ ثلثيه وهو قول عمر وعثمان، وأصحّ الرّوايتين عن عليٍّ. وبه يقول ابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ، وهو قول الفقهاء السّبعة، والأئمّة الأربعة، وجمهور العلماء -رحمهم اللّه.
والقول الثّاني: أنّها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: {فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثّلث} فإنّ الآية أعمّ من أن يكون معها زوجٌ أو زوجةٌ أو لا. وهو قول ابن عبّاسٍ. وروي عن عليٍّ، ومعاذ بن جبلٍ، نحوه. وبه يقول شريحٌ وداود بن عليٍّ الظّاهريّ واختاره الإمام أبو الحسين محمّد بن عبد اللّه بن اللّبّان البصريّ في كتابه "الإيجاز في علم الفرائض".
وهذا فيه نظرٌ، بل هو ضعيفٌ؛ لأنّ ظاهر الآية إنّما هو ما إذا استبدّ بجميع التّركة، فأمّا في هذه المسألة فيأخذ الزّوج أو الزّوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنّه جميع التّركة، فتأخذ ثلثه، كما تقدّم.
والقول الثّالث: أنّها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزّوجة، فإنّها تأخذ الرّبع وهو ثلاثةٌ من اثني عشر، وتأخذ الأمّ الثّلث وهو أربعةٌ، فيبقى خمسةٌ للأب. وأمّا في مسألة الزّوج فتأخذ ثلث الباقي؛ لئلّا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستّةٍ: للزّوج النّصف ثلاثةٌ وللأمّ ثلث ما بقي وهو سهمٌ، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمّد بن سيرين، رحمه اللّه، وهو مركّبٌ من القولين الأوّلين، موافقٌ كلّا منهما في صورةٍ وهو ضعيفٌ أيضًا. والصّحيح الأوّل، واللّه أعلم.
والحال الثّالث من أحوال الأبوين: وهو اجتماعهما مع الإخوة، وسواءٌ كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأمّ، فإنّهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنّهم مع ذلك يحجبون الأمّ عن الثّلث إلى السّدس، فيفرض لها مع وجودهم السّدس، فإن لم يكن وارثٌ سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي.
وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقيّ من طريق شعبة مولى ابن عبّاسٍ، عن ابن عبّاسٍ« أنّه دخل على عثمان فقال: إنّ الأخوين لا يردان الأمّ عن الثّلث، قال اللّه تعالى: {فإن كان له إخوةٌ} فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوةٌ. فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به النّاس».
وفي صحّة هذا الأثر نظرٌ، فإنّ شعبة هذا تكلّم فيه مالك بن أنسٍ، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عبّاسٍ لذهب إليه أصحابه الأخصّاء به، والمنقول عنهم خلافه.
وقد روى عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن خارجة بن زيدٍ، عن أبيه أنّه قال: «الأخوان تسمّى إخوةٌ
» وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدةٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدّثنا يزيد بن زريعٍ عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: {فإن كان له إخوةٌ فلأمّه السّدس}« أضرّوا بالأمّ ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثّلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنّهم إنّما حجبوا أمّهم من الثّلث أنّ أباهم يلي إنكاحهم ونفقته عليهم دون أمّهم».
وهذا كلامٌ حسنٌ. لكن روي عن ابن عبّاسٍ بإسنادٍ صحيحٍ أنّه كان يرى أنّ السّدس الّذي حجبوه عن أمّهم يكون لهم، وهذا قولٌ شاذٌّ، رواه ابن جريرٍ في تفسيره فقال: حدّثنا الحسن بن يحيى، حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوسٍ، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قال: «السّدس الّذي حجبته الإخوة لأمٍّ لهم، إنّما حجبوا أمّهم عنه ليكون لهم دون أبيهم».
ثمّ قال ابن جريرٍ: وهذا قولٌ مخالفٌ لجميع الأمّة، وقد حدّثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمّدٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «الكلالة من لا ولد له ولا والد».
وقوله: {من بعد وصيّةٍ يوصي بها أو دينٍ} أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أنّ الدّين مقدّمٌ على الوصيّة، وذلك عند إمعان النّظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى الإمام أحمد والتّرمذيّ وابن ماجه وأصحاب التّفاسير، من حديث أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد اللّه الأعور، عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه قال:« إنّكم تقرءون {من بعد وصيّةٍ يوصي بها أو دينٍ} وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بالدّين قبل الوصيّة، وإنّ أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات، يرث الرّجل أخاه لأبيه وأمّه دون أخيه لأبيه». ثمّ قال التّرمذيّ: لا نعرفه إلّا من حديث الحارث الأعور، وقد تكلّم فيه بعض أهل العلم.
قلت: لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب فاللّه أعلم.
وقوله: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعًا} أي: إنّما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكلّ في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهليّة، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصيّة، كما تقدّم عن ابن عبّاسٍ، إنّما نسخ اللّه ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأنّ الإنسان قد يأتيه النّفع الدّنيويّ -أو الأخرويّ أو هما -من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس؛ فلهذا قال: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعًا} أي: كأنّ النّفع متوقّعٌ ومرجوٌّ من هذا، كما هو متوقّعٌ ومرجوٌّ من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، واللّه أعلم.
وقوله: {فريضةً من اللّه} أي: من هذا الّذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعضٍ -هو فرضٌ من اللّه حكم به وقضاه، واللّه عليمٌ حكيمٌ الّذي يضع الأشياء في محالّها، ويعطي كلًّا ما يستحقّه بحسبه؛ ولهذا قال: {إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/223-229]




* للاستزادة ينظر: هنا


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تفسير, سورة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:00 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir